الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

حياتي لم تتوقف لأنك اختفيت ..!

حياتي لم تتوقف لأنك اختفيت ..!

جريدة الرؤية

" فائزة " هي شخصية ورقية قصصية من تأليف القاصة العمانية " بشرى خلفان " ، تعرفت عليها كقارئة من مجموعتها القصصية الجديدة الموسومة بـــ" حبيب رمان " من إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع مؤسسة الانتشار العربي 2014م ، و" فائزة " هي بطلة قصة " قض الملح " تعريفها في القصة زوجة وأم ، امرأة حياتها مطبخ مذ زواجها من ابن عمها المدعو " حمود " الذي درس في دولة عصرية باريس والتحق بإحدى أعرق جامعاتها يعشق وصفات المطبخ الغربي لا سيما الإيطالي ، ويحرص في كل سفرياته خارج البلاد على جلب الكثير من البهارات والأطعمة المجففة يقدمها لزوجته " فائزة " التي كانت حياتها في المطبخ بين مواعين الطبخ ورائحة العجين المخبوز والباستا و الأريجانو وغيرها من الأطباق التي يفضلها الزوج الغائب عن البيت طوال الأيام عدا عطلة آخر الأسبوع ، يعود من رأس عمله المزدحم في مسقط ، ليملأ كرشه بأطباق زوجته " فائزة " الشهية وليشبع فحولته بوعود الأمومة لها ..
قصة " قض الملح " للكاتبة " بشرى خلفان " من حيث اهتمام بطلتها بوصفات الطبخ تماثل إلى حد ما بطلة رواية " الغليان " للروائية المكسيكية " لاورا إسكيبيل " ترجمة " نادية جمال الدين محمد " ، من خلال شخصية " تيتا " الابنة الصغرى التي تعيش في كنف عائلة لها قواعدها الخاصة تلك التي لا تحيد عنها ، فمن تقاليدها أن الابنة الصغرى لا تتزوج بل تقوم برعاية أمها حتى وفاتها ، " تيتا " التي تغرم برجل يأتي لخطبتها غير أن أمها ترفض تزويجها فالابنة الصغرى مثلما تقول تقاليد العائلة منذ قرون هي من يقع عليها مهمة رعاية الأم مهما عبر بها العمر عتيا ، لذا تجبر الأم الرجل الذي يحب " تيتا " ابنتها الصغرى على الزواج من ابنتها الكبرى ، هنا في هذا التقليد البائس تجد " تيتا " نفسها تنسحب شيئا فشيئا إلى المطبخ وإلى وصفات الطعام الشهية التي تقوم باختراعها ؛ كي تقاوم الحياة الكئيبة وهي ترى أمام عينها وكامل حواسها حبيبها زوجا لامرأة أخرى هي شقيقتها ، و " تيتا " في الرواية ترمز إلى المجتمع المكسيكي المغلوب على أمره وخاضع ..
بينما " فائزة " بطلة قصة " قض الملح " هي امرأة متزوجة وأم تعيش حياة اعتادت عليها معظم المجتمعات الخليجية والعربية حتى غدت طبيعية في كون الزوج يعمل في مكان بعيد عن منزل الأسرة ويلتقي بهم في عطل نهاية الأسبوع ، أفرزتها ظروف الحياة الشاقة وتمركز الوظائف الجيدة في عواصم المدن ، والزوجة هي من تتدبر شؤون البيت والأطفال في غيابه ، من خلال القصة القصيرة نجد أن الرابط الذي يربط كل من " فائزة " و " زوجها " حمود " هو المطبخ ، وتكون وصفات الطعام التي تبدعها " فائزة " هي متنفس الوحيد لإرضاء الزوج الغائب بجسده غير أنه حاضر وبقوة في تفكيرها ؛ لدرجة أنها تعد سلفا خطة أسبوعية لوجبات الطعام التي تقدمها للزوج حين يعود في العطل أو في المناسبات الاجتماعية ..
هذا الترابط الذي يريح الزوج " حمود " والذي تقوم " فائزة " بشتى الأساليب لترسيخ دعائمه ؛ فهي الصلة الوحيدة التي يجمعنا بزوجها المشغول دائما ينسفه في لحظة وبلا سابق انذار طبق الباستا الذي يعشقه الزوج " حمود " لأنه رأى أن كمية الملح في الطبق كانت زائدة ، وعلى الرغم من أن الزوجة " فائزة " الطباخة الماهرة والصغار لم يلاحظوا ذلك ، منذ تلك اللحظة تنهار دعامة الثقة التي جمعتهما في دائرتها ويختل الرابط الوحيد والحقيقي في علاقتهما الزوجية ألا وهو أطباق الطعام ، فالزوج " حمود " صارت المملحة هي التي تتحكم بذائقته الجديدة والزوجة " فائزة " ما عادت تثق بذائقتها المطبخية ، الملح نفسه هنا رمز لماح وذكي لتأويلات شتى منها فقدان حياتهما لارتكازات حقيقية عدا الطبخ ، فلا أفكار ، ولا حوارات ، ولا نقاشات واقعية جمعت " فائزة " و زوجها " حمود " حتى أنها تخجل في أن تبوح له برغباتها