الجمعة، 29 يناير، 2010

الرابحة


الرابحة

عزة رشاد

وحدك لم تتغيري "أيتها الماكرة"، بينما أكلتنا الكهولة، سعاد سمنت وترهل جسمها بعد أن امتلأت بطنها وأفرغت حمولتها أربع مرات، نصفهم أولاد ونصفهم بنات، هذا بخلاف آلام الظهر والمفاصل التي اقتنصت ضحكتها القديمة المميزة، أما هند فعودها النحيل لم يتغير لكن الهموم والتجاعيد تجعل من يراها يعطيها عشر سنوات فوق عمرها، وأنا، والحمدلله على كل شيء، أخذت بعضاً من هند وبعضاً من سعاد، فالمرء على دين خليله كما تعلمين।

أنتِ الوحيدة التي مازلتِ جميلة وشابة، بشعرك الأسود الطويل تعقدينه "ذيل الحصان" بشريط وردي، وعينيك الواسعتين المندهشتين، وساقيك الطويلتين المنفلتتين من تحت المريول الكاكي، كما شهدتك ساحة المدرسة، وأنتِ لم تبلغي بعد عامك السادس...
ستة أكف متشابكة في أغنية البنات الطفولية:
إحنا التلاتة.......... سكر نباتة
تظهرين أمامنا وحيدة ومرتبكة، في أول يوم لك بالمدرسة، تدورين حول نفسك:
دوخيني يا لمونة دوخيني...
أفك تشابك يدي من يد سعاد وتلتقط كل منا إحدى كفيك الصغيرتين ونعدل غنوتنا:
إحنا الأربعة أجمل أربعة

نقطع عود العسلية إلى أربع قطع متساوية، ونقسم حبات الحرنكش على أربعة، ونمرر الدومة المعسلة علينا، كل واحدة قضمة، ونفرش فوق حصى الحوش وشاح هند لنعمل غديوة في فسحة المدرسة بتشاركنا سندوتشات الجبن القريش والحلبة المحوجة والبطاطس المحمرة والحلاوة الطحينية.
لكننا، بعد فترة قصيرة، سنقذفك بنفس الحصى ونجرسك بالصياح
يا فاطرة رمضانيا خاسرة دينك
كلبتنا السودة هتقطع مصارينك

حدث هذا بعد أن ضبطتك هند تقضمين الرغيف الساخن وهو خارج من الفرن قبيل المغرب في أول يوم بحياتنا، نصومه كاملاً احتجاجا على اتهام الكبار لنا "أبناء أولى ابتدائي" بالضعف وقلة الاحتمال تجاه البأس الذي يحتاجه صوم الشهر الكريم.
تثورين على اتهامنا وتبررين فعلتك الجبارة بعبارة خرجت من فمك صادقة تماما، فأخمدت ثورتنا، لكنها جعلت أمي تنحني من الضحك والعجب حينما ذكرتها لها:
ـ أنا ذقته. بس مابلعتهوش
تثورين على سخريتنا وتتعاين على لعبتنا وغنوتنا وتفكين كفيك وتبتعدين. تدورين في خيلائك البعيد وفي الوسعاية الممتدة تحت البيت:
دوخيني يا لمونة دوخيني....
وتدارين تقصيرك في حفظ القرآن في كتّاب الشيخ إبراهيم بعبارة تفسطنا من الضحك وتكف يده عنك:
ـ الذنب مش ذنبي। ده ذنب مخي. هوة اللي مابيعرفش يحفظ.

نداري ضحكاتنا في ثنايا أكمامنا "كنا صغاراً وليغفر المولى لنا ولكِ"، بينما ينظر الشيخ إبراهيم لبراءة وجهكِ حائراً وعاجزا عن التصرف، وعصاه المرفوعة في وجهك ترتد إلى جانبه، ويده التي ضربت كل من أخطأت في كلمة أو حتى حرف واحد تنجحين في جعلها تقتصر عنك أيتها الماكرة. الشيخ إبراهيم الذي تجهم وجهه ولم يستطع أن يأخذ منك حقاً ولا باطلاً لن يسعفه لسانه قبيل انتهاء الدرس سوى بالصياح بعبارة واحدة:
ـ اللي مخه مابيعرفش يحفظ ما يورينيش وشه تاني.

