الاثنين، 29 ديسمبر، 2014

هروب إلى الموت ..!

هروب إلى الموت ..!

يقول الروائي السوداني " حمور زيادة " في إحدى فصول روايته " شوق الدرويش " : " لا أفهم من يخافون الموت .. هل يكره الإنسان الخلاص ؟ " ..
هذه العبارة أنعشت ذاكرتي الممتلئة تقريبا بالقصص عن حكاية عتيقة من مدينة الحكايات والأساطير بغداد ، قصة عنوانها كما قرأتها في مكان ما في إحدى الكتب " الخادم والتاجر الثري " والقصة تقول : كان يا مكان في مدينة بغداد ، خادم يعمل في خدمة تاجر غني ، وفي أحد الأيام توجه الخادم منذ الصباح الباكر إلى السوق لشراء لوازم البيت ، ولكن ذلك الصباح أومأ إليه شيء وحينها رجع الخادم مذعورا إلى بيت التاجر وقال له : سيدي ، أعطني حصانا في البيت ، أريد أن أبتعد عن بغداد هذه الليلة ، أريد الذهاب إلى مدينة أصفهان البعيدة .. فسأله سيده متعجبا من حاله : ولماذا تريد الهرب ..؟
فكان جواب الخادم أكثر عجبا حين قال : لأني رأيت الموت في السوق وأومأ لي متوعدا ..!
أشفق التاجر عليه وأعطاه الحصان ، فانطلق الخادم آملا في الوصول إلى أصفهان في الليل ، وفي المساء خرج التاجر نفسه إلى السوق ، ورأى الموت هو أيضا ، فقال له وهو يدنو منه : أيها الموت .. لماذا أومأت إلى خادمي متوعدا ..؟
فرد عليه الموت : أتقول إني أومأت له متوعدا ..؟ لا ، لم تكن إيماءة توّعد ، وإنما إيماءة استغراب ودهشة ، فقد فوجئت برؤيته هنا ، بعيدا عن أصفهان ؛ لأنه يتوجب علي قبض روح خادمك هذه الليلة في أصفهان ..!
لعلنا في زمن صار فيه الهروب من الموت لا مبرر له ، صار فيه الموت خلاصا أبديا من رحلة عذاب مكثفة تبدأ برصاصة ولكنها لا تنتهي بالموت لتحقق لحظة الخلاص الأبدية بل يترقب هاربها تشرد لا نهاية له ، يكفي أن نسأل طفلا فلسطينيا بينما الصواريخ الإسرائيلية تدك أرضه ووطنه وأهله عن الموت .. يكفي أن نحدق في وجه طفل سوري وهو متشرد في مخيمات الصقيع والغربة والجوع عن معنى الموت .. يكفي أن نقرأ عن أوضاع طفل باكستاني أو صومالي أو يمني أو عراقي أو أفغاني كي نعرف ما هو الموت ..؟
ما هو الموت حين تكون حيا بكامل احساساتك البشرية التي وهبها الله تعالى لك في وسط حرب مدمرة بينما الرصاصات والقنابل والصواريخ والرشاشات والدبابات العالم كلها و جلها متحالفة لتسحق وجودك عن وجه الكرة الأرضية ..؟
ويكفي أن نلتقي بكائن حي يترقب موته فهو قادم لا محالة ، قادم صوبه بشروره ليمسح وجوده الإنساني ولا فرار له فهو في لحظة إدراك كافية ليدرك موته الحتمي ، ليدرك بأنه ميت سلفا بالنفي والهجران والتشرد واللامبالاة والجوع ومفارقة الأهل والأحباب بينما أرضه تحترق أمام عينه دون أن يستطيع أن يفعل شيئا أو أن ينتشلها من خرابها ، فقدره كقدر أرضه ضائع ومنفي ، وحده يعلم بأن موته خلاص .. خلاص كلي ومريح وآمن عن حياة ما عاد له مكان في صفقتها ، فلحظة الموت هي لحظة الحقيقة وفي الوقت نفسه لحظة خذلان مريرة لا مفر منها ، هؤلاء لا يهربون من الموت بل يهربون إلى الموت للحظة خلاص ..!
في نهاية رواية " شوق الدرويش " يدرك بطل الرواية الكاتب " حمور زيادة " بأن لحظة موته قد أزفت حينما يذهب بعيدا بتفسيره عن نفسه وعن العالم والآخرين ويعلم أنه الخلاص : " في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان كل شيء يعلم إنها لحظة الموت .. كتلك الرؤى الغيبية التي تجتاح الغريق وهو يلفظ مع النهر أنفاسه .. في لحظة الموت ، الحقيقة ، لا تعود هناك أي أوهام ، ولا تشوش عليك الأمنيات ، إنك ترى كل شيء كما هو .. لا كما تتمناه " ..

