الأربعاء، 30 سبتمبر، 2009

حتى نخاع الزمن


حتى نخاع الزمن



لا زلت أؤمن بنظرية الكاتب " آلان لايتمان " حين أشار في رواية " أحلام أينشتاين " بأن الزمن في هذا العالم يتمحور حول زمنين ، أما الأول فآلي وهو صلب ومعدني كبندول حديدي ضخم يتحرك جيئة وذهابا ، والثاني جسدي فيتقلب ويتعرج كسمكة في خليج ، الأول لا يلين بينما الثاني يتخذ قراره وهو يمضي ..


ذاك الزمن الذي نتخبط فيه باختلاف نوعيه ، إن لم تطاردنا عقاربه بلسعات سامة ؛ فإننا سنظل على الدوام مواظبين على تشجيب أعمالنا على عواتق التأجيل ، وبهذه الطريقة ستعم الفوضى إلى جانب الجمود الذي يترأس عرش اهتماماتنا البليدة بجدارة ..!
لهذا للزمن حضوره الدائم ، المهيب ، الكلي .. حضور حاد كالسيف .. وحين يعبر ، يعبر بجبروت طاووس دون أدنى التفات للوراء ..
ولكل زمن دفقة أداء مهمة .. مهما كانت تلك المهمة .. التي قد نحشوها في توهان أو عمل ، أو بحث ، أو انحياز أو انشغال أو عبث أو تأمل ..الخ .


تلك المضامين التي لا تسرمد عن أداء فروضها حسبما تستدعيه اهتماماتنا كبشر ، فلكل منا زمنه الخاص ، نمرره على قواعد النظام كممالك النمل والنحل وقد نلغي تلك الأنظمة فيحيا زمننا في بيات فصولي يدوزن كدورتها ، فهو يتمحور حول ثوان ودقائق وساعات تتلاقح فيما بينها باتصال ممتد ليشمل حجم أيامنا وشهورنا وسنواتنا ، وقد يستطيل إلى قرون إلى أن ينطفئ عن تاريخ هو سيرة مشوارنا في تداعيات الكون .. فالزمن هو السيد النهائي للإنسان والكون على حسب مارسيل بروست ..


ويتفاوت شمول أو ضيق قياسنا للزمن نزوحا إلى أعمالنا أو مجمل انشغالاتنا حيال عقاربها التي تسير في شموخ أبدي نحو الأمام دون أن تتأخر ولو لهيث ثانية ، ويبدو أن الروائي الفرنسي " مارك ليفي " استشف قيمة الزمن من أحقر ثوانيه وتفاوت تأثيره في الآخرين .. حيث يقول على لسان أحد أبطال رواية " ماذا لو كانت واقعية " : ( إذا أردت أن تعرف ماذا تعني انتظار عام من العمر اسأل الطالب الذي أنهى للتو امتحان نهاية السنة ، وإذا أردت أن تعرف معنى الشهر ، تكلم مع امرأة ولدت طفلا قبل أوانه وهي الآن تنتظر الساعة التي يمكنها ضمه إلى صدرها دون تعريضه للخطر ، وإذا أردت معرفة أهمية الأسبوع قابل عاملا في مصنع أو منجم يكد ويتعب من أجل إطعام أطفاله وزوجته ، وإذا أردت أن تعرف قيمة اليوم اسأل عاشقين مغرمين بجنون كيف يترقبان موعد لقائهما في اليوم التالي ، وإذا أردت معرفة قيمة الساعة فكر بالمصابين بمرض الخوف من العتمة ، إذا انقطع التيار الكهربائي ليلا ، وإذا أردت معرفة قيمة الثانية انظر إلى التعابير التي ترسم على وجه رجل خرج سالما من حادث مروع ، أما بالنسبة للجزء من الثانية فراقب أولئك الرياضيين الذين يتنافسون على نيل الميدالية الذهبية بالألعاب الاولمبية بفارق جزء من الثانية فكر بهذا الرياضي الذي يمضي حياته يتدرب ويتمرن كي يفوز على خصمه بفارق جزء من الثانية ..)


فلسفة " مارك ليفي " جمّلت لنا أهمية جزء من الثانية ، بينما ساعات الكثيرين تسيل على مدار أربعة وعشرين ساعة على فوضى الثرثرة والنوم والتلفاز وخياطة الإشاعات والحروب والفتن والانتكاسات والأحلام المجهضة ،..............الخ ، أكلموا أنتم حسبما اهتماماتكم الخاصة تستدعي ولا استثني زمني الخاص حتما .. !

* * *

" الوقت الذي نستمتع بإضاعته ليس وقتا ضائعا "

- براند راسل -

الاثنين، 28 سبتمبر، 2009

الرجل الذي لم يكن يبتسم



الرجل الذي لم يكن يبتسم ..
للكاتب الياباني " ياسوناري كاواباتا " *
ترجمة دانيال صالح


كانت السماء قتمت , بدت كسطح قطعة بورسلين رائعة , من سريري نظرت إلى الخارج متأملا نهر كامو حيث اصطبغت المياه بلون الصباح .منذ أسبوع يجري تصوير الفيلم حتى ما بعد منتصف الليل لأن الممثل الذي يلعب الدور الرئيسي كان عليه أن يظهر على خشبة المسرح بعد عشرة أيام , لم أكن سوى الكاتب , و بالتالي كل ما كان يتوجب علي القيام به حضور التصوير عرضا , غير أن شفتي تشققتا و خارت قواي فلم أعد أقوى على فتح عيني و أنا واقف قرب مصابيح الكربيد البيضاء الملتهبة .كنت في ذلك الصباح عدت إلى غرفتي في الفندق في وقت بدأت فيه النجوم تتوارى .


لكن زرقة السماء أنعشتني , أحسست و كأن حلم يقظة بديعا على وشك أن يتجسد .في بادئ الأمر تبادر إلى ذهني مشهد شارع شيجو , كنت تناولت الغداء في اليوم السابق في مطعم كيكو سوي و هو مطعم على الطراز الغربي قرب أوهاشي , تراءت لي الجبال , كان في وسعي مشاهدة اخضرار أشجار هيغاشياما عبر نافذة الطابق الثالث , كان هذا متوقعا بالنسبة إلي أنا القادم لتوي من طوكيو , فقد بدا الأمر مدهشا بنضارته , تذكرت قناعا شاهدته في واجهة متجر تحف , كان قناعا قديما يبتسم .ها هي .. - وجدت حلم يقظة جميل .همست مبتهجا و أنا أجذب صوبي بعض الأوراق البيضاء و أجمع حلم اليقظة في كلمات , أعدت كتابة المشهد الأخير من سيناريو الفيلم , عندما انتهيت أضفت رسالة إلى المخرج : (( سأجعل المشهد الأخير حلم يقظة , ستظهر أقنعة باسمة عذبة و تعم الشاشة , و بما أنه لا يمكنني حتى التفكير في إظهار بسمة مشعة في ختام هذه القصة السوداوية , في وسعي على الأقل تغليف الواقع في قناع جميل يبتسم )) .


