الثلاثاء، 27 أبريل، 2010

داي سيجي يعاني من عقدة دي


داي سيجي يعاني من عقدة دي ..


شاءت المشيئة أن تقودني إلى الكاتب الصيني " داي سيجي " ، كان ذلك من حوالي سنتين تحديدا في معرض الشارقة الدولي للكتاب ، فإحدى عاداتي التي لا استغني عنها مطلقا حينما أطأ معرضا للكتاب ، بعد انتهائي من شراء القائمة التي حددتها سلفا خريطتي الذهنية ، ألعب لعبة مسلية مع الكتب ، في هذه اللعبة أركز على كتاب أو كاتب لم اسمع بهما من قبل ، وعلى مدار سنوات لم تفارقني هذه العادة ، و تلك المتعة المدهشة المصاحبة لها التي توسع مداركي في كل مشيئة على عوالم مجهولة ورائعة في الآن ..ولم تخذلني مشيئتي تلك مطلقا ؛ حين وقع تحت يدي رواية " داي سيجي " المسمى " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة " وهي أولى روايات هذا الصيني الفذ ، والتي اهتم بها القارئ الفرنسي كثيرا مذ لحظة صدورها عام 2000م ، عن دار غاليمار وتم ترشيحها لجائزة " غونكور " ..

وفي هذا العام في معرض أبوظبي للكتاب ، وجدتني أساق ودون وصاية من أحد إلى رواية تدعى " عقدة دي " لمؤلفه " داي سيجي " بقيت ذاكرتي لبرهة تتساءل عن هذا الكاتب وروايته ، لكن وجه الدهشة هنا حين اكتشفت وأنا أصفف الكتب الجديدة على الرفوف في المكتبة أن صاحب هذه الرواية هو نفسه صاحب رواية " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة " ، وقد تكون الأسماء الصينية واليابانية من الأسماء التي يصعب على عقل عربي استيعابها أو حفظها أو حتى تذكرها ، لكن الذنب لا يقع على عاتق عقلي ، فالرواية الأولى له صدرت عن دار نينوى ترجمها " محمد أحمد عثمان " واسم المؤلف المدون بعد تدقيقي للروايتين " ديه سيجي " في حين رواية " عقدة دي " الصادرة عن مشروع كلمة - لهيئة التراث والثقافة أبوظبي - بالتعاون مع المركز الثقافي العربي للمترجمة " زهرة الرميج " تحمل اسم " داي سيجي " ، اعتقد ودون الرجوع إلى القواميس الصينية أن " داي " غير " ديه " مثلما " ماو " و" ميو " و" مو " ..ولا أدري أيهما أصح الأولى أم الثانية ..؟!

" عقدة دي " هي الرواية الثانية لـ " داي سيجي " ، هذا الكاتب المولود في الصين عام 1954م ، أرسلته " الثورة الثقافية " لإعادة التأهيل بين عامي 1971م – 1974م ، وكما جاء على غلافها الخلفي هي المرحلة من أكثر مراحل التاريخ الصيني اضطرابا وانغلاقا ، وكان داي سيجي ، الطالب الجامعي ، واحدا من الذين " أعيد تأهيلهم " إذ اجبروا على التوقف عن الدراسة والذهاب إلى مناطق الريف لممارسة " الحياة الثورية " مع الفلاحين ، عرفت تلك المرحلة أسوأ إيديولوجيات السياسة والحكم ، ولا تزال شظاياها متأججة في الجرح الصيني ..