الجمعة، 19 ديسمبر، 2014

الكاتب العربي ما بين الوصاية والاضطهاد ..!

الكاتب العربي ما بين الوصاية والاضطهاد ..!


سبق وتناولت في مقالات سابقة علاقة الكاتب العربي والسلطة ، ولكن حين قرأت كتاب " غربة الكاتب العربي " للكاتب " حليم بركات " الذي خصص في فصل من فصوله موضوعا مهما عن علاقة الكاتب العربي والسلطة ، وجدت رغبة في نبش هذا الموضوع مرة أخرى وعرض آراء " حليم بركات " لا سيما في هذه الفترة بعد أن أثيرت الرقابة أزمة المنع في معرض الكويت الدولي للكتاب ؛ حيث فاجأني ما قرأته من وقت قريب من حساب منشورات الجمل في الفيس بوك أن الرقابة في الكويت منعت 49 عنوانا إضافيا من منشوراتها بعد المنع الأولي لأكثر من مئتي عنوان مما دعاها إلى مقاطعة معرض الكويت للكتاب ..!
في الوقت نفسه انشغلت صحف الكويت خلال الآونة الأخيرة بالروايات الكويتية التي تم منعها في معرض كتابها الدولي ، ومن أشهرها رواية " لا تقصص رؤياك " للكاتب " عبدالوهاب الحمادي " ، و " رائحة التانغو " للكاتبة " دلع المفتي " والرواية التي أثير منعها لغطا سابقا قبل معرض الكويت للكتاب " ذكريات ضالة " للكاتب " عبدالله البصيص " ، ومنعت معظم هذه الروايات من قبل الرقيب دون أسباب واضحة ..
أحيانا يكون المنع من قبل الرقابة لأسباب تستدعي الضحك وقمة السخرية الهزلية ؛ فقد سبق وتم منع كتابي " رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن " حين كان لا يزال مخطوطة بحجة أن هنري ميللر سمعته سيئة ،  " هنري ميللر " الذي شبع موتا منذ عام 1980 م أي قبل أن تولد كاتبته ..!
هذا المنع يضطرنا في اللجوء إلى دول أخرى أوسع أفقا ليقوموا بطباعة كتبنا ، ويجعلنا ندرك حجم الوصاية التي تفرضها الرقابة ، وحجم الاضطهاد الذي يمارس ضد الكاتب وفكره في بعض دول خليجنا وعالمنا العربي ..!
الكاتب " حليم بركات " في كتابه " غربة الكاتب العربي " أسهب حديثا عن الوصاية والرقابة والاضطهاد وعلاقة الكاتب والسلطة ، في هذا الطرح يرى الكاتب أن ثمة علاقات تمتد ما بين الكاتب والسلطة اختصرها في أربع علاقات ، و أولى تلك العلاقات هي " علاقة اللامبالاة " ، الثانية " علاقة الاضطهاد " ، الثالثة " علاقة الوصاية " أما الرابعة فهي " علاقة المشاركة " ..
" علاقة اللامبالاة " هي علاقة سبق ووصفها الكاتب " ميخائيل نعيمة " بعبارته : " إن عدم اهتمام الدولة بالأدب ليس " من سوء طالع الأدب " بل من حسن طالع الأدب أن يحيا بحيوية فيه لا في الدولة " .. بحيث تكون هناك فجوة في العلاقة ، وكل من الكاتب والسلطة يدير ظهره للآخر والسلطة عادة لا تتدخل في شؤون الكتاب ولا منع كتاباتهم ، وإن فعلت فإن ذلك ينجم عن تأثيرات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها ، يضرب مثالا عن دولة لبنان التي يتمتع الكتاب في ظلها بالحرية ما لا يتمتع فيه كتاب آخرين في دول عربية أخرى ، ويرجع أسباب ذلك إلى أن الكاتب اللبناني ينعم بالحرية ؛ لأنه غير مضطر إلى التعامل مع الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية ، فإنه بدأ في الوقت ذاته يشكو عدم قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية وعجزه عن الاسهام في تغيير المجتمع ، ولذا قلة من الكتاب يقف موقف الناقد الذي يكشف ضعف الدولة وتناقضاتها وقلة القلة تقف موقف الثائر الذي يريد يغير النظام اللبناني تغييرا أساسيا ، بل إن فكرة التغيير في حد ذاتها للنظام اللبناني تبدو فكرة مخيفة وهدامة لعدد كبير من المثقفين اللبنانيين ..