أخذت المخطوط إلى الأستديو , لم يكن في المكتب سوى صحيفة الصباح , كانت عاملة الكافيتيريا تنظف النشارة أمام مستودع الديكورات و الملابس .(( هلا وضعت هذا قرب سرير المخرج إذا سمحت ؟ )) .يجري الفيلم في مصح عقلي , كان يؤلمني أن أشاهد حيوات المجانين البائسة الذين كنا نصورهم كل يوم .كنت قد بدأت أفكر في أنني أشعر بالتعاسة إن لم أضف بطريقة ما نهاية سعيدة لشخصيتي الكئيبة جدا .إذاً كنت مغتبطا لإيجادي فكرة الأقنعة , انتابني شعور سار عندما تصورت جميع المرضى في المصح العقلي يضعون أقنعة ضاحكة .


شع السطح الزجاجي للأستديو بنور أخضر , كان لون السماء أشرق مع طلوع النهار , عدت مرتاحا إلى مسكني و نمت نوما عميقا .الرجل الذي ذهب لشراء الأقنعة عاد إلى الأستديو حوالي الحادية عشرة تلك الليلة .(( منذ الصباح و أنا أهرع إلى جميع متاجر الألعاب في كيوتو , لكنني لم أجد أقنعة جيدة في أي مكان . ))(( دعني أرى ما لديك )) خاب ظني عندما فتحت الرزمة .... (( هذا ؟ ... حسنا )) (( أعرف , ليست مناسبة , ظننت أنني سأجد أقنعة أينما كان , أنا واثق من أنني شاهدتها في كل أنواع المتاجر , لكن هذا ما تمكنت من جمعه طوال النهار )).

(( ما تصورته أشبه بقناع نو , إن لم يكن القناع بجد عملا فنيا فسوف يبدو بكل بساطة مثيرا للسخرية على الشاشة )) .شعرت أنني سأبكي عندما أمسكت في يدي قناع المهرج الورقي المعد للأولاد .(( أولا سوف يبدو اللون و كأنه أسود باهت عند التصوير , ثم إن لم تكن الأقتعة تبتسم ابتسامة أعذب و تشع برونق مائل إلى البياض ف...... ))خرج اللسان الأحمر من الوجه الأسمر .

(( إنهم يحاولون الآن صبغه بالأبيض في المكتب )) .كان التصوير توقف بصورة مؤقتة , فخرج المخرج بدوره من ديكور المصح العقلي , حدق في الجميع و أخذ يضحك , لم يكن من سبيل لجمع كمية كافية من الأقنعة , كان عليهم أن يصوروا المشهد الأخير في اليوم التالي , و إن لم يكن من الممكن إيجاد أقنعة قديمة فعلى الأقل إيجاد أقنعة من السيلوليد .(( إن لم تكن هناك أقنعة فنية , فيجدر بنا الاستسلام )) قال الرجل من فريق السيناريو , ربما تعاطفا مع خيبتي (( هل نخرج لإلقاء نظرة أخيرة ؟ لم تتجاوز الساعة الحادية عشرة , و سوف يكون الجميع مستيقظا على الأرجح في كيغوكو )).

(( هلا فعلتم ))أسرعنا إلى السيارة بمحاذاة ضفة نهر كامو , ترقرقت على سطح الماء الأضواء المتلألئة على شبابيك المستشفى الجامعي على الضفة المقابلة , لم يكن في وسعي تصور كل المرضى الذين يعانون في مستشفى , وهذه النوافذ تلتمع بديعة , تساءلت عما إذا كان في وسعنا بالأحرى تصوير الأضواء عند نوافذ المستشفى , إن تعذر إيجاد أقنعة مناسبة .جلنا على متاجر الألعاب في شينكيوغوغكو الآخذة بالإقفال , علمنا أن الأمر بدون أمل , اشترينا عشرين قناعا ورقيا على شكل سلحفاة , كانت ظريفة , لكن كان يصعب وصفها بأنها فنية , شارع شيجو كان استسلم للنوم .(( انتظروا لحظة )) انعطف مراقب السيناريو في ممر .

(( ثمة متاجر عدة هنا تبيع تجهيزات مذابح بوذية قديمة , أظن أن لديها كذلك تجهيزات خاصة بمسرح النو )).لكن أحدا لم يكن مستيقظا في الشارع , اختلست النظر من الباب إلى داخل المتاجر .(( سأعود غدا صباحا حوالي السابعة , في كل الأحوال سأظل مستيقظا طوال الليل )) (( سآتي أيضا أرجوك أن توقظني )) قلت , لكنه في اليوم التالي ذهب وحده , عندما استيقظت كانوا قد باشروا تصوير الأقنعة , عثروا على خمسة أقنعة استخدمت في عروض موسيقية قديمة , كانت فكرتي تقضي باستخدام عشرين أو ثلاثين قناعا من الطراز ذاته , لكن الاحساس الذي يمكن أن يجتاحنا و نحن نطفو في عذوبة ابتسامات تلك الأقنعة الخمسة أثر في و شعرت بالارتياح , و شعرت بأنني أديت واجبي تجاه المجانين .

(( استأجرتها لأن ثمن شرائها باهظ جدا , و إن اتسخت فلن يكون من الممكن ردها , لذا انتبهوا ))بعد أن تكلم ملاحظ السيناريو , هم جميع الممثلين بغسل أيديهم و تناولوا الأقنعة برؤوس أصابعهم محدقين فيها كأنهم يتأملون كنزا .(( إن غسلت , يتقشر الطلاء , أليس كذلك ؟ ))(( حسنا إذاً سأشتريها )) الواقع أنني رغبت فيها , راودني حلم يقظة و كأنني أترقب المستقبل عندما يعم الانسجام العالم و يرتدي جميع الناس الوجه الرقيق ذاته كتلك الأقنعة .ما أن عدت إلى منزلي في طوكيو حتى توجهت مباشرة إلى غرفة زوجتي في المستشفى .أخذ الأولاد يضحكون فرحين و هم يضعون الأقنعة الواحد تلو الآخر , انتابني شعور غامض بالارتياح .

