الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

مفارقة مشبّعة برائحة الموت ..

مفارقة مشبّعة برائحة الموت

الرؤية / العرب

   مفارقة مدهشة تلك التي تسامقت لديّ ، حين عكفت على قراءة قصة حياة الصحابية " عاتكة بنت زيد " – رضي الله عنها – في الأسبوع عينه مع قصة حياة الشاعرة الأميركية اللاتينية الحاصلة على جائزة نوبل " غابرييلا ميسترال " ..
 فكلا المرأتين باختلاف مكانتهما وظروف زمنهما والأحداث والطوارئ التي تعاقبت عليهما في تاريخ البشرية إلا أن حياتهما كأنما غزلتا على ثيمة الموت .. ذاك الموت الذي أضحى حقلا ملغّما مسوّرا حول قدرهما و كل من يطأ الحقل ينال نصيبه من حفنة الموت ..
فـ" عاتكة بنت زيد " هي أخت " سعيد بن زيد " – رضي الله عنهما -  كاتبة وشاعرة رائعة الجمال ، في حياة عاتكة ظاهرة تستلفت النظر وتستدعي التأمل والتعمق ، هذه الظاهرة هي أنها ما تزوجها رجل من صحابة الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلا كانت خاتمة حياته الشهادة ..!
تزوجها أولا عبدالله بن أبي بكر – رضي الله عنهما – ثم قضى شهيدا يوم الطائف ، ثم تزوجها زيد بن الخطاب فقضى شهيدا يوم اليمامة ، ثم تزوجها عمر فمات عنها شهيد المحراب ، ثم تزوجها الزبير بن العوام فمات عنها شهيدا يوم الجمل ، وكان آخر أزواجها الشهداء الحسين بن علي شهيد الكربلاء ، فلقيت وجه ربها بعده بزمن يسير.. ولذلك قال فيها عبدالله بن عمر بن الخطاب : " من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة " ..
أما " غابرييلا ميسترال " هي الأخرى كان الموت يتنفس حولها ، ولكنه قبل أن يتنفس من رئتيها شفط الأكسجين من رئات الذين تعاقبوا على حياتها ، فكان الموت لهم بالمرصاد .. كان أولهم " روميليو أوريتا " الرجل الذي أحبته كان يعمل في شركة سكة حديد وانتحر بإطلاق الرصاص على نفسه بعد إدانته بتهمة اختلاس لتبدأ بعده طرقعات البؤس في حياتها ..
وفي خلال الحرب العالمية الثانية عملت ميسترال قنصلا فخريا لبلادها في البرازيل ومن هنا نشأت صداقة وثيقة بينها والكاتب النمساوي " شتيفان زفايغ "  وزوجته غير أنها سرعان ما انتهت بمأساة انتحارهما معا في " ريودي جينيرو " قد بلغت في نفسها مبلغا عظيما ؛ مما انعكس على حالتها الصحية ، وما تكاد تهدأ دويّ تلك الفرقعة حتى صفعتها فرقعة أعنف دويَّا وذلك بإقدام ابن أخيها " خوان ميغيل " على قتل نفسه ، وكان آخر سلسلة موتاها هو الطفل الذي تبنته ميسترال فتركها تتخبط في فوضى المآسي ، وحيدة ، منفردة ، فلم تتزوج أبدا وفاء لحبيبها المغدور ، وظلت طوال حياتها تواقة للأمومة التي وجدت نبضها الحقيقي في صفحات قصائدها المعتقة .. ولا عجب أن تحيي ذكرى موتاها في ديوان " سونيتات الموت " وهي القائلة : " الحياة حجّ غامض يفضي إلى الموت " فطوى السرطان صفحة حياتها المليئة بثقوب الموت واليأس في جنازة شيعّها أكثر من نصف مليون مواطن تشيلي مرفرفة بلقب " المملكة الروحية لأمريكا اللاتينية " ..
تلك المفارقة المشبعة برائحة الموت أذهلتني ..!


ليلى البلوشي

الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

الطفل تشارلي وشكولاتة ويلي ونكا ..

الطفل تشارلي وشوكولاتة ويلي ونكا ..