في السفر وقضاء وقت لطيف معه ، وليس هذا فحسب بل هو أيضا رمز للحياة الزوجية التي يجب ألا تخضع لقوانين صارمة لا تتزعزع لأسباب تافهة ، فحتى ملح الطعام لا يتحكم فيه الطباخ ولا يمكن أن يرضي أذواق الجميع كالعلاقة المشتركة التي تكون مرتهنة لصراعات مختلفة تتطلب المقاومة والصمود من الرجل والمرأة في آن ، وتعني أيضا أن الحياة المشتركة لا تعني التوحد في الأذواق والأحلام والرغبات وألا تكون خاضعة لرغبات فرد واحد ؛ فمفهوم الأسرة أشمل من أن يديرها فرد واحد رأى المجتمع أنه كفؤ تبعا لمبدأ القوة وضمن ما يسمى بمفهوم السلطة عوضا عن مبدأ المشاركة ومفهوم الود والرحمة ، ولعل من أهم التأويلات أنه ليس على الفرد الواحد أن يضحي على حساب إرضاء الجماعة منسفا رغباته و حياته ضمن رغبات الجماعة التي تعيش في كل الأحوال تفاصيل حياتها المختلفة ..
كقارئة للقصة و لشخصية البطلة " فائزة " بودّي أن أُجلسها أمامي وأقول لها : أحببت طبخك اللذيذ يا " فائزة " ودورك الأمومي لتربية الصغار ، ولكن انصياعك التام لرغبات زوجك الأناني تحتاج منك إلى إعادة نظر كلية وشاملة ، تحتاج منك إلى نوع من الإنصاف ، فأنت تظلمين نفسك في الحياة التي تعيشنها ، الحياة التي لا تتوقف لأن زوجك لا يعجبه طبخك ، فالزوج المحب لزوجته سيظل يحبها ويقدرها حتى لو كان طبخها محروقا ..!
 حياتك ينقصها بشدة التوازن ، التوازن الحقيقي هو أن لكليكما أحلام ورغبات وطموح وأشياء تحبونها وليس من الضرورة أن تكون مشتركة بينكما ، فما يحبه زوجك لست مضطرة لأن تحبيه بدورك وما تحبينه أنت ليس مطلوبا أن تنتظري حب زوجك لها ، تلك الفردانية التي تحتفظ بحقوقكما في ظل حياة مشتركة أساسها الود والاحترام دون أن يقصي أحدكما الآخر ، فالحياة الزوجية لا تعني أن الرجل قديس والمرأة مجرد خادمة ، لقد تجاوزت معظم المجتمعات العربية منها والغربية ذلك ، تلك الأطر الضيقة لمفهوم العلاقات الاجتماعية قضت عليها الحياة الحديثة ، ولكن يا " فائزة " أخشى أنك من ذاك النوع من النساء اللواتي سبق وأشارت إليهن الكاتبة " غادة السمان " في معظم كتبها ومقالاتها عن المرأة ، بأن هناك أنماط من النساء في المجتمعات العربية يحتفين بالقيود التي تحكم حياتهن ، النمط نفسه الذي يحارب كل من يسعى إلى تحريرهن من أفكار المجتمع النمطية ، لا يردن أن يتحررن فكريا ولا اجتماعيا من سيطرة ذكور القبيلة ؛ ربما لأنهن يرون في الخروج من الأطر الاجتماعية الضيقة التي عفا عليها الزمن نوعا من المطالبة بالإنجاز والإبداع الفردي ، تلك الفردانية المبدعة التي يملكنها دون شك ، ولكن لا يعرفن ولا يملكن الجسارة الكافية لعتقها من أرواحهن التي اعتادت على مبدأ الخضوع والطاعة والتبعية ، كالعبيد الذين نبذوا فكرة الحرية في زمن ما ؛ لأنهم أدركوا أن الحرية مكلفة ، وأنها عبء بعد أن اعتادوا على الخنوع ..!
هناك مفهوم عتيق كان سائدا في مجتمع اليابانيين حين كانت الفتاة تتزوج ، بعض الأسر اليابانية كانوا يعدونها بمثابة الميتة ؛ لأنها تكون طيعة في يد حماتها ، وهي حين تكون زوجة تتقلص حياتها الاجتماعية وتكرس حياتها بإيثار تام لرفاهية عائلة زوجها تحت إشراف حماتها الصارم ، وهي نتاج المجتمع الأبوي المؤمن بسيادة الرجل وقوة الذكر والتي كانت تنظر إلى النساء باعتبار أن وظيفتهن هي الحمل وتربية الأطفال وتخليد الأسرة أكثر من كونهن شريكات للرجل في الحياة أو موضوعا للحب ..!
أثق تماما أن هذه المفاهيم العتيقة ابتلعها هذا الزمن وتجاوزتها كثير من المجتمعات العربية ، ولكن ظلت عقدة فردية وليست مجتمعية عند بعض النساء اللواتي حبسن أحلامهن وطموحاتهن في قمقم الخضوع والانسياق خلف إرضاء رغبات السي سيد على حساب حياتهن الخاصة ورغباتهن ، حين تكون الحياة رجلا فقط .. !
ما أحوجك يا " فائزة " إلى عبارة بطلة فيلم " THE TIME TRAVELLER`S WIFE  " حين قالت لزوجها الذي غاب عنها لأسبوعين كاملين : " حياتي لم تتوقف لأنك اختفيت " ..
... هكذا ببساطة تامة !
ليلى البلوشي

