الجمعة، 17 فبراير، 2012

تدبير منزلي ..!












تدبير منزلي ..!







جريدة الرؤية العمانية ..







حوار واقعي




- المرأة : زوجي لا يصلي ويتعاطى المخدرات .




- المجتمع : عليك بالصبر ؛ لعل الله يهديه ..




- الرجل : زوجتي لا تجيد الطبخ ..




- المجتمع : كيف تصبر عليها كل هذه المدة ، عليك بغيرها ..؟!







***




في سنوات التعليم السابقة قامت وزارة التربية والتعليم في الإمارات بتحديث المناهج الطلابية ، وكانت ضمن تلك الجدولة التحديثية إلغاء مادة التدبير المنزلي أو ما يسمى بالتربية الأسرية من جدولة التلميذات الإناث كون هذه المادة كانت مخصصة للإناث فقط في حدود حصتين أسبوعيا ؛ لتعليمهن فنون الخياطة والطبخ والاتيكيت أي ما يجهزها ربة بيت جيدة في المستقبل ، بينما الذكور ولعدم وجود تعويض يحل محل تلكم الحصتين ؛ فكان يسمح لهم بالخروج المبكر في نهاية كل آخر أسبوع من الدوام المدرسي ؛ وعلى مدار سنوات كان الحال على هذا النحو وكانت مادة التربية الأسرية مبعث خصب للتندر على الإناث من قبل الذكور؛ ففي وقت هن يقضينه لتعلم أصول الطبخ والخياطة كانوا هم يزجون الوقت في لعب كرة القدم أو ألعاب أخرى كانت متاحة في ذلك الوقت ..!




ولكن في أواخر التسعينيات قامت وزارة التربية والتعليم بخطوة ملموسة من نوعها وذلك بإلغاء مادة التدبير المنزلي من مناهج مدارس الإناث وفرضت عوضا عنها مادة الحاسوب وهي المادة التي شملت الجنسين الذكور والإناث معا ؛ بعد أن لمست وزارة التربية والتعليم أهمية مسايرة عصر التكنولوجيا والانفتاح العولمي ، كما أن منهاج التربية الأسرية أو التدبير المنزلي ما عاد لها تلك الأهمية القصوى في مجتمع متنام يوكل فيه جميع أفراده – مسؤولياته - بشكل واضح على العاملات في الاعتناء بشؤون البيت والطبخ وهلمّ جرا ..




لكن هناك مجتمعات ما تزال تشكّل مادة التدبير المنزلي أهمية ؛ في تلك التي ما تزال تحدد المرأة في حيز واحد متوحد كـ" ربة بيت " فقط ؛ رغم أن الأنثى اليوم توزعت مهامها إلى أمور شتى واكتسحت ساحات العمل بقوة ومنهن من تزعمت مناصب عالية في وطنها ، هنا أريد أن أقول : لماذا مادة التدبير المنزلي ليست ضمن مناهج الذكور في تلك الدول ..؟ ولماذا هي مخصصة للإناث فقط ..؟!




فإذا ما كنا في عصر يشهد للمرأة دورها القيادي في معظم أفرع الدولة ، وساعات عمل المرأة ليست أقل من ساعات عمل الرجل ، بل ثمة وظائف تتضاعف فيها ساعات عملها عن الرجل ، وهذه المرأة إضافة إلى وظيفتها خارج المنزل فإن لها أعمال أخرى تترقبها داخل البيت ، خاصة إذا كانت زوجة وأم ، في الحياة العامة مع تطورات وغلاء المعيشة بات عمل المرأة من الضروريات وليست ضمن الكماليات ، وأصبحت هذه المرأة تشارك في مصروف المنزل كالرجل تماما وربما أكثر ، والرجل في مجتمعاتنا غدا من أهم أهدافه البحث عن زوجة تعمل ويفضلها على التي لا وظيفة لها .. فلماذا مع التطورات التي تجرف المرأة ومتغيرات المجتمع تظل مهام المرأة نفسها والنظرة عينها من المجتمع ، بينما الرجل لا تطرأ عليه تغيرات الحياة والمجتمع ..؟!




الرجل يتمدد بذكوريته في المجتمع ، فمهامه لم يمسها تغيير وبجانبه امرأة تتحمل أثقال الحياة سواء ما يخص الأبناء أو المنزل ، بينما المرأة تتقلص لا تكاد تجد نفسها مع مسؤولياتها الجسيمة في داخل وخارج المنزل .. أليس من المفروض أن يكون ثمة توازن في المشاركة بين هذين الجنسين ، فلماذا لا يدرس الذكور منهاج التدبير المنزلي ويتعاطوا بعض المسؤوليات قبل أن يتحولوا إلى رجال برتبة أزواج ..؟!




