السبت، 25 فبراير، 2012

القبائل الكوكبية ..








القبائل الكوكبية ..



جريدة الرؤية العمانية ..



غدت الحركات الإسلامية هي القبضة التي استلمت زمام العالم العربي اليوم ؛ ففي كل من تونس ومصر وليبيا وغيرها نجس قوى إسلامية بدأت بالظهور العلني بعدما كانت متزحزحة في زمن مضى في أقبية أوطانها ..




ولابد أن ثمة أسباب وتداعيات أدت إلى تشكيل وتسيّد هذه الحركات الدينية ، وقد تناول الأديب " أمين معلوف " في كتابه " هويات قاتلة " بعض تداعيات هذا الصعود الإسلامي .. ففي الفصل الثالث من الكتاب تحت مسمى " زمن القبائل الكوكبية " وهو مسمى ألبسه المعلوف هذه الحركات الدينية ؛ لأنها حسبما تفسيره هي في الواقع كقبائل كوكبية ..




أما تسميتها قبائل بسبب مجموع هويتها أما عن لفظة كوكبية ؛ لأنها تجتاز الحدود بسهولة .. فالانتماء إلى عقيدة تتسامى بالانتماءات القومية والعرقية والاجتماعية ويبدو في نظر بعضهم كأنه طريقتهم الخاصة ليظهروا عالميين ..




وبجس نبض العصر سوف نرى أن " الانتماء الديني " غدا هو العنصر الأساسي للهوية .. وقد أضحى كل إنسان اليوم يشعر بأنه مدفوع كي يؤكد هويته الدينية بطريقة أو بأخرى ..!




ومبعث هذا الشعور كما يرجّح " أمين معلوف " هو تراجع العالم الشيوعي الذي انهار ، فلعب دورا حاسما في هذا التطور ويفسره بشكل أوضح بقوله : " فالماركسية تعد منذ أكثر من قرن بأن تؤسس على مجمل الكوكب مجتمعا من نمط جديد تستعبد منه فكرة الله وكان فشل هذا المشروع على مستويات المعنوية والفكرية أن أعاد تأهيل المعتقدات التي أراد رميها في سلال المهملات التاريخ وأن الدين كملجأ روحي وملاذ للهوية .. " ..




وليست الماركسية وحدها خسرت من سحرها كما يرى معلوف بل حتى " القومية العربية " التي صادرتها بعض الأنظمة التسلطية العاجزة والفاسدة مصداقيتها ..!




أما عن " النموذج الغربي " فهذا بدوره أيضا صورته الانبهارية تزحزح في مفهوم الشباب اليوم ؛ فالذين يغريهم " الفردوس الغربي " ليس من أمامهم من وسيلة سوى الهجرة ، إلا إذا كانوا ينتمون إلى إحدى طبقات الامتيازات التي تحاكي كيفما اتفق بعض مظاهر هذا النموذج .. ولكن البقية أولئك الذين يرغبون بقلب النظام القائم وكل الذين يجدون مشقة في إيجاد مكانهم في عالم يتغير بسرعة يغريهم المد الإسلامي ..




ثم يلقي المعلوف تفسيره بشكل أعمق على " روح العصر " في بعث التداعيات الهوية الدينية ؛ فإذا كان من الممكن تفسير التنامي الديني جزء من الفشل الشيوعية وجزء من المأزق الذي وصلت إليه معظم مجتمعات العالم الثالث وجزء منه بالأزمة التي تصيب النموذج الغربي لا يمكن فهم اتساع الظاهرة وشدتها دون العودة كما يرى معلوف إلى التطور الأخير المذهل في مجال الاتصالات ومجمل ما اتفق على تسميته بالعولمة ؛ فهذه العولمة تسببت كرد فعل تعزيزا للحاجة إلى الهوية ، كما أن القلق الوجودي الذي يرافق التغييرات المفاجئة جعل الجوانب الروحانية متعاظمة عند الأفراد ؛ لهذا كان الانتماء الديني هو الوحيد الذي يعزز الخواء المفاجئ الذي هبط مع العولمة المتسارعة وهو ما يعزز قيم الهوية ..




و الصعود الديني أكثر من مجرد رد فعل على التغيير في العالم ، وربما التأليف بين الحاجة إلى الهوية ومطلب العالمية ، إن جماعات المؤمنين تبدو في الواقع كقبائل كوكبية .. لأنها تسمو إلى العالمية ، هكذا يصبح الانتماء إلى جماعة من المؤمنين نوعا ما الخصوصية الأكثر شمولية والأكثر عالمية ، أو ربما يجب القول إنها عالمية الأكثر واقعية والأكثر " طبيعية " والأكثر تجذرا ..