الجمعة، 21 نوفمبر، 2014

ورطة وزيرة الثقافة الفرنسية ..!

ورطة وزيرة الثقافة الفرنسية  ..!

مثقف : ما اسم الكتاب الذي تتصفحه ..؟
قارئ : " آنا كارنينا "..
مثقف : آه ، تلك التي كتبها " فلوبير " ..
    قارئ : بل " تولستوي " ..
مثقف : آه ، صحيح ، طبعا ، بالمناسبة ، ما جديده في هذه الأيام .. ؟
قارئ بعد صمت طويل : ها ...... في الواقع إنه متوفى عام 1880م ..!*
أكاد أتخيل هذا الحوار دائما في عقلي ، الحوار الذي سيجمع ما بين قارئ حاذق لديه سعة ثقافية حقيقية ليس مضطرا لأن يثبتها أو يفرضها على أحد ، بل هي رغبة ذاتية في غاية الإخلاص منه للكتب التي يقرأها بأمانة ، حب ، استمتاع ، فكر ، وتأمل حقيقي ، حين يكون الكتاب موازيا لصديق حقيقي لا تكل منه بل كلما فرغت من مصاحبة أحدها لبرهة من الزمن رأيت نفسك أمام كتاب آخر ، صحبة أخرى تعدك بجماليات العالم ..
مازلت أؤمن بيقين تام أننا في عصر " القارئ " الذي يوازي المثقف مهما تفاوت حقل ثقافته ، بل في كثير من الأحيان يربو هذا " القارئ " المثقف إلى مرتبة " القارئ " السوبر الذي يفوق المثقف فكرا ، ونقدا ، ورؤى لما يكتبه أو ما تقوله كتبهم على افتراض أن المثقف هو مؤلف كتب ولا شك معنى الثقافة يفيض ويستفيض لما هو أكثر من ذلك ؛ ولعل الخبر الذي نشرته صحيفة " نيويورك تايمز " الذي قام بترجمته للعربية المترجم " أحمد شافعي " عن الضجة التي تشغل حاليا أجواء الساحة الثقافة الفرنسية أثارتها تصريحات وزيرة الثقافة الفرنسية " فلور بيليران " بأنها لم تقرأ كتابا منذ سنتين ، هذا التصريح كما يقول الخبر سبب رعبا في دوائر النخبة الثقافية ؛ ليثير عاصفة من الانتقادات واسعة في وسائل الإعلام الاجتماعي ، ففي فرنسا بلد سارتر و موليير تعد الثقافة وسعة الاطلاع الأدبي جزءا من المكانة الاجتماعية ، ولكنها في الوقت نفسه تعد أيضا جزءا أساسيا من مؤهلات شخص يفترض أنه المشرف على ميزانية الثقافة في البلد كما تشير الصحيفة ..!
وما زاد الطين بلة عندما سئلت الوزيرة عن كتابها المفضل من بين كتب " باتريك موديانو " الكاتب الفرنسي الحائز أخيرا على جائزة نوبل في الأدب ، ضحكت وزيرة الثقافة بغير ارتياح ولم تستطع أن تسمي كتابا واحدا للكاتب المحتفى به ، ولعل الاحراج الشديد والمطب الحقيقي الذي وقعت فيه وزيرة القافة هنا هي أنها منذ أسابيع قليلة أثنت على " موديانو " لـــ" تمثيله الحيوية الثقافية والتأثير الأدبي الفرنسي أمام أعين العالم " ، وفي وقت سابق من الحوار كانت قد أسهبت في الكلام عن غداء لها مع " موديانو " رأته شخصا لطيفا وضحكا خلاله كثيرا .. هذا التصريح في وقت ذاته دفع الكثيرين إلى مطالبتها بتقديم استقالتها ؛ لأنه عبر عن لا مبالاتها بصاحب نوبل الفرنسي مما يجعلها غير مؤهلة لوظيفتها ..!
ربما كان مبعث الغضب الفرنسي في هذا الوقت يكمن في أن فرنسا المعروفة بزهوها وتقديس تفوقها الثقافي لا سيما في ظل الأمركة التي غزت أساليب حياة معظم سكانها في وقت جاء نوبل لصالحها ولصالح إرثها الثقافي ، ولذا كان حريا حسبما افترض على وزيرة ثقافتها أن تدرك حساسية الوضع وأن تضاعف من مسؤولياتها الشخصية حيال الثقافة والفكر ..
رأى كثير من النخب في فرنسا بل القراء العاديون كذلك أولئك الذين يقدرون قيمة الكتاب وأهميته لنهوض الأمم وبناء الحضارات وخلودها في بلد زاده الثقافة والعلوم المختلفة بأن اعتراف وزيرة الثقافة بأنها لم تقرأ كتابا لمدة سنتين فحسب لضيق الوقت في وقت اعترفت بأنها على الرغم من ذلك كانت تقرأ كل ما له علاقة بمركزها الوظيفي وعملها ، وهذا التصريح بحد ذاته لاقى توبيخا لاذعا من مثقفي فرنسا لكون وزيرة الثقافة تقدم قراءة المذكرات الوزارية على الأعمال الأدبية الرفيعة وهذا لوحده عار كبير ..!
لكن بالنسبة لنا كعرب وفي أجواءنا العربية الخبر يدعو للرثاء على حالنا كالعادة ؛ فليت الأمر يشمل على عدم قراءة الكتب فحسب ، فالأمر يكاد يكون ربما عاديا عند الكثيرين في الدول العربية بألا يمس وزير الثقافة كتابا مطلقا في حياته ، فلو كان الكتاب ولو كانت القراءة تشكل أهمية كبرى ودفعا حقيقيا من قبل القائمين عليها في دولنا العربية لكان الكاتب العربي ثريا من بيع الكتب على غرار كتاب الغرب في أمريكا وأوروبا وغيرها ، ولما اضطر إلى وظيفة تساند جوعه إلى جانب الكتابة التي يمارسها كوظيفة أيضا ومسؤولية كبيرة دون أن يجني منها ما يسد رمق حياته .. فحين نقدر قيمة الثقافة وأثرها في دول العربية حينها فقط يمكن للكاتب أن يكون كاتبا فقط ، وتكون وظيفته الكتابة وحدها التي يتفرغ لها بكامل حواسه وجسده وفكره دون أن تشتت فكره متاعب الحياة وأعباءها المادية ، وحينها بلا شك سنطالب بإقالة وزير من وزراء الثقافة في دولة من دولنا العربية لجرم عدم قراءته كتبا خلال عام أو عامين ؛ فياله من حلم ساحر فنحن مازلنا في مرحلة التي نطالب فيها بإقالة الوزير النصّاب ، المتهم بالتلاعب والسرقات ، واهدار المال العام ، وعدم الاهتمام الفعلي بالفكر ونهوض الثقافة ، ولم نصل بعد لمرحلة التي نطالب فيها وزيرا نزيها بالإقالة لمجرد أنه لم يقرأ كتابا  ..!
هناك من تعاطف مع تصريحات وزيرة الثقافة الفرنسية ؛ لأنها مشوبة بالصدق .. في وقت يتفنن فيه الكثير من الوزراء بوضع أقنعة براقة على شخوصهم لنيل رضى الجمهور أو كسب دعم الجهات العليا ، فيدعون غشا وكذبا وتلفيقا وتزويرا ما ليس فيهم ولا يمت لهم بصلة ، ويحدث في معظم دولنا العربية أن تكون الشهادة التي وضعها الوزير على حائط مكتبه الفخم ليست سوى شهادة مزوره حصل عليها من جامعات تتقن فن التدليس والتزوير وفن ايصالهم لأعلى المراتب الوظيفية في سبيل غايات شتى ..!
أمثال هؤلاء الوزراء المزورين المؤهلات الوحيدة التي يملكونها بجدارة واقعية هي احتكار كرسي الوزارة لأكبر وقت ممكن من السنوات على حساب من لهم المؤهلات الحقيقية والرؤية والتخطيط والفكر وهلم جرا ...
وكم أغبطها شخصيا وزيرة الثقافة الفرنسية على ورطتها الثقافية ؛ فشتّان ما بين ورطتها ورطة بعض وزراء الثقافة العربية ..!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
·        القصة القصيرة جدا بعنوان " مثقف " من المجموعة القصصية " قلبها التاسع " للمؤلفة ، بلاتينيوم بوك ، ط1 ، 2014 م ، الكويت ..
ليلى البلوشي

الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

الكتاب العماني في مواسم الحصاد ..!


الكتاب العماني في مواسم الحصاد ..!