الرؤية / العرب

قصة للأطفال ألفها الكاتب البريطاني " روالد دال " وحولت إلى فيلم عام 1971م .. أتت فكرة تحويل رواية تشارلي ومصنع الشوكولاتة من جسم الكتاب إلى جسم فيلم سينمائي عندما قرأت ابنة المخرج " ميل ستيوارت"  البالغة من العمر عشر سنوات الرواية ، وطلبت من أبيها أن يقوم بصنع الفيلم ويأتي ديف المنتج " ديفيد ل. وولبر" ليقوم بإنتاجه وعرض ستيوارت الرواية على وولبر والذي اتفق أنه كان في خضم مباحثات مع شركة الكويكر كاتس بشأن مركبة نقل لقطع حلوى جديدة ، وأقنع وولبر الشركة والتي لم تكن لها أية خبرة مسبقة في صناعة الأفلام ، أقنعها بشراء حقوق الرواية وتسويق وإنتاج الفيلم من أجل الدعاية وإنتاج قطعة وانكا كويكر كاتس جديدة ..
يعرض الفيلم شخصية السيد " ويلي ونكا " وهو يملك مصنعا للشوكولاتة وقد كان رجلا عبقريا حيث كانت له وصفة سرية في تصنيع حلوياته ، ولكن على ما يبدو أحد الجواسيس هرّب هذه الوصفة السرية ، وحين ذاك يتخلى ويلي وانكا عن أيديه العاملة معتزلا لسنوات في مصنعه الضخم ، ولكن حلوياته كانت تخرج من المصنع توزع وتستورد ، والناس ظلوا يتساءلون عن سر هذا المصنع إلى أن يأتي اليوم يعلن فيه " ويلي وانكا " تخصيص خمسة بطاقات ذهبية مخبأة في شوكولاتته لخمسة أطفال ، يسمح لهم بدخول المصنع وواحدا منهم فقط سيكون الفائز لينال جائزة تفوق الخيال ..
 " تشارلي " يقوم بدور البطولة في هذا الفيلم ، وهو الطفل الذي يكون أوفر حظا في العالم دون أن يعرف ، ينتمي لأسرة فقيرة فبالكاد تحصل على ما يسد رمقها مكونة من والديه وأجداده الأربعة ، كان هذا الطفل يعاون أسرته بمسح أحذية المارة ، وحين تظهر حكاية " ويلي وانكا " وبطاقاته الذهبية ، تحلم هذه الأسرة بحصول واحدة منها لطفلهم تشارلي ، فيحصل في عيد مولده على أول لوح شوكولاتة وانكا لكن بدون بطاقة ذهبية ، بينما في المرة الثانية يستغني له أحد جديه عن مصروفه الخاص ليجرب حظه و لا يحالفه ، وحينما يكون تشارلي مارا بين الأصقاع يتناهى إلى سمعه حصول ولد روسي على آخر بطاقة ذهبية ، لكن تشارلي يلمح بين الثلوج المتراكمة على دولار واحد فيجري إلى أقرب بقاله ليشتري لوحا من شوكولاتة وانكا فيبتسم له الحظ هذه المرة حين تفاجئه البطاقة الذهبية في جوف لوح الشوكولاتة ، ويعلم الجميع أن بطاقة الروسي كانت مزيفه ..
تفرح العائلة بحصول تشارلي على بطاقة ذهبية ولكن تشالي يقرر بيعها ؛ لأن أفراد أسرته بحاجة للمال ، لكن هنا يتدخل أحد جديه ليقول له جملة أعجبتني شخصيا حكمتها : " بني ، هناك كثير من الأموال تطبع في هذا العالم وقد يحصل عليها المرء في أي يوم ، لكن ثمة فرص لا يحصل عليها كل يوم والأغبياء فقط هم من يضيعون فرصهم في الحياة ، فهل أنت غبي ؟ "
ودخل تشارلي مصنع الشوكولاتة وحاز على الجائزة العظمى وهو امتلاك مصنع ويلي وانكا ..
الفيلم عرض دروسا مفيدة للأطفال ، ناقش فيه سلوكيات مشينة يرتكبها الأطفال وعالجها الفيلم بطريقة غير مباشرة ، فأول الأطفال الذين حصلوا على البطاقة الذهبية ودخلوا المصنع كان طفلا سمينا ، شرها ، طماعا ، وطمعه هذا يقوده إلى السقوط في بحر من الشوكولاتة لتضّخه آلة خاصة بضخ معجون الشوكولاتة  ، بينما الخيار الثاني كانت طفلة تحب العلكة وتعلك على أربع وعشرين ساعة ، شغفها المجنون هذا يقودها إلى تناول علكة غريبة صنعها وانكا ولم يجرب وصفها جيدا وحين تناولت الفتاة العلكة انتفخت حتى أصبحت كثمرة التوت الأزرق فحولوها إلى غرفة العصر ؛ كي يعصروا انتفاخها المزرق ..!
 والطفلة الثالثة كانت مدللة جدا وجشعة والتي جعلت أباها يسخر كل عاملات مصنعه لفتح مئات الصناديق المليئة بعلب الشوكولاتة للبحث عن التذكرة وحصلت عليها على حساب تعبهن ، وحين يبهرها سناجب وانكا وهم يقشرون البندق تأمر والدها بالحصول على إحداها ، ولكن السيد وانكا يرفض بيعها وهنا تجري الفتاة خلف إحداها لتصادف هجوما عليها من قبلهم وأخيرا تجد نفسها في حفرة للقمامة بعد أن رمتها إليها السناجب الغاضبة ..
بينما الطفل الرابع كان مغرما بمشاهد التلفاز أبهره اختراع وانكا في تحويل قطعة كبيرة من الشوكولاتة عن طريق الإشعاع إلى تلفاز آخر ويمكن إخراجها بسهولة من قبل المشاهد ، ويجرب هذا الطفل الاختراع على نفسه ليجد نفسه بعد الإشعاع صغيرا جدا بحجم الفأر ثم ينقل إلى غرفة مط التوفي ليمدد ويعود كما كان ، وتخلل الفيلم مقاطع موسيقية أداها رجال يدعون " الأومبا لومبا " بحفاوة مثيرة للاهتمام وهم أقزام حصل عليهم ويلي ونكا من أدغال أفريقيا ليعملوا معه بإخلاص ..
ولا يظل سوى الطفل تشارلي الذي يفوز بالجائزة ولكن قبل ذلك يعرض عليه وانكا أن يترك أسرته خلفه ، ويسعى لمجده الخاص وهو شرط الفوز بالجائزة ، ولكن الطفل تشارلي يرفض ذلك بشدة ويرى أن عائلته أهم بكثير من كل كنوز الدنيا ، تحدث مواقف كثيرة ويدرك من خلالها " ويلي وانكا " صحة مقولة الطفل تشارلي وأهمية العائلة فيحصل تشارلي على مراده  ..
* * *
عندما كنت طفلة صغيرة كانت لي أمنية كبيرة ، وهي أن أعيش في منزل من الشوكولاتة أتناوله على مهل كل يوم ، ومضى زمن على هذه الأمنية التي لم يكتب لها التحقيق ، ولكنه كان حلما لذيذا ويكفي أنني استمتعت وأنا احلم به ..
في معرض أحلام الصغار أتذكر طفلا صغيرا ، كان يحلم بامتلاك الكثير من الألعاب ولكن لانتمائه إلى أسرة معدمة لم تجد أحلامه وقتئذ سبيلا للتحقيق ، اضطر هذا الولد إلى أن يستغني عن مدرسته وعن قسط من طفولته ؛ ليعيل الأسرة الكبيرة التي ينتمي إليها ، وتحسنت أحوال الأسرة بفضل هذا الولد الذي كبر وأكمل دراسته وتزوج ، وحين أصبح أبا كان يحرص على شراء كميات كبيرة وحديثة من الألعاب لأبنائه ويشاطرهم لعبها معهم .. فحقق هذا الرجل الذي كان ذاك الطفل الحالم بالألعاب أمنيته بطريقة أخرى ..
هذه القصة الواقعية ترفع من معنوياتي كثيرا ، فلعل أحلامنا التي لم تتحقق في أوانها يكتب لها أوان آخر في وقت ما ..!
من يدري  فقط علينا أن نظل حالمين ...
ليلى البلوشي

الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

في ذاكرة السفر والحقائب مع " إلما راكوزا " ..