وربما هذا أعمق تفسير لموقف الشباب اليوم من النموذج الغربي حين يؤخذ بكافة مجالاته وتطوره وينساق معه ولكن دون أن يخسر أو يؤثر ذلك على هويته و انتمائه الديني المتجذر في روحه ..




وكما هو شائع أن هذه التيارات الدينية وجدت بيئتها الخصبة في " الجامع " وانطلقت منها ، وفي مقابلة مطولة من صحيفة " الغارديان " البريطانية مع الشاعر السوري " أدونيس " كان قد تشاءم من الثورة السورية كون انطلاقتها كانت من الـــ" الجامع " وهو انطلاق يؤكد اختلاط الدين بالسياسة في بلاد ومجتمعات العرب ..




انطلاق هذه الحركات والتيارات الإسلامية من " الجامع " من أماكن العبادة أمر طبيعي في معظم المجتمعات التي تمارس سياسات وحشية وقمعية كما رأى " أمين معروف " في " هويات قاتلة " فلا تجد مكانها سوى " الجامع " كي تستجمع من دفئه الديني أمان وروح الإنطلاق ..




وفي مقالة للدكتور " خالد حروب " في إحدى الصحف العربية تناول فيها آراء " أدونيس " في مقابلته تلك ووقف عند عبارته "الفصل الكامل بين ما هو ديني وما هو سياسي". فعلّق بقوله :







" لا يمكن تحييد الدين تدريجيّاً عن السياسة بقرار فوقي، بل عبر التجربة، والتاريخ، والممارسة، وتطوير وعي عريض يتنامى مع الزمن. ومثل هذه العملية التدريجية يوفر أمرين، الأول هو انتشار وتعمق قناعة عند الرأي العام مبنية على التجربة تفيد بأن خلط الدين بالسياسة لا يؤدي إلا إلى تشويه الدين وتعطيل السياسة. والثاني يتمثل في اقتناع الناس بأن تحييد الدين عن السياسة لا يعني معاداة الدين والممارسات الدينية الفردية والجماعية التي لا يمكن استئصالها من المجتمعات. وهذه قناعات لا تحدث في وقت قصير، كما لا تتم بالتنظير الاستعلائي ولا التمنيات. وأفضل آليات ترسخها تتطور عندما تخرج عبر انتفاضات الإصلاح الديني الذي يصبح أمراً لا مناص منه كما حدث في التاريخ الأوروبي. وجوهر الإصلاح الديني يتمثل في محاولة طمأنة الأفراد على دينهم من غول السياسة، والحفاظ على السياسة من تغول الدين. فالسياسة والدين متعارضان بالتعريف، ذلك أن الأولى قائمة على "المتحول" في ما الدين يقوم على "الثابت"، وهذا التعارض تتفاقم أوجهه في الحياة الحديثة وتعقيداتها. فالثورات اللوثرية والكالفنية التي أعادت تشكيل المسيحية وعملت على تحييدها عن السياسة خرجت من رحم الدين نفسه عندما واجه تعقيد الحياة والسياسة. ومستقبل الدين والسياسة في البلدان والثقافة العربية والإسلامية الذي انفتح بعد الثورات العربية على مصاريعه سيتجه نحو مسارات شبيهة، لأن معضلات الحياة والسياسة تتشابه إن لم تتطابق شرقاً وغرباً. " ..







ليلى البلوشي




الاثنين، 20 فبراير، 2012

مادة " احتلوا " ..!












مادة " احتلوا " ..!







جريدة الرؤية العمانية







تحدثنا في مقالة الأسبوع الماضي عن مادة " التدبير المنزلي " التي خصصت في بعض الدول كمادة دراسية للإناث دون الذكور ، وكانت المقالة عبارة عن دعوة لجعلها ضمن مناهج الذكور نظرا للتبدل الحاصل في المجتمعات ..




والظريف في المسألة هو الخبر الذي قرأته من إحدى الصحف يشير إلى أن حركة " احتلوا " التي انطلقت الخريف الماضي في نيويورك في إطار حملة " احتلوا وول ستريت " للمطالبة بعدالة اجتماعية والتي انتشرت في بقية أنحاء الولايات المتحدة سرعان ما تحوّلت إلى مادة دراسية تعّلم في جامعة بمدينة شيكاغو ..