ورحنا نكبر ويكبر معكِ عنادك، فتناكفين أبلة وداد مدرسة الفيزياء:
ـ مابأحبش الفيزياء. غصب عني
تنظر لكِ مندهشة وهي تفكر بعبارتك عاجزة عن الرد إلا بعد برهة طويلة وتدهشنا بصوتها المنخفض وغير الحاسم:
ـ مفيش في المدرسة حاجة اسمها بأحب وما بأحبش.
تربحين هذه الجولة أيضاً بمفاجأة غرمائك وإرباكهم فيعجزون عن النيل منك.
تسألك سعاد:
ـ مابتحبيش الفيزيا! طب بتحبي إيه؟
كان حلم سعاد تصبح طبيبة تداوي المرضى فيمطرونها بالأدعية الطيبة، وكان حلم هند أن تصبح معلمة تربي النشء على السلوك القويم، وكان حلمي أن أصبح داعية لدين الحق، يصل صوتي إلى كل حدب وصوب.
ـ وأنتِ؟
ـ نفسي أبقى.....

ـ نفسي أبقى.....
ـ ها؟
بعد أن تطلّعي روحنا تفاجئينا، وأنت تميلين فوق الجسر يمينا وياسرا، بتلك الإجابة العجيبة التي تميتنا من الضحك
ـ نفسي أبقى عروسة النيل
إجابة متعجلة أسعفتك بها رؤيتك للماء يجري تحت الجسر أم كان إلهاما من المولى عز وجل؟
ـ ومين قالك يا اختي إن النيل ناقصه عرايس!!
تغضبين من سخريتنا قليلاً ثم تتحينين الفرصة لمصالحتنا في اليوم التالي، لكن كله كوم وحكايتك مع أبلة رقية، مدرسة الثانوي، كوم:
ـ الجونلة دي لازم تطول شوية. حطي ف عينك حصوة ملح!
وفيما تلتف عيوننا حول ساقيك الممشوقتين تفاجئيننا بدوي حنجرتك المنفلت:
ـ الملح خلص من زمان. أعملك إيه؟
سعاد، التقية منذ طفولتها، عندما لاحظت نمو نهديها غطت جسدها كله بالعباءة الفضفاضة، وهند التي كان شعرها أجمل ما فيها غطته بخمار طويل، وأنا الغيورة على ديني راعيت أن أكون قدوة للأخريات فرفضت لبس البنطال والثياب القصيرة وحافظت على حجابي وهو لم يجب عليّ بعد، فيما أنتِ مستمتعة بهدهدة ذراعيكِ المكشوفتين :
ـ اللهم دمها نعمة واحفظها من الزوال.
أتأمل ذراعيك المكتنزتين البديعتين ثم ألتفت مبتعدة بعيني عنهما وأستغفر الله عنكِ وعني।

وتحتملين، في ذلك اليوم، من عصا أبلة رقية عشر ضربات، خمس على كل كف، دون أن تنزل دمعة من عينك، ثم تلوميننا في المرواح لأننا لم نقف معكِ ضدها، هذا لأنكِ لن تلاحظي الغضب الذي منحته عبارتك المستخفة لعينيها، لم تلاحظي انتفاضة عضلات وجهها وكم التوتر الذي عانته بسببك، أنتِ، الشريك المخالف كما كان يحلو لها أن تصفك مفسرة سلوكك المدهش بالرغبة التافهة في لفت الأنظار ليس إلا.
حكاية العصي العشر كانت ستصبح الموضوع الأكثر ذيوعاً بالمدرسة لعدة أيام تالية لولا أن غطت عليها حكايتك الأخرى.. عندما ركلتِ شاباً، كان متزعماً زميليه في معاكستنا في الطريق بسبب جونلتك القصيرة، ركلته ركلة أسفل بطنه جعلته يتلوى ويصرخ متألماً فيضطر زميليه لنقله للمستشفى ويغدو حديث البلدة كلها هو توبة الشبان عن معاكسة البنات بفضل البنت ذات الساقين الطويلتين وتربحين هذه المرة أيضاً، بفضل رب العباد الذي ينقذك كل مرة وبدلاً من أن تدركي خطورة بدعك ومغامراتك تسخرين من نصائحنا عن أمان البنت بالالتزام واجتناب الشبهات، وتتمادين في خرقك لكل مألوف فيزداد ترجيحي بصحة تصور أبلة رقية عن ولعك بلفت الأنظار الذي تؤكدينه بردك المستهتر عندما نحذرك من عاقبة سفورك وتبرجك:
ـ اللي يبان مني.. زكاة عني
عبارة لو قالتها غيرك لاستحقت في نظري القتل، غير أن الجيرة وصداقة الأهل وزمالة الفصل، وربما أسباباً أخرى، تجعلني أتمتم بالاستغفار لي ولكِ.