(( أبي ضع أنت واحدا ))(( لا ))(( أرجوك ضع أنت واحدا )) (( لا ))(( ضع واحدا ))نهض ابني الثاني و حاول أن يدفع القناع إلى وجهي .(( كفى )) صرخت .أنقذتني زوجتي في تلك اللحظة المربكة (( أعطني سأضع أنا واحدا )) .شحب وجهي وسط ضحك الأطفال . (( ماذا تفعلين ؟ إنك مريضة )) .كان أمرا فظيعا مشاهدة ذلك القناع في سرير مرضها , عندما انتزعت زوجتي القناع أخذت تتنفس بصعوبة , لكن ليس هذا ما روعني , فلحظة أزاحت زوجتي القناع , بدا وجهها بطريقة ما بشعاً , تصبب جلدي بالعرق و أنا أحدق في وجهها المتعب , صعقني اكتشاف وجه زوجتي للمرة الأولى , كانت لثلاث دقائق أسيرة القناع البديع الرقيق الباسم , و صار في وسعي الآن إدراك بشاعة ملامحها هي , بالأحرى لا , لم تكن هذه بشاعة , بل سيماء الأسى لشخص حطمته البلية , بعد أن اختبأ خلف القناع الفاتن , كشف وجهها ظل الحياة البائسة هذا .

(( أبي ضعه أنت )) (( إنه الآن دور أبي )) ألح علي الأولاد من جديد .(( لا )) قاومتهم , إن وضعت القناع ثم انتزعته من جديد , فسوف أبدو كشيطان بشع في نظر زوجتي , كنت أخشى جمال القناع , و ذلك الخوف أثار في شكوكا بأن وجه زوجتي الرقيق الدائم الابتسامة قد يكون بدوره قناعا , أو بأن ابتسامة زوجتي قد تكون خدعة , تماما كالقناع .القناع غير مجد , الفن غير مجد .كتبت برقية لإرسالها إلى الأستديو في كيوتو .(( احذفوا مشهد القناع )) .

ثم مزقت البرقية إلى قطع صغيرة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* " ياسوناري كواباتا " ( 14 يونيو 1899 / 16 ابريل 1972 ) :

روائي ياباني أهله إبداعه النثري المكتوب بلغة شعرية راقية وغامضة للحصول على جائزة نوبل للآداب 1968 م ؛ ليصبح بذلك أول أديب ياباني يحصل على الجائزة العالمية. ولا تزال أعماله مقروءة إلى اليوم.
وُلد كواباتا في أوساكا ، فقد والديه عندما كان في الثانية من عمره ليقوم جداه بتربيته بعد ذلك ، ماتت جدته وعهد الجد بتربيته حتى توفي بينما كواباتا في الخامسة عشرة من عمره فانتقل بعدها للعيش مع آل كورودا ..
مارس الكتابة الأدبية وعمل مراسلا صحفيا لصحيفة ماينيتشي شيمبون من أوساكا وطوكيو ، ولم يشارك في التبعية الحربية في الحرب العالمية الثانية مع ذلك فإنه يتأثر بشيء بالإصلاحات السياسية اللاحقة ومع موت أفراد أسرته في سن مبكرة أثرت فيه الحرب بشكل كبير وبعد انتهاء الحرب فإنه لم يستطع أن يكتب إلا مرائي ..

انتحر كواباتا في عام 1972م بخنق نفسه بالغاز ، وقد قيل عن سبب انتحاره قصة حب رفضها المجتمع ، بينما آخرون نزجوا السبب إلى انتحار تلميذه وصديقه " يوكيو ميشيما " والذي انتحر على طريقة الساموراي ..
من أبرز مؤلفاته : راقصة إيزو ، بلد الثلج ، منزل الجميلات النائمات ، قصص بحجم كف اليد ، سيد الغو وغيرها ..


الجمعة، 25 سبتمبر، 2009

حكايتها مع نيتشه كحكاية المجنون مع نظيره




حكايتها مع نيتشه كحكاية المجنون مع نظيره


القاصة ليلى البلوشي لـ(أشرعة):


لم يكن هدفي أن أرقص مع الجرأة للشهرة السريعة
ليس ذنبي إن كانت شخصيات قصصي شريرة أو قاسية أو حتى سفاحة
المكان هو الوفاء والزمن هو من يختبر فينا ذاك الوفاء


حوار: حسن المطروشي


تكتب بشغف وجرأة وشفافية متناهية .. ترصد حراك الحياة وتجليات الوجوه .. ترسم ملامح الأشياء بريشة الفنان المبدع .. تقتنص اللحظات الأكثر إيغالا ودهشة، وتقتحم العوالم الأكثر نأيا وسكونا، لتبتكر منها عالمها الإبداعي الخاص، الذي تنقش من خلالها قصصها التي تشبهها إلى حد التماهي.إنها القاصة ليلى البلوشي .. قاصة عمانية تعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكنها تصر على الحضور في المشهد الشقافي العاماني من خلال المشاركة في الملتقيات والفعاليات الثقافية المحلية.صدرت لها هذا العام مجموعة قصصية تحمل عنوان (صمت كالعبث) كما سبق وأن صدرت لها دراسة عن أدب الطفل في الإمارات العربية المتحدة.(أشرعة) التقت القاصة ليلى البلوشي التي تحدثت عن هموم الكتابة وأسئلة الإبداع وإشكاليات القول السردي، إلى جانب الكثير من القضايا والهموم الثقافية والفكرية التي دار حولها الحوار...ما لا يراه القارئ


* صدرت لك مؤخرا مجموعتك القصصية الأولى (صمت كالعبث) .. وددنا أن تحدثينا عن هذه التجربة، والمضامين التي طرحتها المجموعة؟


** كيف كانت تجربتي ..؟ لا أدري .. على حين فجأة وجدت قلمي يحتضن ورقة بيضاء قائلا لها: هيا لنعبث معا بصمت .. فكان صمت كالعبث .. الصمت والعبث .. العبث والصمت .. توأمان أنجبتهما المجموعة .. وللصمت لغة ومفردات ونزيف خاص .. أما العبث فهو الأرجوحة التي قد نحركها نحن بأيدينا أو تحركها الرياح عوضا عنا حينا أماما وحينا خلفا .. انطلقت من العنوان؛ لأنني بكل بساطة لا أجيد السباحة في بحر المضامين، فقد أرى بعيني ما لا يراه القارئ، وقد ألمس بيدي تفاصيل لا يجسها القارئ، وقد أشم بأنفي روائح لا يشمها القارئ .. لذا أحب دائما أن أترك لقارئي مطلق الحرية في تناول مضاميني .. أما لفظة ( القصصية ) فاسمح لي أن أضعها بين علامتي تنصيص؛ فقد يرنو البعض أنها قصص ربما مكتملة و ربما ناقصة، وقد يجنح آخرين إلى أنها قصص أقرب إلى المقال أو ربما خواطر سردية .. ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع حقا ..