وذكرت صحيفة " شيكاغو صن تايمز " أن جامعة روزفلت في شيكاغو بدأت في الفصل الدراسي الجاري بتعليم مادة " احتلوا كل الأماكن " ، وهو صف علوم سياسية يتناول انطلاق الحركة ومسألة العدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة ..




بينما قال " جيف أدواردز " الأستاذ الذي يدّرس الصف : " أدرّس الحركات الاجتماعية وهذا أمر يظهر الآن أمامنا " ..




والمدهش من كل هذا أن المادة من ضمن نشاطاتها هو قراءة صحيفة صادرة عن الحركة " احتلوا غازيت " والمشاركة في اجتماعات عامة يقيمها الناشطون ..




ياللغرابة .. حين نقرأ نحن – العرب – خبرا كهذا ..!




ففي وقت يستحدثت فيه الغرب مناهجهم الجديدة ؛ لتوازي عصرنة الزمن وتطلعات الأجيال الحديثة في مقابل ذلك تشهد أجيالنا الجديدة حالات الخلاف السائدة في دولنا العربية التي ما تزال متأرجحة في قراراتها وعلى اختلاف عريض عفا عليه الزمن للمطالبة بحق الإناث في مادة التربية الرياضة المخصصة لمدارس الذكور فقط .. !




يا ترى كم سنة ضوئية يلزم أوطاننا حتى تعتزم تدريس أجيالها مواد ثورية وهي التي كانت في مقدمة من أشعل فكرة الثورات ..؟!




بالنظر إلى كل من الدول التي شهدت حركات الربيع العربي تونس ومصر وليبيا واليمن .. بالنظر إليها سوف نرى أن مستوى التعليم فيها متردي ومتأخر وعلى حاله منذ سنوات عتيقة ..!




فالمناهج التونسية كما هي مذ زمن زين العابدين ولعل أطفالها يرددون مآثره الغابرة في نشيد وطني .. وأطفال مصر على - ما يبدو - ما زالوا يقلبون تلك الصفحات التي تعظّم رئيسهم المخلوع حسني مبارك .. بينما صغار ليبيا يرددون شعارات زعيمهم معمر القذافي ..!




كأنما دمج الحركات الثورية في منهاج المواد الدراسية سيغدو حلما عربيا آخر يضاعف إلى مجموع أحلامهم المشرعة في فوهة التاريخ ..!




في سياسات الدول الغربية تحرص كل دولة في الحفاظ على تاريخهم بخيرهم وشرهم على سواء ؛ ففي أمريكا كل حدث له أرشيف من الذاكرة الأمريكية التاريخية كما بقية دول العالم التي أبقت على قامات رموزها وثوارها ، بل حتى سفاحيها ومجرميها وجبنائها والخونة منهم ؛ فالتاريخ يعرض كما هو دون إسقاط حق ودونما تشويه ..!




أما في دولنا العربية ثمة عقول مشككة تعاني من توجّس دائم ووسواس قهري يأت الخلف ليقدس تاريخه الشخصي فقط ويلغ كل ما له صلة بالسلف السابق أو ما له علاقة بالتاريخ ؛ فعلى سبيل المثال عندما قامت أمريكا بإسقاط نظام حكم صدام حسين في العراق ، نهجت الحكومة الجديدة على إلغاء كل ما له صلة بالرئيس صدام ونظامه .. ولو قدّر لها على اقتلاع تاريخه من جذور العراق وكأنه لم يكن لفعلت ..!




على هذا المنوال الخلف يلغ تاريخ السلف وهو أمر حتمي ، ففي دولنا العربية يوجد ما يسمى نظام تقديس الأصنام ..!




لكن بشأن حركات الثورية للشعوب العربية الوضع مختلف تماما وليس له علاقة بتاريخ شخصي بقدر ما له أهمية عظمى ؛ لأنه يشكّل تاريخ شعب بأكمله ؛ و لأنها نابعة من شعوب بكافة أطيافها ولم تكن حركات انقلابية حزب عن حزب ؛ لهذا فمسألة تجسيد هذه الحركات وترسيخها لدى الأجيال القادمة حق أصيل وضروري ؛ كي يستلهم منها القادمون وتشهد أزمانهم على تاريخ أجدادهم وكفاحكم العريض في طلب الحرية والعدالة والقضاء على الفساد وتأصيل كل القيم النبيلة في أوطانهم لأجل مستقبل زاهر يشملهم ويشمل أبناءهم ..