لكن الذنب هو ذنب الأبلة "شادية" موجهة الفنون التي حضرت معنا حفل المدرسة الثانوية..
أعددت نفسي لتلاوة آيات من الذكر الحكيم كافتتاحية للحفل، كما جمعت سعاد بعض الحكم والمواعظ ونبذة عن الإسعافات الأولية وتطوعت هند بعمل السندوتشات والكيك والشاي..
ـ وأنتِ؟
ـ مش عاملة حاجة
ثم تفاجئينا قبل نهاية الحفل، عندما أخذ الولد تامر، أخو زميلتنا هالة، يعزف على الأوكورديون، تفاجئينا بتلك الخطوات البهلوانية التي سايرت إيقاع الأوكورديون بشكل أثار بهجة أبلة شادية فقفزت نحوك مصفقة ومهللة، وراحت تلوم مديرة المدرسة:
ـ معقول تهملوا المواهب الأصيلة دي!؟
ينشال أبوكِ وينهبد : فرقة فنون شعبية؟ عايزة تبقي رقاصة يا بنت الحاج علي؟
تلوي سعاد شفتيها بأسى: يخلق من ضهر العالم فاسد !
تقفين على أطراف أصابعك وتدورين بطول الصالة وعرضها، تحسبين والدتك الطيبة ستقتنع بموهبتك المزعومة وتدعم موقفك أمام أبيك الحاج علي:
ـ موهبة إيه! وزفت إيه! عايزة تفضحينا في البلد؟
ترقيكِ والدتك وتدور تبخر البيت من الفجر حتى الضحى كى يبتعد عنه الشيطان الرجيم؟
أتذكر عبارة أبلة رقية، فأهمس لأبيك ألا يضخم الأمر كي لا تتشبثي به أكثر، باعتبارك الشريك المخالف، لكن أباك يعود ويلومنا مؤكدا أن موقفه غير الحاسم زادك ولعاً وتمسكاً بمبتغاكِ اللعين।

لم يهدأ للحاج علي بال حتى ذهب بنفسه إلى المدرسة ووبخ المديرة على الفكرة المبتدعة كما سمعنا أنه ذهب في ذلك حد تهديدها بتحرير محضر شرطة ضدها إذا لم تسحب اسمك من فرقة الفنون.
أما أنتِ فقد رفضتِ نصحنا وسخرتِ من تحذيراتنا:
ـ عايزة تعرضي جسمك للناس؟
ـ البنات بفرق الفنون والرقص عمرهم ما يوردوا على جنة
تصيحين بغيظ:
ـ إيش عرفك؟ خطفتي رجلك لغاية هناك وشفتي مين في الجنة؟ ومين في النار؟
نستغفر الله عنك ونتضرع له أن يغفر لكِ وأن يهديكي سواء السبيل.
لا أعرف كيف سارت الأمور بينك وبين الحاج علي، غير أن إذعانك للأمر الواقع كان جلياً في انكسارك واقتصارك عنا. نصلي وندعو لكِ بالهداية والغفران
ـ خليكم في حالكم أحسن
كل ما قلتيه وما فعلتيه لم ينجح في جعلنا نتخلى عنكِ، ولم يزعزع إصرارنا على هدايتك قط.
احنا الأربعة أجمل أربعة