لذلك نرى تمسك " داي " بتلك الحقبة المهمة في حياة الصينيين ، ففي روايته الأولى " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة " تجري أحداث الرواية في أحد الأرياف النائية ، في إقليم سيشوان ، وفي عهد حكم الزعيم الصيني " ماوتسي تونج " حيث يرسل بطل القصة مع صديق طفولته " لو " ضمن حملة إعادة تأهيل ، التي أطلقها ماو في أواخر عام 1968م ، وذلك ليعاد تأهيلهما مثل ملايين الشباب الصينيين _ تحت إشراف الفلاحين الفقراء _ وفي القرية يخضع الشابان الصغيران لأنواع شاقة من العمل السخرة وفي ظروف جغرافية ومناخية قاسية ولا يجدان ما يشفع لهما سوى موهبتهما الفريدة في الكلام ، والتي بدورها أغرت مأمور القرية ؛ ولذلك يعمل على إرسالهما مرة واحدة كل شهر إلى مركز المقاطعة لحضور العرض الشهري لفيلم سينمائي يقام في ساحة الألعاب الرياضية في المدرسة الثانوية للمدينة ، ليقوما بسرد ما شاهداه بالتفصيل لأهالي القرية ، وفي هذه الأثناء تتوثق صلتهما بالخياطة الصغيرة التي سيخوضان معها وبدونها أنواع من المغامرات لعل أهمها مغامرتهما مع مؤلفات " بلزاك " ، التي كانت ضمن القائمة المحرمة من الآداب الغربية ، وبذلك يخترقان تابوهات المؤسسة للسلطة السياسية ..

بينما في رواية " عقدة دي " التي كتبها " داي " بعد روايته الأولى ، والحائزة على جائزة " فومينا " ، يقابلنا في السطور الأولى لهذه الرواية السيد " ميو " المحلل النفسي بقامته القصيرة وهزاله الشديد ونظارته السميكة وشعره الأشعث ، العائد مؤخرا من فرنسا بعد دراسته لمدة عشر سنوات كتب " فرويد " و" لاكان " في تفسير الأحلام ، بيده دفتره لا يغادره إلا نادرا يسجل فيها الأحلام وهي مهمة فرضها على نفسه باعتبارها واجبا ، يحب زميلة دراسته تدعى " بركان قمر العجوز " في السادسة والثلاثين من عمرها ، عازبة ، مهنتها مصورة ، ولكنها قابعة في السجن بتهمة بيعها للصحافة الأوروبية صورا التقطتها خفية تظهر فيها أساليب تعذيب التي يمارسها البوليس الصيني .. لذلك عزم " ميو " أن يحرر حبيبته من القبضان وذلك برشوة قدرها عشرة آلاف ين ، يقدمها للقاضي المسؤول عن القضية والمعروف بجبروته " دي " ، وحين يفشل في مأربه ذاك ، نراه يفكر في طريقة أخرى من أجل قضية حبيبته المسجونة خصوصا حين عرف أن القاضي "دي " يعشق الفتيات العذراوات ، ولعل تقديم واحدة منهن تشفع لصديقه ..
ومن هنا تبدأ المغامرات التي يخوضها هذا المحلل النفسي ، فيستولي على دراجة والده المنهكة وعلى إزار والدته الأبيض فيدون عليه " مفسر أحلام " ، ويشق طريقه خلف هذه المهنة التي اتخذها قناعا للحصول على العذراء الموعودة ..

وفي سوق الخادمات ، حيث تكتظ النسوة من طبقات مختلفة ، يمارس " ميو " مهنته في تفسير الأحلام فيفسر أحلام أولئك الفتيات فيحصد شهرته من خلالهن ، وهو في كل مرة يمد مساعيه للحصول على عذراء " دي " ، وحين يقابلها ويتوعد نفسه بلقائها متوحدة في مرة أخرى ، تظهر رسالة السيدة تاتشر وهي الشرطية المسؤولة عن سوق الخادمات تعترف له عن حبها المكنون وتطالبه إن لم يبادلها الشعور أن ينأى بنفسه عن السوق تماما ، وهنا تضيع فرصة البحث عن الفتاة العذراء التي كان يريدها ..
ولكنه يتذكر صديقته وجارته المدعوة بـ " محنطة الموتى " وهي العذراء الأرملة التي انتحر زوجها في ليلة الزفاف بسبب شذوذيته ، فيقدمها " ميو " للقاضي " دي " ، وفي يوم الموعود حين تتوجه إليه صديقته ، يقع القاضي " دي " ميتا ؛ بسبب استغراقه في لعبة " الماهونغ " لأيام متتالية دون راحة ..