* المتأمل لقصصك لن يخطئ في ملاحظة أولية تتمثل في الجرأة التي تتميز بها في الطرح، والقضايا التي تتناولينها .. هل هي ضرورة إبداعية، أم مسايرة لموجة الكاتبات الخليجيات اللاتي انتهجن حديثا هذا الأسلوب لأغراض الشهرة السريعة؟


** أنتمي لخارطة الخليج العربي أجل، لكن ليس من الضروري أن تتجنس قصصي جغرافيتي، وقد رأى البعض أنها مفعمة بجو عربي أكثر مما هي خليجي، والقاص حين يكتب نصه سواء كان يطرح مشكلا خليجيا أو هما عربيا يضع (إنسانا) ما أمامه يعري أفراحه، أتراحه، ذكائه، غباءه، عقله، جنونه .. في خيط سردي تُفصِّله الشخصية وهلم جرا .. أما عن الجرأة .. فلم يكن هدفي مطلقا حين رافقت القصة القصيرة كفن أدبي أن أرقص مع الجرأة مطية لشهرة سريعة أشبه ما تكون بالوجبات السريعة الملطخة بما هب ودب فتملأنا تخمة حد التقيؤ أحيانا .. وقد وجه أحد المفكرين سؤالا إلى المحطات الفضائية قال فيه: (كيف تسمحون لراقصة أو فنانة بعرض مفاتنها على شاشاتكم ولا تسمحون لأديب أو مفكر أن يعرض أفكاره ..؟!) فكان الجواب: (أن يعرى الجسد لا يعترض عليه كثيرون، أما الحقيقة العارية فلا أحد يقبلها) ..! ولا يستطيع الكاتب أن يسير دائما على حبل الجرأة إلا ما يستحق المجازفة؛ وإلا كان عرضة للسقوط، ولتحطمت عظامه قطعة قطعة؛ إن لم يوازن خطواته ..


* تتقاطع أفكار المبدع مع قناعات المجتمع السائدة والمتوارثة .. كيف تواجهين ردود الأفعال تجاه هذه الجرأة التي تعرين من خلالها هذه القيم المهترئة؟


** أرى أن هذا السؤال مكملا لأعلاه، وجوابي كذلك سيكون بمثابة تأكيد له .. سأورد موقفا مررت به مذ فترة قريبة من أحد القراء وكان فلسطيني الجنسية، حين قابلني هذا القارئ وجه لي عبارة واضحة جدا وقوية قائلا: (أنت عنصرية) ..! متبعا اتهامه أن إحدى قصص المجموعة المعنونة بـ ( جواري تحت الجلد ) قاسية جدا، وأن أهل فلسطين يحبون ويقدرون زوجاتهم كثيرا.حاولت أنا المسكينة التي طالني هذا الاتهام أن أفهمه أنني مجرد حكاءة فقط، وليس ذنبي إن كانت شخصيات قصصي شريرة أو قاسية أو حتى سفاحة .. وأنني امرأة تحترم الرجل كثيرا وتقدر جهوده التي يبذلها للمرأة على جميع المستويات وليست بيني وبينهم أي كيد أو عداوة من أي نوع كان .. ولكن ما إثم الكاتب إن كان الواقع الذي يتنفس فيه خانق هواؤه.. ؟!


الأنوثة والمكان


* ثمة عالم أنثوي تنحاز له أعمالك القصصية قي مفرداتها وأجوائها .. ألا يعد ذلك تكريسا لجدلية الأدب الأنثوي والأدب الذكوري لديك؟


** الأدب الأنثوي + الأدب الذكوري =.....؟! المرأة في مجتمعاتنا تتعرف على الذكر أولا من خلال أبيها حين تكون ابنة، ثم من خلال أخيها حين تكون أختا، ثم من خلال زوجها حين تكون زوجة وأخيرا من خلال ابنها حين تكون أما .. والرجل في مجتمعاتنا يتعرف على الأنثى أولا من خلال أمه حين يكون ابنا، ومن خلال أخته حين يكون أخا، ثم من خلال زوجته حين يكون زوجا وأخيرا من خلال ابنته حين يكون أبا .. الناتج = ( تكامل ) .. كلاهما يكمل الآخر .. فلماذا هذا الجدل العقيم واللهث خلف مصطلحات غرضها خلق جو من الفوقية والعداوة والأفضلية ؟! أما على مستوى الأدب .. بالنسبة لي كلاهما يستطيع بمرونة أن يحل محل الآخر .. المرأة رجل والرجل امرأة .. ونجس هذا التلاعب المبدع في كثير من الروايات العالمية على سبيل المثال وليس الحصر رواية ( آنا كارنينا ) لتولستوي، ورواية ( مدام بوفاري ) لفلوبير .. وعلى مستوى العربي كروايات أحلام مستنغانمي التي أتقنت فيها لعب الدورين معا .. فهل حين كتب هؤلاء أعمالهم جادلوا أنفسهم قائلين يا إلهي، ما هذا الخطب الجسيم الذي ارتكبته، كيف أكتب عن المرأة وهو يخص الأدب النسوي .. أو كيف أزعم أنني رجل ومن العار أن أكون رجلا حتى على الورق ..؟!الشخصية هي التي تستحيل إلى امرأة أو رجل وفق مقتضى العرض القصصي، تاركين له حرية التجنيس من منطلق عفوي جدا .. ومن ناحية أخرى .. لم دائما يحكم على توجه الكاتب أدبيا من أول إطلالة له سواء كان مجموعة قصصية أو شعرية أو رواية ..؟!ولو أنني في مناسبة ما ارتديت ثوبا أزرق، هل هذا يعني أنني سأظل سجينة هذا اللون إلى الأبد أم أن نفسيتي في تلك الفترة كانت ميالة إليه ليس إلا ..؟ وهل القاضي حين يحكم على المجني عليه يعلن حكمه عليه من أول جلسة له أم تعقبه جلسات أخرى قد تبرؤه وقد تدينه .. ؟! قصارى القول أن كل كاتب له خيال ما يغريه حين الكتابة قد يظل محلقا فيه أعواما وقد يحيد عنه أعواما أخرى .. والكتابة معزوفتها ( المزاجية ) فما يمليه عليه مزاجي أعزفه، ولأننا لا نعلم ما تخبئه لها التغييرات الطقسية فلا نعلم كذلك ماذا ستلد أمزجتنا من طقوس .. ؟!