في ذاكرة السفر و الحقائب مع " إلما راكوزا " ..


"  كنت طفلة الترحال الدائم
على جناح السفر تعرفت على العالم ورأيته يبتعد ويقترب مع الريح
اكتشفت الآن ورأيت تحولاتها
سافرت بعيدا كي أصل ، ووصلت لأرحل من جديد
كان لي قفاز فرو .. وهو كان لي
كان لي أب وأم
لم يكن لي غرفة أطفال
لكني امتلكت ناصية ثلاث لغات ، وثلاثتها كانت لي
كي أنتقل من ضفة إلى أخرى "

     " إلما راكوزا " في روايتها " بحر وأكثر " هي في البدء طفلة اكتملت حواسها على ذاكرة السفر والترحال وحقيبة أبدية الانتقال من رصيف . إلى محطة . إلى وطن . إلى غربة .. لا تتسع لخيالها الفضفاض المحلق في دهاليز عالم مدهش يسير على قدمين من التوغل والتكيف إلى عوالم تتعرف إليها شيئا فشيئا مع قافلة العمر الممتد ،  فكلنا سائرون وكلنا نجوب الآفاق : " وحيدة تقفين على المحطة الألف ولا تعرفين ما الذي تبحثين عنه ....، ألم تنوي أن تجمعي قواك ؛ أن تقلعي أسفارك ، أن تقللي انتظارك في المحطات المستعجلة ؟" ....
ووجع الغربة ظمئ ؛ ففي داخلها ثمة عودة إلى الوراء ، إلى تلك الجذور الضاربة في أرض غادرتها باكرة ليتفتح انتماؤها على هيئة هوية مضطربة ، تتأجج أوراها في قيعان روحها وفتيلها في اشتعال دائم على هيئة سؤال : " لن أعرف قط إلى أين أنتمي ؟ ولهذا كنت أتمسك بالسعادة القصيرة  " ....
وكان الانتقال من مكان إلى آخر كنورس رحال لم يكن طوع اختيارها وأخيها حينما كانا ما يزالان غضين كعصفورين صغيرين .. بل إن الأم والأب حينما يقومان أو يقوم أحدهما في تربيت على ظهر حقيبته المتكئة كهيئة استعداد للترحال ، كان يعني سفر جديد في بقاع شتى : " كلما طال حزم الحقائب ، كلما ازداد شعوري الشلل ، ثم إن أحدا لم يأخذ رأيي ، كان الآخرون يقررون الرحيل : الأهل والظروف ، يأمرون : أنت تأتين معنا ، وأنا أذهب معهم إلى المجهول ، إلى المرحلة الانتقالية التالية طوال طفولتي " ..
ولكن على ما يبدو أن الطفلة عينها جبلت على حكاية السفر ، فحين تغضن طولها .. كان الرحيل خيارا ماتعا بمتعة استكشاف مجهول يغري بمزيد من الرغبة : " استغرب الوالد من إلحاحي المتعجل ، فما إن نلت جواز السفر الأحمر ، ذي الصليب الأبيض ، حتى حجزت رحلة طلابية إلى براغ ، إلى كافكا ، إلى غوليم ، إلى فلتافا سميتانا ، إلى دولة مجهولة كليا "..
والمعروف أن للكاتبة ذائقة حافلة بتاريخ الشرق ، تشكلت في البدء كأمنية ، ولكن حين استطالت على قدميها عزمت على أن تعايش تلك الذائقة عن قرب المسافات في حكاية سفر لا ينتهي : " السفر سفر ، السفر إثارة الغبار تحت القدمين ، حتى لو غابت الأفراح والمشاق ، التجارب والمنتخبات من الذاكرة .."
وهذه السفريات كان لابد لها من ذاكرة ثقيلة تحتشد كفقاعات تدحرجها أنفاس ذاكرة نشطة : " تكتسي بالغبار ، تتفتت ، تصفر ، لكنها لا تشيخ : " الكنيسة المصغرة البيضاء والزرقاء من باتموس ، الطائرة الورقية الخضراء الصدئة من ليوبليانا ، الصليب الخشبي من رومانيا ، الأرنب الرخامي الصغير ، صافرة الأرغن المعدنية الصغيرة ، القناع البلاستيكي من البندقية ..." .
ولم يكن ارتباط المدن التي عبرت خلالها قاصرا على أشياء مادية جلبتها من هنا وهناك ؛ بل إن الأماكن نفسها كانت تحمل أسماء وصفات المؤلفين والكتاب الذين تعرفت عليهم الكاتبة من خلال آدابهم في الموسيقى والكتابة كـ " دستويفسكي " و" توماس مان " و" كافكا " ، والموسقيين كـ " بروخ " و" بيتهوفن " : " لكن هناك شيء آخر ، اسمه العالم الداخلي ، أنا صغيرة ، أنا قزم على خارطة العالم ، لكن عالمي الداخلي كبير ، قارة بذاته ، هكذا علمني الروسي ، دوستويفسكي ، تحت مشاعر الدوار ، وأعرف أيضا أن لا حدود لرغبتي في الاكتشاف .." . والتأرجح ما بين الموسيقا والأدب جعل منها شاعرة وعازفة بيانو ماهرة ..
أما القراءة .. فكانت مغامرة ، واكتشاف للذات والآخر ، وعالم سحري مفرقع تقمّص أجواءها قبل دخول المدرسة في هيئة شغف عميق ، وكان للأم دور كبير في تهيئة طفلتها لحكايات الأدب والكتابة : " لم أكن أشبع قط ، ضعت في هذا العالم السحري ، ما إن آخذ كتابا في اليد ، حتى يشحب العالم الحقيقي من حولي ، بالقراءة تعمقت أحاسيسي : غدت الألوان أقوى ، الروائح والأذواق أشد ، وهذا الخفقان الخفيف في القلب ، الفراشات في الصدر ، الاستلقاء في الفردوس .." .
في هذه الرواية تمتزج عدة أرواح .. والأكثر تلبسا تلك الروح السندبادية وكأنها أبدية الرحيل ، لهذا كانت مصلحات نفسها تتحاور عبر السطور عن " السفر " و" الذكريات " ، " حقائب " ، " آخرون " ، " أماكن " ، " أزمان " ، " عادات " ، " موسيقي " ، " كتابة " ، " قراءة  "..
استطاعت " إلما راكوزا " أن تسرد لنا كل ذلك عبر حوار داخلي ، بدا لأول وهلة هادئا معرفا بالأشخاص المقربين منها ، ثم تفشى وتشعب إلى عالم أكثر عمقا ودفئا إلى مونولوج طويل ، كثيف ، ممتد كطرق سفرها ، غني ، مشبع بذاكرة لا تأفل على النسيان وهي المستشهدة بقول " موريس بلانشو " الكاتب والصحفي الفرنسي : " النسيان ، الإذعان للنسيان في الذاكرة ، التي لا تنسى " ..