وفي غرفة تحنيط الموتى ، حيث يساق القاضي " دي " لتجري له " محنطة الموتى " عملية تجميل الجثة قبل عرضها على المشيعين ، تقف هناك مع المحلل النفسي " ميو " ، ولكن كلاهما يفاجئان بعينا القاضي تتحركان ؛ فإذا به حيا .. ونتيجة لذلك تزج صديقته " محنطة الموتى " في السجن بتهمة محاولة اغتيال القاضي ، بينما المحلل النفسي يجد نفسه هاربا بعد أن يزج اسمه ضمن قائمة محاولي الاغتيال القاضي مع صديقته ..
ولا يوقف هذا الهرب سوى الفتاة العذراء التي يقابلها المحلل النفسي في القطار ، فيعزم مرة أخرى تقدميها للقاضي " دي " ؛ لإنقاذ صديقتيه " بركان قمر العجوز " و" محنطة الموتى " ..

ويبدو أن القاضي " دي " قدره أن لا يقابل تلك الفتاة العذراء ؛ بسبب تعرضها مع المحلل لحادث سيارة تتعرض بسببها ساقها اليمنى للكسر ، ولا تشفى إلا بعد مشاق على يد المراقب العجوز التي يجبر لها ساقها بأدوية كريهة الرائحة وذا مفعول فعّال ، ونجد الفتاة العذراء بعد شفائها تفر راحلة إلى أهلها تاركة المحلل النفسي الذي يتخيل نفسه مغرما بثلاث نسوة عذراوات " بركان قمر العجوز " و" محنطة الموتى " و" الفتاة الهاربة " ، وتكتمل الرابعة بابنة المراقب العجوز الذي عرض على المحلل النفسي تزويجه ابنته ، مقابل شفاء الفتاة العذراء مكسورة الساق ، يفاجأ بقدومها ليلا في بيته ، فيبتدرها بسؤال قضّ مضجعه طوال الرواية : "هل أنت عذراء " ..؟!

* * *
تتمتع كتابات " داي سيجي " بسخرية رائقة ، تتماهى مع الشخصية تارة ومع الأحداث تارة أخرى دون أن تتغيب عنها فجائية مبتكرة مع إضاءات تعمق ثقافة الكاتب التي نرى أنها متأثرة بالثقافات الغربية بشكل كبير ، كما نلمس فيها روحا صينية منفتحة على ردهات العالم ، والجميل فيها أن الكاتب عرضها في قالب ساخر ، والتي تضفي لمسة واقعية ، وفي ذات الوقت جرأة يجد القارئ معها نفسه في حميمية خلاقة مع الأحداث المتعاقبة ..
ولا تغيب بين سطور الرواية ألاعيب الكاتب السينمائية ؛ وذلك ليس بغريب عليه ، فلقد درس الإخراج السينمائي في فرنسا وأخرج عدة أفلام ..

يرى الكاتب " هنري ميللر " بأن " الكتاب يبقى حيا عبر التوصية المحبة التي يقدمها قارئ إلى آخر " .. وأرجو أن تكون قراءتي للكاتب الصيني " داي سيجي " ، قد حققت تلك التوصية المحبة بطريقة أو أخرى ..