جريدة الرؤية

يعيش الكتاب الآن أجواء ثقافية بامتياز ، وأعني بهذا مواسم معارض الكتب التي تأتي تباعا كمعرض الجزائر الدولي للكتاب الذي ختم احتفائه بالكتب ، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب الذي يعيش حاليا بحماس كبير عرسه الثقافي ، ومعرض الكويت الدولي للكتاب القادم على الأبواب ..
معارض الكتب لا سيما معرض الشارقة الدولي للكتاب وهو رابع أفضل معرض كتاب في العالم بمشاركة 1256 دار نشر من 59 دولة يحج إليه سنويا آلاف من القراء والكتاب والنقاد والناشرين من أقطار مختلفة ناهيك عن الزائرين من داخل الدولة ، هو موسم ثقافي مهم لكل صاحب كتاب ولكل محب للقراءة ، سجل خلال ثلاث أيامه الأولى حوالي 465 ألف زائر ، وما لاحظته خلال افتتاح معرض الشارقة للكتاب وقبله معرض الجزائر للكتاب أن معظم مؤلفي الكتب والمؤلفات قاموا بنشر مقتطفات من إصداراتهم الحديثة والقديمة كذلك ، ومنهم من نشر أغلفة كتبه التي صدرت له خلال الأعوام الماضية ، كتّاب مشهورين ولهم جمهور عريض من القراء و آخرين يتلمسون طريقهم للكتابة ؛ بغية تعريفها للقارئ ، بغية إعطاء القارئ فرصة للتعرف على كتاباتهم ، وبغية التواصل الثقافي الذي يطمح له كل كاتب مع قارئه ، ولكن ما لاحظته أيضا أن معظم الذين خطوا تلك الخطوات هم كتاب من الخليج والعالم العربي ولكن تلك القائمة فرغت من الكاتب العماني باستثناء من صدر لهم كتب جديدة وتصادف صدورها مع معرض الشارقة الدولي للكتاب ، عادة ينتظر الكاتب العماني معرض مسقط للكتاب كي يسوّق كتابه وغالبا يسوّقه له الأصدقاء ، فهل هذا يعني أن الكاتب العماني يكتب للقارئ في عمان فقط ..؟ و لا يهمه سوى آراء شلته الذين يروجون لكتب بعضهم البعض ..؟ ماذا عن القارئ في خارج عمان ..؟
لا أتحدث هنا عن قارئ صديق يعرفه الكاتب بل عن قارئ لا يعرفه واقتنى نسخة من كتابه في معرض من معارض الكتب المتعددة التي تقام على مدار العام أو من مكتبة في أقصى الأرض وجد كتابه على رفوفها ..؟ ماذا عن ناقد لا يعرفه وليس صديقه ولم يسبق وقرأ إطراءه عن كتابه وربما أجرى تعديلا على عنوانها أو بعض محتواها لتتماشى مع غاياته قبل أن يبعثها الناقد الصديق إلى مجلة معروفة أو صحيفة مشهورة ..؟!
المشهد الثقافي في عمان أصبح ينتج سنويا عناوينا جديدة ، هناك تزاحم واضح في أعداد الإصدارات الحديثة ؛ لدرجة أن الكاتب الواحد بات يصدر كتابين أو ثلاث خلال عام واحد ، ولكن في الوقت نفسه عملية التسويق لها وعرضها من الكاتب ما تزال تخضع لآليات عتيقة وعلى نطاق محلي ، فمعظم الكتاب في عمان ينتظرون عادة جهة ثقافية أو صحيفة ورقية أو برنامجا إذاعيا لترويج كتبهم بين القراء أو يعتمدون على الناشر في التسويق ، لكن في زمن تزاحم الإصدارات كم سيسّوق الناشر من كتب ..؟
لا شك في زمن مضى كان عدد الكتّاب أقل وكذلك عدد الكتب التي يصدرونها بعد عدة سنوات ، وكان الكاتب يلتقي مباشرة بناشر كتبه ويتعرّف عليه شخصيا ، أما اليوم فكم من كاتب يعرف ناشره سوى عبر فضاء الكتروني ، بل كم من ناشر يذكر اسم الكاتب في ظل كثافة النشر ..؟
ثم يأتي حشد من الصحفيين من عمان و خارجها يتناولون المسألة إياها ويطرحون السؤال الذي أصبح طرحه على معظم الكتاب العمانيين عادة وروتينا عاما حول أسباب عدم انتشار الكتاب العماني ..؟ ولا تعرف إلى متى سيظل هذا السؤال قائما كلما ذكر الأدب العماني وإلى كم من الأعوام ..؟
فكيف يمكن للكتاب العماني أن يكون له أصداء و قراء كأي كتاب من السعودية أو الكويت أو مصر أو لبنان وغيرها من الدول طالما أن الكاتب في مرحلة انتظار ..؟ ينتظر من الآخرين – الأصدقاء – غالبا أن يروجوا لكتبه أو يقيموا له مهرجانات وحفلات توقيع عبر وسائل عفا عليها الزمن ، نحن اليوم في عالم يدار بكبسة زر ، هذا العالم نفسه الذي يستطيع الكاتب وبالاعتماد على نفسه أن يسوّق كتابه بشكل جيد وبأسلوب أنيق وعبر حساباته الشخصية التي يتابعها آلاف من العابرين والعابرات ، عبر التويتر والفيس بوك والانستغرام ومدونات ومواقع تعنى بالكتب وغيرها كما يفعل معظم كتاب الخليج والعالم العربي والعالم الغربي كذلك ، المدهش أن الكاتب نفسه وعبر حساباته الاجتماعية الشخصية يغرقها عادة بتفاصيل عامة وشخصية أحيانا عن حياته ، لكن مسألة نشر غلاف كتابه أو متقطفات منه يعد أمرا مخجلا وعارا من نوع ما ، ربما الكاتب هنا يخشى أو يريد أن يجنّب نفسه نظرة المجتمعية التي روجتها عقليات قديمة لا تمت العولمة ولا تمت جيله المنفتح بصلة في أنه حين ينشر شيئا عن كتابه أو يذيل خبرا عنه فإنه يمدح نفسه أو يسعى للشهرة ، هذه الأفكار البغيضة رائجة عادة في معظم المجتمعات التي لا تشكل فيها قراءة كتاب أولوية ، بل لو قام وكتب أحد القراء بأنه اشترى كتبا أو قام بعرض قائمة قراءاته من الكتب فإن الآخرين يرشقونه بتهمة استعراض ثقافة ، و في هذا ظلم كبير لمكانة الكتاب والكاتب في آن ، وعلى الكاتب أن يكون أكثر وعيا وأكثر سعيا لتفنيد تلك الأفكار السطحية التي لا تنجم سوى عن عقول سطحية سواء في حقه أو في حق الكتب والقراءة ، لا أن ينجرف وراءها ..!
ليس الجميع محظوظين برافعات إعلامية أو مؤسسات ثقافية تروّج لهم ولا علاقات شللية تساندهم ، نعم الكتاب الجيد يشق طريقه بين كومة من الكتب الرديئة التي تطفو على السطح و لكن حتى الكتاب الجيد يحتاج إلى أن تخبر الآخرين عنه و أن تعتني بطريقة عرضه ، الكاتب " هنري ميللر " في كتابه الشيق " الكتب في حياتي " طرح على نفسه سؤالا في غاية الأهمية :  " ما الذي يجعل الكتاب حيا ..؟ ثم أجاب بنفسه على سؤاله ببساطة : " والجواب في اعتقادي بسيط ، الكتاب يبقى حيا عبر التوصية المحبة التي يقدمها قارئ إلى آخر" ..
هذا القارئ مهما كانت صفته ، ومهما غدت مستوى قراءته ، لا تعرف من هو ، ولا من أين يمكن أن يفاجئك سيكون له تأثير من نوع ما على كتابك ، لا يوجد كاتب في هذا العالم لا يطمح لشريحة واسعة من القراء حتى الذين يدّعون بأنهم يكتبون لأنفسهم ، حتى الذين يخاطبون القراء من الأسوار العالية ، أو من صناديق العزلة ..!
منذ أعوام شاع حديث عن العزلة العمانية ، تحديدا عندما تفشت مواقع التواصل الاجتماعية ، ولكن الإنسان العماني أثبت أنه ضد العزلة وأصبح له دور فعال ومنفتح ، كل في مجاله ، دون أن ننكر أن البعض منهم اختصروا تواصلهم الاجتماعي في الفضاء الالكتروني الشاسع مع رفاقهم ، ومع من هم في داخل عمان ، ولم يوّسعوا تفاعلهم الاجتماعي إلى من هم خارج الشلة و المساحة الجغرافية و تلك حرية شخصية ..
كل ما أرجوه أن يكون الكتاب العماني شجرة يراها الجميع في كل حدائق الكون في الأعوام القادمة ...