ليلى البلوشي

فستان سهرة أم دزينة كتب ..؟!

فستان سهرة أم دزينة كتب ..؟!

الرؤية / العرب / الآراء

المرأة .. أنثى تحبذ فكرة الجمال ، أن تظل دائما وفي كل مناسبة متأنقة ، ولكن في كثير من الأحيان وفي بعض المجتمعات تكون هذه الأناقة مكلفة جدا ..!
سواء كانت هذه المرأة تتزين لنفسها أو لزوجها أو صديقاتها أو لمناسبة أو لغاية الجمال نفسه .. سأحدثكم قليلا عن نفسي وسأعترف بأنني في الماضي ، خاصة في أيام الجامعة كان حضور مناسبة يكلفني كثيرا ، فكل مناسبة تستدعي سوق .. أن أذهب مشاورير ذهاب وإياب إلى محال متعددة  ؛ كي أكون أنيقة في الحفل الذي يمتد ربما لساعة أو ساعتين ، وبعد الانتهاء من الحفل كان ضميري يأكلني .. ففي كل مرة أشعر بأنني ببدت أموالي على أشياء لا تفيدني بعد أن استخدمتها في ساعات مضت ؛ فكل ما دفعته من أثمان بلعه الماء وأصبح حبيس خزانة مظلمة أو صندوق ضيق أو مستودع ..!
وعندما تضاعفت اهتماماتي وأصبحت على صلة وثيقة بالكتب .. أصبحت الكتب هي من أولويات مشترياتي وصرت أدفع بلا تأنيب أموال لا بأس بها في كل معرض للكتاب ، ويبدو أن هذه الكتب التي كنت أقوم بشرائها ويلممنني صديقاتي عليها وعلى كميات شرائها هي من نحتت في أعماقي وعيا مغايرا ورؤية مختلفة للأشياء من حولي ، وهي من جعلتني أفكر قبل شراء أي شيء مادي ، خاصة ما يتعلق بحفلات المناسبات في مجتمع يرى أن أناقة المرأة في المبالغة والكلفة .. في مجتمع مرفّه تدفع فيه نساؤه مبلغ ثلاثة آلاف درهم أو أكثر لقطعة قماش أو حقيبة يد أو حذاء أو تفصيل عباءة مزركشة .. أو تبتاع كلها جملة واحدة بمبلغ وقدره ؛ لإتمام صفقة الأناقة ..!
لكن الكتب وكما عبرت آنفا .. كانت مبعثا في تغيير أفكاري وخططي وأسلوب تعاطيّ مع الحياة المادية .. واعتقد أن الأمر بدأ حين وقفت يوما مع أخواتي لشراء فستان سهرة كان بارع التصميم ولكنه باهظ الثمن .. باهظ أن أدفعه لليلة واحدة ولمدة لا تزيد عن ساعتين ؛ كي يتفرج العالم من حولي عليه وينتهي الأمر .. ربضت أمام الفستان الباذخ وأنا أضرب أخماسا في أسداس وأقول في نفسي : نعم استطيع شراء هذا الفستان وسأرتديه لليلة واحدة فقط ولمرة واحدة ثم يكون حاله كحال البقية الباقية من الفساتين سجينات الظلام والغبار والنسيان ..!
في وقت ذاته وأنا أتأمله كنت أفكر في كمية الكتب التي يمكنني أن أحصل عليها بالمبلغ نفسه ؛ تلك الكتب التي تغذي عقلي وهي نفسها التي تظهر جمالي الروحي ..
بعد هذه الحسبة .. خرجت من المحل فارغة بلا أكياس بينما من كن معي محملات .. ومن فوري اتصلت على صديقة مقربة وقلت لها : هل يمكنك أن تعيريني إحدى فساتينك لمدة ساعتين ..؟
بعد هذا الموقف .. أصبحت في كل مناسبة اسأل : فستان سهرة أو دزينة كتب ..؟

ليلى البلوشي

الجمعة، 8 نوفمبر، 2013

أمير تاج السرّ : تجربة روائية زاخرة بالأحداث ...

لكل رواية طقوسها وأجواؤها المشحونة بخيال متواتر" أمير تاج السر" .. تجربة روائية زاخرة بالأحداث

نشر في صحيفة الآراء الكويتية ..

على المستوى الإنساني هو كاتب يعيش في دولة خليجية مرفهة ، ويمارس مهنة إنسانية راقية .. في تلك البيئة بنى الكاتب استقراره المؤقّت .. فكل راحل عن وطنه الذي ولد فيه وترعرع لا يمكن أن تفطم أي قوة في الكون محبته واندفاعات الذاكرة نحو وطنه الأم .. حيث المهبط الأول لبذرة الأجداد .. وحيث القلب يحط رحاله في الختام .. هذا القلب الذي تقول عنه الأديبة غادة السمان : " قلب الإنسان ليس جمهورية فردية مستقلة ولكنه قطعة من أرض بلاده " ..

لعل أغرب ميزة نلصقها بالغربة هي التجربة الإبداعية المغايرة ومعاصرة الوطن انتصاراته وخيباته وهزائمه بعين العقل والقلب وكامل الجوارح برؤية بانورامية لا تخلو من لمسة الحنين والوجع ..