الخميس، 22 أبريل، 2010

الثلاثاء، 13 أبريل، 2010

كيكا والأدب السوداني





كيكا والأدب السوداني ..
عبدالعزيز بركة ساكن


لا اعرف لماذا لم اتعرف على كيكا منذ اليوم الأول لميلادها، ولكن السؤال الأصعب كيف يكون بي الحال اذا تعرفت عليها منذ اليوم الأول لميلادها، و السؤال الأهم هو كيف أكون اليوم اذا لم اتعرف على كيكا حتى الآن؟
اشهد ان القاريء العربي لم يتعرف علي بهذا الوضوح وتلك الإحتفائية إلا عندما نشرت في كيكا، ولم اتلق كل تلك الرسائل الإلكترونية ولم تكتب عني ليلى البلوشي بل لم تنتبه للأدب السوداني عامة إذا لم تقرأ في كيكا ود امونة متبلاً، هل انا صنيعة كيكا؟
صديقنا الجميل ذو الأسفار، المشاكس الذي تشرد في قطارات و طائرات وبحار الله العميقة و الضحلة، الذي جاع وعندما شبع أخذ يتريض ليكفر عن سيئات بطنه، ذلك الجميل النبيل، المتسكع الأممي، الذي لا خيار امامك، اما ان تكرهه جدا او تحبه جداً، اكثرنا ضلالا، وأعمقنا سبيلا، ألعننا حباً، وأكرمنا في التيه والضياعات، سوف يحشره الله هنالك لما قدم في كيكا وسوف يحتفي به ابليس هنا لما قام به من عمل جميل، احيك على الثمانية الأعوام و ارجو ان نحتسي معا كاسا معتقة على انهار بابل ونحن نحتفل بالميلاد الألف، (انا سوف احيا إلى ذلك الوقت، ليس لدي فكرة عن موتك).
أعرف جدا و الآن بالذات انه سوف يصرخ شمولي عربي في يوم ما:" اللعنة على كيكا"، لأن هذا المكان يفلت من سلطته ومخيلته وسوطه وفخيخه، وانه سوف يقضي على شبح الممنوع، وانه يؤسس لربوبية الكتابة وحرية الذوات المنهكة. عندما أكتب لكيكا، أكتب لنفسي، لحريتي الذاتية، لقبحي الخاص، لفسادي العظيم، لجنون الشبق الإنساني البهيج، اكتب لله عن الشيطان، واقول للشيطان عن الطين والتين والمسخرة، بالرغم من انني حزين جدا في هذه الأيام، لقد رحلت عني رفيقتي، أم ولديّ، بعيدا خلف سور من صخر وطين واحاجي ودموع، ذهبت الى الجنة وحدها، وتركتني اتلظى بجحيم الأمكنة، إلا انني استطيع ان افكر ايضا في كيكا واقول لها: أنت الآن أجمل، أحبك.

الخميس، 8 أبريل، 2010

وجبة للأعداء



" اترك وجبة العشاء لعدوك "