وفي هذا مكسب للجنسين فكلاهما يساهمان في بناء حياتهما الزوجية وتربية الأبناء كثنائيين متوحدين في زمن طرأت عليه تغييرات جمة ولكن بقيت بعض الأعراف التقليدية على الصعيد الاجتماعي جامدة وثابتة عن منظومة التغيير ، كما أنه يساهم في القضاء على النظرة الدونية لدور المرأة المهم في المنزل ؛ فهناك بعض مجتمعات تحمل نظرات عدائية تجاه الأنثى ؛ خاصة تلك المنغلقة والمتشددة والتي ترى أن المرأة تختصر كربة منزل فقط وكل مطالبة لها خارج هذا النطاق إنما هو تمرد والخروج عن العرف ، حتى أولئك الذين يدّعون التحضر والقبول السطحي لنيل حرياتها ففي أعماقهم تظل المرأة كما هي ؛ لهذا على هذه المرأة أن تتحمل وحدها مهامات الداخلية والخارجية بما أنها هي التي طالبت بالمساواة بين الجنسين فعليها أن تكون رجلا في خارج المنزل تكد وتصرف مثله وفي الوقت نفسه تمارس دورها الأنثوي الكامل بلا أي تقصير داخل المنزل ؛ ومع أي تقصير حاصل فإن الرجل الإزدواجي جاهز ليفرض تهديداته وشروطه إما الزواج من أخرى أو منع عملها خارج المنزل ..!




بينما ثمة نمط رجولي متفهم لمدى ما تكابده المرأة من مسؤوليات خارج المنزل ؛ فتقوم هذه الجوقة بمساندة المرأة قدر المستطاع في داخل المنزل ، وكثير من نساء عربيات يشكرن ويقدرن أفضال رجالهن عليهن في مثل هذه الأمور .. فهناك رجال يطبخون ويكنسون ويغسلون ويعتنون بالأطفال في غياب الأم مع الوظيفة ؛ لهذا ثمة أسرّ استغنت عن الخادمات وبعضهم قلل من وجودهن في منازلهم ..




و آخرون يرون أن على المرأة التي أعلنت صوت تحررها بمساواتها مع الرجل أن تتحمل عبء مطالبتها بالمساواة ؛ فكثير من حركات التطرف النسوية تركت أثرا سيئا لدى بعض الذكور فيردون عليه بتطرف مماثل ، لكن ما يفوت مفاهيم البعض أن المرأة تريد التكامل مع الرجل لا التماثل معه وشتان ما بين التماثل والتكامل ..!




قصارى القول : على المجتمعات أن تسعى في القضاء على النظرات العنصرية تجاه المرأة ؛ وإرساء قوانين وواجبات يتحملها كلا الجنسين في جميع نواحي الحياة العامة وخاصة ؛ فإذا ما كانت بعض الدول تقوم بتدريس إناثها التدبير المنزلي ، فإن عليها التفكير مليا مع تطورات المجتمعات والتغييرات الحاصلة أن تدخلها ضمن جدولة الذكور ؛ كي يتفهم الرجل مهام المرأة ويعدّ شؤون المنزل جزءا من مسؤوليته ..




والغريب أن من ضمن جدولة بعض المجتمعات هو جعل مادة التربية الرياضية والتربية الوطنية مختصرة على الذكور فقط ، بينما الإناث فلا يحق لهن القيام بهذه الرياضيات أو تبني مفاهيم المواطنة والوطنية لا لشيء فقط لكونها أنثى ..!




أليست هذه الأنثى عندما تتحول إلى أم هي من تغرس في نفوس أطفالها معنى الوطن والوطنية بل الأم بحد ذاتها وطن كبير ؛ فبأي سبيل تفعل ذلك وهي في مجتمع يقلّص من وطنيتها في عالم ذكوري يرى أن الوطن والمواطنة شأن يناقشه الرجال فقط ..؟!




ومن عجائب تلك المجتمعات أنهم يرون أن عمل نسائهم في محال لبيع المستلزمات النسائية وخلافه جرما وحراما بحقهن ؛ فهذا الإجراء غير المسبوق في تلك المجتمعات سوف تفتح عيون النساء على بعضهن البعض وتسلب حق الرجل أحقية الرقابة واختيار ما يلاءم نسائهن وفقا لقاعدة " ولي الأمر أدرى بأمر امرأته " ..!




أليس من حق من تدرس إجباريا التدبير المنزلي أن يكون من أولى مهاماتها بيع ما يستلزم من ملبوسات تخصها وحدها ؛ ألا يسقط هذا الفعل المجتمع الذكوري الذي نأى عن نفسه منهاج التدبير المنزلي كونه شأن خاص بالنساء في فخ التناقض وفوق هذا يعمل هؤلاء الذكور كخياطين وطهاة في خارج منازلهم ..؟!




لا أقول سوى ما قالته الكاتبة " غادة السمان " : " هذه هي المرأة التي صمموا على تحطيمها باسم الدين ، لماذا ..؟ ولمصلحة من .. ؟ وهل يرضى الدين الذي كان تنظيم الفعاليات الإنسانية بشكل مجتمع فاضل من أولى غاياته ، هل يرضى مثل هذا الدين بإعدام هذه الفعاليات المثمرة باسمه هو .. ؟ وهو الذي كان أول من كرمها وقدرها ..؟ " ..!







ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق