الأحد، 21 يونيو، 2015

إيران التي في طنجرة ضغط ..!

إيران التي في طنجرة ضغط ..!

مذ عام 1980م وقع تبدل كبير جدا ومكلف للغاية في تاريخ إيران ، لم يكن التغيير الجذري الشامل على مستوى التسمية فحسب بل جر معه تغييرات شتى لم يكن المواطن الإيراني يتوقعها قط ، فبعد ثورة كونية قادها شباب متمردون حالمون بالتغيير ، شباب استطاعوا بتحديهم العميق على اسقاط نظام الشاه حاملين شموع أمنياتهم التي باتت على وشك الإنارة في محيط كان متعتما بالنسبة لهم ، لكن الشباب أنفسهم سرقت ثورتهم وأجهضت أحلامهم بعد أن ابتلعتها عباءات سوداء أحكمت قبضتها الحديدية باسم الدين ..!
في كل عام  من سنة 1980 م والإيرانيون يحتفلون بذكرى ثورة الخميني ، لكن مع مرور كل سنة يزداد عدد الكافرين بالثورة حتى أنهم بلغوا درجة الإيمان بأن الثورة الإسلامية كانت أعظم و أوجع نكسة تاريخية في حياة إيران والإيرانيين ؛ حيث عصابات الملالي سيطرت على إيران ، ودمرت البيئة ، وشوهت التاريخ والحضارة الفارسية ، ونهبت ثروات الشعب الإيراني المغدور ، بشهادة القادة العسكريين أنفسهم الذين شاركوا ودعموا الثورة الإسلامية إلى أن استولت على الحكم ، وبدأت بممارسة التصفيات الجسدية لآلاف من الشباب ؛ لأنهم نادوا بصوت الحرية والديمقراطية ورفع مستوى دخل الفرد ، أفجع أنواع التعذيب والسجن والقتل والنفي وكان محظوظا من نجا منهم هاربا إلى خارج إيران ..
وقد أسهب " محمد محسن سازكارا " أحد الذين شاركوا في تأسيس الحرس الثوري الذي ساهم في إنشاء هذه القوة العسكرية ، التي تشكل اليوم العمود الفقري لنظام الجمهورية الإيرانية ، يتحدث بحسرة معترفا بأن الزمن لو عاد به إلى الوراء لما شارك في الثورة ، و لأدرك بأن إسقاط نظام الشاه كان خطأ نتيجته كانت مكلفة للغاية للشعب الإيراني الذي كان يتمتع بحريات هائلة مقارنة بزمن الثورة الإسلامية في مجالات ثقافية واجتماعية ودينية وإن كان ثمة تضييق على الصعيد السياسي ..
ينظر الإيرانيون اليوم بكافة أطيافهم بمنتهى الوجع والحنين والخيبة أيضا إلى زمن الشاه و يلتمسون العذر لإخفاقات 36 سنة ماضية في مجالات التنمية والمعيشة والحريات في الغرب ؛ فقد كان شعار المتظاهرين حين حاولوا التخلص من نظام الشاه هو تحسين المعيشة والتخلص من التبعية الغربية ، هذه الشعارات اليوم ما عادت لها جدوى في ظل الضغوط التي يكابدها الشعب ، الشعب نفسه الذي حوله النظام الإسلامي إلى كائن مقموع يمارس تناقضاته على سبل شتى ليحصل على مقدار من حريته الشخصية المسلوبة ؛ فبعد ثلاثة عقود ونصف لم يتحقق منها شيء واختصرت الانتخابات البرلمانية والرئاسية فقط على الاسلاميين ، ولم تعد هناك أحزاب سوى تلك التي تنتمي للنظام ومستوى المعيشة تراجع كثيرا وعم البؤس ، حتى أن طهران و بقية المدن الكبرى هي مجرد بقايا مما بناه الشاه ، والثورة أصبحت مجرد نظام سياسي قمعي ..