* تتجلى لديك حميمة بالغة واحتفاء عميق بالمكان الذي تتفننين في سرد تفاصيله بعشق شديد .. هل أنت ممن تسمنهم الأمكنة؟


** أنا من الذين يربطهم بالأمكنة توق أستعذبه ويستعذبني .. يمتد بيننا هذا التوق جسرا مضيئا نرصف عليه فرحا لنشوة اللقاء وحزنا لقطيعة الفراق .. وحين نرضخ مرغمين للنأي ننفصل كانفصال القدم عن التشبث بأرض ثابتة تحته بينما روحه تبقى طيفا تعود إليه تشبثا وكأنها لم ترحل عنها حقا .. عندما كنت طفلة كان أهلي يتبادلون الزيارة مع أقاربنا وأصدقائنا في أماكن مختلفة .. كنا نشق الدرب إليهم صباحا متدافقين إليهم بلهفة، وحين كان الأفق يتصهب احمرارا لأن الشمس راحلة إلى بيتها لتنام كنا نغادرهم .. فكنت أتضمخ بالحزن العميق .. ومن يومها أعلنت بغضي للغروب؛ لأن هذا الزمن المبهم يسلبنا أصدقاءنا وأوقات مرحنا معهم .. وقد يحتوينا مكان ما مع الذين نحبهم، فنعانق معهم تلك اللحظة بكل أحاسيسها الجغرافية، وفجأة يختفي ذاك المكان؛ لأن عقارب الساعة لدغتنا فسممتنا بالمغادرة .. لكن حين يحدث ذلك نتعلق بهامش استفهام: هل الزمن الذي فصلنا عن ذاك المنبع الجغرافي سنظل وفيين له أم تخوننا ساعاته التي كانت مصبه..؟!إذن المكان هو الوفاء والزمن المتراخي هو من يختبر فينا ذاك الوفاء ..


* إلى جوار النص القصصي القصير تكتبين النصوص القصيرة جدا التي تشبه إلى حد بعيد قصائد الومضة الحديثة .. هل نستطيع القول أنك بذلك ترضين غرورك الشعري الذي تمارسينه بصمت عابث؟


** بدأت بالشعر أو ما يسمى بالخاطرة الشعرية ومازلت وفية له وأمارسه بصخب عابث .. في الشعر أنت تطلق صرختك في بيت واحد .. وفي القصة القصيرة أنت تحتاج إلى عدة سطور كي تغري المتلقي باستمرارية القراءة والمتعة وخلق الجو .. القصة القصيرة جدا هنا وقفت مع الشعر وقفة تكامل فأطلقت صرختها في سطر واحد .. وهو فن بدأ يولد ولادة جميلة، حتى أن الكتاب أخذوا يخصصون إصدارات خاصة لهذا الفن، وكذلك ثمة مسابقات تعنى بها كفن أدبي مستقل، فكما ولد الشعر العمودي التفعيلة وقصيدة النثر، أعتقد أن القصة بدأت تحنو نحوها .. وكونها في فترة نهوض وولادة أعتقد أنها فرصة أن يبذل فيها القاص طاقاته للابتكار والتجديد .. والمدهش حقا .. هو أنني بدأت بالشعر قبل القصة بكثير، لكن القصة أعلنت عن نفسها أولا ..!


شجرة وارفة على البياض


* يأخذ البعض على كتباتك القصصية أنها تجنح كثيرا إلى فضاءات القول الشعري .. أهو الشعر يتسلل خفية إلى قصصك فتتركين له العنان، أم أن لحظة الكتابة انخطاف لا يعبأ كثيرا بمقاييس النقد ومعاييره الصارمة؟


** أكتب لأنني أمر بنشوة متعة حين الكتابة .. أمتلئ داخليا بأحاسيس مدهشة أكون فيها نحلة وامضة تتضوع نشاطا من رحيق لآخر ومن زهرة لأخرى .. حينا ونملة تشق دربها بهمة حينا آخر .. يستحيل واقعي إلى خيال حابل بالمطر يضخ ألوانا من قوس فزح .. أحبو على بساطه السحري طفلة صغيرة وحينما تقع تلك الطفلة ترى نفسها في حضن غيمة حنون متشبثة بها .. أعشق الشعر وأحب أن أغرسه شجرة وارفة على البياض .. وحينما أفيق من سكري .. أرى النبيذ وأرى الشعر .. فأعرف أيهما كان سببا في تخطبي اللاواعي ..! أما عن معايير النقد .. فأن أتفق مع صديقي القاص الجزائري ( صباح السعدي ) الذي يرى أن الكاتب الذي يضع الناقد أمامه لحظة الكتابة فهو قاص فاشل .. الناقد حقوقه محفوظة حينما ينتهي الكاتب من عمله كاتبا وناقدا لنفسه أولا، يأتي بعد ذلك المبدع الآخر للنص الذي هو الناقد .. وهو(فنان آخر يحس ما أحسه الفنان الأول ولا يختلف عنه إلا في أنه يعيش بصورة واعية ما عايشه الفنان الأول بصورة غير واعية) هكذا كان يردد الشاعر الجميل المرحوم نزار قباني .. فليفعل به ما يريد وليعلقه على أي مشجب كان أو يرمي به في أقرب قمامة إن أراد؛ لأن الكاتب ينقطع صلته بعمله ساعة نشره، وحق لكل قارئ وناقد أن يقلبه على أي وجه شاء .. والكاتب هنا ليس سوى متلق آراء ووجهات نظر إن استوعبها جيدا ارتقى كنجمة وإن نفر منها كان كالنعامة التي تخفي رأسها ولا يجديها إخفاؤها شيئا .. أما أنا سأهمس في أذن ناقدي وقارئي معا: أحرقني كي أضيء ..


* تمجدين الفلسفة ونيتشه .. ما أثر قراءات الفلسفية على نتاجك ورؤاك الإبداعية، وهل ترين أن النص الإبداعي يتسع لكثير من الفلسفة؟


** أمجد الفلسفة والهندسة النفسية عموما كفنون أصيلة لفهم العالم اللاواعي من حولي .. فالإنسان الذي أمامك لا يمكن الجزم بحالته من لحائه الخارجي فقط، فقد نقابل وجها يومض بالفرح لكن إن تسللنا في داخله رأينا جبالا من الحزن وأنهارا من الكآبة .. والوجه المتجهم قد يخبئ في داخله طفلا تسعده ابتسامة .. أما حكايتي مع نيتشه فهي كحكاية المجنون مع مجنون مثله .. والمثل يقول خذوا الحكمة من أفواه المجانين، حتى الحكايات القديمة التي كانت أمهاتنا تسمعها من أفواه جداتنا كانت تخص أقوال المجنون الذي يدور في الأحياء المعتمة في ضوء القمر صائحا ومحذرا كنبوءة تعصف بهم في أي لحظة .. ونيتشه كأي فنان في هذا الكون له جوانبه المشرقة والمظلمة على حد سواء .. وهو القائل يوما عن المرأة :( لم تبلغ المرأة بعد ما يؤهلها للوفاء كصديقة، فما هي إلا هرة، وقد تكون عصفورا وإذا هي ارتقت أصبحت بقرة) .. أحترم وجهة نظره، وهو لا يلغي فلسفاته الأخرى التي تسمو بالأصالة، وتأثيري لعالمه قد يظهر في أعمال أخرى .. أما عن أثر القراءات الفلسفية على نتاجي .. فلا أعلم .. فحين أكتب أعبر بطلاقة دون أن أضع أمامي قيما وتوجهات فلسفية معينة أسير عليها في أي نص .. والنص بحد ذاته قد يتسع للفضاء الفلسفي وقد لا يتسع .. وهذا يخضع لطبيعة النص وماذا يريد الكاتب منه ..؟