ليلى البلوشي

السبت، 8 نوفمبر، 2014

خطب في مديح الأدب

خطب في مديح الأدب

كقراء تبدو لنا تفاصيل حياة الأدباء جزءا لا ينفصل عن الكتابة التي يقدمها الكاتب / الكاتبة للقارئ الآخر ، ولعل الصلة الوثيقة التي تتماهى ما بين الكاتب والقارئ تختزل في معنى الفضول الذي يجلب معه دهشات مكثفة عن كتابة الكاتب ومدى ارتباط حياته الشخصية بذلك ، كما أشار الروائي البريطاني " جوليان بارنز " في إحدى حواراته قائلا : " إذا أحب الناس عملك ، فإنهم في كثير من الأحيان أيضا يريدون أن يعرفوا أشياء كثيرة عنك " ..
في كتاب " في مديح الأدب " ترجمة " أحمد الويزي " يجد القارئ نفسه أمام باقة من أهم خطب قدمها أدباء عظماء حازوا على جائزة نوبل في الآداب كـــ" جوزيه ساراماغو " و" أورهان باموق " و" ج. م . لوكليزيو " و" هارولد بينتر " و" هيرتا موللر " و" ماريو فارغاس يوسا " ..
خطب أدبية وفكرية وثقافية وسياسية وإنسانية قدمها أولئك الأدباء بدءا من مؤلف رواية العمى المدهشة " ساراماغو " الكاتب البرتغالي الذي تربى في ضيافة جدّيه العجوزين في حقل من حقول البساتين ، في ذلك الحقل تعرف الطفل " جوزيه ساراماغو " الذي يحمل اسم والده على حكايات سحرية مشبعة بالإثارة ظل الجد يسكبها في خياله الغض تحت شجرة التين ، وتكريما لهذا الجد الأميّ افتتح خطابه النوبلي عام 1998م بذكره قائلا : " إن أكبر علاّمة عرفته على امتداد عمري كله لم يكن يتقن لا الكتابة ولا القراءة كان يترك مطرح النوم في الرابعة صباحا ليتجه رأسا صوب الحقول بمجرد ما أن يأخذ الضوء الملتبس بغبش الظلمة في الانتشار فوق المزارع الفرنسية معلنا عن ولادة نهار جديد " ..
وجدّاه من طرف أمه حيث ترعرع وهو طفل حتى أشتد ساعده و هما أول شخصيتين واقعيتين استحالتا إلى شخصيتين كتابيتين في مخيلة ساراماغو الحكاء حين كبر ، وسجل تلك المشاهدات التي كانت جزءا مؤثرا على مشواره الكتابي في حياته المزدحمة بمهن مختلفة بدءا كمصلح للمفاتيح والأقفال ، ميكانيكيا ، وموظفا في المستشفى ، ومسؤولا عن فرقة في تصنيع الحديد ، ومتعاونا في دار للطبع والنشر ، فمسؤولا في قسم الانتاج ثم ناقدا أدبيا ، وصحفيا ، وأخيرا مترجما لحسابه الخاص ، كم من حيوات ضجت في روح رجل بحجم ساراماغو المدين لكل ما سبق في تشكيل حياته الزاخرة " استطعت مع توالي سيرورة الكتابة حرفا بجوار حرف وكلمة خلف كلمة أخرى وصفحة في إثر صفحة وكتابا تلو كتاب أن أزرع في تربة ذلك الكائن الذي كنته كل الشخصيات التي ابتكرتها وخلقتها وأعتقد صادقا بأنه لو لم يتواجد كل هؤلاء في حياتي لما صرت الشخص الذي صرته أنا اليوم وربما ما كانت حياتي لتكون من دون هؤلاء .."
ومن جديّ ساراماغو إلى حقيبة أب " أورهان باموق " ، الحقيبة التي كانت أشبه بصندوق بندورا الذي خشي من أن يفتحه لتكتويه أمام حقيقتين لا ثالث لهما ، حقيقة أن والده لم يكن يأخذ الكتابة على محمل الجد والحقيقة الأخرى هي أنه قد يكون كاتبا جيدا دون أن يدرك قدراته طوال خمسة وعشرون عاما قضاها في الكتابة ، الحقيبة نفسها جعلته يستعيد هموم الكتابة ودوافعها وغاياتها انطلاقا من ذاته كمبدع " لقد خشيت فتح حقيبة أبي وقراءة دفاتره لأنني كنت أعلم بأنه قد لا يكون تعرض أبدا لتلك الصعاب والمحن التي تعرضت لها ، أنا بالذات ، فهو ما كان يحب العزلة أبدا وإنما رفقة الأصدقاء والتواجد وسط الحجرات المكتظة واستلذاذ لحيظات المزحة بين الرفاق والصحاب " ..
فكاتب كــ" باموق " يقضي حوالي عشر ساعات متواصلة وأكثر أمام ورقة بيضاء في عزلة خالية من كل شيء سوى منظر على البسفور ، منكبا على الكتابة وحدها ، وساحبا شخصية تلو أخرى من خياله المسترسل أحيانا ، والمستعصي في أحيان أخرى ، وهي حالة يمر بها معظم الكتاب المنعزلين في ملكوت الكتابة ..
هذه العزلة مع الكتابة والكلمات يفرضها غايات مكثفة في حياة " أورهان باموق " الذي يسرد كطفل متحمس بواعث الكتابة في حياته معترفا " أكتب لأني أرغب في ذلك ، أكتب لأني لا أستطيع أن أزاول كالآخرين أي نشاط آخر من الأنشطة العادية عدا الكتابة ، أكتب كي توجد ثمة كتب كمؤلفاتي مكتوبة ولأقوم بقراءتها ، أكتب لأني غاضب منكم ومن العالم بأسره ، أكتب لأنه يحلو لي أن أبقى طيلة النهار مغلقا على نفسي في غرفة ما ، أكتب لأني لا أستطيع تحمل الواقع إلا بتغييره ، أكتب من أجل أن يعلم العالم قاطبة ما نوع الحياة الذي عشناه والذي نعيشه أنا والآخرون ونحن جميعا ..، أكتب لأن الحياة ولأن العالم ولأن كل شيء هي من الأمور الجميلة والمدهشة ، أكتب لأنه من السائغ ترجمة الجمال والغنى الموجودين في الحياة إلى كلمات وألفاظ ، أكتب لأني لن أصل إلى أن أكون سعيدا أبدا مهما فعلت ، أكتب كي أكون سعيدا " ..
أما " لوكليزيو " الذي كان خطابه بعنوان " في غابة المفارقات " فقد بدأ ورقته بسؤال يطرأ ببال كل كاتب وقارئ " لماذا نكتب ؟ " ليستوضح مبعث هذا السؤال قائلا :" إذا كان المرء يكتب فمعنى ذلك أنه لا يستطيع أن يؤثر في الواقع مباشرة ، إن معنى ذلك ، أنه يشعر في قرارة نفسه بنوع من الحرج إزاء الواقع وأنه قد اختار وسيلة أخرى للرد بها عليه ؛ إنه اختار طريقة أخرى للتواصل مع ذلك الواقع كما اختار بعض المسافة ووقتا للتأمل والتفكير " ..
