الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

مذهب الأذن ..!


مذهب الأذن ..!

 

الرؤية / العرب

 

دائما ما أنبّه تلميذاتي بأن - الله – عزوجل ، لم يمنحنا أذنين اثنتين سوى لحكمة السماع ؛ وكثيرا ما سمعنا وقرأنا أن الحكيم هو الذي ينصت جيدا لما يقوله العالم من حوله ، بينما يكتفي بقية البشر بتوظيف عضو اللسان أكثر في حياتهم ، فيفوّتون على أذانهم الإنصات لأصوات الجمال والمعرفة والحكمة ..!

ويخال إليّ أن لكل من الأذنين وظائف محددة ؛ أذن تقوم بوظيفة السماع والأذن الأخرى تقوم باستيعاب ما سمعته ، لكن كم واحد منا يلتزم بأن تؤدي كلتا الأذنين وظيفتهما على أتم حكمة ودقة كما خلقهما الله عزوجل لنا ..؟!

كثير من الناس لا يعرفون أنفسهم سوى عبر ما يسمعونه من الآخرين ، فيجزمون بما يقولون عنهم من انطباعات نابعة أكثرها من المظهر أكثر مما تكون من الجوهر ، كثير منا بل العالم أكثر أضعافه يعتمد على " مذهب الأذن " في حكمه على نفسه والآخر والعالم ، ويأخذ بكل ما تلملمه أذناه كحقائق لا كانطباعات أو فرضيات قد تخطئ أو تصيب ؛ وهنا الطامة الكبرى ..!

وقد عرض الفيلسوف " أوشو " قليلا عن هذا في كتابه " العلاقات الحميمة " ، حيث ذهب بقوله : " إن كل ما نعرفه عادة عن أنفسنا ما هو إلا رأي الآخرين بنا ، يقولون : " أنت جيد " فأعتبر نفسي جيدا .. يقولون : " أنت سيء " أو " أنت قبيح " نحن نجمع كل ما يقوله الناس عنا ونجعلها هويتنا وهذا غير صحيح ، إذ لا أحد يعرفك أكثر مما تعرف أنت نفسك ..! "

فهل نحن مجموع آراء الآخرين ومعتقداتهم فقط ..؟!

يذهب أوشو في نظرته عميقا فيقول : " لا أحد يعرفك أكثر مما تعرف أنت نفسك إن كل ما يرونه هو الظاهر والظاهر زائف ومضلل " ..! فكم منا مضلل وزائف ..!

ثم يتابع قائلا : " يعيش الناس حياتهم وهم يصدقون ما يقوله الآخرون كما يعتمدون على الآخرين ، لهذا يخشى الناس من آراء الآخرين ، فإذا اعتبروك سيئا تصبح سيئا بالفعل ، وإذا أدانوك عندها تبدأ بإدانة نفسك وإذا قالوا بأنك آثم فسوف تشعر بالذنب تلقائيا ..! " .

أخذنا بآراء الآخرين وتصديقنا لكل ما نسمعه هذه الظاهرة المتفشية نابعة من فقدان ثقتنا بأنفسنا ، بعض الناس يعيشون حياتهم ويشكلون عقولهم وقلوبهم ومجموع صفاتهم بناء على ما يسمعونه من الآخرين ؛ فإن كانت انطباعات الآخرين عنهم جيدة ، فيظهر ذلك على سلوكهم ، وحين تتلون انطباعات الآخرين عنهم بألوان سيئة ، فإن حياتهم جلها تغدو كئيبة ومنكسرة ومأساوية ..!

ويفسرها الفيلسوف " أوشو " : " لأنك تعتمد على الآخرين فأنت تخشى أن تكون وحيدا ؛ لكي لا تضيّع نفسك لكنك لا تملك نفسك أصلا بل أنت حصيلة آراء الآخرين ، لذا كلما تعمقت في نفسك وجدت نفسك غريبا عنها ، وهذا أمر مخيف ويتوجب أن تسقط جميع الأفكار الموروثة عن نفسك خلال عملية البحث عن الذات وستجد ثغرة ، أشبه بالفراغ وسوف تتوه بعد أن أصبح كل ما تعرفه باليا ! " ..

يبدو أن بعض البشر متورطين في الحياة ومربوطين بخيوط هي في أيدي الآخرين يتحكمون بهم وبمجموع حواسهم ؛ هذه الخيوط الخفية تجعله يتصرف على غير حقيقته كي يرضي العالم من حوله ، وكي يثبت خضوعه أكثر يضع أقنعته ، فيلغي كامل حقيقته ، ليكون أشبه بإنسان آلي هو في الحقيقة زائف ومضلل داخليا ، أما خارجيا فهو كما سمع عن نفسه من الآخرين .. العالم ..!

عرض الفيلسوف " أوشو " عدة خطوات يتصالح فيها الإنسان مع نفسه ويكون صادقا ؛ والخطوة الأولى تتلخص كما يقول الفيلسوف : " لا تنصت لما يمليه عليك الآخرون حول ما يتوجب عليه أن تكون عليه ، بل استمع لصوتك الداخلي فقط وإلا فسوف تهدر حياتك سدى " .. حيث يسمع الإنسان أصوات كثيرة تملي عليه لتشكيل مستقبله ؛ كصوت الآباء وصوت الأصدقاء وصوت الآخر العابر ، ونتيجة لذلك عليه أن يعتمد على كيانه وألا يدع أحدا يتلاعب به أو يسيطر عليه ، فالجميع مستعد لتغييره ولإعطائه التعليمات على الرغم من وجود الإرشاد والتعليمات في داخلك .. وبتعبير " أوشو " : " العالم أشبه بسوبرماركت مليئة بالإغراءات والجميع يندفع ليبيع سلعة لك ، الجميع بمثابة مندوب مبيعات " ..