آفاق الطفولة


* على مسار آخر لديك اهتمام بأدب الطفل، وقد صدرت لك دراسة عن أدب الطفل في الإمارات العربية المتحدة .. ما تفاصيل هذا الإصدار وما الجديد فيه؟


** الحديث عن أدب الطفل عموما وعن دراستي خصوصا يجعلني أشير بإصبعي بزخم تقدير إلى رجل نبيل يدعى الدكتور ( إبراهيم الغنيم ) وهو غني عن التعريف له تطلعات أدبية وفكرية ونفسية عالية جدا .. فهو من شدني من يدي ووضع أمامي هذا الأدب الذي لم يكن لي به صلة سوى بحث تخرج كان مفروضا علينا أكاديميا .. ومعا انطلقنا .. هو بوضع الخطة وأنا التنفيذ .. حاولنا أن نلم بجوانب الأدب المكتوب للطفل في الإمارات بنوعيه الشعري والنثري ودور الهيئات المساهمة بفعالية في نهضة الطفولة مع عرض ونقد بعض ما طرحناه في الجانب النظري .. مع تقديم بعض توجيهات أشبه ما تكون بنصائح أخوية لرقي وسمو الأعمال المكتوبة للطفل .. الجديد فيه استطيع أن أقول بأنه الكتاب الأول الذي ضم بين دفتيه كتابا إماراتيين وفنونهم التي كانت متشعبة في أكثر من جهة وتم رصفها في جهة واحدة .. والمثري حقا أن الطفل في الإمارات نتيجة لتشجيع بعض الجهات المعنية بالطفولة بدأ يكتب لنفسه ولأقرانه .. وهذا منطلق حقيقي وهو ما يدعى بأدب الطفل للطفل .. وحاليا أنا معنية بهذا الأدب بالدراسة والتوجيه ..


* كباحثة في هذا المجال .. كيف ترصدين وتقيمين الكتابة في أدب الطفل على المستوى العربي؟


** هناك كتاب يعملون بوفاء وبحب وأصالة من أجل الطفل ومن أجل أن تسمو الطفولة آفاق أعلى مما هي عليها .. لكنها جهود فردية، حتى المؤسسات ينقصها في كثير من الأحيان الدعم والتشجيع، والكاتب للطفل حينما يريد أن يلقي بكتابه في مطبعة النشر تقع على عاتقه مادية يجب أن يخطط ويستعد لها مسبقا؛ لأن الكتاب الذي نقدمه للطفل يخضع لمعايير وشروط طباعية معينة من سماكة الغلاف وجودة الورق ووضوح الخط، مع ملء الصفحات بالرسوم والألوان البراقة تتلاءم والمشاهد التي تطرحها سواء شعريا كان أم نثريا مع مراعاة المرحلة العمرية كذلك .. و الكاتب هنا أيضا بدوره يحتاج إلى دعم وتشجيع كبيرين .. ولكن بشكل عام الاهتمام بالطفل على مستوى الكتاب والباحثين والمؤسسات بدأ يتكاثف بشكل جيد حاليا وهذا مبشر..


* لفت نظري تناولك لأدب الطفل في الإرث الخليجي المحكي والقصص الشعبية القديمة .. ما الذي يمكن أن يرصده الباحث في الخرافة والقصة الشعبية الخليجية الموجهة للأطفال، وهل يمكن أن تكون نموذجا تربويا للأجيال الجديدة؟


** الإرث الشعبي وقصصه المحكية جانب مهم كان يجب أن ننبش فيه؛ لأنه الأصل ويرصد منه الباحث الكثير.. فقد نهل منه آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا من قبلهم .. كبروا على أهازيجها .. تقدم صورة عريقة عن ماض بكل تجلياته وعرضها فرصة للطفل المحاصر حاليا بالعولمة أن يلم بها .. والطامة أن العالم الحالي لم يترك للطفل فرصة الاختيار، أخذ يهجم عليه دفعة واحدة؛ لأنه وجد فيه سلعة مربحة تدر عليه بالملايين سواء على المستوى الإصدارات الموجهة له التي لا تعنى بتثقيف الطفل بقدر اللهث المادي من جيوب والديه، و ما يعرض على شاشات التلفاز من قنوات خاصة للطفولة قضت على شخصية الطفل في الترغيب وقلّصت خياله في التمني، فهي تلبي غالبا كل ما يتمناه الطفل وهذا ليس صحيا على تربيته حين يشتد عوده، ومن ناحية أخرى سلبت الإدهاش كصفة مهمة جدا له، فلما كنا صغارا كانت رغباتنا تخضع لما تقدمه الشاشة الصغيرة بمحطاته القليلة من أفلام كرتون تخضع لمدة زمنية محددة ولا يتجاوزها مطلقا وكم كان يدهشنا إذا تحطمت قاعدته الثابتة من أجل عيوننا الصغيرة ..؟! فالعودة إلى بعثها يكون بمثابة تعريف للطفل وقد تشبع فيه الكثير من الحاجات كحاجة إلى الأمن، الحب، الانتماء، الاندهاش، معرفة الأشياء، توسيع نظرته للحياة .. مدى الرغد الذي يحياه .. الخ. وهذا لا يقع على عاتق الباحث فقط، بل الأسرة والهيئة المدرسية والمؤسسات والقنوات الفضائية في كل الأصقاع والأدب المكتوب بأجناسه .



* نشر الحوار في جريدة الوطن العمانية في ملحق ( أشرعة ) بتاريخ 23 / 9 / 2008م

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2009

كم عمرك ..؟


كم عمرك ؟

بعد أن كمم مشاعرها بشهد عباراته ، وطوّقها بوشاح غنجه ودلاله ،
تمطى لسانه سؤالا كان يجول في دهاليز فكره ما بين كرّ وفرّ ..