مثل صيني

الخميس، 1 أبريل، 2010

أنا وساحر بانكوك


أنا وساحر بانكوك

مريم الساعدي

حسنا، لازلت لا أستوعب هذه الأمور. لم أذهب إليه بالطبع. كنت أتطلع فقط لذلك أحيانا من باب الفضول، لكن لم يحصل وأن فكرت بالذهاب فعلا. هو صادفني، كنت خارجه من المستشفى الأمريكي، هكذا نسميه هنا في الامارات، هناك في بانكوك يسمونه بومونغراد، أو شئ من هذا القبيل، تعودنا دوما تغيير الأسماء الصعبة لأخرى نستطيع نطقها، فهو مجرد اسم في النهاية، مجرد علامة. لذلك قد تجد في أهلنا من اسمه جراده، فراشه، حمامه، ضبابه، جربوع، ضب، عنبه، موزه، زيتون، الخ الخ الخ، يعني أي شئ يخطر ببال الواحد حين يُبشر بالمولود الجديد، الاسم مجرد علامة وعلى المعيل الانتقال للمرحلة التالية للتسمية، مرحلة ايجاد الكلأ والمرعى في صحراء قاحلة أيام البداوة والقحط- بالطبع الآن اختلف الوضع، صار وقت كافي لانتقاء الأسماء رغم ذلك قد تجد من يسمي ولده المسكين على اسم جده المستعجل في ذلك الحين- الإشكالية أن الاخرين لا يستوعبون هذه الفكرة، يظنون عدم اهتمامنا بنطق الأسماء الأجنبية بشكل صحيح نوع من التعالي أو الاستهزاء بكرامة الانسان وحقوقه الطبيعية بسبب الطفرة النفطية. حصل هذا معي مره، حين نطقت اسم الطالبة الألمانية في الفصل كيفما اتُفق، احمرت الطالبة البولندية، احمرت واصفرت، وأرغت وأزبدت، اتهمتني أو كادت باللاإنسانية واللاإحترامية واللااهتمامية واللاسامية، فقط لأني لم أبذل جهدا لنطق اسم رفيقتها الألمانية بشكل صحيح. واستغربت ردة فعلها لأنهن جميعا ينطق اسمي طوال الوقت "ميغيام"، وكأني نوع من أنواع البلغم الملوث بالسل، ولم أفكر يوما في الاحتجاج أو حتى عناء تصحيحه لهن ، لأنه بالنسبة لي مجرد اسم والعبرة بالنية وافترضت دوما أن النية سليمة والأهم الإنتقال للموضوع الذي من أجله نطقن اسمي بدل تضييع الوقت في تصحيح الإسم. عموما تكفلت الألمانية بالرد عني حين علقت بأنها لا تنطق اسمي بشكل صحيح أيضا، وهذا يجعلنا متعادلتان. أردت خلع حذائي وضرب البولندية على رأسها، ثم تراجعت، فأنا شخص حضاري رؤوف ومتمدن، ثم هي من بلد مسكين، يكافح إحساسه الخاص بالدونية.
حسنا، كنت أقول ماذا؟ آه نعم، المستشفى الأمريكي في بانكوك، لا أعرف لماذا اتفقنا ضمنيا على تسميته بالأمريكي. ربما لأنه نظيف ومرتب جدا، ويؤدي عمله بكل دقه وسرعة، وهكذا يجب أن تكون مواصفات من يحكم العالم. بغض النظر عن الواقع، وأضع تحت هذه العبارة خط لاؤكد أني أدرك أن النظرية شئ وأن الواقع ليس بالضروة نفس الشئ، حتى لا يهب في وجهي أعداء الامبريالية الرأسمالية البيزنطية. وهذا ليس تخوف سريالي، فعلا هناك أشخاص ينتقون من معنى الكلام أرذله ويقررون الرد عليه واقحامك فيما لا ناقة لك فيه ولا جمل ولا حتى صرصور. حصل الأمر مؤخرا، حين دخلت في نقاش حامي الوطيس - أدركت لاحقا أنه كذلك- مع كاتب عربي اتهم الشيطان الأكبر وحلفاءه بأنهم السبب في كل مآسي العرب، دون أن يشعر بأي حاجة للإشارة بإصبع الاتهام ولو إلى أي عربي واحد أي عربي على الإطلاق!.
في بانكوك، بانكوك هذه صارت وجهتنا الطبية، كل مرض يشخصه أطباؤنا يتم تشخيصه بالعكس في بانكوك. فكم من سرطانات اتضح أنها مجرد أكياس دهنيه وأنسجة ما، وكم من عمليات كانت ستقطع أعضاء الجسد اتضح أن العلاج في حبة دواء أو قطرة ماء. أو هذا ما يتداوله الناس.