غير أنني كنت، وليغفر المولى لي ولكِ، راغبة في قتلك عندما وشت بك خادمة سعاد..
ما الذي في الولد تامر، الذي يلبس قمصانا مزركشة ولا يبين بصوته هيبة الرجال، ما الذي فيه أو في غيره، يغريكي بارتكاب المعاصي!؟
ـ كنا بنتمشى ونتكلم عادي
ـ عادي!!! استغفري الله.
خفنا عليكِ، على رأس الحاج علي الذي تصرين على وضعه في الطين بدمٍ بارد، فاشتعلت عزائمنا على هدايتك... مهما كلفنا الأمر.
التقيناكِ قرب رأس الجسر....
كلمة من سعاد وصيحة من هند وتحذير مني، وأنت تتلقين سياطنا بوجه متجهم وتكتمين الكلمات داخلك، فقط، حسب ما تذكرت فيما بعد، كنتِ تسعين لانهاء الكلام بأسرع ما يمكن...

ـ غريق.. غريق
تلطم هند وجهها:
ـ احنا السبب. قسونا عليها
فضلنا نلومها ونؤنبها....
تبكي سعاد وهي تهدئها:
ـ قدّر الله وما شاء فعل.
في البداية تضرعت إلى الله ألا يعتبر فعلتكِ انتحاراً "من الكبائر" لأنها تعبر عن ندمك، والندم أول طريق التوبة كما يؤكد أنك لم تكوني في وعيك عندما قذفت بنفسك في النهر، ثم ظهر شاهد عيان... يروي أن سقوطك بالنهر لم يكن متعمداً بل حدث نتيجة ترنح وعدم اتزان، كما اعترف عم بسطاويسي مساعد الصيدلاني بأنه أعطاكِ مسكنا قوياً للآلام بسبب إصابة في ركبتك خفتِ أن تمنعك من حضور أول بروفات الفرقة الفنية ـ بكل إصرارٍ على استمراء المعصية ويا للعجب ـ في الصباح التالي، مؤكداً أنه أوصاكِ بسرعة العودة للبيت। لكننا التقيناكِ، واستوقفناكِ، حتى سرى بجسمك، فيما يبدو، فعل المخدر، فهويتِ، وأنتِ عند منتصف الجسر.

وسواء اخترتِ هذا المصير أم هو الذي اختاركِ فلن يمكنني إنكار أن شيئاً، لا أدري تحديداً ما هو، قد تغير بعد هذه الليلة...
المقاعد التي نجلس عليها منذ سنوات طويلة ناءت بحمولتها المرهقة، والمرايا صارت تخفي عنا لمعتها كأنها سئمت شحوبنا وتهفو لنضارة ملامح جديدة، ومن سيمتد بها العمر منا ستشهد ازدياد ثقل وجودها في أعين أبنائها. أنتِ وحدكِ ستبقين جميلة ومحبوبة إلى الأبد.
سعاد لم يؤهلها مجموعها بالثانوية لدخول كلية الطب، وهند صارت معلمة أبعد ما تكون عن تلك التي تمنت أن تكونها، وأنا لم أصبح داعية ولا أي شيء آخر، هذا أمر المولى عز وجل وله في ذلك حكم।

الجسر الذي هويتِ من فوقه أطلقوا عليه اسم: جسر الشهيدة ! والمزارعون الذين لاحظوا سخاء النهر بعد أن ابتلعك يقرأون لك الفاتحة في الذهاب والرواح ويطلقون عليكِ: عروس النيل. تماماً كما تمنيتِ، أنت وحدك التي ربحتي، وحققتي كل ما حلمتي به !!
ألست أنتِ التي تقمصتِ يدي الآن وجعلتيني أوقع "توقعين" لابنتي الصغيرة على استمارة الالتحاق بفرقة الفنون بالمدرسة، رغم معارضة أبيها، و॥ معارضتي... أيتها الماكرة।

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عزة رشاد :
كاتبة وشاعرة مصرية ، 1961م ، بكاروليوس طب وجراحة ، تخصص دبلوم أطفال .
من كتبها :
१ ـ ذاكرة التيه ، رواية دار ميريت 2003م .
२ ـ أحب نورة ..أكره نورهان ، مجموعة قصصية ، دار الشرقيات 2005م .