تشجع وهو يبتسم بحذر :
_ حبيبتي ، يا علقة قلبي وكمثرى روحي ، مضى على حبنا عدة أشهر ،
ولكني للآن لا أعرف كم عمرك ؟
تكورت عيناها فغدتا وكأنهما عينا دمية اقتلعتا من محجريهما :
- حقا حبيبي ، لكنك أنت الذي لم يبادرني بسؤالي عن عمري .. !
انفرجت أسارير شفتيه وتنهد صدره رنة ارتياح بعد أن اطمأن إلى وقع سؤاله عليها :
- ها أنا أبادرك بالسؤال الآن يا حبيبتي .. فكم عمرك ؟
تقلصت ملامح وجهها النضر وهي تحك بأصابع الحيرة طرف شعر رأسها ،
وبعد سهود نطق لسانها :
-لكن يا حبيبي ، سؤالك أدخلني في متاهات الحيرة ..
تحفز لوقع عبارتها الأخيرة وراح يردد " متاهات الحيرة " ثم أعقبها بقوله :
- لماذا يا حبيبتي ، سلم عمرك من متاهات الحيرة ..؟!
تنهدت بهسيس صوتها الناعم وهي تبادله الرد :
-وكيف لا تريدني أن أتحيّر وأنت تضعني أمام خيارات عدة .. ؟!
-آه .. " خيارات أم جزرات " .. أقصد أي خيارات ترمين إليها ..
لعل سؤالي لم يكن واضحا بما فيه الكفاية .. ؟!
-كلا يا حبيبي ، بل واضح وضوح رموش اللهب في عين الشمس ..
-إذن لعلي أحرجتك بسؤالي ، أعلم من الغباء مساءلة المرأة عن عمرها ،
سامحيني حبيبتي وعديني فضوليا هبط على خصوصية من خصوصياتك..
- حبيبي لن أعدك فضوليا .. بل حق من حقوقك أن تحيط بعمري ..
أشرقت ثنايا وجهه وهو يقذف سؤاله :
- أترين هذا حقا ..؟!
- قطعا حبيبي ، لا داعي للخفر .. اسأل .. اسأل ..
- إذن حبيبتي سأعيد سؤالي مرة أخرى على طبلة أذنيك الرقيقتين سماعا ..
فكم عمرك ؟
- ها أنت تفتح أمامي أبواب الخيارات مرة أخرى .. !
-أية خيارات يا حبيبتي ، فلو أنك استفهمتي عن عمري لأجبتك بحفاوة خمسة وثلاثين عاما ..
-قالت بحزم : حبيبي ، أعد سؤالك علي مرة أخرى ..
-كم عمرك يا حبيبتي ؟
- ها أنت فتحت أمامي خيارات .. حسنا.. قد تستاء الآن من لفظة " خيارات " ،
ولكن سؤالك يفتح أمامي خيارات .. !
بعد نفاذ صبر :
- حبيبتي .. خيارات أم جزرات ، هل من ممكن أن تحيطي جهلي بها معرفة .. ؟!
- أنت الآن سألتني عن عمري ..
قاطعها بنفاذ صبر:
- سألتك عن الخيارات .. !
- حسن كما ترغب ، سألتني عن عمري .. وهذا العمر يشمل عدة خيارات ،
وأنت تريد أن تعرف تلك الخيارات ، وهذا حق من حقوقك ، لكن أية خيارات منها تقصد ؟!
- الخيارات التي كنت تتحدثين عنها ..
- إنها كثيرة ..
- عدديها يا حبيبتي ، كي اقطف منها ثمرة اختياري ..
-ألم أعددها عليك بعد ، لكنك أنت الذي لم يطالبني بتعديدها ؟
- ها أنا ذا أطالبك من فوري بتعديدها عليّ وهو حق من حقوقي كما أشرت آنفا..
- صحيح هو حق من حقوقك دون شك حبيبي ، الآن سأعددها عليك ،
أنت تريد أن تحيط بالخيارات التي أعنيها أنا وهذا ما سأفعله الآن ..
العمر يا حبيبي ، يشمل عدة خيارات .. وأنت ستتعرف عليها الآن ..
- ردّد بحماسة : أجل .. أجل سأعرفها .. ما هي ؟!
- أي حبيبي ، عندما تسأل شخصا ما عن عمره ينبغي أن تحدد له الخيارالذي تعنيه ؛
كي يكون جوابه على سؤالك شافيا ..
- عدديها حبيبتي ونوري جهل حبيبك ..
- نعم سأنوّر ناظريك الآن ، أين وصلت يا حبيبي لقد قاطعتني ؟!
- وقفنا عند تنويرك لناظري من غث الجهل ..!
- صحيح ، سأنورك الآن بقولي القيم .. كما تعلم بل ستعلم الآن ،
فإذا ما سألك شخص ما عن عمرك ، فقل ثمة خيارات فأيا منها يعني بالضبط ..
وذلك الشخص قد لا يعرف كما لا تعرف أنت الآن ، وأنا سأعددها عليك ،
وأنت بدورك ستعددها عليه ..
أما الخيارات التي ترغب في معرفتها هي ..
- ما هي ... ما هي ؟!
- لكن قبل ذلك .. أعد علي سؤالك مرة أخرى ، كي أجيبك ..؟
- سألها بحنق : كم عمرك يا حبيبتي .. يا عمري .. يا روحي ..
- حبيبي.. سأجيبك بقولي ..
وأنا سأقول لك أن العمر به خيارات عديدة ..
فهل تعني مثلا عمري الشكلي ، أم عمري الوظيفي أم عمري النفسي أم عمري الطولي ،
أم عمري الروحي أم عمر الحسي ... الخ أرأيت يا حبيبي ، نحن أمام خيارات عديدة ..؟!
- لكن حبيبتي أسقطتي سهوا خيارا مهما ..!
- حقا .. وما ذا الخيار الذي أسقطته سهوا .. !
- قال ببراءة : عمرك الميلادي ..
- ردت بدهشة ممزوجة بحزن : أوه ... يا حبيبي المسكين ، ألا تعلم ماذا حصل له ..؟!
- لا حبيبتي ، ماذا حصل له هل بترت رجله أو حطمت رأسه مثلا ؟!
- مزاحك رائق يا حبيبي ، لكن عمري الميلادي بل أعمارنا الميلادية وئدت منذ أزمان طويلة ..
عندما تزاحمت الخيارات الأخرى في حياة البشرية .. لكن كيف فاتك هذا الأمر ؟!
- أحقا فاتني ..؟!
- أجل فاتك ..
- اخبريني كيف حصل ذلك ؟
-أنت تضعني أمام خيارات .. وأنا سأخبرك بها .... الخيارات..
قاطعها وهو يفّر هاربا :
- لا أريد مزيد من الخيارات ... لا خيارات.. لا .. خ ... يا .... ت ... ت .....!




2007م

السبت، 19 سبتمبر، 2009

منديل من الوداع سيرثيك هذا العيد


منديل من الوداع سيرثيك هذا العيد ..!