اقترب الأخ الساحر وقال: أريد التحدث معك، قلت: نعم؟ وبعد كيت وكات قال: هناك امرأه ما ( طبعا، فتش عن المرأه) إمرأه، تكبدت عناء اختلاس خصلات من شعري ولفها في شئ ما ودفنها في ليلة ظلماء في إحدى المقابر..ايييه االلهم عافنا، تبدو الحكاية مرعبة وأنا أكتبها الآن، كنت أستخف به في حينها!!
المهم هي تريد أن تؤذيني ومن المفترض أن يقوم عملها ذاك بهذه المهمة. يعني آلام في الجسد هنا وهناك، كسل، خمول ( آه الأن فهمت سر كسلي الأزلي، أنا مسحوره، لست كسولة ، ياما في الكسل مظاليم!). أخبرني أيضا أني سأعيش طويلا، لما يقارب الثمانين عاما أو أكثر. جعلني هذا أسترخي، أستطيع كتابة روايتي لاحقا. كتب باولو كويلهو روايته الرائعه "الخيميائي " بعد الأربعين، فرانك ماكوورت كتب تحفته "رماد أنجيلا" بعد الستين. أمامي ، أكثر من أربعين عاما.
أعطاني مواصفات هذه الحقودة الغادرة، ثم تحت إلحاحي أعطاني حرف إسمها الأول، ثم بعد مداولات ومناوشات ووعود بالكتمان قوية، أعطاني اسمها.
اها، لا أعرف غيرها بهذا الاسم.
ويبدو هذا الفعل لائق بها. لطالما أبدت مؤشرات. الآن، أسترجع الشريط بيننا من البداية في ذاكرتي، يبدو هذا الفعل المشين نتيجة طبيعية لمعطيات العلاقة القائمة على الصراحة والمواجهة من طرفي وعلى الصمت والتمسكن البارد من طرفها.
طلب مني وعدا ألا أخبر أحدا. بالطبع أعطيته إياه مع بعض العملة التايلندية.
أخبرت أمي، والأسره، والصديقات، وبعض الأصدقاء على المسنجر.
حسنا، أردت الاستئناس بآرائهم.
الأسره: لم يأخذ أحد الأمر على محمل الجد، ما يفسر ربما وقوعهم جميعا تحت مفعول السحر المخدر للحواس . الصديقات: البعض أشار إلي اللجوء لمشايخ الدين، والبعض أصر أن ألجأ لساحر لفك السحر، فما يفل الحديد إلا الحديد. أصدقاء المسنجر: وجدوها حكاية مسلية فيما يبدو، وفرصه للتقرب للجانب الإنساني مني، الجانب الخرافي الجبان.
حسنا الآن، كيف علي التصرف؟
صرت أفتح التلفزيون على إحدى قنوات القرآن وأنا نائمة، يظل القرآن يصدح في الغرفة فأشعر بالاطمئنان وأنام، اكتشفت لاحقا أن القناة تتحول إلى الموسيقى بعد فترة من الوقت!!. يال الهول!!
لم يمض كثير وقت حتى نسيت الموضوع.
وفي الحقيقة نشرته على الملئ استهزاءا به. وصار موضوع تندر عام " انتبهي قد تحولك إلى ضفدعه" قالت أختي، "لا بأس، إن كان سيأتي أمير وسيم لانقاذي" ، أمير ينقذ ضفدعه!، لازالت فسحة الأمل في اتساع مضطرد.
لكن حصلت أشياء لاحقا جعلتني أستعيد التفكير فيه وأخذه بجدية أكبر.
السرير يهتز فجأه وأنا نائمة لأستيقظ مفزوعة وأتحول إلى دجاجة منتوفة الريش من شدة الخوف. أتسلل لأنام في غرفة أختى الصغرى، على الأرض لضيق سريرها. بلا لحاف، فقط غطاء رأس أحاول أن أجعله يتسع لكل المساحة المهولة من أخمص القدم إلى قمة الرأس. لو كنا أفغانيات لكان التشادور مفيد جدا في هذه الحالة. حتما حماهن من مخاوف كثيرة، وأفكر أن غطاء المرأه يتسع كلما اتسعت مخاوفها!
