الأربعاء، 20 مايو، 2009

مسافة لهفة


مسافة لهفة



مسافة تنثال كشال حريري على حين غبطة تسلسل تعلقنا بشخص أو مكان أو هواية .. كائنا ما كان .. فتلتئم أنفسنا في لقاء وديّ مع مدن الحنين .. حنين للذكريات الباذخة التي ضمتنا مع أشخاص عبروا على مسافاتها عبورا نقيا ثم اختفوا مع الزمن لظروف الكون .. حنين لأماكن كنا ننتعلها بأقدامنا فيما مضى .. حنين لهواية كنا نمارسها بفتنة وانقطعنا عنها بلا مبرر .. حنين لأفعال تداولت بيننا كمتعة في زمن غابر ..

أحيانا تستحيل ذواتنا إلى إحياء مواقف تعيسة في حيز من ذاكرتنا ؛ فقط لكونها تحمل بصمات أشخاص فارقناهم رغما عنا إما بفجيعة موت وإما برحيل رضخه القدر لنا لسبب أو لآخر .. فبغضنا رغما عنا ذلك الفراق من العيار الثقيل وربما تغامت أعيننا لشهور وتوحل ألمنا لشهور أخرى .. لكن الأيام كفيلة بتجديد دمعة العين وحين نرتدي حزنا جديدا نلقي معطف الحزن القديم عن أكتافنا الذي سيبدو لنا حينئذ مهترئا .. باهتا .. شعور مكلل بالغرابة ؛ لكنه كائن ما بقيت الإنسانية ..

والإنسان الذي لم تصافح خده صفعة الفراق ؛ فهو شخص لم يألف الحياة في وجهها الحقيقي بعد .. فالحياة لها عدة وجوه .. ومن أفظع وجوه الحياة ما تلامح على " الفراق " عقرب يلسعنا ربما مرة واحدة وربما مرات ومرات وكلما لسعنا فراق جديد فتر مع عبوره لسعة الفراق العتيق ..

وفراق الأشخاص يتفاوت بحجم محبتنا لهم في قلوبنا .. نبكي على بعضهم أبد الدهر وبعضهم لا يتعدى مسافة الحزن لهم سوى بضع كيلو مترات وبعدها نقف على فجيعة أنهم كانوا عابرين ليس إلا في أجوائنا الخاصة .. لكنها فجيعة تسلو عنا ما نمر به وتمسح الوجع وتخففه ..

والأماكن كذلك لها لحظات من الحنين .. بعض الأماكن تتأصل بحميمية مع ذاكرة أحاسيسنا تبقى حارة كرائحة فحم طازج الشرارة .. تتراقص كأرجوحة الطفولة في بندول عقولنا .. أماكن نحيا معها وبها تحيا على حين فجأة ذاكرة كانت منسية وبكبسة زر اكتسبت كافة تفاصيلها وأدقها روعة في تاريخنا .. وتشهد لهفتنا كم أننا مشتاقون إليها ..

من الجميل أن نقص بعض مقاطع اللهفة التي تتصافى مع مسافة ذكرياتنا نحو ما نتعلق بحب سواء تناثر في أشخاص أو أماكن والأروع أن نشجب صفحة بيضاء على ذاكرة ما في حيز من دماغنا نجدد تفاصيلها بحبور .. نضيف إليها تفاصيل أخرى كنا نحب أن تكون ولم تكن لفعل الزمن .. دون أن نغرس شعورا بالانتهاء على كل ما يصادفنا في الحياة فلطالما تكررت مواقف على أعناق صدف كثيرة لم نتوقعها مطلقا ، ففعل القدر فينا دائما مدهش وأروع أفعاله فينا حين يدهشنا على انشغال منا بشيء جميل مرّ قديما مرورا عابرا فأضحى عبورا دائما في نوتة العمر القصير .. وحده الشوق يبعث فينا ذاك الإحساس الباذخ .. وحده المتكئ على أمل متغضن باللهفة ..


ثمة مسافة متواطئة بيننا
تزرع في ذاتي حلما
وفي قلبي أملا
وفي عقلي فرصة دخول مدن اللهفة
مسافة تأرجحني
تحييني
تبنيني
مسافة تجعلني أدرك كم أنني أشتاق إليكم ..

هناك 5 تعليقات:

  1. أحياناً يكون الفراق من طرف واحد
    نراهم ونشعر بوجودهم في مكان ما حولنا
    لكنهم فارقونا بملئ إرادتهم رغماً عنا

    ماذا نفعل حينها؟

    ردحذف
  2. أحيانا، يكون الفراق نعمة، ان لم تعتبري وصفي لها "عِبادةً" مبالغاً فيـه ..

    ردحذف
  3. العزيزة " glomhilda " ،

    هذا فراق من عيار ثقيل ، بكل بساطة من الممكن أن يضم الذي فارق من غير إرادته كل الذكرات الجميلة التي كانت تربطه بالشخص الآخر ، وليشحنها باستمرار بمشاعر خلاقة شيئا فشيئا حتى لا تكون ثمة حساسية على مستوى البغض بينهما ..

    ومع الأيام سيظهر أشخاص جديدين ربما نفارقهم وربما يكونون دائمي الاقامة في قلوبنا ..

    :) من يدري ؟

    دمت بود دائم ولا أراك الله فراقا أبدا ..

    ليلى

    ردحذف
  4. العزيزة " فريال "

    قد يكون الفراق حقا " عبادة " ،

    خصوصا حين تتلاءم أدمغتنا بالتفكير بمن وبما فارقناهم باستمرار ..

    فليكن إذن شعلة دفع نحو الانجاز على المستوى الشخصي وليس العكس ..

    دومي بود كبير ..

    ليلى

    ردحذف
  5. اول ما ضجّ به عقلي بعد إتمام الموضوع " لاشيء يبقى للابد !" الذين تسربوا فينا حد الثمل تبقى اصواتهم صورهم وحتى رائحتهم راية على جبين الذاكرة لاتعرف الغياب .
    جميلة والله ياليلي .. أجدت التعبير عن الصور الشعورية التي تختلج بها قلبونا حين يسكنها الفراق .. دعواتي ان يحفكِ الفرحِ حيثما وليتِ قلبك

    ردحذف