( 1 )

لم وجهك مختبئ هذا العيد ؟!
فتشت عنه في الأفق
لعل غيمة شقية سرقته مني ،
ذلك ما ظننت ..
فتشت عنه في الأرض ،
لعل غزالة اصطفت به دوني ،
ذلك ما اعتقدت ،
سألت عنه الريح
لعل عاصفة طائشة حلقت به بعيدا عن أجوائي
سألت عنه البحر
لعل حورية سحرته بأهدابها الجميلتين
حاورت الجبال والبراكين والزلزال
والبذرة النقية في جوف الصحراء ،
تهت وتاهت الطبيعة من حولي ..!


( 2 )


ثقيل هذا العيد ،
ووجهك المقدس على صفحة الماء يتوارى حينا
وينفقئ حينا آخر فقاعة ،
ووجهك المقدس يحمل التيه والغياب والمنفى
خلف تلك التلال كان يطالعني كل يوم :
صباحا آخر أشتهي يقظته ..


( 3 )


حين كانت الشمس تحتضر،
يحتضر آخر جرحك
كرجل اخترقت رصاصة عدوه صميم قلبه ،
كنت تضع غيابك
في صميمي ..


( 4 )


هل كلمتني يوما : أن ليلك سيطول .. ؟!
كانت لياليّ تدثر بعضها
وتستر في الظلام شغفها
وكان عواؤها يئن بلا صوت
خشية أعين النهار ..
هل كلمتني يوما : أن الموج سيثور.. ؟!
كان صافيا حين ركبته ،
كانت أما تستودع وليدا ،
وكان حنينك يرتعش في ثنايا معطفك الشتوي
وكان وجهك مألوفا لدي
كما كنت أجسه دائما ..
وجه عصفور ينتفض من البرد ..
أراه اليوم على كل سارية ،
أراه وكأنّي لا أراه .. !


( 5 )


هل ينأى القوس عن وتره ..؟!
وهل يجرح السكين صانعه ..؟!
وهل يدمي القلب نفسه ..؟!
حيثما كنت ،
قوسا ، سكينا ، قلبا
حيثما كنت
ابق ..
وجها ضائعا ..


( 6 )


سأنقش كفي بالحناء هذا العيد ،
وسأرتدي ثوبا جديدا ،
وسأكحّل عيناي ،
وسأتقاسم الفرح مع الصغار ،
و لن أبحث عن وجهك في الزقاق ..!


( 7 )


لن أترقب وجهك في المرايا
حين تخبو كضوء شمعة ،
سأجس في الظلام وجها آخر ،
يحملني إليه
نقاؤه ،
منديلا من الوداع سيرثيك هذا العيد .. !



28 / 9 / 2008م

الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2009

الماء والأرض



الماء والأرض


" الماء لميس ونقي ، يستطيع أن يزيل الوسخ عن جسد الانسان ، وهنا تكمن إنسانية الماء ..!

لون الماء قاتم ولكنه في الحقيقة ، شفاف هنا يكمن كمال الماء ..!

إذا قسنا مستوى الماء لا نستطيع أن نستعمل " غاي " لمساواته ،

فإذا امتلأت الوعاء ماء ً ، لا نستطيع أن نضيف إلى الوعاء المملوء شيئا ً ، هنا يكمن عدالة الماء ..!

الماء يتدفق بإتصال ، ولا يتوقف إلا في المكان الذي يتحقق فيه الاستواء ، هنا يكمن نزاهة الماء ..!

كل الكائنات تسعى للارتفاع إلى أعلى ، الماء وحده يسعى إلى أسفل ، هنا يكمن تواضع الماء ..! "


هوان تسي


الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

لعبة الغميضة مع صرصور مدلع


لعبة الغميضة مع صرصور مدلع ..


14

كيف هي علاقتكم مع الحشرات ؟
خصوصا الصراصير الناعمة ، التي تموت بمجرد هرسها بالقدم ..
علاقتي مع الصراصير وثيقة ، وكثيرا ما ألمحها في كل مكان أتواجد فيه ،
فهنا في مقهاي المفضل لطالما كان يشاطرني في طبق السلاطة ،
واللعين يجيد الاختباء تحت الطماطم المقطعة ، هذا حاليا ..
ولو أدرت لكم اسطوانة ذاكرتي إلى الوراء ، حيث كنت تلميذة في المدرسة ،
فكثيرا ما كنت أخيف معلمة الرياضيات والتي كانت ضخمة وطويلة القامة بصرصار ميت
، ولا زلت إلى الآن اذكر ضعضعت صوت صراخها المهول الذي قلب الفصل رأسا على فوضى ..

وحينما طالت ضفائري الحريرية ، كان ما يزال الصرصور بطل مقالبي ،
وحين طلب منا أستاذي في الجامعة كتابة أبيات شعرية بنمط غير تقليدي
لم أجد سوى الصرصور مؤهلا كثيمة إلهام خصوصا لحظتئذ كان يتجول تحت قدمي ..
كان إلهاما رائعا .. ورغم أنني اقترفت جريمة قتل في حقه بكعب حذائي ،
إلا أني حصلت بفضله على الدرجة النهائية في قصيدتي التي غدت من نمط مبتكر ،
كما أذاع الأستاذ في القاعة العريضة التي كانت في هرج ومرج حقيقي ..


أآآآآ.. الحكاية لم تنته بعد .. !


فعندما حصلت على الدرجة التي حقدني عليها الكثيرون ،
لمحت تحت قدمي ، تحت كعب حذائي تحديدا صرصوران صغيران مع صرصورة كبيرة ،
كانوا يلملمون بصعوبة ما تناثر من بقايا الصرصور الذي هرسته بكعب حذائي الحاد كالمسمار ..
وفي تلكم اللحظة شعرت بانبعاث نظرات حقد حقيقية تتراشق نحوي من أعين الصراصير الثلاثة ،
بل إن قرون استشعارهم كانت تلوح نحوي بمقت ، قبضني رعب حقيقي لحظتئذ ،
وسرعان ما تحول هذا الرعب إلى كوابيس تؤرق هدوء لياليّ التي هرب منها ملاك النوم
وحلّ محلها شيطان الكوابيس ، لدرجة رأيتني في إحدى كوابيسي بأنني تحولت إلى كائن بشري ضئيل الحجم
وكانت صراصير كثيرة تطاردني وترجمني بالحجارة ..!
استطال ذاك الكابوس شهورا حتى خطرت لي فكرة أسعفت حالتي التي لا تسر سوى الأعداء ..

وها أنا بعد أن أرحت ضميري أتساءل : هل يا ترى عائلة الصرصور المقتول بكعب حذائي الحاد
أقنعهم الصرصور البلاستيكي الذي وضعته في مكان مخبئهم في ذاك اليوم كدفع دية ؟!
يتساءل داخلي ذلك بينما أدفع بحذر مدلع الصرصور الذي قرر على ما يبدو أن يلعب معي لعبة الغميضة ..