الإيرانيون اليوم يمارسون الحرية على نطاق فردي وبعيدا عن أعين الرقابة التي يفرضها الملالي ، ومن يقرأ السير الذاتية والقصص والروايات ، وكثير من المقالات والمقابلات لفئات من الشباب والمبدعين والكتاب والشعراء والممثلين والمخرجين السينمائيين الذين يحاولون نقل صورة حقيقية بلا رتوش عن الواقع الإيراني الذي بلغ آخر درجة من التحمّل ، من تلك المقابلات ما قالته الكاتبة " سحر دليجاني " وهي كاتبة إيرانية من ضحايا الثورة الإسلامية ، حيث إنها ولدت في إحدى سجون طهران عام 1983م ، أسرتها التي كانت معارضة لنظام الشاه وحين سقط عارضوا الثورة الإسلامية للأسباب نفسها وقد دفع أهلها ضريبة معارضتهم غاليا ، قالت مؤخرا في معرض الدولي للكتاب في بوغوتا ما يختصر الحالة الراهنة في إيران : " إن الشباب الإيرانيين هم تماما بعكس ما يريد النظام أن يكونوا ، فهم مثقفون و حيويون ولا يمكن أن تبقى الأمور معهم على ما هي عليه " موضحة أن الدعاية المركزة للقيم التي تفرضها الجمهورية الإسلامية في المدارس فشلت في أداء مهمتها .. !
تلك الأجيال البريئة التي سكبت الثورة الخمينية في عقولهم الغضة بخزعبلات ، وغذّتهم بأوهام ، وفرضت عليهم أنظمة وقوانينا تستعبدهم وتمنع عنهم التفكير الحر كآدميين وكأجيال لا ذنب لها سوى أنها وجدت نفسها أمام قوى دينية لها أطماعها السياسية في الاستحواذ والتملك ..
مما لا شك فيه باتت إيران تشكل تهديدا في الوقت الراهن على الصعيد الاقليمي والعالمي ، هي التي لا تكلف عن التمدد في العراق و سوريا واليمن و أفغانستان ولبنان ، تواجه اليوم تحديات وضغوطات هائلة من الخارج والداخل أيضا ، في ظل وعي شعبي أصبح يتصاعد مع كل عام من عمر ثورتهم ، فشباب الجيل الجديد ضاقوا ذرعا بسياسة القمع وما عادت مفاهيم الإمامة ، والخلافة ، والقيادة ، و صكوك الجنة والنار أو حتى التبعية الغربية تشكل لديهم فارقا اليوم بل حق تحسين مستوى المعيشة هو أهم مطلب من مطالبهم و لاسيما حين أدركوا أن سعر لتر البنزين في إيران في عهد الشاه كان تومان واحد فقط ، بينما اليوم في عهد الملالي أصبح سعر اللتر 1000 تومان كما ذهب حساب " شؤون إيرانية " في تويتر ..
وهكذا يقارن الإيرانيون بين النظامين بخيبة كبيرة و حسرة قد تستحيل إلى قنبلة موقوتة تحرق الأخضر واليابس .. 
في ظل هذا الضغط الهائل من كل الجبهات فهل ستصمد الجمهورية الإسلامية ..؟