والخطوة الثانية يدعو فيها " أوشو " إلى إسقاط الأقنعة التي تجعل الإنسان زائفا : " لا تضع قناعا ، فإذا كنت غاضبا أظهر ذلك ، قد يكون ذلك مجازفة لكن لا تبتسم لأن ذلك تصنّعا " ..!

يواجه الجسم عطلا في آليته الطبيعية بمجرد أن يضع أقنعته ؛ فيبتسم بينما هو داخليا يشتعل من مرارة الغضب ، أو يظهر فرحا وسط زوبعة من الكآبة تجتاحه .. " لا تضع أقنعة وإلا خلقت عطلا أو حاجزا في آليتك ، ثمة حواجز عديدة في جسمك " ..!

أما الخطوة الثالثة ، فهي أن يكون الإنسان بكامل وعيه في حاضره كما يقولها " أوشو " : " عيشوا حاضركم ، لأن الأمور الزائفة تأتي من الماضي أو المستقبل ، فالذي مضى قد مضى ولا تكثرت به وإلا أصبح عبئا كبيرا عليك وقد يمنعك أن تعيش حاضرك ! " ..

 

شاعر العرب " المتنبي " أنشد مرة :

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به    في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل

والعاقل الحكيم يثق بنفسه ولا يبصم بالعشر على صدق كل ما يسمعه عبر أذنيه من الآخرين ..!

 

 
ليلى البلوشي

السبت، 21 سبتمبر، 2013

الخلطة السرية لأسطورة سلفادور دالي ..!


 
 
الخلطة السرية لأسطورة سلفادور دالي .. !

 



الرؤية / العرب

 

 

" إذا كنت تقوم بدور العبقري فسوف تصبح عبقريا في يوم من الأيام "

 

   هكذا كان ديدن " سلفادور دالي " السريالي الذي قلب الفن رأسا على فوضى ، لا قوائم ولا مساحات ولا أحجام ولا أشكال ، مكونا عالما افتراضيا متلونا بالأحلام الصاخبة والملامح الغرائبية أشبه ببهلوان يسير بقدميه على حبل متدل ، بينما يداه تصبغان على أعين العالم أسطورته الشخصية بدهشة كبيرة ..

هذا الفنان العبقري المجنون الهذياني الذي شعر بالإهانة في طفولته ، حينما اكتشف أنه ليس سوى نسخة عن شقيقه الذي فارقه قبل ولادته بعامين ، وكان يرتدي ملابسه ، يتكلم ويمشي مثله ويحلم كما كان يحلم ، ولأن شقيقه مات بعد نزلة برد حادة جعلت نظرات عائلته الثاقبة تترصده خشية أن يكون مصيره كمصير سابقه ، فكانت تصيح فيه باستمرار :" سلفادور فليبي جاسانتو " لا تمت مرتين ! "  ..

دالي هو صاحب نظرية " البارانويا النقدية " وكان يسير على خطى سرياليين المقدس " لا شيء هو كل شيء " ، عزى البعض أسطورته إلى مسمى " جنون العظمة " وهو الذي لم ينف عن نفسه التهمة حين ذكر في إحدى صفحات مذكراته قائلا : " ما أكثر الناس وبخاصة في أمريكا الذين يسألونني عن الطريقة المثلى للنجاح ، وهذه الطريقة موجودة واسمها عندي " طريقة جنون العظمة في ذروتها " أو " البارانويا المتأزمة " ، اهتديت لأكثر من ثلاثين عاما وأمارسها دون أن أعرف حتى هذه اللحظة ، ماذا تكون ..؟ " ..

لكن أسطورته لا تعزى إلى - جنون العظمة - بقدر ما تعزى إلى قانون كوني بدأ يشق دربه المضيء بقوة في فضاء العالم ، يعرف هذا القانون بـ " طاقة الكون " أو بـ" قانون الجذب " ، هو قانون عجائبي ذا طاقة هائلة ، يعمل كمغناطيس جاذب ، ويستطيع من خلالها الإنسان أن يجذب كل الأمور والأمنيات والأحلام التي يريدها إليه ، وفق أفكار يعقد بها سلسلة حياته كيفما يرغب ، فلكل فكرة تردد يبثه الكون ، وحين يطلب الشخص ، فإن أفكاره تتحول إلى وقائع ملموسة من خلال ثلاث كلمات مختصرة هي : " اطلب " ، " آمن " ، " تلق " ..