روائي حديثه مضمخ بالشجن عن تراب الوطن المتعثر بالأزمات والانفصالات وحالات من العوز والمرض ، بقي ابن بلده في غربته ، متواصل بنبل مع قضاياه رغم وجع المسافات ؛ ففي رواياته ..
في جل أعماله تتزاحم الأحاديث السودانية والذاكرة السودانية وابن وبنت البلد طافحين بالمحبة والبساطة والخيبة وأساطير بيئات رتيبة وأخرى معجونة بسحر الدهشة .. نقلها الكاتب من معين خيالات خلابة فأمتعت روحه المثقلة بحب الوطن كما حفرت حيزا فضفاضا بحاسة التحفز واللهفة في نفوس قرائه من مختلف دول العالم العربي وخارجه ..

رواياته زاخمة بالأحداث ، يستقيها غالبا من أحداث صغيرة قلّ أن يلتفت لها سوى المشحون بالهم الإبداعي والإنساني وتلكم الأحداث الصغيرة تتشعب إلى أفكار تتبناها الشخوص في الرواية .. وكما يرى الدارسون أن من خصائص الروايات الحديثة تبدأ بأحداث صغيرة يستقي منها الكاتب إلهامه لكتابة رواية ضخمة غنية بأحداثها وشخوصها وعوالمها ..

ويبدو أن تلك الأحداث الصغيرة الملهمة هي مصدر معظم روايات الكاتب السوداني " أمير تاج السر " الذي أقّر في إحدى حواراته قائلا : " في الحقيقة أنا لا أختار المواضيع ، بل المواضيع هي التي تختارني ، فربما أستوحي نصي من خبر صغير في جريدة أو من برنامج تلفزيوني أو حتى وجه أصادفه في الطريق " ..

أرض مجهولة

نبدأ مع " جلبرت أوسمان " الذي نتيجة رهان مع صديقه عزم السفر إلى أرض مجهولة بالنسبة له تدعى السودان : " سأذهب إلى أرض السودان .. سأذهب .. سأذهب .. سأذهب ليس لأني من عشاق المغامرة ولا لأني أتوقع مجدا في ذلك المجهول ولكن لأني قبلت التحدي الذي ركلني به صديقي القديم بيتر مادوك " ..

و" أحمد دهب " من حادثة كسر رجله في المستشفى إلى أصقاع الأضواء والشهرة .. و" صائد اليرقات " يعزم " عبدالله حرفش " أو " عبدالله فرفار " أن يكون روائيا بعد حادثة فقد فيها ساقه اليمنى ووظيفته المحترمة ..

طقوس

تتميز روايات " أمير تاج السر " بعدة خصائص لكل منها طقوس تميزها وأجواؤها المشحونة بخيال متواتر مع واقع مرير ويمكن تناولها على هيئة نقاط قصيرة :

شخصياته متحوّلة .. تتبدل من حال إلى حال ، من أعلى إلى أسفل ، من الشمال إلى الجنوب .. إنها كريح حرة حين تعلن بجسارة عن رغبتها في التجريب وغمس آثارها في حبكة الحدث حسبما تطلعات الرواية وأحداثها .. يستشعر القارئ اليقظ أنه يقرأ لوحة فنية حركية أبدعها رسام له حس دقيق في انتقاء شخوصه ومكانتهم ، فنجد في تلك اللوحة أشخاص يحلقون إلى أعلى وفي الوقت عينه آخرون يسقطون إلى الدرك الأسفل بعد أن بددت الحياة القاسية حظوظهم ..

وتلكم التغييرات تمس عدة نواحي نفسية وأبعادا مادية وأخرى دينية وتقلبات سياسية حسبما فرز الأفكار في الرواية الواحدة .. ففي رواية " زحف النمل " البطل " أحمد دهب " تبتسم له الحياة بحادث صغير في قدمه ليتسلق بفعلها إلى حياة سامقة مع الغناء والشهرة وحب الناس ..

بينما في " توترات القبطي " يتحول " ميخائيل " أو " سعد مبروك " من محصل للضرائب إلى طباخ ومن ثم إلى أشبه بعبد ذليل عند المدعو الأمير " عبادي طلسم " وهو بحد ذاته كان مجرد حمال في إحدى الأسواق وثم مع تقلبات سياسية ودينية انقلبت الآية فتحول إلى أمير بخدم وحشم .. و" نديمة مشغول " صاحبة مقهى جزي العين التي تتحول على حين ظرف طارئ إلى " ضو المجاهدة " وتنظم لصفوف الثائرين في رواية " توترات القبطي " .. و" آدم نظر " المراهق في 18 إلى خصي " دمدوم " ..

مغامرة

أحداث مطعمة بحس المغامرة .. ينساق خلفها الشخوص برغبة متوهجة في التجريب ، تلج في بوتقة التغيرات المصاحبة لروح تلك المغامرات بسلاسة وبلا عقد نفسية عند بعضها بل إنها تتنامى مع أقدارها بطواعية في النهاية ، وهي في حد ذاتها شخوصا تعتمل قلوبا طيبة.

فعلى الرغم كل ما واجهه " آدم نظر " إلا أنه وقع في محبة جلاده المدعو سلطان " رغد رشيد " بينما المقربين ومتذوقي خيراته هم طعنوا وفاؤه بغدر .." ولكن كيف تنتزع السلطة من وغد الرشيد .." قال وغد ولم يقل رغد ..! لكن الحال تغاير تماما مع " نجام " الخصي الذي حقن انتقامه سما للأمير " مساعد " لخاطر " الرزينة " التي محق بها المساعد وأتباعه بأخيها " آدم نظر " وحولوه إلى " دمدوم " ..!