لهذا فالمطالبة بدمج انتفاضة الشعوب ويقظتها وثورتهم حق شرعي يجب التأكيد عليه قبل أن تتولى أي قيادة جديدة زمام الرئاسة في تلك الشعوب .. وعدم إرسائها ما هو إلا دليل قطعي على طمس حقائق تاريخية من حق الأجيال القادمة معرفتها والمرور عبر أحلامها وتطلعاتها ..




قريب من هذا المعنى ما كتبه الروائي البرتغالي الحاصل على جائزة نوبل " خوسيه ساراماغو " في مقدمة روايته " مسيرة الفيل " : " علينا أن نعترف بأن التاريخ ليس انتقائيا فحسب ، بل هو تمييزي أيضا ، إنه لا يأخذ من الحياة إلا ما يتفق مع حاجاته المادية المجتمعية ، ضاربا عرض الحائط كل الأحداث الأخرى التي تخص ربما ملايين البشر ، والتي يمكن أن يكون أكثر أهمية مما تم تدوينه ؛ لأنها تلقي الضوء وتفسر الكثير من الأمور الغامضة في تاريخ الإنسانية ، وأقول لكم بكل صدق : إنني أفضل ألف مرة أن أكون روائيا ويسرد أحداثا متخيلة ، أحيانا كاذبة على أن أكون مؤرخا يشوّه الأحداث ويقدمها على أنها حقائق .. " ..







لذا فلنطالب بالمحافظة على تاريخ ورموز وشهداء وأبطال ومطالب و ثورات ربيعنا العربي من سرطان التشويه وتلاعب العابثين والمخربيّن ومشوّهي الحقائق ، وذلك عبر رصدها وحفظها في سجلات ووثائق كتابية وتسجيلية يرثها الخلف عن السلف ؛ ولتغدو ذاكرة كاملة عن شعوب عربية ولجت التاريخ بشرارة يقظتها ..







ليلى البلوشي




الجمعة، 17 فبراير، 2012

تدبير منزلي ..!












تدبير منزلي ..!







جريدة الرؤية العمانية ..







حوار واقعي




- المرأة : زوجي لا يصلي ويتعاطى المخدرات .




- المجتمع : عليك بالصبر ؛ لعل الله يهديه ..




- الرجل : زوجتي لا تجيد الطبخ ..




- المجتمع : كيف تصبر عليها كل هذه المدة ، عليك بغيرها ..؟!







***




في سنوات التعليم السابقة قامت وزارة التربية والتعليم في الإمارات بتحديث المناهج الطلابية ، وكانت ضمن تلك الجدولة التحديثية إلغاء مادة التدبير المنزلي أو ما يسمى بالتربية الأسرية من جدولة التلميذات الإناث كون هذه المادة كانت مخصصة للإناث فقط في حدود حصتين أسبوعيا ؛ لتعليمهن فنون الخياطة والطبخ والاتيكيت أي ما يجهزها ربة بيت جيدة في المستقبل ، بينما الذكور ولعدم وجود تعويض يحل محل تلكم الحصتين ؛ فكان يسمح لهم بالخروج المبكر في نهاية كل آخر أسبوع من الدوام المدرسي ؛ وعلى مدار سنوات كان الحال على هذا النحو وكانت مادة التربية الأسرية مبعث خصب للتندر على الإناث من قبل الذكور؛ ففي وقت هن يقضينه لتعلم أصول الطبخ والخياطة كانوا هم يزجون الوقت في لعب كرة القدم أو ألعاب أخرى كانت متاحة في ذلك الوقت ..!




ولكن في أواخر التسعينيات قامت وزارة التربية والتعليم بخطوة ملموسة من نوعها وذلك بإلغاء مادة التدبير المنزلي من مناهج مدارس الإناث وفرضت عوضا عنها مادة الحاسوب وهي المادة التي شملت الجنسين الذكور والإناث معا ؛ بعد أن لمست وزارة التربية والتعليم أهمية مسايرة عصر التكنولوجيا والانفتاح العولمي ، كما أن منهاج التربية الأسرية أو التدبير المنزلي ما عاد لها تلك الأهمية القصوى في مجتمع متنام يوكل فيه جميع أفراده – مسؤولياته - بشكل واضح على العاملات في الاعتناء بشؤون البيت والطبخ وهلمّ جرا ..