أما " علاقة الاضطهاد " فهي علاقة تصادم ما بين الكاتب والسلطة ، ولهذا الاضطهاد أشكال ووسائل يتمثل في السجن والنفي ومراقبة الكتب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعارض مع أفكار الدولة وهي أكثر العلاقات انتشارا في معظم الدول العربية ، ويرى " بركات " أن الاضطهاد هو ذاك النوع العنيف المباشر ويمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية ، والدول الرجعية التي تمارس الاضطهاد المباشر هي دول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية ، فالدول الرجعية لم تتمكن من كسب مفكريها بل وجدت نفسها تلجأ إلى العنف خوفا على نفسها وحفاظا على مصالحها ومصالح المؤسسات والفئات والطبقات المتحالفة معها ، لذا وجد المفكرون المتحررون أنفسهم في معركة غير متعادلة القوى مع الدولة والدين والعائلة والطبقات الاقتصادية المسيطرة على وسائل الإعلام المختلفة ، وعلى الرغم من الضغوط التي يعانيها الكاتب في الدولة الرجعية إلا أن الأدب في حالة ازدهار ؛ لذلك بلغ أدب العراق في مرحلة الاضطهاد من تاريخها السابق درجة فنية رفيعة ، وهذا الزخم أخرج شعراء بارعين على رأسهم " بدر شاكر السياب " و " عبدالوهاب البياتي " و " بلند الحيدري " وهذا إشارة واضحة إلى أن ممارسة الاضطهاد على الكاتب وفكره لا يقتل الأدب ولا يقضي عليه بل عامل مهم في نموّه ..
والعلاقة الثالثة هي " علاقة الوصاية " فإذا كانت الدول الرجعية تمارس الاضطهاد فإن الدول التقدمية تمارس ما يسمى بالوصاية كما يذهب " بركات " ، وفي هذه الدول التي تفرض الوصاية على كتابها تؤسس لهم الاتحادات والنوادي والمجلات ، وتمنحهم مخصصات وجوائز ، وتوظفهم في مناصب مهمة ، وتسبغ عليهم نعمها ، مقابل ذلك يضع الكتاب الذين يقبلون بالوصاية أنفسهم وأدبهم تحت تصرف الدولة ..
أما الذين يرفضون وصاية الدولة فإن البعض منهم اختار النفي إلى الخارج والبعض اختار العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنهم ، وهناك من اختار الصمت والموت البطيء ، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة ورقابتها ووصايتها سرا ، فكان مصير البعض منهم الاضطهاد وأصبحوا من الفئات المغضوب عليهم ، وفي ختام هذه العلاقة ما بين الكاتب والسلطة يشير " بركات " إلى أن الوصاية أكثر خطرا على الكتابة من الاضطهاد ، وقد طرح أسبابا عديدة ليثبت خطورتها منها أن الكتّاب الذين يقبلون بوصاية الدولة يتصفون بالازدواجية في التعبير عن آرائهم ، ومن ضمن الأسباب أيضا أن الدولة التي تمارس الوصاية لا يتمكن كتابها من إنشاء اتحادات أدبية من تحت فهي تنشأ من فوق ، ويعين المسؤولون عنها بطريقة رسمية ، وليس اختيارا من قبل الكتاب أنفسهم إلا شكليا ، وكثيرا ما يكون هؤلاء المسؤولون دخلاء على الكتابة أو كتّابا من الدرجة الثانية أو الثالثة وغيرها من الأسباب ..!
أما العلاقة الرابعة فهي " علاقة المشاركة " ففي ظل هذه العلاقة قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي ، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد ، مناخ حر دائم يساعد على قيام حوار حر بين السلطة والكاتب ، والدولة هنا ليست لا مبالية بل ترى أن من مهماتها الأساسية توفير بيئة ثقافية ونشر العلم وتوفير الجامعات ومؤسسات البحث وتسهيل تبادل ثقافي مع المجتمعات الأخرى ، بينما الكاتب يكون ملتزم مع قواعده الداخلية فيحكم من خلالها على الأمور ما بين التعاون مع الدولة أو الثورة عليها ، فعملية النقد التي يمارسها الكاتب مع الدولة هنا تعد نوعا من التعاون إذ يساعد على كشف التناقضات والدوافع التي تعوق نهضة المجتمع ، فيسعى إلى إعلان الحقائق وكشفها بموضوعية فدوره يكمن في كشف الحقائق وإعلانها ..
وفي رأي الكاتب " بركات " إن هذه العلاقة غير متوافرة في أي بلد عربي ، فالمقصود بعلاقة المشاركة ليس ذلك التعاون المؤقت في الفترات العصيبة حين تواجه الدولة تهديدا خارجيا بل ينبغي أن تكون علاقة المشاركة قائمة في معظم الظروف مهما بدت العقبات ..
وفي ختام عرض تلك العلاقات ما بين الكاتب والسلطة يجعلني شخصّيا أتساءل : ترى ماذا نقول عن دول في هذا الزمن الرقمي حين تمارس كامل اضطهادها تجاه أحد مواطنيها لكونه عبر عن رأيه الشخصي في قضية من قضايا الوطن الذي هو فرد من أفراد أرضها في تغريدة من 140 حرفا فقط ، هذه التغريدة القصيرة طالما كلفت كتّابا وغير كتّاب أيضا حريتهم وحياتهم ، فكيف يمكن أن نتوقع منها كأفراد أحرار أن تتوقف عن منع كتاب أو فرض وصايتها على الكتّاب ، الحرية التي كلما تطور المجتمع كلما سعوا إلى قصقصة جناحيها نتفة نتفة ..؟!
ليلى البلوشي

الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2014

بائع للكتب في زمن الحرب ..!

بائع للكتب في زمن الحرب ..!

جريدة الرؤية العمانية

يقول " إنريكو دي لوكا " صاحب رواية " اليوم ما قبل السعادة " ترجمة " معاوية عبدالمجيد"  : " أعمق فراغ رأيته في حياتي هو فراغ جدار كان يسند مكتبة " .. في صفحات الرواية نفسها يقول متحسرا على لسان بطلها " دون رايموندو " بائع الكتب المستعملة : " يقضي أحدهم حياته كلها وهو يملئ رفوف مكتبته ، فيأتي ابنه ليرميها بعيدا في لحظة واحدة .. فأسأله : وماذا تضعون بدل الكتب على الرفوف الفارغة ؟ الجبن مثلا ؟ فيجيبني : المهم أن تخلصني منها " ..!
يحدث أن تخسر كتبك حين تغادر الحياة ويحدث أن تخسرها وأنت مازلت على قيد الحياة وتحدق إليها بمرارة حارقة وهي تغادرك ..!
 حين جرّت الحرب نفسها إلى بغداد لم تخسر العراق بشرا فحسب بل خسرت أيضا آلافا من الكتب والمخطوطات القيّمة خلفتها أرواح نادرة غادروا أرضها منذ آلاف السنين ، كم هي موجعة الحرب التي تقتل وتحرق وتدمر كل شيء حتى أنفاس الكتب ..!
اعتقد أن في وقتنا الحالي غدت الحرب المشتعلة في معظم الدول العربية هي التي تفتك بالكتب قبل أن تفتك بأصحابها ، كم من جدران احتضنت صامدة كتبا على مدار السنين وعلى يد قذيفة واحدة .. واحدة فحسب حطمت كل شيء بلحظة ..!
في فيلم " سارقة الكتب " The Book Thief .. في أثناء الحرب العالمية الثانية تجد الطفلة " ليزيل " ذات تسعة أعوام نفسها في حيّ تعتاد عليه وعلى أهلها الجدد ورفاقها ، هذه الطفلة يتكون في داخلها شغف عميق وغامض للكتب ، هذا الشغف في زمن الحرب النازية حيث يحرقون أكواما هائلة من الكتب في طقس همجي احتفالي يقوده الدكتور " غوبلز " وزير داعية " هتلر " أمام مرأى الناس البسطاء وهم ظاهريا يصفقون لحفلة موت الكتب ، أثمن الكتب الفكرية وأعمقها ، كتب خلدت تاريخا مضى بينما في قاعهم تكاد قلوبهم تقفز من الرعب والخوف والحسرة والمرارة على مصير كتب حملت ثقل تاريخ يتم مسحه ، إلغاؤه ، تدميره ، اقتلاعه من جذوره أمامهم وهم متفرجين ..!