أما الدافع الأساسي في اختاره للكتابة فإن سرها يكمن في كلمة " الحرب " ففي طفولته أدرك معنى الحرب وقسوة الحرب ، تلك القسوة التي اضطرته إلى لزوم البيت بشكل قسري ؛ لأن في الخارج حرب ، ولم يكن أطفال في الحي الذي يقطنه قادرين على التحرك الحر خارج عتبات بيوتهم ؛ لأن الملاعب والحدائق التي كانت محيطة في الجوار مزروعة بالألغام والمتفجرات ، في تلك الظروف المعتمة أدرك " لوكليزيو " أهمية أن يكون المرء حالما في واقع من شوك ، تلك الأحلام التي حرضت خياله بفضل الجدة التي كانت قاصة بارعة بشهادته " الذي كان يدفع المرء إلى الانفلات والهروب وهما ما ظلا يعنيان إذن الانكباب على الحلم وعلى تدوين تلك الأحلام ، فقد كانت جدتي من جهة الأم قاصة بارعة ، ظلت تخصص لي ساعات الظهيرة الطويلة كي تسرد بعضا من حكاياتها وكانت قصصها غارقة في الخيال المجنح " ..
ولكن الطفل نفسه الذي نشأ على حكايات جدته توصل إلى أهمية أن يكون الكاتب في وسط واقعه وأن يكون شجاعا كفاية ؛ كي لا يهرب من هذا الواقع ، لأن دوره ككاتب يحتم عليه أن يخوض تجارب عديدة ومختلفة ليكون عن جدارة كاتبا حقيقيا  " ذلك الموقع لا ينبغي على الفنان أن يهرب منه وإنما عليه عكس ذلك تماما ، أن يظل المكان الذي يتحتم على الفنان " الإقامة فيه " كي يتعرف على جميع تفاصيله ويستثمر كل درب من دروبه ويعطي كل شجرة من أشجاره اسمها الخاص .." .
ويضيف في سجل اعترافاته : " إن ما يرغب فيه الكاتب هو أولا وقبل كل شيء ، أن يستطيع التأثير في محيطه ، أن يقوى على ممارسة فعله في كل ما حوله بدل الاكتفاء بمجرد تقديم شهادة على الواقع ، إن ما قد يرغب فيه هو أن يكتب وأن يتخيل وأن يحلم كي تتدخل كلماته وابتكاراته وأحلامه في الواقع فتغير النفوس والأفئدة وتفتح كوة في الأفق وكي ينشأ ثمة عالم أفضل " ..
أما " الحقيقة والكتابة " فهي عنوان خطبة الكاتب " هارولد بينتر " الذي طفق يسرد بكل طاقته الإنسانية في معنى أن يكون الأدب وأن تكون الكتابة هي تقديم الحقيقة الكلية والمطلقة والشفافة في زمن التطبيل وتشويه الحقائق ونشر الأكاذيب السياسية " لا يهتم أغلب الساسة بالحقيقة أبدا وإنما يهتمون بالسلطة والإمساك بزمام بالحكم وللإمساك بهذه السلطة ، من الأساسي أن يبقى الناس غارقين في أتون الجهل وأن يعمهوا في جهل مطبق وتام بالحقيقة " ..
ويتخذ من العراق أنموذجا لما أوصلته إليه أكاذيب السياسة الأمريكية ، أمريكا التي قدمت حزمة من الأكاذيب على مستوى عالم لتجد مبررها في احتلال العراق وتدميره ، وبعد سنوات من الهدم والخراب ، اكتشف العالم أن تلك الحجج التي عددتها أمريكا لغزو العراق ، لم تكن سوى سلسلة من الأكاذيب ، ليتهم الكاتب السياسة الخارجية الأمريكية بالخراب والدمار الشامل الذي لحق بدولة كالعراق " لقد جلبنا للشعب العراقي آلام التعذيب والقنابل الانشطارية والأورانيوم المخفف والعديد من أعمال القتل والسفك المرتكبة بشكل اعتباطي كما جلبنا له المأساة والإذلال والموت وفوق كل هذا نسمي ذلك نشرا للحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط " ..!
وكأن الكاتب " هارولد بينتر " وهو بخطبته عن سياسة أمريكا وفضح قبحها على مستوى السياسي ككاتب له مسؤولية سياسية أيضا في إبراز حقائق العالم لا عن طريق الأدب وحده بل وخوض في السياسة أيضا كمقدم للحقائق يؤكد نظرية " جورج أورويل " : " الجعل من الكتابة السياسية فنا " أو بتعبير أورويلي آخر " كل كاتب بشكل ما داعية سياسي " ..
أما " ماريو فارغاس يوسا " فهو مدين لكل قصص الخيال التي سكبت في عقله مذ تعلم القراءة في سن الخامسة ، كما أنه مدين لأشخاص في مشواره الكتابي حتى لحظة فوزه ووقوفه في نوبل ، وتأتي في المرتبة الأولى أمه التي كانت تتأثر دوما وتبكي وهي تراجع ما كان يكتبه أو يقرأه على مسامعها ، وجده " بيدرو" الذي كان يحتفي بأبياته الشعرية و خاله " لوتشو " الذي حثه بشكل كبير ؛ كي ينخرط في الكتابة جسدا وروحا ، أنه مدين لهؤلاء في لعبة الكتابة السحرية الكامن في فعل تحويل الكلمات المكتوبة إلى صور ، كما أنه مدين للقراءة ، التي حين أتقنها حولت الحلم لديه إلى حياة والحياة إلى الحلم ، ووضعت رهن إشارة الطفل الذي كانه الكون بكامل دهشاته وأسراره ..
أما المرأة الوحيدة والتي لم يدرج اسمها في الكتاب فهي " هيرتا موللر " لأن المترجم أخطأ في كتابة اسمها وكنت سأشير إلى إنه خطأ مطبعي لو أن الناشر نشر صورتها على الغلاف الخلفي للكتاب والذي حوى صور بقية الأدباء في الكتاب نفسه ، غير أن الغلاف الخلفي لا يحوي صورة  أي امرأة ، بل وضع مع بقية الأدباء صورة الرجل المدعو " هونتر مولر " كما كتب المترجم اسمه على الرغم من أن الخطبة والتي عنوانها " منديل للدمع وآخر للكتابة " هي - بلا شك - للكاتبة الألمانية من أصل روماني " هيرتا موللر " ، فقد اشتهرت بخطبتها هذه أثناء نيلها لجائزة نوبل حين سارعت نشرها كثير من الصحف والمجلات وقتئذ ، ليجد القارئ نفسه أمام خطأ كبير ولا يغتفر في حق أدب وفكر وصراع امرأة كــ" هيرتا موللر " ، وربما إذا كان هذا القارئ فضولي ولديه شك مثلي لاستعان بـــ" جوجل " وتأكد مما توصلت إليه ، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يؤخذ على الكتاب ..
" هيرتا موللر " التي تحدثت عن رمزية المنديل في حياتها مذ طفولتها و سنوات الشقاء والكتابة ، والصراع السياسي والفكري والثقافي حتى نيل جائزة نوبل ..