ومن خلال قراءتي لكتاب " السر " شعرت أن " سلفادور دالي " هو أكثر شخصية يمكن من خلالها أن نستنتج قوة هذا القانون وفعاليته ؛ فمعظم أفعال المنجزة في حياته كانت أقوالا مقترنة بتنظيم دقيق ، حتى غدت أفكاره الخطيرة تلك التي كانت تتملكه ثمارا آتت أكلها ، ومن تلك الأقوال التي اقترنت بالأفعال :

 

*  " كنت أحب أن يقول الناس عني " سلفادور دالي " رسام لا يمكن نسيانه ، فقد كان يعنيني أن أكون " سلفادور " الذي يولد يوم يموت "  هذا الاسم الذي يتموسق حتى الآن على ألسنة الجميع باحتفاء بالغ ، وادعى مثال على ذلك لوحاته التي تناثرت اليوم كتاريخ في عواصم العالم تحكي عن حكاية هذا الإنسان العبقري ، فعند متحف " لوهافر " الفرنسي عبارة ذهبية اللون تقول : " هنا جناح الاسباني الكبير " سلفادور دالي " الرجل الذي كان يرى في كل زائر له صديقا ، وفي كل صديق لوحة ، وفي كل لوحة خيال غض وشاسع نحو ما لا نهاية " .

 

* " إذا كنت تقوم بدور العبقري فسوف تصبح عبقريا في يوم من الأيام " .. وقد لمسنا هذا المفهوم متجذر بقوة عميقة في حياة " سلفادور دالي " الحافلة بالأقوال التي اعتاد الإقرار بها بين حين وآخر ، يتداعى من خيال خلاق ، ذاك الخيال الذي لبس واقعه وكأنه الواقع نفسه ، فقد طمح في يوم من الأيام أن يكون في شهرة " نابليون بونابرت " ، ومذ ذاك لم تترهل طموحاته عن الازدياد والنمو ؛ ولأنه لم يكن مثل الكثيرين محاطا بسر هذا القانون الذي كبر من خلاله طوال أعوام التي أعقبت ؛ فقد عزى مثل الكثيرين أسطورته إلى " جنون العظمة " معتقدا كذلك لأنها وكما كان يرى وراء دفق نجاحاته المتتالية في عوالم الفن ، تلك الطاقة الهائلة التي كانت تنبعث منه مقيدة أفكاره إلى طريق التحقيق ، كما كان يرغب بها تماما ..

 

* " لم أكن أطيق فكرة أن لا يتعرف علي الناس " فعلى مستوى علاقاته كان شخصا يجر خلفه أضواؤه الصاخبة ، فهو لم يطق فكرة ألا يتعرف عليه الناس يوما ما ، وقد كانت أقواله لا تناقض رغباته .. !

 

* خطط أن يكون مليونيرا ، حتى أن " أندريه بريتون " اتهمه بـ" عبادة الدولار " ، فرد عليه دالي بأن حكمته منذ الصغر نصحته أن يسعى رويدا لأن يصير مليونيرا ، وقد أضيف حلمه هذا إلى حيز التحقيق كما خطط بإرادته ..

 

* كما كان يسعى إلى تسلق الكمالية ، و يشير " تشارلز هانيل " وهو أحد المشاركين في تفسير نظرية قانون الجذب قائلا : " الحقيقة المطلقة هي أن ضمير " الأنا " تام وكامل ، وأن ضمير " الأنا " الحقيقي هو روحي ولا يمكنه بالتالي أن يكون أقل من مثالي ، ولا يمكنه مطلقا أن يعتريه نقص أو قصور أو مرض " ، وكان هذا الضمير نغمة دالي التي كثيرا ما كان يدندنها في حياته قائلا : " أنا أؤمن بأني أعظم رسامي عصري " وقوله كذلك : " أنا خال من العيوب، أنا السريالي الوحيد غير المنتمي، لم ينجح لا اليمين ولا اليسار في إغوائي " .. وبشهادة فرويد الذي قال عنه : " لم أرى في حياتي لاسبانيا أعظم كمالا من سلفادور دالي " ..

 

* ولأن من أولويات هذا القانون أن يكف الإنسان عن ترديد الأفكار السلبية ، وغرس عوضا عنها أفكارا ايجابية باستمرار ثم سحبها من طاقة الكون ، فقد كان سلفادور يبدأ يومه بلذة لا تضاهى : " حين استيقظ في الصباح، اختبر لذة لا تُضاهى: إنني سلفادور دالي ، وأسأل نفسي ما الذي سيفعله اليوم هذا الإنسان المعجزة، سلفادور دالي" .. فكيف تتوقعون صباحات رجل يدلل يومه بلذة يسيرها له الكون بلمسة منه ..؟!

 

من هنا نستطيع القول بأنه كان أنموذجا إنسانيا يتمتع بصحبة نفسه متدفقا بالحب ، فانعكس ذلك بحبور كبير على كل العوالم التي كانت تحيط به من حوله ، والتي جلبها بملء إرادته ..

هذا هو " سر " هذا الفنان العبقري الذي استحق عن جدارة حياته الحافلة بالإثارة ، ودهشة الانجاز ، والتميز الابتكاري ، ونيازك الشهرة والثراء والحب ، وكل ذلك كان نتاج أفكاره التي ارتقاها سلما سلما ، كان يطلب ويؤمن ويتلقى ببساطة مطلقة ..!

 

ليلى البلوشي

الاثنين، 9 سبتمبر، 2013

حتى نخاع الزمن ..!


 
 
 
حتى نخاع الزمن ..!

 

 

الرؤية / العرب

 

                        

   لا زلت أؤمن بنظرية الكاتب " آلان لايتمان " حين أشار في رواية " أحلام أينشتاين " بأن الزمن في هذا العالم يتمحور حول زمنين ، أما الأول فـــ" آلي " وهو صلب ومعدني كبندول حديدي ضخم يتحرك جيئة وذهابا ، والثاني " جسدي " فيتقلب ويتعرج كسمكة في خليج ، الأول لا يلين بينما الثاني يتخذ قراره وهو يمضي ..!