الاثنين، 25 يناير، 2010

محادثات سياسية ..ق . ق . ج


محادثات سياسية
ق . ق . ج

لكل حادث حديث

يرفع المذيع صوته مرحبا بالأديب وإطلالته السامقة ، ثم يوجه له سؤاله :
- روايتك الأخيرة كانت زاخمة بالأحداث الجارية في الساحة ..
الأديب وعلى وجهه ابتسامة أسى :
- أجل ، نحن دائما في قلب الحدث ، نحاكي الناس بلغة المشاعر .
المذيع :
- وما المكان القادم الذي يطأ فيه قلمك قدمه ؟!
الأديب محركا رأسه بوقار :
- الحقيقة أن طائرات العدو وصواريخهم هي التي ستحدد وجهتنا التالية ، ولكل حادث حديث ..!

بين القط والفأر

يتثاءب القط بعد أن ملأ معدته بالسمك المشوي :
- يا صديقي الفأر ، إن حياة البشر مملة جدا ألا توافقني على ذلك ؟
الفأر وهو يضع قطعة الجبن الكبيرة جانبا :
- لا تحدثني عن هؤلاء الأوباش ، إنهم قوم عنيفون ، لا يعرفون لغة للتفاهم سوى الضرب والقتل . .!
القط وهو يلتفت نحوه برعب :
- اصمت يا صديقي ، إن للجدران آذان أم تريد أن يجردوننا من جلودنا ويقلدوننا البرتقالي ..!

خلف الكواليس

المذيع يثرثر مع الضيف قبل البث المباشر :
- أين كنت يا رجل ، مضى زمن على آخر مقابلة هاتفية بيننا ؟
الضيف : الحرب تشد أوزارها ، وهي من أخصب مواسم ظهورنا في شاشات التلفاز .
المذيع يقهقه بصوت عال :
- مصائب قوم عند قوم فوائد . .!

دمية فلّه

احتقنت الدمعة في الحدقة ، قبل أن يبصق جوفها نفحة الحسرة وأصابعها تتواتر بين صفحات الجريدة ، جرت نحوها الطفلة وبحوزتها دمية فلّه فقالت ببراءة :
- ماما ، أريد أن أقدم دميتي فلّه للطفلة التي رأيناها تبكي في الصورة ..!
- فاض لسانها يلوك ، وهي تدفعها إلى صدرها بقوة :
- اللهم احفظ قرة عيني من كل سوء ..