أنماط نسائية

نساؤه أنماط .. منها القوية وذات نفوذ . ومنها المشتهى والمرغوبة . ومنها الضعيفة والمكسورة .. المرأة تغدو حرة من كل قيد في عدة حالات .. منها أن تتجرد من بشريتها إلى هيئة أخرى " جنية " كي تحيا على هواها مثلما حصل مع " شرفية " في رواية " أرض السودان " .. و" مستكة " لأنها رمز وأسطورة وذات سطوة ونفوذ .. و" مسك النساء " التي انفتح لها أبواب الرفاهية والمجد لتنفخ منها امرأة ذات استبداد وقسوة .. و" الرزينة " الحسناء المغلوبة على أمرها حين عاكسها الحظ .. و" س " صاحبة السروال الجينز الأزرق الباهت الذي يشف عن جسد بتفاصيل موحية مخالفا لقوانين الانضباط في " صائد اليرقات " ..

الأسماء كذلك متغيرة حسبما الظروف والنفسيات المصاحبة لها في الرواية .. فـ" ميخائيل " تحول إلى " سعد مبروك " بعد أن اسلم طوعا لا اختيارا .. و" نديمة مشغول " التي سميت بعد ذلك نفسها " ضو المجاهدة " و" خميلة " إلى " نعناعة " ..و" عبد الرجال " إلى " عبد الواحد " بعد إطلاقه من قفص العبودية .. و" آدم نظر " إلى " دمدوم " ولعل رواية " أرض السودان " و" مهر الصياح " هما أكثر روايتين تلاعبتا بالأسماء والألقاب .. في حين تخلو " صائد اليرقات " من زحمة الأسماء والألقاب ليجددها الروائي في هيئة رموز تمثل أصحابها ، وهي إشارة حاذقة فالبطل رجل أمن متقاعد وعادة ما تستدعي وظائفهم المخابراتية الرموز والشيفرات للتواصل فيما بينهم ..

علاقات شرعية

علاقات المرأة والرجل غالبا ما تدخل نطاق الشرعية كون الروايات تجري في بيئات تضع في حسبانها الشرف ومسائل العقود الشرعية للزواج والنأي عن علاقات ما قبل الزواج .. " أحمد دهب " وقع في حب " حياة الحسن " وتزوجها .. و" أوسمان جلبرت " أعاد تفصيل " شرفية " من جنية إلى إنسية للزواج منها ..

تكاد بعض الشخصيات ونعاتها تتماثل بل وكأنها تحمل الأرواح ذاتها رغم اختلاف الرواية والبيئة والحدث .. كشخصية " سيف القبيلة " تاجر الإبل في رواية " أرض السودان " وهو ذات حظوة وشهامة وسخاء تتلاقح في نعاتها مع شخصية " رابح مديني " في رواية " رعشات الجنوب " وكلاهما في حل وترحال مدفوعين خلف مصالحهم ونفوذهم .. وتجسيد القوة والسيطرة في كل من " مستكة " صاحبة النزل في " أرض السودان " وبين " نديمة مشغول " في رواية " توترات القبطي " .. والنصراني " ميخائيل " والذي يدعى بعد إسلامه بـ" سعد مبروك " يكون طباخا في البدء ومن ثم إلى حارس خاص للأمير " عبادي طلسم " مع شخصية " آدم نظر " حين يستحيل إلى " دمدوم " الخصي الذي يخدم مع الجواري تحت خدمة " مسك النساء " ومن ثم تعلو مرتبته إلى ظهوري في كتيبة حرس السلطان ..

نهار وليل

للنهار والليل مدلولاته في روايات " أمير تاج السر " .. فالنهار هو ضوء الحياة والانطلاق للاسترزاق والفوضى على أشدها " الرجال المندسون في الجلابيب والعمائم البيضاء .. النساء المزركشات بزينة الفقر .. والأطفال الحفاة ، العراء ، الدواب المترحلة ..." بينما الليل هو ليل مظلم يستدعي كل نوره من فم المشاعل والقناديل ، لكل حامله نصيبه من خبايا الظلال والأوهام.

.. " جلبرت أوسمان " هرب من ليالي لندن الرتيبة وجاء هنا إلى أرض السودان لتحمل له لياليه مغامرات وحكايات شتى كليالي الخميس في نزل " مستكة " وليلة تتبع خرائب " شرفية " الجنية كما يراها أهل القرية .. وفي رواية " زحف النمل " البطل " أحمد ذهب " يحلم بليل مضمخ بالترف : " ألقيت ببصر الريف على ليل العاصمة المضاء بالكهرباء .. وتخيلت شعبا متحضرا يحملني في نبضه حين أصدح بالأغنيات التي تمجده " .. بينما ليل الجنوبيين يغدو أقصر قامة كلما تخايلت الظلال المرعبة على الحوائط في " رعشات الجنوب " فهي حكاية سطر ّ رعبها " رابح مديني " في وجه " تابيتا " جنية الليل بشعرها الأخضر الغزير وعينيها النازفتين وجسدها الضخم الذي برك عليه وأشعله تلك القصة التي حكاها آلاف المرات بل خلدها في لوحة من رسم الرسام النمساوي المعاصر " كرستوف أوجين " بمبلغ وقدره وعلقها على واجهة متجره دليلا ساطعا على تلك المغامرة الليلية ..

ليل ونهار

وفي " مهر الصياح " لليل والنهار دلالات أوسع لينصهرا في ألفة غريبة تارة : " تتضفر إلفة الغرابة بشدة ، يخترع الصباح زوارا ، وسائلين ، وحاملي لغة فضولية وأطفالا أشقياء ، يخترع المساء شهوته في البن ، في الثرثرة ، في عرض التفاهات .. عن ولادة الماعز ، احتضار قط ، وختان لصبي في عشة ما .. " سرعان ما يستحيل إلى ليل مشبوب بوصفاته الخاصة تارة أخرى : " يخترع الليل وصفته .. الظلام .. الخوف .. الصراع .." لكل رواية ليلها ونهارها ولكل شخصية ليل مغموس بآثار حكاية مقمرة وشمس تبدد ظلمة الروح ..

جاء توظيف الشخوص في الروايات بشكل متقن وإبداعية راسخة .. فلا يمكن إبعاد أو إسقاط أي منها أو بتر دورها في بؤرة الحدث من أكثرها فعالية في التأثير إلى أقلها في أحداث الرواية .. وحين يذوي دور إحداها في الحدث ؛ فإن الكاتب يتخلص منها إما بمصير مجهول أو تعليبه في كفن الفناء كـ" رابح مديني " في " رعشات الجنوب " و" الرزينة " في " مهر الصياح " ورغم المغادرة يظل ذكرهما خائضا ..

خيال

تجنح روايات " أمير تاج السر " إلى التلاعب بالخيال إما بتوسيعه أو تقليصه .. والخيال الناقص لا ينتقص من الخيال الشاسع الحافل في فكر الروائي في شيء بل على العكس يؤجج من تأثير الأحداث ويمدد من فضول القارئ ليكمل الناقص .. وما كان ذاك الناقص سوى لإشراك القارئ في لعبة السرد والشخوص والحدث .. كما يقول الروائي الكبير " عبدالرحمن المنيف " : " اللوحة غير المكتملة لوحة كاملة في كثير من الأحيان ، لأنها طريقة لاستفزاز الخيال ولإشراك الآخر في أن يعمل شيئا من أجل اكتمالها " ..

في " زحف النمل " برزت في البداية شخصية " أكوي شاويش " وكان لها تأثير جم ولكن في ثنايا الأحداث طفا " أكوي شاويش " سوى كونه اسم يتردد والقارئ يستفز خياله ليتتبع أثره في ثنايا الرواية ولكن يلجمه مصير مجهول في النهاية .. وفي " رعشات الجنوب " كان يمكن أن يرضي الروائي خيال ولهفة القراء كي يعرف " الجريح سالمان " مصير ولادته الغامضة لكن الروائي أبى إلا أن تظل المعرفة ناقصة تاركا القارئ وحده يؤول اكتماله في خيالاته ..

رموز ذكية

رمزية موظفة بذكاء .. تلك الرمزيات سواء التي بثها في أسماء الشخوص أو أحوال تلك الشخوص عينها في الرواية وفي مجملها هي صورة السودان كوطن متعدد الصراعات والأزمات والقضايا على أصعدة تاريخية وسياسية ودينية .. فـ" عبد الرجال " تتعاظم الرمزية هنا في هذه اللفظة تحديدا في تبعية السودان وعدم تحديد مصيرها في الحرية ، فعندما يعزم " جلبرت أوسمان " على شرائه من مستكة وعتقه إلا أن الوثائق الرسمية تسلسله بصعوبات جمة فيضطر في النهاية عتقه بناء على مسؤوليته الشخصية ..

بينما في الرواية نفسها " جلبرت أوسمان " لكونه وافدا من انجلترا فإن أبواب الحياة مرفهة يقتطفها بسهولة بينما يعيش أبناء البلد على هوامش الحياة ..تلك الشعوب الناهبة شافطين لخيرات البلاد بلا رقيب ولا حسيب بينما ابن البلد المنهوب لخيارة أو رزمة من الخس والجرجير فإنه يجلد على دكك الطين ..!

استبداد

ويتماهى استعباد الغرب على أصوله في مواقف قصيرة ذات تشعبات ممتدة في " مهر الصياح " حين يتذمر السلطان " رغد الرشيد " من " أولاد جون " وهي كناية عن استبداد وقوة قبضة الاستعمار الأجنبي ؛ لعدم السماح لهم باستخدام البارود أو حتى شمه : " يرسمون ذنوبنا ولا يرسم أحد ذنوبهم ، ويصنعون البارود لحرقنا ، ولا نملك سوى الخناجر .."

حسية التركيز على أفكار جديدة ومبتكرة يكاد يكون تناولها ضئيلا عند بقية الكتاب كقصة المغني " أحمد ذهب " ومشوار الشهرة والغناء والأضواء في روايته " زحف النمل " وكما الابتكار في طرح قضية " الكوراك " والذي يبدو لوهلة لفظا غريبا على مسمع القارئ ليوضحه الكاتب بالصياح أو المناداة بالصوت العالي ويجعل لهذا الصياح رواية تاريخية ضخمة بالمغامرات وحس التجريب وروح المغايرة في " مهر الصياح " .. وتلاعب الروائي في " صائد اليرقات " ..


من الواضح أن الروائي المثري " أمير تاج السر " يؤمن بحكمة التغيير وهي حكمة وظفها في إحدى أقرب الروايات إلى نفسه – كما أسر لي ذات لقاء – ففي رواية " مهر الصياح " تقول إحدى شخصياته :" الأشياء تتغير .. الناس يتغيرون وما كان طاعما بالأمس قد تسد مرارته الحلق في يوم يجئ " ..

ويفتش قراؤه عن مغزى ذاك التغيير في نفوسهم بفضل شخصيات أبدعها خيال صاخب بضجة الإبداع وبحسية التجديد ؛ فهو صانع شخصيات حقيقية لها مذاقها الحسي لدرجة أن المرء يفتش عنهم بعد الانتهاء من الرواية مع سؤال حاسم : هل هم حقيقية أم شخصيات ورقية من خيال الروائي فقط ..؟!


ليلى البلوشي

الاثنين، 4 نوفمبر، 2013

مقص على رقبة الكلمات ..!

مقص على رقبة الكلمات ..!