وأيضا من العلامات الأخرى لمفعول السحر، مشاكل المعدة والجهاز الهضمي. أخبرني هو بذلك ، الساحر، أقصد عالم الفلك كما أسمى نفسه. أنا أسميته ساحر، لأنها كلمة واحدة فقط. بالطبع يمكن أن أسميه فلكي، ولكن أخشى أن تسقط اللام عند الطباعة والنشر وتصير فكّي فيضيع المعنى. من المؤسف أن معاني كثيره كبيرة قد ضاعت دوما بسبب أخطاء مطبعية صغيرة. عموما، كنت أعاني من اضطرابات الجهاز الهضمي مؤخرا، أرجعتها دوما لتخبيصي في الأكل، بيتزا بعد وجبات الريجيم الثلاث المفترض توزيعهن على مدار اليوم، لكن لضيق الوقت، واتساع البطن، يتحولن لوجبه واحده. ثم مشروبات غازيه ، بيبسي، كوكا كولا، ميرندا حمرا، أحببت دوما الميرندا الحمرا والفيمتو وعصير الرمان والبطيخ وكل شئ أحمر، ثم ميرندا برتقالية، قطعة حلوى، كعك ربما، حبات شوكلاته متلاحقه، ثم مكسرات مالحه بعد الحلو، طبعا! فأنا أكتب, والكاتب شخص عصابي، شخص يجب أن يتوتر في كل شئ، ويدخن بشراهه، وبما أنني لا أدخن، كان يجب أن أفعل شئ آخر بشراهة، الشراهة هي دليل التوتر، التوتر دليل التفكير، التفكير دليل الكتابة، الكتابة دليل الحياة. حسنا، كل واقع آخر محض خرافة.
الآن كل شئ أبتلعه يأتيني قافلا ، عائدا أدراجه من حيث دخل، لتصيبني حموضه وإحساس بحرقان في القلب. أحرق الله قلب كل ساحر ومن يلجأ إليه. قولوا آمين.
قلتم؟ أفترض ذلك. لن يضيركم لو فعلتم. حتى أولئك الظانين أنه محض هراء، قولوا آمين. بالمجان!.
حسنا، لم أستطع النوم في غرفة أختي. تصر على تشغيل المكيف، وأنا لا أحبه. أشعر بأني دجاجة في ثلاجة. يعني دجاجة خارج الثلاجة لا بأس. لكن مجمده؟ يصير الأمر .. مهين للغاية. كرهت دوما فكرة الاستلقاء بعجز، لذلك لم أذهب لمستشفى قط، أن تتمدد على سرير ما ومن المفترض أن لا تتحرك لأن أحد آخر أعلم منك عليه العبث بجسدك ليعرف علته. هزلت! ، أبدا، لن أستسلم مثل عنز استراليه في اتجاهها للمسلخ.
معروف عن الغنم الاستراليات استسلامهن لسكين الذبح. لذلك نحن أبدا لا نأكل لحمهن. أنا لم أر هذا الأمر بنفسي، لكن أمي أخبرتني التفاصيل، هي تحب شراء ذبائح العيد والمناسبات واللامناسبات بنفسها، تنتقي الأصايل، بنات القبايل، العربيات، أولئك النحيفات المليئات بالشعر دون اللحم، الملتصق عظامهن بجلدهن، دليل حسن الحسب والنسب والمجاعة. بعكس الأجنبيات المربرات المتغذيات على أطايب الأعشاب الخضراء الريانة، الجميلات مظهرا الفاسدات مخبرا.
قالت أمي " تساق الغنمة منهن، بكل هدوء، بل وتتقدم هي السائق لتسبقه إلى المذبح، يستلمها القصاب، وتتمدد من نفسها بكل أدب ورشاقة، تستلقي على أرضية المذبح، وكأنها سائحة تتشمس على شاطئ بحر، تعدل من وضع رقبتها، لتناسب وضعية السكين، وتُذبح بكل حضاره".!
فيما تكون العنزة العربية لا تزال ترفس وتركل وتقاوم مثل محارب شرس، عند مدخل المذبح.
لا يرضى الأصيل بالضيم. لذلك لا يدخل اللحم الاسترالي بيتنا. فنحن من أنصار الكرامة!

وها أنا مجددا ، في خضم كل الحكايات، أنسى أصل الحكاية.
حكاية السحر والساحر .. والنفوس المريضة ووجوب التحصن والاستعداد للمواجهة . أشعر بالتعب وبالرغبة في النوم وليمسخوني سحلية لو يشاؤون.
أتجه إلى الثلاجة ، أشرب دواء الحموضة، أسقط على الأريكة، أنام من الإعياء، مثل جندي احتياط عاد جريحا من حرب لم يشترك فيها و لم تعد كل الحروب تعني له أي شئ. أي شئ البتة.
أعتقد أني في الأصل غنمة استرالية!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مريم الساعدي :

قاصة من الإمارات ، لها مجموعتان قصصيتان هما :
( مريم والحظ السعيد ) الصادرة عن هيئة أبوظبي للثقافة ، ضمن مشروع " قلم " .
( أبدو ذكية ) الصادرة عن دار العالم العربي بدعم من مؤسسة محمد بن راشدآل مكتوم ضمن مشروع " أكتب " .