2006م

الخميس، 21 يناير، 2010

هل للروائح .. رائحة ؟


هل للروائح ..رائحة ؟

هل لكل شيء رائحته ؟ هل للأشياء غير الملموسة رائحتها أيضا ؟ هل تختلف رائحة الأمهات من مكان إلى مكان ؟ أو هن مثل زهر الليمون وأطيب ، مثل رائحة المشموم وأزكى ؟ مثل رائحة الخبز في كل مكان وأعطر ، هل للروائح فلسفتها مثلما هي للألوان ؟ هل ثمة رائحة خاصة للوقت ، الخيانة ، الحب ، السفر ، الوطن ، الكراهية ، المال ، الجار ، الأصدقاء ، الطفولة ، الذاكرة ، مثلما للقهوة رائحتها ، والتي لا يخطئها الأنف ، هل نحن نشم روائح الأشياء ، أم نضفي عليها من معارفنا ومكنونات نفوسنا ، ما يجعلنا نميزها بالعلامات التي نحن نضعها ؟ هنا بعض من رائح الأشياء :
رائحة الخيانة .. تشبه رائحة الرصاص المحترق أو رائحة اللون الرمادي المنبوذ في زاوية ، الخالي من العافية ، الخيانة تشبه رائحة المسمار ..!
رائحة الوطن .. تشبه رائحة الثرى والمطر ، رائحة الماء والشجر ، ورائحة أشياء كثيرة يجلبها الخير معه ..!
رائحة الأب .. تشبه رائحة فرحة السفن الآبية أو رائحة ظل الشجر القديم ..!
رائحة الخوف .. تشبه رائحة الفراغ ، والمنزل الخاوي ، وبوابة موصدة منذ لا يتذكرون ..!
رائحة الكذب .. تشبه رائحة الطرق الضيقة الموحلة بمخلفات الحمير والبغال الهرمة ..!
رائحة المعرفة .. تشبه رائحة نور مختبئ أو رائحة نهر عجوز لم يمل من المسير ، ولا من سرد حكاياته لبيوت أبوابها وشبابيكها تنتظر ظله البارد ..!
رائحة الأخت .. تشبه رائحة الهيل والزعفران والقهوة في فنجان صباحي يحوي الشتاء والضحكة والمحبة ..!
رائحة الحب .. تشبه رائحة الصباح الباكر في كل مكان ، مثل رائحة الخشب المبتل في غابة بكر ، مثل شهيق العودة إلى المنزل في كل مكان ، مثل رائحة بيت الكمان الصغير ، مثل رائحة الموسيقى في كل مكان ..!
رائحة البخل .. تشبه رائحة عصارة المرارة ، والحريق على المعدة الفارغة ، وتلك التي تنفثها رائحة التخمر عادة ..!
رائحة المرأة التي تعشقها حكايات المساء .. تشبه رائحة شعرها المبتل بأول مطر الصيف ، وضوع جسدها الذي ينشد قصيدة الماء دائما ، وسر الحناء المطبوع في الكف ، وتلك الابتسامة التي يرسمها أول ضوء الشمس على وجهها ، مسك الورود وعبير الأزهار التي عدتها الكتب المقدسة من أسرارها ..!
رائحة الشهامة .. تشبه رائحة العشب الأخضر ، ولحى استطاعت على صدور رجال الخير ، لا يغادر النبل وجوههم ، أنى هبت الريح أو مالت الدنيا على واحد ..!

الكاتب " ناصر الظاهري "
جريدة الاتحاد الإماراتية

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

الأدب السوداني تارة أخرى ..


الأدب السوداني تارة أخرى ..

لم أتوقع لمقالتي المعنونة بـ " الأدب السوداني نضجته الشمس وغافلته الريح " أن تتلقى ذاك الكم الهائل من الاهتمام والنشر ، فإذا بأضواء من صحف ومجلات ومثقفي العرب يحتفون بالمقالة وبنشرها في معظم المواقع والصحف ، كان هدفي من تلك المقالة هو إبراز رأي شخصي عن أدب يحفل بالكثير وأدباء من قطر عربي موسومين بالدهشة ، وكنت أتوق بشدة أن يغدو هذا الرأي الشخصي رأيا عاما ..
لقد وصلتني ردود كثيرة ، كما وصلتني كتب وقصص وروايات تتناول الأدب السوداني ، ولكن الأروع من ذلك كله هو الاحتضان السوداني الجميل لبعضهم البعض ، فمعظم تلك القصص والروايات أرسلها لي بعض قراء سودانيين محبي للأدب والفكر ، وكل واحد منهم كان يسعى وبكل حب أن يمدني باسم كاتب جيد ويستحق الإشادة والمتابعة في تلك القطعة الجغرافية من العالم ..
والرائع أيضا أن مقالتي التي تحدثت بشكل عام عن الأدب السوداني ووضعه الراهن ، ثم خصصت الأديب " عبدالعزيز بركة ساكن " كنموذج من أدب السوداني المميز ، ولهذا أبدت بعض الصحف والمجلات رغبتها في التعرف على هذا الكاتب وإنتاجه الإبداعي ، ولقد أسعدني كثيرا ما جاء على لسان الأديب بركة ساكن في أثناء مشاركته في بعض الملتقيات : (هذه الدراسة التي كتبتها الأستاذة ليلى البلوشي، بلا شك فاتحة خير للكتابة السودانية بشكل عام، و لقد نشرت حتى الآن في عشرات المواقع العربية، ولدى مختلف التيارات الفكرية و الجهوية، و احتفى بها أناس شتى، ولقد كان حظي منها وفيراً، لأن الكثير من المجلات المرموقة قد اتصلت بي تريد أعمالي، وقلت يا بركة من جاه الملوك تلوك ) ..
بهذا أستطيع القول بأن المقالة قد حققت ما كنت أطمح إليه ..