ذاك الزمن الذي نتخبط فيه باختلاف نوعيه ، إن لم تطاردنا عقاربه بلسعات سامة ؛ فإننا سنظل على الدوام مواظبين على تشجيب أعمالنا على عواتق التأجيل ، وبهذه الطريقة ستعم الفوضى إلى جانب الجمود الذي يترأس عرش اهتماماتنا البليدة بجدارة ..!

لهذا للزمن حضوره الدائم ، المهيب ، الكلي .. حضور حاد كالسيف .. وحين يعبر ، يعبر بجبروت طاووس دون أدنى التفات للوراء .. 

ولكل زمن دفقة أداء مهمة .. مهما كانت تلك المهمة .. التي قد نحشوها في توهان أو عمل ، أو بحث ، أو انحياز أو انشغال أو عبث أو تأمل أو حب أو بغض ...الخ .  

تلك المضامين التي لا تسرمد عن أداء فروضها حسبما تستدعيه اهتماماتنا كبشر ، فلكل منا زمنه الخاص ، نمرره على قواعد النظام كممالك النمل والنحل ، وقد نلغي تلك الأنظمة ؛ فيحيا زمننا في بيات فصولي يدوزن كدورتها ، فهو يتمحور حول ثوان ودقائق وساعات تتلاقى فيما بينها باتصال ممتد ؛ ليشمل حجم أيامنا وشهورنا وسنواتنا ، وقد يستطيل إلى قرون إلى أن ينطفئ عن تاريخ هو سيرة مشوارنا في تداعيات الكون ، فالزمن هو السيد النهائي للإنسان والكون على حسب " مارسيل بروست " .. !

ويتفاوت شمول أو ضيق قياسنا للزمن نزوحا إلى أعمالنا أو مجمل انشغالاتنا حيال عقاربها التي تسير في شموخ أبدي نحو الأمام دون أن تتأخر ولو لهيث ثانية ، ويبدو أن الروائي الفرنسي " مارك ليفي " استشف قيمة الزمن من أحقر ثوانيه وتفاوت تأثيره في الآخرين .. حيث يقول على لسان أحد أبطال رواية " ماذا لو كانت واقعية " : ( إذا أردت أن تعرف ماذا تعني انتظار عام من العمر اسأل الطالب الذي أنهى للتو امتحان نهاية السنة ، وإذا أردت أن تعرف معنى الشهر ، تكلم مع امرأة ولدت طفلا قبل أوانه وهي الآن تنتظر الساعة التي يمكنها ضمه إلى صدرها دون تعريضه للخطر ، وإذا أردت معرفة أهمية الأسبوع قابل عاملا في مصنع أو منجم يكد ويتعب من أجل إطعام أطفاله وزوجته ، وإذا أردت أن تعرف قيمة اليوم اسأل عاشقين مغرمين بجنون كيف يترقبان موعد لقائهما في اليوم التالي ، وإذا أردت معرفة قيمة الساعة فكر بالمصابين بمرض الخوف من العتمة ، إذا انقطع التيار الكهربائي ليلا ، وإذا أردت معرفة قيمة الثانية انظر إلى التعابير التي ترسم على وجه رجل خرج سالما من حادث مروع ، أما بالنسبة للجزء من الثانية فراقب أولئك الرياضيين الذين يتنافسون على نيل الميدالية الذهبية بالألعاب الاولمبية بفارق جزء من الثانية فكر بهذا الرياضي الذي يمضي حياته يتدرب ويتمرن كي يفوز على خصمه بفارق جزء من الثانية ..)

فلسفة " مارك ليفي " جمّلت لنا أهمية جزء من الثانية ، بينما ساعات الكثيرين تسيل على مدار أربعة وعشرين ساعة في فوضى الثرثرة ، والنوم ، والتلفاز ، وخياطة الإشاعات والحروب والفتن والانتكاسات والأحلام المجهضة عبر وسائل تواصل مختلفة ... إلى لا آخره ..! أكلموا أنتم حسبما تستدعي - اهتماماتكم الخاصة - ولا استثني زمني الخاص حتما .. !

 

مع عميق ارتياحي الشخصي بعبارة الفيلسوف " برتراند راسل " حين أعلن بقوله : " الوقت الذي نستمتع بإضاعته ليس وقتا ضائعا " ..!

 

وأنا استمتع بذلك ؛ ماذا عنكم ..؟!

                                           

 

ليلى البلوشي

الأحد، 8 سبتمبر، 2013

حكايات من ضيعة الأرامل ..!


 
 
حكايات من ضيعة الأرامل ..!

 

نشر في صحيفة البلد

 

" سيمون دو بوفوار " الروائية التي خاضت بشراسة معظم حروبها لأجل حقوق وحريات النساء ، قالت مرة عبارة مهمة وذات دلالة : " لو لم تكن المرأة موجودة لاخترعها الرجل " ..!

ولكن لو تلاعبنا بعبارتها قليلا لعبة التقديم والتأخير ، وأعدنا قراءة عنفوانها اللغوي الفكري بعد العبث المتعمد منا لبعض ألفاظها ؛ بتقديم لفظة " الرجل " وتأخير لفظة " المرأة " بحيث يصبح التساؤل كالتالي : " لو لم يكن الرجل موجودا لاخترعته المرأة " ..؟! فهل ستخترعه المرأة حقا ..؟!

هو التساؤل المقلوب الذي طفا ببالي لحظة قراءتي لرواية الكاتب الكولومبي " جيمس كانيون " والتي عنونها بـــ" حكايات من ضيعة الأرامل " ثم أتبعها بهامش " ووقائع من أرض الرجال " ترجمة خالد الجبيلي .. منشورات الجمل ..

الضيعة في كولومبيا تدعى " ماريكيتا " في الفصل الأول من الرواية هناك لمحة شافية وكافية عن أجواء هذه الضيعة ووضعها الروتيني ؛ حيث كما جرت العادة في كل صباح من يوم الأحد خلال السنوات العشر الماضية ، لم يحضر صلاة القداس عند السادسة صباحا ، سوى دونا فيكتوريا أرملة موراليس ، ثم سرعان ما قررت التخلي عن أداء الصلاة وأصبحت تجلس في ركن الكنيسة تحتسي القهوة ..!

هذا مدخل ديني يعطي لمحة سريعة عن الإيمان والصلوات ولونها في هذه الضيعة الصغيرة والمعزولة التي يبدأ قداسها في الساعة السادسة صباحا كما ذكرنا سابقا ، ثم ينتقل الروائي إلى وصف الضيعة وأهلها بطابع اجتماعي ، والتي تباشر ضجّتها في الساعة الثامنة صباحا ؛ فيعرض أحوال الرجال والأعمال التي يمارسونها كما في كل يوم البلادة والكسل نفسه أيضا ، فرجال ضيعة " ماريكيتا " كانوا يرقصون التانغو والبوليرو على أنغام أجهزة الفونوغراف أو يستمعون إلى الأخبار من المذياع ، بينما قاضي القرية وشرطيها والذي يدعونه بسارجنت الشرطة يتواجهان جالسين على كراس قابلة للطيء ، ليلعبا لعبة البرجيس مع عدد من الجيران المختارين تحت شجرة مانغا الباسقة ..

وصاحب الحانة الوحيدة في القرية يسحب معه خارجا ثملين سرعان ما يودعهما ، ليذهب إلى بيته ، رأسا إلى حضن النوم ، بينما يقوم سبعة أخوة أشقياء من العائلة نفسها بحركات الإحماء قبل الشروع في لعب كرة القدم الأسبوعية إلى أن يأتي حفيد الجزار الذي يمتلك الكرة الوحيدة في القرية كلها ..!

لكن كل هذا الهدوء ينفقئ عن بكرة أبيه ؛ ففي الساعة التاسعة لناقوس الكنيسة يظهر من جميع أركان " ماريكيتا " حوالي ثلاثين رجلا يرتدون بدلات بالية تميل إلى اللون الأخضر ، راحوا يطلقون النار من بنادقهم وهم يصيحون " عاشت الثورة "  .. وعلى ما يبدو أهالي ضيعة " ماريكيتا " اعتادوا على شعاراتهم كما اعتادوا على قدومهم في كل عام ، ليجمعوا حفنة من المال وما يقدموه لهم الأهالي من عطايا مختلفة كالدواب والأطعمة ، ولكن تحاشي الأهالي هذه المرة عن استقبالهم ، واختباء كل منهم في منزله أغضب رئيس الثوار ، مما جعله يفوّض جماعته بالهجوم على كل ما يقع تحت أيديهم من أموال وأطعمة وجرّ كل رجل من رجالهم بأسلوب تهديدي ووحشي باسم الثورة ، مع السماح للثوار باغتصاب فتيات الضيعة كما تجري العادة في كل عام لحظة قدومهم ..!

ودع النساء باكيات رجالهم وهن على يأس من حضورهم أو لقائهم مرة أخرى ، يرحل الرجال مع الثوار رغما عن أنوفهم ؛ لأن كل مقاوم منهم تخترقه رصاصة الموت ، كما اخترقت سارجنت الشرطة زوج " روزالبا " المرأة التي ستصبح قاضة ماريكيتا بعد مغادرة الرجال ..!

ضيعة " ماريكيتا " تكون مهجورة سوى من نسائها الأرامل والعوانس وثلاث رجال ، الخوري رافاييل قديس الكنيسة الذي يقوم بخداع النساء بالاقتراح عليهن مضاجعتهن بحجة إنجاب مواليد جدد للضيعة ، فيفشل في مساعيه وتكتشف النساء عقمه ، فينتقمن منه ويقمن بطرده من " ماريكيتا " خاصة بعد تسببه في قتل أربع صبية من شباب القرية بعد تجاوزهم السادسة عشرة ..!

والرجل الثاني هو سانتياغو وهو خنثى الذي وقع في حب صديقه المثلي بابلو وشيعه في جنازة ، وخوليو سيزار صبي في الخامسة عشر الذي ألبسته أمه ثياب فتيات عند هجوم الثوار عليهم ، لتمنع رحيله عنها إلى حيث جبهة الموت ، فيتحول إلى فتاة تخرسه الصدمة ..!