في هذا الحي وفي خضم هذه الحرب وحدها الطفلة " ليزيل " تغامر بسرق كتاب من أكوام الكتب المحترقة ، تخبئه بحذر مشوب بهلع في جيب معطفها وهي التي لا تعرف قراءة حرف منه ، ليكون الأب البديل هو من يعرف بسرها الخطير وهو من يتفانى وبسرية تامة في تعليمها حروف القراءة والكتابة كي تقرأ العالم ، تقرأ كل ما ترغب في قراءته في زمن الحرب والدم والممنوعات ، في الزمن نفسه الذي يباح فيه ومع مراتب الشرف والأوسمة قتل إنسان و زهق روحه ..!
" ليزيل " التي تعتاد رغما عنها على سرقة الكتب من مكتبات تم بيعها ، وبمرور الوقت تتعلم القراءة وتبدأ في قراءة الكتب التي تسرقها إلى الأصدقاء والجيران أثناء الغارات الجوية ، ومن تلك اللحظة تنشأ بينها وبين الكتب علاقة حب قوية وبما تحكيه من حكايات تنفخ الأمان في الأرواح المرتعبة على شفير صافرات الموت .. القراءة والكتابة هنا نوع من أنواع الاحتجاج على النازيين و الظلم القابع على أرواح منهوكة تقاوم شراسة حياة فرضت عليها ..!
أما في الأوطان النائية عن ضربات المدافع والصواريخ ، ربما من الأفضل كي يحافظ الإنسان على مكتبته والكتب التي تحويها هو أن يحمّل شغف الاحتفاظ بها عند الآخرين " قريب " أو " صديق " أو " قارئ " مخلص ، يوصيه بمكتبته بعد مغادرة الحياة ، كما صان صديق الكاتب التركي " عزيز نيسين " مكتبته ومتحفه الكبير في إسطنبول ، كما فعل صاحب مكتبة شكسبير الشهيرة لــ" جورج ويتمان " التي زارها كتاب عظماء كـــ" أناييس نن " و" هنري ميللر"  وغيرهم وصُوّر فيها أكثر من مشهد سينمائي ، كفاح الأب مع كتبه على الرغم من كل الظروف لم تذهب سدى ؛ فقد كانت له ابنة تدعى " سيلفيا ويتمان " بثّ فيها شغف حب الكتب والحفاظ عليها ، وهي من تدير متجر كتب أبيها اليوم ، بعد أن غادر مخلفا روحه الوفية التي راكمت تلك الكتب عبر جدران مكتبته العريقة ..!
في مفتتح رواية " ظل الريح " للإسباني " كارلوس ثافون " حكى  : " قال بائع الكتب المستعملة لولده الصغير : " إن كل كتاب تراه هناك روح ، هي روح الشخص الذي كتبه وأرواح القراء الذين تداولوه وعاشوا معه وحلموا به " ..
تحية عميقة ، امتنان كبيرة بحجم هذا الكون الفسيح لكل صاحب مكتبة ، لكل بائع كتاب ، لكل كاتب وظّف مكتبته من بعده لقراء عابرين ، مجهولين ، تحية إلى قراء أخلصوا للكتب وأوصوا بها وتداولوها من زمن إلى زمن ، إلى كل هؤلاء .. هذا العالم الذي يتآكله الخراب يتعافى في كل مرة ، صامدا في وجه شروره بفضلكم .. بفضل كتاب بنى تاريخا من الفكر وقضى على تاريخ من الخوف والهلع البشري ...
ليلى البلوشي