ومن الردود الجميلة التي وصلتني من الأستاذ " عبدالله الطاهر " يحكي فيها عن إشكالية الأدب السوداني وحقه المهضوم في الانتشار :

( حضرة الأستاذة ليلى البلوشي .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وعساك بالخيرات ..
وردتني ضمن مجموعة الجزائر الثقافية مقالة لك حول الأدب السوداني وأعجبتني أيما إعجاب ، واتفق معك أن الإشكالية الرئيسية لعدم معرفة العرب بالأدب السوداني يرجع لإشكاليات تتعلق بالاستقرار السياسي ، لكنني فوق ذلك أحمّل جزء كبير من المسؤولية للعرب ، هم غير منفتحين على السودانيين بشكل كبير ، إنما انفتاحهم منصب على دول بعينها ، وتوقفوا عند الطيب صالح كأنما حواء السودانية توقفت عن الإنجاب ، لأنهم لا يريدون أن يعرفوا أكثر مما عرفوا ، بل بالعكس كان يمكن أن يقودهم معرفتهم بالطيب صالح للتساؤل مادام هذا هكذا فماذا يوجد غير ذلك ، ربما يكون هناك أكثر من ذلك ، قد لا تصل لقامة الطيب صالح لكن على الأقل فربما تكون هناك كتابات بمستوى عال ، قليلون هم أمثالك الذين بحثوا وقرءوا .. إشكالية أخرى يمكنك إضافتها وهي أن المجتمع السوداني أثرت فيه الصوفية بشكل كبير فجعلته أقرب إلى الزهد والتقشف والابتعاد عن تعظيم الذات ، وقد تنزلت هذه القيم عند الكتاب والمثقفين السودانيين ، فجعلتهم لا يميلون كثيرا للتواصل مع الآخر الخارجي ، ولا يميلون إلى نشر مخطوطاتهم ، وأثر الصوفية في السودانيين كبير على مستوى كل المجالات ، لقد دخلت الصوفية السودان منذ فترات تاريخية قديمة من المغرب العربي ، وكانت فيها ممارسات أقرب إلى أهل هذه المناطق ودخل في ذات اللحظة الإسلام فارتبط الإسلام بالانتماء إلى طريقة صوفيه ، فكل من يدخل الإسلام عليه أن يختار طريقة صوفيه محددة كي ينتمي إليها ، وكان ذلك هو السبب الرئيسي بها وتتأسس وفقه الكثير من الممارسات التي كانت سببا في وضع حدود لانطلاق وانتشار الأدب السوداني .. حضرت ذات مرة مؤتمرا لمجمع اللغة العربية في السودان ، وكان يرأسه العالم الجليل البروفيسور " عبدالله الطيب " – يرحمه الله – وفي فترة الاستراحة أقام المجمع مأدبة غداء فذهبنا ، وهناك رأيت البروفيسور " عبدالله الطيب " وهو يحمل أطباق الأكل ويتحرك هنا وهناك بتواضع عجيب ، منذ حينها وأنا أفكر في هذه التأثيرات التي تركتها الصوفية في التركيبة السودانية ، ولعلك تعلمين تواضع الأديب الراحل " الطيب صالح " وحديثه الكثير عن أنه لم يفعل شيئا يستحق ، ورغم طيبة قلبه وصلاح دواخله ، فقد ذكر ذات لقاء في " التلفزيون السوداني " أن اسمه لا يعبر عنه فهو لا طيب ولا صالح ، وقيسي من ذلك على العديد من الأدباء السودانيين ، وقد كتب الأستاذ " محمد المكي إبراهيم " وهو من الشعراء السودانيين المفوهين ودبلوماسي قدير ، أيام دراسته الجامعية في ستينيات القرن الماضي ، كتابا حول " الفكر السوداني أصوله وتطوره " كتب أن من التأثيرات السلبية للتصوف على السودانيين قصر النفس الكتابي ، وإن كنت لا أتفق معه في ذلك ، فهناك العديد من المؤلفات والمخطوطات التي وردتنا منذ تواريخ سحيقة ، ولكن الإشكالية في النشر ؛ لأن السودانيين لا يميلون للنشر ، رغم توفر العديد من المخطوطات ، وأمس القريب كان يحدثني زميل لي عن " بركة ساكن " ثم تطرق الأمر إلى عدد من الذين يكتبون ويملكون مخطوطات لم تنشر ، فقلت له لدينا مشكلة في ثقافة النشر في السودان ..
المهم .. لقد أعطت الخلطة العربية الإفريقية في دماء السودانيين مسحة خاصة في أدبهم جعلته عميقا وحنينا ، وقد أثرت فيهم السياسة لتجعل في كتاباتهم الكثير من الرفض والخروج والتمرد .. لن نلوم أنفسنا ولن نلوم الآخرين ، على مقربة منك في قطر يوجد الصديق الرائع " عبدالغني كرم الله " وهو من أميز الكتاب الشباب ، سأحاول خلال الأيام القادمة أن أرسل لك عددا من القصص له ولغيره .. بالمناسبة الحوار الذي أشرت إليه مع الصديق العزيز " محسن خالد " كنت قد أجريته معه أنا في عام 2005م ، ونشر في مجلة أوراق الجديدة التي كنا نصدرها أيام وجودي في السودان ، حاليا أنا مقيم في هنا في مملكة البحرين ، وبإذن الله سنعقد في الفترة 4 ـ 6 فبراير المقبل ملتقى حول الأديب الراحل " الطيب صالح " يقيمه النادي السوداني بالتعاون مع مركز عبد الرحمن كانو الثقافي وسنصدر عددا خاصا من مجلة " حضارة سودان " وهي مجلة تصدر هنا عن النادي الثقافي السوداني في مملكة البحرين ، وأرغب في إذنك بنشر مقالك حول الأدب السوداني في المجلة ..)