لكن هناك مجتمعات ما تزال تشكّل مادة التدبير المنزلي أهمية ؛ في تلك التي ما تزال تحدد المرأة في حيز واحد متوحد كـ" ربة بيت " فقط ؛ رغم أن الأنثى اليوم توزعت مهامها إلى أمور شتى واكتسحت ساحات العمل بقوة ومنهن من تزعمت مناصب عالية في وطنها ، هنا أريد أن أقول : لماذا مادة التدبير المنزلي ليست ضمن مناهج الذكور في تلك الدول ..؟ ولماذا هي مخصصة للإناث فقط ..؟!




فإذا ما كنا في عصر يشهد للمرأة دورها القيادي في معظم أفرع الدولة ، وساعات عمل المرأة ليست أقل من ساعات عمل الرجل ، بل ثمة وظائف تتضاعف فيها ساعات عملها عن الرجل ، وهذه المرأة إضافة إلى وظيفتها خارج المنزل فإن لها أعمال أخرى تترقبها داخل البيت ، خاصة إذا كانت زوجة وأم ، في الحياة العامة مع تطورات وغلاء المعيشة بات عمل المرأة من الضروريات وليست ضمن الكماليات ، وأصبحت هذه المرأة تشارك في مصروف المنزل كالرجل تماما وربما أكثر ، والرجل في مجتمعاتنا غدا من أهم أهدافه البحث عن زوجة تعمل ويفضلها على التي لا وظيفة لها .. فلماذا مع التطورات التي تجرف المرأة ومتغيرات المجتمع تظل مهام المرأة نفسها والنظرة عينها من المجتمع ، بينما الرجل لا تطرأ عليه تغيرات الحياة والمجتمع ..؟!




الرجل يتمدد بذكوريته في المجتمع ، فمهامه لم يمسها تغيير وبجانبه امرأة تتحمل أثقال الحياة سواء ما يخص الأبناء أو المنزل ، بينما المرأة تتقلص لا تكاد تجد نفسها مع مسؤولياتها الجسيمة في داخل وخارج المنزل .. أليس من المفروض أن يكون ثمة توازن في المشاركة بين هذين الجنسين ، فلماذا لا يدرس الذكور منهاج التدبير المنزلي ويتعاطوا بعض المسؤوليات قبل أن يتحولوا إلى رجال برتبة أزواج ..؟!




وفي هذا مكسب للجنسين فكلاهما يساهمان في بناء حياتهما الزوجية وتربية الأبناء كثنائيين متوحدين في زمن طرأت عليه تغييرات جمة ولكن بقيت بعض الأعراف التقليدية على الصعيد الاجتماعي جامدة وثابتة عن منظومة التغيير ، كما أنه يساهم في القضاء على النظرة الدونية لدور المرأة المهم في المنزل ؛ فهناك بعض مجتمعات تحمل نظرات عدائية تجاه الأنثى ؛ خاصة تلك المنغلقة والمتشددة والتي ترى أن المرأة تختصر كربة منزل فقط وكل مطالبة لها خارج هذا النطاق إنما هو تمرد والخروج عن العرف ، حتى أولئك الذين يدّعون التحضر والقبول السطحي لنيل حرياتها ففي أعماقهم تظل المرأة كما هي ؛ لهذا على هذه المرأة أن تتحمل وحدها مهامات الداخلية والخارجية بما أنها هي التي طالبت بالمساواة بين الجنسين فعليها أن تكون رجلا في خارج المنزل تكد وتصرف مثله وفي الوقت نفسه تمارس دورها الأنثوي الكامل بلا أي تقصير داخل المنزل ؛ ومع أي تقصير حاصل فإن الرجل الإزدواجي جاهز ليفرض تهديداته وشروطه إما الزواج من أخرى أو منع عملها خارج المنزل ..!




بينما ثمة نمط رجولي متفهم لمدى ما تكابده المرأة من مسؤوليات خارج المنزل ؛ فتقوم هذه الجوقة بمساندة المرأة قدر المستطاع في داخل المنزل ، وكثير من نساء عربيات يشكرن ويقدرن أفضال رجالهن عليهن في مثل هذه الأمور .. فهناك رجال يطبخون ويكنسون ويغسلون ويعتنون بالأطفال في غياب الأم مع الوظيفة ؛ لهذا ثمة أسرّ استغنت عن الخادمات وبعضهم قلل من وجودهن في منازلهم ..