ليلى البلوشي

الجمعة، 12 يونيو، 2015

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

المال لك ولكن الموارد للجميع ..!

قرأت منذ وقت قريب قصة عجيبة عن طالب ذهب إلى ألمانيا للدراسة ، وأثناء إقامته هناك وصلته دعوة من صديق له في مدينة هامبورغ ، رتبت ولزملائه الآخرين جلسة ترحيب في أحد المطاعم ، وعندما دخلوا المطعم لاحظوا أن كثير من الطاولات كانت فارغة ، وكان هناك عدد قليل من السيدات الكبيرات في السن يجلسن جانبا ، و طاولة صغيرة تواجد عليها زوجين شابين لم يكن أمامهما سوى اثنين من الأطباق وعلبتين من المشروبات ، مما جعله يتساءل في نفسه عن هذه الوجبة البسيطة في مناسبة رومانسية جمعت بينهما بل تمادى في تساؤلاته حول ماذا ستقوله الفتاة عن بخل هذا الزوج ..؟
طلب زميلهم الطعام وكانوا جياعا فطلب المزيد ، و عبت قائمة طلباتهم الطاولة سريعا ؛ لأن المطعم كان هادئا ..
لم يقضوا وقتا طويلا في تناول الطعام وعندما قاموا للمغادرة ، كان ثلث الطعام المطلوب متبق في الأطباق دون أن يمس ..
وما كادوا يصلون إلى نهاية باب المطعم حتى ناداهم صوت ، توقفوا و التفتوا فلاحظوا أن السيدات الكبيرات في السن كن يتحدثن عنهم إلى مالك المطعم ، وحين تحدثوا إليهم فهموا أنهم يشعرون بالاستياء لإضاعة الكثير من الطعام المتبقي ..
أجاب زميلهم الذي دعاهم : " لقد دفعنا ثمن الطعام الذي طلبناه ، فلماذا تتدخلن فيما لا يعنيكم ..؟ "
لكن إحدى السيدات الكبيرات في السن حدقت فيه بغضب شديد واتجهت نحو الهاتف واستدعت أحدهم ..
بعد مرور دقائق وصل رجل في زي رسمي ، قدم نفسه على أنه ضابط من مؤسسة التأمينات الاجتماعية ، وحرر لهم مخالفة 50 مارك .. التزموا جميعا الصمت من الواقعة العجيبة ، وأخرج زميلهم 50 مارك قدمها مع الاعتذار إلى الموظف ..
قال الضابط بلهجة حازمة : " اطلبوا كمية الطعام الذي بمكنكم استهلاكها ، المال لك لكن الموارد للجميع ، وهناك العديد من الآخرين في العالم يواجهون نقص الموارد ، ليس لديكم سبب لهدر الموارد " ..
قرأت هذه القصة الحقيقية بتأثر عميق ، وأنا أفكر في كمية الهدر الهائل لمعظم مواردنا نحن العرب ، لا سيما في دول الخليج العربي ..!
كميات هائلة من الأطعمة الفائضة عن موائدنا ، تفيض حتى عن حاجة الحيوانات التي تقتات عليها ، كميات هائلة من شتى أنواع الطعام في أوعية القمامات ، معظمها لم يمس ..!
وبما أننا على أعتاب الشهر الفضيل رمضان ، فإن كميات الطعام ستفيض مرتين بل أكثر ، دون أن نفكر ولو لحظة في الجوعى والمشردين فكيف إذن يطرأ ببالنا نحن - المسرفون - ما يسمى بهدر الموارد ..!
للأسف في الشعوب المرفهة الإسراف ليس في الطعام فحسب بل في كل شيء يعد نوعا من الكرم والشهامة ، بل من يقدم ما يسد حاجته فقط ، يعد في نظر هذا المجتمع الذي تعوّد على التبذير إنسانا بخيلا بل ناقص الشهامة أيضا ، ويكون علكة على ألسنة القاصي والداني ..!
نحتاج إلى مراجعة ، مراجعة شاملة لأنظمة حياتنا ، لإعادة بناء أفكارنا المجتمعية ، لننجب جيلا يدرك حجم النعم ، ويؤمن أن الثراء لا يعني إهدار الموارد ولا إسرافها ..!
نحتاج إلى إعادة منظومة علاقاتنا الاجتماعية خاصة ما يسمى بالــــ" وجاهة الاجتماعية " ؛ فهناك مليار جائع في هذا العالم يبيت أياما بلا وجبة ، إنهم يعانون ما يسمى بـــ" الجوع المزمن " حيث لا يعرف مجتمعات الرفاهية معنى شعور الجوع ؛ فالموائد وافرة بما لذ وطاب ، حتى في الشهر الفضيل الذي يفترض فيه أن يعرفوا معنى الجوع ، وأن يعايشوا شعور الفقراء والمشردين في هذا العالم ، يحدث العكس تماما ، حيث يتبارى الجميع في شعور الشبع ، بل وصل الأمر إلى حدوث حالات من الوفاة بسبب التخمة في إحدى الدول الخليجية ..!
شعوب تموت من الجوع وشعوب أخرى تموت من الشبع ، شعوران متضادان في العالم نفسه ..!
ربما نحن أحوج شعوب العالم إلى لجنة تحاسبنا على هدرنا لموارد الكرة الأرضية ، بتأكيد نحن أحوج الأمم لذلك ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 2 يونيو، 2015

أطوار القراءة ..

أطوار القراءة  

" يجب أن تكون الكتب ثقيلة ؛ لأنها تخفي كل العالم " هذا ما ذهبت إليه الروائية الألمانية " كورنيليا فونكه " صاحبة الرواية الشهيرة والتي حولت إلى فيلم فنتازيا ساحر " قلب الحبر " ..
لكن هذه الكتب ثقيلة كيف يمكن أن يقرأها الإنسان ..؟ هل يوجهها أسلوب قرائي معين يسعى له القارئ الشغوف ..؟
أوقن دائما أن لكل كتاب طريقة ما ، أسلوب معين لفضّ ما فيه ، بعض الكتب تُقرأ في جلسة واحدة و أخرى على امتداد جلسات ، كتب أخرى تستحوذ على حواس القارئ من العتبة الأولى للنص وتحتضن دهشته الأولى التي تتعاظم كلما امتدت حواسه في أحشاء النص وأخرى تختبر صبرك كقارئ وتجبرك على أن تقطع أشواطا حتى تجسّ لذة سردها ، فـــ" وقت القراءة مختلس دائما كوقت الكتابة و وقت العشق " كما يرى " دانيال بناك " صاحب كتاب " متعة القراءة " ..
الباحث والناقد " عبدالفتاح كيليطو " في كتابه " الأدب و الغرابة " يذهب في حديث مسهب عن كيفية قراءة الكتب ، فهو يرى بأن الحكاية تقرأ قراءتين ، القراءة الأولى هي القراءة " العادية " ، أما القراءة الثانية هي القراءة " العالمة " ..
القراءة العادية تتم من اليمين إلى اليسار ، أي من البداية إلى النهاية وهي القراءة التي اعتاد عليها القارئ ، أما القراءة العالمة هي القراءة التي تتم من النهاية إلى البداية ، ومن اليسار إلى اليمين ؛ ويفسر قوله بأن هذه القراءة تجعل القارئ يلمس البناء السردي عن كثب بل تجعله يعيد صياغة الحكاية بعد تفكيك مكوناتها ..
لكن التحدي الحقيقي يظهر في الفرق ما بين القراءة العادية والقراءة العالمة ..؟
فالقراءة العادية التي اعتاد عليها القارئ العادي تشّد بخناقه وتجعله يبتلع الأحداث بدون مضغ ويقفز الصفحات ، لكي يصل أخيرا إلى النهاية التي يتلهف على معرفتها ، هذا التلهف لإنهاء قراءة الكتاب يدفع القارئ العادي ضريبتها غاليا ؛ ذلك لأنه يجري وراء الوهم ، هذا الوهم يفقده انضباطه وتحكمه في نفسه ويعيش فترة استلاب ..
أما القراءة العالمة ، فهي القراءة التي تحرر القارئ من الوهم ، ومن المشاركة الوجدانية وترفعه إلى مرتبة تجعله يشارك لا الشخصيات بل القائم بالسرد نفسه ..
القارئ هو طموح كل الكُتّاب ، فالكتاب بلا قراء أشبه بمدرسة بلا طلاب ، وكل كتاب ينجب قراءه ، سواء كان قارئا عاديا أم قارئا عالما ؛ لذا ما طرحه " كيليطو " في كتابه عن القراءة العادية والقراءة العالمة تخضع بالدرجة الأولى لنوع الكتاب وجنسه الأدبي ، فالكتب الموسوعات و التاريخ والرحلات وبعض الروايات تتطلب جهدا أكبر لفهمه مقاصدها ، لاستيعاب كثافة المعلومات التي تحويها ؛ لذا تتوق لقارئ عالمي يقدّر ما طرحه ويستوعب كمية الجهد المبذول ، قارئا مكتشفا ، ليس لأنه أثناء القراءة يكتسب معلومات فحسب بل يقوم بفطنة ويقظة تحليلها وربطها ببعض واكتشاف مكامنها السرية ، تمده الصفحات بكثافة مقابل وعيه أثناء القراءة ، بينما ثمة كتب كالمجاميع القصصية وبعض الروايات وكتب الأشعار تتطلب الحالة الوجدانية للقارئ بقدر ما تتطلب أيضا يقظة قرائية فاعلة في دائرة النص ، لذا أرى أن القراءة العالمة هي حاضرة دائما ، ولكن حضورها ضمني متفاوت من قارئ إلى آخر تبعا لوعي القارئ وتغذيته لنفسه بقراءات موسعة في مجالات شتى ، بينما القراءة العادية تكون مسموعة أكثر و حاضرة أكثر ..
القراءة العالمة تتطلب قارئا عالما بمكونات السرد و أصول الحكاية ، لديه خلفية نقدية ، بينما القراءة العادية تختصر في القارئ العادي العابر الذي تكون صلته بالكتاب أيضا عابرة ، الكتاب الذي يكون وليد الصدفة لا وليد الرغبة والسعي كما في القراءة العالمة عند القارئ العالم ..
القراءة العادية هي غير متطلبة وخارج دائرة الشروط ، هي قراءة خاصة وليست عامة ، تكون علاقة القارئ بالكتاب عابرة وغايتها تختصر في جلب المتعة لنفسه ودفع الملل ، لا سيما و أننا في الزمن صار فيه معظم القراء تابعين لا مكتشفين ، في زمن صارت الدعاية هي الطريق إلى الكتاب كما أشار ناشر أمريكي ذات مرة : " أسوأ قارئ هو الذي يشتري الكتاب لأن الآخرين قد تحدثوا عنه ولكن للأسف فهذا القارئ هو رأسمال دور النشر العالم " ..
بينما القراءة العالمة هي قراءة عامة ، تستدعي وجود قارئ طموح تكون القراءة لديه مشروع كمشروع زراعة شجرة ، هذا المشروع قابل للتطور والنمو على مدى الأيام ، تخرج من طور المتعة إلى طور المشاركة ، لتجلب منفعة لنفسها وللآخرين أيضا ، بمعنى هي القراءة التي تنجب مع الزمن قارئا بمرتبة كاتب أو باحث أو ناقد تبعا للتوجهات القرائية .. 
لكل منا طور من أطوار القراءة ، ووحدنا نحن - القراء - نحدد مرتبتها و نمضي لاستكمال دربها الساحر  ..

ليلى البلوشي