أما نساء ضيعة ماريكيتا ، فقد أفرد الروائي " جيمس كانيون " تفاصيل كل منهن في فصل خاص يسرد بعض من سيرتهن وما صادفنه في حياتهن ، ولعل أكثرهن بروزا هي " روزالبا " أرملة سارجنت الشرطة الذي قتل على يد الثوار وهو ينافح عن أبناء ضيعته ، فيقوم أحد الرجال الذين يزورون الضيعة لتقديم معونات ضئيلة بعد مغادرة رجالها قصرا بترشيحها كقاضية جديدة للضيعة بعد أن يختبر قوة شخصيتها وصلابة موقفها ، سرعان ما تهجر حتى هذه اللجنة القرية ونساءها تماما بعد زيارتهم هذه ..!

يوافق النساء على " روزالبا " كقاضية " ماريكيتا " ، هذه المرأة الجادة والمسؤولية رغم ما بها من صرامة شديدة ، وتبدأ في تنفيذ معظم الخطط والأفكار التي سجلتها في دفتر صغير كأفكار قابلة للتنفيذ ،  فالضيعة كانت معزولة ولم يكن رجالها سوى ذكور منشغلين بمتعهم أكثر من انشغالهم بمهام تطوير الضيعة التي كانت خزانات مياهها فارغة ، والكهرباء مقطوعة عنها ، وخط الهاتف معطل ، والقذارة متراكمة كالذباب في كل مكان ، والمدرسة الوحيد مقفلة ، وقد انخفض عدد السكان بشكل كبير بعد أن جرّ الثوار رجالها بالقوة ، فغادر كل من استطاع المغادرة من نسائهم وأطفالهم المقتدرين إلى ضيعات وقرى أخرى ، لتأويلهم بعيدا عن ضيعة لا يسكنها سوى نساء وظلالهن الكئيبة والفقر المدقع ، فاستطاعت امرة قوية وصارمة كــ" روزالبا " على الرغم من كل التحديات التي جابتها من أرامل " ماريكيتا " ، ولكنها كانت تؤمن بمقدرتها على تغييرهن ووضعت ذلك دائما ضمن غاياتها " كان أكبر تحد يواجهها إقناع النساء بأن ينسين مسألة المعجزات ويضعن إيمانهن بالزعيمة الوحيدة المصنوعة من لحم ودم التي تعيش في ماريكيتا " ، ففلحت في النهاية في مسعاها لضمهن بصرامة ومودة في آن تحت ظل ماريكيتا الجديدة صنيع جنس أنثوي طاغ ..!

ومن النساء المؤثرات أيضا في صناعة تاريخ ماريكيتا النسائي أرملة موراليس وبناتها الأربع " أوركيدا " ، و" غاردينيا " ، و" مانوليا " ، و" خوليا " ، وهو " خوليو سيزار " ، الذي تحول عن جنسه الذكوري بعد صدمة حادثة الثوار ، ليصبح في هيئة فتاة جميلة سرعان ما يقع في حب شهوي مَثَليّ مع الصحفي الأمريكي ، الرجل الوحيد الذي يزور الضيعة بعد ستة عشرة عاما من العزلة ..! الأرملة وفتياتها كن مسؤوليات عن مطبخ الضيعة وضخ نساء ماريكيتا بالأطعمة المتنوعة والمختلفة بمهارة ولذة ..

ومن النساء اللواتي تأثرن وبشدة بخلو ضيعة ماريكيتا من الرجال هي " دونا إميليا " صاحبة النزل " لا كازا دي إميليا " الذي كان الأشهر ، وكان يعيش انتعاشا ساحقا في داخل " ماريكيتا " حين كان بها رجال وخارجها أيضا ..!

" دونا إميليا " التي مضى الكثير من عمرها ، ولكنها عرفت جيدا كيف ترعى فتياتها اللواتي كن صناعة إميليا كما كانت تفخر ، وكانت تتباهى بهن مرددة دائما : " إن الفرق بين المومس وفتيات إميليا إن المومس يعمل بها الرجل أما فتيات إميليا فهن اللاتي يقمن بالعمل من بدايته حتى نهايته " .. عاهرات النزل الجميلات الاثنتي عشر ، عرفت كيف تحولهن إلى ماهرات في صنعتهن من خلال الدروس والمحاضرات التي كانت تلقنها لهن معلمتهن العتيقة خبرة وعمرا ، وسرعان ما غادرنها فتياتها حين لم يحتضن نزلهن ولو رجلا واحدا يقاسمنه فيما بينهن شهوة المال والعهر ، وبرحيل فتياتها إنهار النزل الذي كان وراء شهرة وثراء " دونا إميليا " ولم ترحمها الأعوام التالية من حياتها ، فتغدو أشبه بمشردة تتسكع مع كبر سنها وعجزها الشوارع القذرة ، حتى انطفأت حياتها وطالما تساءلت بعد انهيار نزلها ومغادرة رجال ضيعة " ماريكيتا " بمرارة : " تساءلت كيف يمكنها أن تنافس حفنة من النساء الشبقات المخيفات أشباح رومانسية مستعدة لممارسة الجنس لقاء تذوق القليل من العاطفة ..؟ لعنت الثوار الشيوعيين لأنهم سلبوها زبائنها وبكت بحرقة وحزن على جميع الرجال الذين اختفوا " ..!

النساء الشبقات كانت تعني بهن عوانس " ماريكيتا " ، اللواتي كن يستقبلن بحفاوة أي جنس ذكوري يمر طيفه بالصدفة ضيعة الأرامل المعزولة ، فيعرضن أنفسهن عليه مجانا مقابل حفنة من الشهوة ..! لذلك بغضت " دونا إميليا " أولئك العانسات أشد البغض بقية عمرها المترهل  ..!