و آخرون يرون أن على المرأة التي أعلنت صوت تحررها بمساواتها مع الرجل أن تتحمل عبء مطالبتها بالمساواة ؛ فكثير من حركات التطرف النسوية تركت أثرا سيئا لدى بعض الذكور فيردون عليه بتطرف مماثل ، لكن ما يفوت مفاهيم البعض أن المرأة تريد التكامل مع الرجل لا التماثل معه وشتان ما بين التماثل والتكامل ..!




قصارى القول : على المجتمعات أن تسعى في القضاء على النظرات العنصرية تجاه المرأة ؛ وإرساء قوانين وواجبات يتحملها كلا الجنسين في جميع نواحي الحياة العامة وخاصة ؛ فإذا ما كانت بعض الدول تقوم بتدريس إناثها التدبير المنزلي ، فإن عليها التفكير مليا مع تطورات المجتمعات والتغييرات الحاصلة أن تدخلها ضمن جدولة الذكور ؛ كي يتفهم الرجل مهام المرأة ويعدّ شؤون المنزل جزءا من مسؤوليته ..




والغريب أن من ضمن جدولة بعض المجتمعات هو جعل مادة التربية الرياضية والتربية الوطنية مختصرة على الذكور فقط ، بينما الإناث فلا يحق لهن القيام بهذه الرياضيات أو تبني مفاهيم المواطنة والوطنية لا لشيء فقط لكونها أنثى ..!




أليست هذه الأنثى عندما تتحول إلى أم هي من تغرس في نفوس أطفالها معنى الوطن والوطنية بل الأم بحد ذاتها وطن كبير ؛ فبأي سبيل تفعل ذلك وهي في مجتمع يقلّص من وطنيتها في عالم ذكوري يرى أن الوطن والمواطنة شأن يناقشه الرجال فقط ..؟!




ومن عجائب تلك المجتمعات أنهم يرون أن عمل نسائهم في محال لبيع المستلزمات النسائية وخلافه جرما وحراما بحقهن ؛ فهذا الإجراء غير المسبوق في تلك المجتمعات سوف تفتح عيون النساء على بعضهن البعض وتسلب حق الرجل أحقية الرقابة واختيار ما يلاءم نسائهن وفقا لقاعدة " ولي الأمر أدرى بأمر امرأته " ..!




أليس من حق من تدرس إجباريا التدبير المنزلي أن يكون من أولى مهاماتها بيع ما يستلزم من ملبوسات تخصها وحدها ؛ ألا يسقط هذا الفعل المجتمع الذكوري الذي نأى عن نفسه منهاج التدبير المنزلي كونه شأن خاص بالنساء في فخ التناقض وفوق هذا يعمل هؤلاء الذكور كخياطين وطهاة في خارج منازلهم ..؟!




لا أقول سوى ما قالته الكاتبة " غادة السمان " : " هذه هي المرأة التي صمموا على تحطيمها باسم الدين ، لماذا ..؟ ولمصلحة من .. ؟ وهل يرضى الدين الذي كان تنظيم الفعاليات الإنسانية بشكل مجتمع فاضل من أولى غاياته ، هل يرضى مثل هذا الدين بإعدام هذه الفعاليات المثمرة باسمه هو .. ؟ وهو الذي كان أول من كرمها وقدرها ..؟ " ..!







ليلى البلوشي

الاثنين، 6 فبراير، 2012

أنا القانون ..!









أنا القانون ..!







جريدة الرؤية العمانية ..







في حكاية عن " دوق روشينغ " الذي تناول الكاتب والباحث الفرنسي " سيناك مونكو " في كتابه " تاريخ الحب " 1817 – 1814 روايتها ؛ فقد كان من أقوى أسياد أوسترازيا يتلهى بحرق أفخاذ جواريه المسكينات بواسطة شمعة يشعلها ويطفؤها على لحوم أفخاذهن العارية ، وكلما كن يتلوين من ألم الحروق البليغة كان يطرب لذلك ، ولكنى الأنكى بشاعة أن هذا السيد الإقطاعي لديه زخم من الفطنة ليمارس اللعب بالكلمات بحذاقة ؛ فلما تجرأ شاب وشابة يعملان في مزرعته على أن يتزوجا دون إذنه استشاط غضبا ، ومع أنه قدم لأحد الكهنة ضمانا بأن لا يفرق بينهما ، فقد زوجهما على طريقته الخاصة إذ دفنهما حييّن في نفس القبر ..!