الرؤية / العرب

راسلني مرة شاب جامعي من بلدي عُمان ، أبدى في البداية إعجابه بكتاباتي التي يقرأها في بعض الصحف ، ثم حكى لي عن مجلة جديدة تعزم الجامعة التي يدرس بها كطالب تدشينها ، وطلب مني إرسال بعض مقالات لأساهم في مشروعهم القائم على خدمة الفكر والثقافة عند طلبة الجامعة ..
في الحقيقة استبشرت خيرا وسرني أن أبعث لهم بعض مقالاتي ؛ كي أساهم في ضخ روح الإبداع عند شباب في بداية مشوارهم الأدبي أو الصحافي ، ودائما مثل هذه الأفكار تشعرني بالغبطة ، فبعثت لهم مقالة من مقالتي والتي سبق ونشرتها قبل إرسالها لهذه المجلة بمدة طويلة ، في اليوم نفسه وبعد ساعات أطل علي ّ الشاب برسالة أخرى تحمل رابطا يخبرني عن نشر المقالة وحين فتحت الرابط ذهلت على مفاجأة غير سارة .. على نشر مقالتي بكاملها ولكن بعنوان آخر لا يمت عنوان مقالتي بصلة ..!
وفي اللحظة نفسها وسط طوفان غضبي بعثت لهم برسالة اعتراض على تغيير العنوان الخاص بمقالتي .. ويومها قلت لهم في الرسالة : عفوا ، لكنني اعترض على تغيير عنوان مقالتي .. العنوان الذي اخترته أنا .. ؟ أليس من حق الكاتب أن نأخذ برأيه قبل أي تغيير أو تبديل في موضوعه أو عنوانه ..؟ إذا كانت سياسية مجلة " الفكرية " – كما عبرتم عنها في رسالتكم لي - تغيير وحذف وإجراء تغييرات ؛ فماذا تركتم للمجلات الفنية ..؟! هذه السياسة لا تناسبني وشكرا لكم ..! " .
وصلني ردهم يبرر سبب تغيير العنوان لغرابته ..!
فبعثت لهم برسالة أخرى لأوضح وجهة نظري ومبعث اعتراضي على التغيير الذي حصل : " اعتقد أن أهم غاية من غايات المجلات الفكرية هو تطوير الفكر عند القراء ؛ وحين نقوم بتغيير عنوان أو عبارات من مقال لأن القارئ . الآخر لا يفهمها .. إذن فمستقبل هذه المجلة ستبوء بالفشل ، ولن تحقق فكرا عميقا وقويا .. ولن تخلف تأثيرا حقيقيا ..! - هذا رأيي - وأنتم بإجراء بقص العبارات وحذف الكلمات وتغيير العناوين كأنكم تقولون بأن : القراء أغبياء ! " ..
فجاء ردهم يعتذر : " أعذرينا .. لأننا طلاب وجديدون على نظام المجلات .. وكل ما نقوم به من غير سابق خبرة " ..!
طبعا ردهم يدّعم رأيي وهو عدم ثقتهم بالقارئ وبذكاء القارئ في تعاطي مع ما يكتب له في الصحف والمجلات ، القضية ليست لها علاقة بي أو بعنوان مقالتي ، بل أتحدث بشكل عام وبموجب مصلحة العقول .. عقول شريحة من القراء من حقهم قراءة الحقيقة كاملة ، ومن حقنا عدم تغيير أو بتر هذه الحقيقة ، بل تقديمها كاملة كما هي .. وليس من حق إدارة المجلة الحكم سابقا على القارئ بأنه لا يفهم يعني " ساذج " أو " ضحل " في فهمه ، وفي هذا تغييب للفكر والإنسان واسقاط احترام عقله الحرّ الذي من أهم الوظائف التي أوكلت له من ربه تعالى هو التفكير والتأمل ..!
على المجلات والصحف أن تقلّم الأخطاء الإملائية والأسلوبية التي تملأ صفحاتهم ؛ لا أن تكون مقصا على رقبة الحروف والكلمات ..!
وما أدراكم ما معنى المقص للكلمات ، وكأنما هو قص لروح الكاتب ولجزء من قلبه ..؟!
ثمة رواية إيرانية للروائي " شهريار مندني " يناقش قضية الرقابة في إيران ومدى تأثيرها على عامة الناس هناك ليس على الكتاب والأفلام فقط بل على شعب بكامله ؛ يعرض الروائي قضية الرقابة بسخرية معجونة بألم وتتخذ هذه السخرية منحنى مشروخا في روح المجتمع حين يكشف الكاتب اللثام عن الرقيب المسؤول عن الإذن بعرض الأفلام أو منعها ما هو سوى رجل كفيف ومن خلال مراقبين يصفون له المشاهد التي تتراءى أمام حواسهم لينقلوها له كما هي وحينها يدلي برأيه عن المشاهد التي يجب قطعها .. !
رهاب الرقابة على المجتمع يتماهى خناقها في عدة أشكال في تغيير أسماء الأطفال المواليد وعدم السماح بأي اسم يحمل مغزى سياسيا ، رقابة على الأقمار الصناعية ومنع بث قنوات معينة ضد السلطة أو ما لا يتوافق مع مزاجها السلطوي وغيرها .. !
هذه الرقابة المستمرة جعلت الإيرانيين يبتكرون أساليبا مختلفة يستطيعون من خلالها العيش بفسحة أكبر داخل بلاد تسعى سعيا حثيثا إلى خنق وسحق وإلغاء إنسانيتهم بحجج تحمل في ظاهرها الدين ولكن في باطنها تفرض سلطتها المستبدة عليهم ، تدعي أمن الوطن بينما هي تخشى على زوال ملك عرشها ..!
وهذا لا يصدق على الجمهورية الإسلامية وحدها ؛ بل معظم دول العرب والعالم غدت تقفّص شعوبها وتفرض رقابتها عليهم بأعذار أغلبها وهمية ولمنافع شخصية وليست عامة ..!
هذه الرقابة تحوّل المجتمع إلى مجتمع أقنعة .. إلى مجتمع متناقض يخادع بعضه بعضا ويمتنع فيه الناس عن ممارسة ما يحبونه ، عن ترك ما لا يرغبون به لإرضاء المجتمع ، لخوف من سلطة ما ، لاتقاء شرور تكيد لهم وتطاردهم ككلاب مسعورة ..!
الرقابة .. الرقابة .. ماذا تفعل بنا الرقابة في مجتمع يرتعب من الكلمات فينتف روحها حرفا حرفا كما ينتف الجزار ريش الدجاجة ..!
يترقب الكاتب صدور كتاب له ولكن الرقابة تبقي المخطوطة في حوزتها شهورا طويلة وأحيانا يصل لأعوام ؛ بحجة مطاردة كل لفظة تخدش " فكر " الإنسان وتغرس رذيلة " الوعي " في روحه الطاهرة ..!
لي - تجربة شخصية - مع الرقابة التي قفصت إحدى مخطوطاتي في قفص المحاسبة والقص والنتف والخنق ، ومازالت مخطوطتي تتوق لحظة إطلاق سراحها .. لحظة حريتها من عقول ترى الكلمة مشنقة والعبارة صاروخا نوويا ..!

ليلى البلوشي