إذا كان عمل " دونا إيميليا " إنهار برحيل آخر رجل من " ماريكيتا " ، فإن هناك مهن لا يؤثر عليها ترهل الجسد أو مرور عبء العمر أو وجود الجنس الذكوري أو عدمه ..!

وخير دليل على ذلك شخصية " كليوتيلد غوارنزو " ومهنتها كمعلمة مدرسة ، العانس بوصف الروائي في السابعة والستين من عمرها ، وذات سحنة يشوبها الغموض مع افتقادها لمعالم الجمال الخارجية المعروفة في تقاطيع النساء ..!

" كليوتيلد " المعلمة التي رفضت أن تعلّم التاريخ ، وهو عنوان انتقاه الروائي للفصل الرابع ، والذي يسرد جزء من حياة المعلمة وتفاصيلها التي مضى معظمها ، دون أن يعرف القارئ أهو مرّ أم حلو ، ولعله الأقرب للوصف لفظة حامض ..؟!

استطاعت رغم أعوامها المديدة ، وتباطؤ في حركتها أن تكون المستحقة الوحيدة في ضيعة الأرامل لمهنة تدريس صغار الضيعة التائهين في دوامة الجهل والفقر والبلادة والنزق ..!

تساهم هؤلاء النساء وغيرهن وفي مقدمتهم قاضية " ماريكيتا " " روزالبا "  في صناعة مجتمع ، بل عالم نسوي أنثوي فائض بالتطور والتنمية ، مجتمع يخلو من صراعات الحروب ووحشيتها ، مجتمع غني بالنظام ويسير على قدم وساق ، وكل منهن تلتزم بدورها على أكمل وجه ، وتحصل " ماريكيتا " الجديدة هكذا يفصل النساء اسمها بنعومة وحماس وهمة جهدهن على كل ما كانت تحلم به هذه الضيعة الصغيرة المعزولة عن العالم الخارجي من خزانات مياه ، وكهرباء ، وعيش متعادل وكريم للجميع ، بل إنهن فلحن في صناعة زمن خاص بهن واستثنائي - الزمن الأنثى - كما أتفقن على تسميته ؛ فحين توقف نبض الزمن في ماريكيتا ، ولم تجد النساء ساعة واحدة للاهتداء بمعرفة الوقت ، اقترحت القاضية مع معلمة المدرسة بقياس الزمن من خلال حيض نساء الضيعة " ربما حان الوقت لأن تبجلها النساء باعتبارها صفات أنثوية فريدة وأن يستخدمنها في حياتهن اليومية .." !

وحين يصلن لمرحلة الكمال تفيض مشاعرهن كل واحدة نحو رفيقتها ، طالما أن هذه المشاعر الكامنة لا تجد ذكرا يشبعها ، فإنها تقبل على بعضها البعض ، وكل تتخذ رفيقة عاشقة لها وكثنائيات مثلية  يشرب الحب الشاذ نخبه وحد الثمالة في ضيعة الأرامل ..!

تأقلم النساء مع الوضع وتعلمن العيش دون رجال ، ولكن قطعا حاجتهن لصرخة مولود يعيد التوزان إلى الجنس البشري الأحادي في " ماريكيتا " الجديدة المزدهرة ،  كان أيضا حاجة أنثوية .. رغبة الأمومة الفائضة ، وقد أشرقت الصرخة في أرجاء ضيعة الأرامل حين ولدت إحدى نسائهن الشابات " أمبارو مارين " من " آنخيل تاماكا " أحد الأربع الذين فروا من جبهة الثوار وبنوا حياتهم ليس في " ماريكيتا " الأنثوية بل في مجتمع ماريكيتا الأحدث حيث اقترحت عليهن القاضية وما كان معها في مجلس " ماريكيتا " الجديد إلى الرجال بأن يبنوا لهم مجتمعهم الخاص البعيد عن مساحات مجتمعهم الأنثوي الذي اعتادوا عليه وبنوه بعرق تعبهن طوال أعوام غياب الرجال ، ومن حق كل امرأة أن تنتقل للعيش مع الرجال في مجتمعهم الجديد بناء على قناعتها ورغبتها ..

ذهب  الكاتب " بيير داكو " في كتابه المدهش " المرأة .. بحث في سيكولوجية الأعماق " إلى قوله  : " يولد الرجل من المرأة كما يولد الملح من الماء ، فعندما يقترب منها ، تمتصه ثانية كما يحدث للملح في الماء " ..!

نجح النساء في بناء عالمهن ، ولكنه كان يفتقد التكامل ؛ تكامل الجنس البشري الذي هيأ الله - عزوجل - أعمدته ؛ كي يتوازن على الأرض من كائنين هما آدم وحواء ومنهما تكاثرت البشرية أجمعين ؛ فناقص المرأة مع ناقص الرجل يتحقق معنى المنشود للتكامل والتوزان البشري ..

 رواية " جيمس كانيون " تتميز بالواقعية السحرية ، غنية ومدهشة وغرائبية وتفيض بالأنوثة المغرية ومضمخة بروح الحكايات الملونة كألوان أحلام النساء ورغباتهن ...

 

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 3 سبتمبر، 2013

الحياة على طريقة خوان ميّاس ..!