ليلى البلوشي

الاثنين، 3 نوفمبر، 2014

دعينا نرى ما يحبّه الله ..

دعينا نرى ما يحبّه الله ..

جريدة الرؤية ..

" إن بناء السمعة يستغرق 100عام إلا أن تشويهها يستغرق 5 دقائق فقط .." ..
-       وارين بافيت –
***
" ريحانة جباري " هذه المرأة الإيرانية بقضيتها التي هزت ليس الداخلي الإيراني الرازح تحت حكم الملالي فحسب بل هزت أيضا العالم الخارجي ، الصحف والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعية تويتر والفيس بوك ، فنحن في عالم المرئيات وفي عولمة تختصر جل أحداث العالم وتضعها في يدك ؛ كي تكون متفرجا أو مطلعا أو حتى متحدثا عن المرأة " ريحانة جباري " لأن البعد الإنساني هو ما دفعك كإنسان تتخذ موقفا تجاه إنسان آخر تشعر أنه يحتاج إلى دعمك رغم أن المسافات الكون تفاصل بينكما ، ليس المسافات فحسب ، بل أيضا في ظل الظلم الواقع على أي إنسان في هذا العالم تشعر بأنها قضيتك الشخصية ، فتدعمها بكامل روحك النابضة بالإنسانية ، في هذا البعد الإنساني لا تلتفت لكل التمييزات والاختلافات في اللون والجنس والعرق والدين والمذهب ، لأن قضيتك هو الإنسان في أي بقعة وعلى أي اختلاف كان .. وربما يصدق القول القائل بأننا أمم تجمعنا المحن التي تعمل على تذويب كافة المعارك البشرية على طوال التاريخ من أجل قضية إنسانية نؤمن بها ..
قضية " ريحانة جباري " هي ليست قضية امرأة ايرانية فحسب بل هي قضية كل امرأة في بقاع الأرض ، المرأة التي تعرضت وما تزال تتعرض لصنوف التمييز العنصري والظلم المرير الواقع عليها من قبل مجتمعات تراها نقيصة لكونها أنثى ، جاءت الديانات السماوية لتحررها ولكن ثمة جوقة تنبذ فكرة أن تكون المرأة روحا مستقلة ، فكرا طليقا أو حتى امرأة حرة ..
" ريحانة جباري " من يقرأ حكايتها ويقف على ملابسات قضيتها لن يجد اختلافا بينها وبين أي امرأة أخرى سواء قرأنا عنها ، سمعنا ، أو شاهدنا عنها فيلما ؛ فأشكال الظلم متكررة والظالم غالبا هو نفسه " الرجل " في المجتمع البطريركي ، من يعرف " ريحانة " سيربط حكايتها بامرأة تدعى " ثريا " وحكاية رجمها ، من سوء حظ " ثريا " أن حكايتها وقعت في إيران في عام 1986 م في ذاك الزمن لم تكن ثمة عولمة حقيقية في إيران التي كانت في ذاك الوقت تحت قبضة الملالي التي منعت انتشار الصحون الفضائية فكيف بانتشار الانترنت ومواقعها التواصلية ..؟!
 ولولا صحفي مر على قريتهم المعزولة حين تتعطل سيارته ، فيتعرف أثناء تواجده في القرية على سيدة تدعى " زهرة " التي بدافع القهر والمرارة والاستبداد الواقع على ابنة أختها " ثريا " سردت بسرية تامة قضية " ثريا " التي دفنت مرجومة ؛ فزوجها اتهمها بالزنا ليتخلص منها بعد أن رفضت أن يتزوج عليها أو يطلقها ، وليهرب من مسألة إعالتها لفق عليها قضية الزنا ، لترشقها حجارة رجال القرية ، الذين وقفوا مع الزوج وادعاءاته ؛ لأنه رجل ، وحكموا على " ثريا " بالرجم ؛ لأنها أنثى التي تجسد الشيطان والفسق ..!
ناهيك عن الهجمات بالحمض على النساء في أصفهان وغيرها من مدن إيران بحجة أنهن لم يحترمن وضع الحجاب ، فياله من عقاب فظيع من حفنة من البشر على كائن أنثوي أوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا حين قال " استوصوا بالنساء خيرا " وفي حديث آخر " رفقا بالقوارير " ، لكن هؤلاء البرابرة يحكمون على المرأة وفق أهوائهم و عقدهم النفسية التي لا حدود لها ..!
وحين تترك إيران لتتأمل أوضاع المرأة في دولة كبيرة كــ" الهند " يدهشك على الرغم من ارتفاع مستوى التعليم في الهند وتسابقها في مجالات العلمية والفكرية وغيرها ، والمرأة التي أصبحت جزءا مهما في دفع الركود عن هذا المجتمع ووصلت لمنصب رئيس الحكومة والتي حققت انتصارات ساحقة في مجالات العلوم المختلفة ، غير أنها ما تزال أنثى هشة في نظر شريحة عريضة من المجتمع الهندي ، يكفي أن تقرأ عن حالات العنف والاغتصابات التي تتعرض لها المرأة في شوارعها وفي منتصف النهار ليدرك الإنسان مدى الحضيض الرجل تجاه شريكته في الحياة المرأة ، حتى أن امرأة هندية قالت مرة عبارة تختصر الوضع المهول بقولها : " نحن في الهند نعبد آلهة إناث ولكننا غير قادرات على حماية النساء .. " !