كما اذكر مسرحية للأطفال ، تحكي عن ملك يصدر قرارات شاذة ؛ متبجحا أنه يقوم بالصواب في مجتمع رعيته خانعون خاضعون فيغيب الحسيب ، وحين يبالغ هذا الملك في تدشين قرارين غير مألوفين من حشد قراراته العبيطة هنا يقف الشعب معترضا غاضبا ، فيتجلى المشهد بدخول الابن الحكيم على أبيه المتغطرس قائلا له : لا أخفيك يا أبي ، الشعب كله غاضب .. فيرد الملك – كمن يتذكر - : الشعب ، الشعب ، سمعت هذه الكلمة من قبل ، من أغضب الشعب ؟ فيوضح ابنه الأمير : قراراتك يا أبي .. فيقول الملك : أي قرارات ؟ قراراتي كثيرة ..! ويتابع متمتما : هي قرارات صائبة ، اتخذتها بنفسي .. فيعلق ابنه الأمير : يا أبي ، أسمعت ملكا في الدنيا يحكم على شعبه بأن يمشي على يديه .؟! فيرد عليه الملك بسذاجة : أردت أن أريح أقدامهم ..! فيضاعف الابن استنكاره : أرأيت ملكا في الدنيا ، يزج بوزيره في السجن لأنه داس خياله ..؟! فيجيبه الملك باعتباط أكبر : أنت لا تحس بي يا بني ، كسر الوزير عظامي عندما داس خيالي ..!




فإذا ما كانت هذه المسرحية من نسيج خيال كاتبه وتتبدى بها رمزية عالية عن قرارات نافذة يعكف على إصدارها بغطرسة واضحة بعض الحكام ؛ لا شيء سوى مزاجية وحب التملك واعتقاد الأبدي بالتعالي والفوقية وتملك الكلي للرعية ..!




ولا أبعد عن هذه الجوقة المستبدة بالوحشية بقراراتهم الشاذة وأمزجتهم المتخبطة رئيس كوريا الشمالي الحالي ؛ الذي أصدر قرارا شاذا هو الآخر ولا يكاد يخلو من مغبة الغرابة وهو معاقبة الشعب الكوري الشمالي ؛ لأنهم لم يحزنوا بما يكفي على رحيل زعيمهم المبجل ..!




وتلك العقوبة بندها أن يقضي المواطنون أشهرا في عدة معسكرات للعمل الإلزامي عن مدة لا تقل عن ستة أشهر ؛ لأنهم لم يحزنوا بالشكل الكافي لوفاة الزعيم " كيم جونغ إيل " وحتى الفئة التي شاركت وحضرت مراسيم الرحيل لم تبك كما يجب وهذا يلمح إلى انطباع على أن حزنهم لم يكن حقيقيا ..!




ولا تقف السياسة الشاذة إلى هذا الحد ، بل تسعى إلى فرض عقوبات أخرى وإعادة تأهيل لكل من توسله نفسه ترويج إشاعات وانتقادات حول انتقال السلطة المتوارثة داخل الأسرة الحاكمة ..!




مع كل هذه القرارات ارتفع منسوب الخوف بين أفراد الشعب الذي اكتفى فقط إلى اتهام الزعيم الشاب الواعد " كيم جونغ اون " بتسببه في تعذيبهم ..!




كأنما نحن أمام نموذج تاريخي برز في فرنسا قبل الثورة الفرنسية الكبرى ، وذلك حين أعلن ملك فرنسا عملية التماهي بينه وبين القانون فأعلن : " أنا القانون ، والقانون أنا .." مما فتح الباب على مصراعيه أمام أكثر من حكم " ملكي " وراثي ، فلقد تحول الوطن إلى ملكية خاصة فاقدة حتى للضوابط القانونية المكتوبة والمقرّ بها " ..!




لا أبعد حال هذه الجوقة عن الملك الذي وصفه الشاعر الكردي " لطيف هملت " في نص من نصوصه :




" أمر الملك باعتقال البحر




فصار البحر غيما




أمر الملك باعتقال المطر




فصار المطر فيضانا




الملك أمر باعتقال الفيضان




فالتهمه السيل بأسنانه الحادة .."







وطوبى لجسارة الفيضان ..!




ليلى البلوشي