 
 
 
الحياة على طريقة خوان ميّاس ..!

 

 

الرؤية / العرب

 

  كيف سيغدو شعورك حين تعيش يوما سابقا عن بقية البشر .. ؟ فتعرف الأخبار قبل أن يعرفها الناس بيوم ، تعيش أنت الأربعاء والعالم كله من حولك يعيشه على أنه الثلاثاء ، وفي يومك الأسبق هذا يصادفك أحداث كثيرة تلم بها وتحياها بترحها وفرحها قبل الآخرين بأربعة وعشرين ساعة ، فعلى سبيل المثال رأيت في يومك الأسبق خبر وفاة أمك ، وهي ما تزال بالنسبة للباقين حية ترزق ، أو قرأت خبر نشوب حريق في مكان ما ، أو حدوث زلزال قبل أن يحدث ، هذا بالنسبة للأخبار المرعبة ..!

أما الأخبار المفرحة ورغم ندرتها ، فأنت تحتفي بها قبل غيرك ، عرفت أن ابنك عين طبيبا في إحدى المشافي ، فامتلأت سعادة لمعرفة بشرى كهذه ،  ولكنك لم تشعر بالفرحة في وقتها ، أو ابنتك حصلت على الوظيفة المنتظرة ، فأمسكت نفسك عن إعلامها ومشاركتها معك الخبر السعيد ..!

بطل القاص الإسباني " خوان ميّاس " في قصته " سأموت غدا " تعبره هذه الأحداث العجائبية ، حيث أنه يكتشف أنه يعيش يوما أسبق عن بقية البشر ، فيعرف الأخبار خيرها وشرها قبل الآخرين بيوم واحد ، يستمر على هذا النحو دون أن يشعر الآخرين به ، ونتيجة لما يمر به من أزمة غير طبيعية ، يعاقر الخمر لعل ثمالته تخفف عنه عبء ما يعانيه ، وذات يوم حين يكون في البار بمفرده يتجرع كأسه ، فإذا بامرأة تجلس بجانبه فيتحاوران ويعترف لها بمشكلته المؤرقة التي قلبت حياته على رأسه على عقب ، فتعترف المرأة بدورها أنها تمر بأمر شبيه بذلك ، ولكنها تسبق الناس بيومين لا بيوم واحد ، فكان يوم الأربعاء بالنسبة له ويوم الثلاثاء بالنسبة لبقية البشر ويوم الخميس بالنسبة للمرأة .. فيبادرها بالسؤال عن لقائهما فهل هو يشمل اليوم أم الغد ..؟!

 فوضحت له المرأة بأنه اليوم بالنسبة له والأمس بالنسبة لها ، ومن هنا يسألها عن أحداث الغد التي تسبق معرفتها بها عنه ، فتحكي له بأنه سيذهب معها إلى السرير ، فهي تسكن قريبة من البار ، لكنه سيصاب بأزمة قلبية عندما يبدأ في خلع ملابسه ، وهي تحمله وترميه في المصعد ، حيث يجدونه هناك ميتا صباح الغد ، فتعثر الشرطة على جثته ويحققون ، فينكر الجميع علاقتهم به ، فيرد عليها مخمورا بأنه لن يذهب معها ، ولكنها تقوده حتى يصلا الشقة وعندما يبدأ في خلع ملابسه يشعر بألم في كتفه وسرعان ما يتسرب إلى صدره ، وعندما تنتبه هي لحالته تلبسه ملابسه وتحمله إلى المصعد وترميه هناك ، ولكنه في المصعد قبل أن يموت بلحظة يسترد إحساسه الطبيعي بالزمن ، ورغم أنه مات في يوم الأربعاء ، إلا أنه مازال يعيش في يوم الثلاثاء ، فيذهب رأسا إلى البيت ويحبس نفسه في غرفته ، ويشرع بكتابة هذا النص دون أن يلقي الذنب على أحد فيما حدث ..!

 

 فلو كنت أنت كبطل خوان ميّاس ولديك ميزة يوم أسبق عن بقية البشر ، وعلمت قبل الآخرين بحدوث حريق أو زلزال أو قصف ، فهل ستذهب إلى قسم الإطفاء أو قسم الكوارث الطبيعة فتعلمهم بما رأيت في يومك الأسبق وتستغيثهم عن إطفاء حريق لم يقع بعد أو منع الزلزال من الحدوث قبل أن يحدث أو استنفار العالم عن قصف على وشك الوقوع في اليوم التالي ..؟

سؤال يجبرنا على التفكير فيه بحكمة كبيرة في عالم مشحون بالكوارث الضخمة ، والغريبة ، والمدهشة ، والبائسة ، حتى كأن اليوم كسابقه وكلاحقه ، حتى أن التوقعات غدت أقرب إلى حقائق ماثلة أمامنا ، وبينما نحن نتفرج ببلاهة عليها ونكتفي بالصراخ والشجب والندب ، تتحرك أعصابنا وتستنفر مشاعرنا ، نغضب ، ونشتم ، ونصرخ ، ثم تترهل الانفعالات جلها ، ونركن للواقع وكأن شيئا لم يكن ، ولكن الفعل يبقى حبيس أصابعنا التي تنقر على عالم يكاد يكون ميتا اليوم وغدا وأبدا ربما .. ياللإحبااااااط ..!

 

 

ليلى البلوشي