وفي أفغانستان تدهشك حد المرارة مقتل الشاعرة الأفغانية " ناديا أنجومان " وهي في السابعة والعشرين من عمرها ، كانت طالبة في كلية الآداب ، جامعة "هيرات" بعدما أصدرت باسمها الحقيقي ، كتابها الوحيد "غولي دودي" أي "الزهرة القرمزية" ، الذي منحها انتشارا شعريا واسعا في أفغانستان وإيران ، هذه المثقفة التي انقض عليها زوجها الأفغاني الأستاذ " فريد أحمد جيد ميا " وأوسعها ضربا حتى الموت ؛ لأنها كتبت قصائد جميلة وقالت إنها طيرا من طيور الجنة ..!
ماذا عن حادثة الفتاة الأفغانية " عائشة " التي ظهرت مجدوعة الأنف على غلاف مجلة «تايم» الأميركية ؛ لندرك أن بعض الذكور في أفغانستان سواء أكانوا متعلمين مثقفين أو حتى أميّين جاهلين لا تكاد تجد فارقا بينهم بل تجد أنهم يعانون من عقد النقص نفسها ..!
ماذا حكاية المرأة في السعودية أو اليمن أو في دول أمريكا وأوروبا تلك التي تتغنى بالديمقراطية في الوقت نفسه تتفاجأ بالظلم الواقع على المرأة في مجتمعاهم ، يكفي أن نعرف أن دولة كفرنسا التي تحارب النقاب بحجة أنه سبب من أسباب العزلة الاجتماعية هي نفسها من تدفع للمرأة نصف مرتب الرجل وفي الوظيفة نفسها ..؟!
فلو أحصينا حكايات النساء في المجتمعات ذكورية فسنكتب أسماء وسنذكر حكايات عريضة عبر التاريخ وسنرى مئات الآلاف من النساء هي " ريحانة جباري " ؛ أجل ، إنها القصة ذاتها ، طالما أنه ليس هناك احترام للمرأة فإنه ليس هناك احترام لثقافتها ولكيانها الإنساني ، ولكل ما يمثلها كامرأة وكأنثى أيضا ، أما بالنسبة للقانون فليس هناك من يكترث به حقا ؛ لأن من بيده سوط القانون هو الرجل ، وسنكتشف أن حال المرأة ووضعها هو نفسه في معظم ديانات الكون سواء في الاسلام والمسيحية والهندوسية والبوذية واليهودية إلى لا آخره وفي قبضة جوقة وضعوا أنفسهم في مصاف الآلهة على المرأة التي يرونها ناقصة ومنبوذة وأسباب شرور العالم واضعين أنفسهم موضع الضحية ..!
كان على " ريحانة جباري " هذه المرأة الإيرانية التي أعدمت أن تدفع مرتين ، مرة لأنها أنثى وهذا ثمن باهظ لأن الرجل في المجتمعات الشرقية لا سيما المسلمة يقتل المرأة بتهمة الشرف فيحبس لعدة شهور ويخرج في احتفال ذكوري صاخب دون أي تأنيب في الضمير حتى لو كان قتل تلك النفس الإنسانية كان مجرد فرضية شك فالمجتمع الذكري نفسه يبرر للرجل دائما ولا يبرر للمرأة مطلقا أما إذا كان الرجل هو المغتصب الجاني فما عليه سوى أن يعقد قرانه على الفتاة التي قام باغتصابها ؛ فياله من عقاب ..!
كان على " ريحانة جباري " أن تدفع الثمن مرتين ، مرة لأنها شيطان كما رأتها معظم الديانات في العالم وكما تراها اليوم الديانات نفسها والأفراد أنفسهم ، فهي تظل الشيطان الذي أغوى الرجل الذي وقع ضحية " فتنتها " ولإيمان " ريحانة " بهذا وتخاذلها منه حين كتبت من ضمن ما كتبته في رسالة إلى أمها كاعتراف روحي من امرأة تعرضت لظلم كبير ولا يغتفر جعلها تكتب : " في اليوم الأول الذي قام به وكيل الشرطة بإيذائي من أجل أظافري فهمت أن الجمال ليس أمرا مرغوبا في هذا العصر ، لا جمال المنظر ، جمال الأفكار والرغبات ، الكتابة اليدوية الجميلة ، جمال العيون والرؤية ، ولا حتى جمال صوت جميل " ..
هذا العالم القاسي الذي يغرس أنيابه في كل جميل يحارب حقيقة عظمى ، يعصي حقيقة ربانية مقدسة في أن الله جميل ويجب الجمال ، إنهم _ أولئك _ أدعياء الدين والاسلام يحاربون منبع الجمال الإنساني الذي أحبه وقدسه الله عزوجل ، وحدها " ريحانة جباري " آمنت كامرأة بالله وما يحبه ويراه ، وحدها آمنت أن الله سوف ينصفها في الزمن الآخر حيث لا حكم سوى حكم الله تعالى حين ختمت رسالتها المؤثرة بعبارة تشد فيها عزم أمها المكلومة على حالها كامرأة : " في العالم الآخر ، إنه أنا وأنت من سيوجه التهم ، وغيرنا هم المتهمين .. دعينا نرى ما يحبه الله ، أنا أحبك " ..!

ليلى البلوشي