كامل احترامي
عبدالله إبراهيم الطاهر
مدير تحرير صحيفة النبأ
مملكة البحرين
مدير تحرير مجلة حضارة السودان

الأحد، 10 يناير، 2010

اضحك وأنت في العالم


اضحك وأنت في العالم


ريــــح

أكره الريح التي تكسر أحلامنا حبة حبة ،
أعشقها أكثر حين تقتلعهم دفعة واحدة ..!


عواء

أحبها ،
الطرق المستقيمة تلك التي يرابط فيها الذئاب عادة
يتعاظم حبي تدريجيا حين أمّر من طريق تائه ،
حيث ثمة عواء خلف ظهري يراكضني نحو الأمام ..!

نصيحة عابرة

حين تصادق وجها
لا يخدعنك سذاجته
تسلل إلى القلب
هناك يكمن هو ..!


حكمة عقيمة

على أنقاض التاريخ
يحكى أن حكمة
ولدت بين البشر
فقدر لها أن تكون أنثى
وحينما تلبست بالعشق ،
فقدت سحرها بين البشر
وأعلنت عقمها ..!

السبت، 2 يناير، 2010

نصيحة العام الجديد


نصيحة العام الجديد

" كن مبذرا في الحب ، فالحب هو الكنز الوحيد الذي لا ينضب مهما غرقت فيه ، ويتكاثر بالقسمة وهو الهدية الوحيدة التي تختلف على أهميتها وقيمتها اثنان ، والتجارة الوحيدة التي تزدهر وتكبر بالتبذير ، لذلك أعط الآخرين الحب وأفرغ جيوبك منه ، اطرحه هنا وهناك وفي أي مكان وفي كل وقت ، وستصحو غدا وقد امتلأت نفسك حبّاً كالأول وأكثر "


- لا يحضرني اسم قائل هذه النصحية -