السبت، 26 سبتمبر، 2015

كلنّا ميتّون ، كلنّا ، فيا له من سيرك ..!

كلنّا ميتّون ، كلنّا ، فيا له من سيرك ..!

لأن هذا العالم مثير للقيء ، الكآبة ، التجهم ، انتحار الضمير الجمعي ، وتمرير التهم الجاهزة ، لأننا كلنا أصبحنا معلبين في مؤامرة ما ، متهمين بالتفرج والعواء الذي يثقب الحنجرة في صدى أصم ، لأنني عاجزة أمام عويل طفل ، مكسورة في حضرة قلب أم فقدت كل صغارها غرقا في بحر الموت هربا من القاذفات والراجمات ، ومن زلزال قنابل الطغاة على عشّهم الصغير ، لذا لا أريد أن خاطب هذا العالم ؛ فهو عالم ميت تماما ، لا روح فيه ولا نبض ولا ضمير ، عالم أحشاؤه خواء ، متبلد تماما ، أخرس ، أصم ، أعمى ، فانٍّ ..!
لقد افتضح هذا العالم ، افتضح تماما ، تلك الأزمات التي اكتسحت معظم بقاع العالم العربي المشتعل لم يدفع ثمنها سوى الإنسان العربي المعدم ، الذي تأكد تماما أن أرضه ما عادت أرضه ، أن خنوعه وخضوعه أمام الطاغوت في وطنه في زمن السّلم المحفوف بالفساد والمؤامرات هي أول و أعتى أسباب سقوطه المدوّي ، لقد أدرك تماما أنه سقط وأن لا أحد هناك من زبانية السلطة لانتشاله و أبنائه و أخوة أرضه ووطنه من هاوية السقوط ، لقد أدرك تمام الوعي أنه كان أحمقاً وجباباً وعبداً وها هو الآن يدفع ثمن سكوته في وجه الطاعون ذلاًّ وتشريداً في عالم ميت ، ميت تماما ، وعليه وحده أن ينتشل نفسه بنفسه من تيهه في دروب العتمة والضياع ..!
هؤلاء ضحايا صراعات سلطوية يفرون من كل حدب وصوب خوفا على أنفسهم من الموت ، على الأقل لهم سبب يشعرهم بالحياة ، يشعرهم بأهمية المقاومة من أجل الحياة ، تحت نير تلك الظروف الحالكة ، المهلكة ، هم أحياء حقا ، وحدهم الأحياء بيننا نحن الموتى ..!
هم يكافحون لنيل حياة كريمة في ظل عالم ميت ، يكافحون ولا يكفون عن المحاولة ، لقد ذاقوا أشكال الموت من قبل ، خبروها جيدا ، لقد خاضوا تجارب مريرة هم و أبناؤهم شتى أنواع الرهبة ما قبل الموت ، لقد استطاعوا بمقاومتهم أن يعلنوا للعالم الأجمع ، العالم الميت ، أنهم أكثر أحياء منا ، أكثر استحقاقا للحياة ..!
بينما في هذا العالم نحن كالأطياف ، ما عدنا نعرف هل نحن أحياء أم أموات ..؟!
نخشى بأننا ميتون حقا ، نخشى أن نموت كميتة هذا العالم الميت  ، أن نكون جيفة منتّنة ، علاها العفن وتآكلت عظامنا رميماً ..!
نحن الذين نخوض صرعى في حلقتين لا ثالث لهما ، فإما أن نكون موتى متفرجون أو موتى صانعو الموت ..!
الموتى المتفرجون ، الذين لا حيلة لهم ، لا حول ولا قوة لهم ، يوخزهم ضميرهم ، وتوجع قلوبهم كل حالة إنسانية طارئة ، هم على الأقل أموات يدفعون ثمن موتهم المتفرج بالوجع الصامت أمام واقع متبلّد وجدوا أنفسهم فيه عاجزين تماما عن إيقاظه من ميتته الأولى ، هم على الأقل أموات أحياء ..!
بينما الموتى صانعو الموت ، هم أصحاب الميتة الكبرى ، الكاملة ، لأنهم أصحاب سلطة و سيادة ومال وجاه وقدرة ولا يفعلون شيئا سوى صناعة الموت ، المزيد المزيد من الموت ، ولا يكتفون بذلك بل يتفرجون مع المتفرجين المعدمين الذين يتفرجون بوجع نفسي مرير بينما صانعو الموت يتفرجون بسخرية مقيتة ؛ فجلّ مكاسبهم السياسية والمادية والدنيوية كانت بفضل العالم الميت ، بفضل الموتى المتفرجون ، بفضل اللاجئون والخاضعون ، المستسلمون الخانعون ، هم صنيعة هؤلاء ، إنهم يكسبون بفضل سكوتهم ذهبا و بفضل انكسارهم ماسا ، يلهثون كأفاع مسمومة على جثث و شظايا من صنيع سلطتهم الجبارة ..!
" كلنا ميتون ، كلنا ، فيا له من سيرك ..! وكان يجب أن يكون هذا كافيا لنحب بعضنا البعض ، ولكن هيئات ؛ فالتفاهات تفرغنا ، وتسعدنا ، ويستنزفنا اللاشيء " ..!
قالها " تشارلز بوكوفسكي " ومضى ...

ليلى البلوشي

الخميس، 3 سبتمبر، 2015

ليلى البلوشي الجوائز لا تعني لي الكثير .

ليلى البلوشي : الجوائز لا تعني لي الكثير ..

حوار شريف صالح | جريدة النهار

لكل منا بداية.. وما أجمل البدايات.. محبة أول كتاب قرأناه.. وفرحة أول جائزة.. كتاب تركوا فينا بصمة لا تمحى.. وكلمة شجعتنا على مواصلة الطريق.. أصدقاء وأفراد من الأسرة احتفوا بنا وآخرون تمنوا لنا الفشل.. وعبر رحلة الكتاب تولد طقوسنا ومزاجنا الخاص.
النهار تحتفي هنا بتجارب البدايات.. وفيما يلي دردشة مع الكاتبة العمانية ليلى البلوشي:
هل تذكرين أول كتاب وقع في يدك؟
أول كتاب وقع ككنز بين يدي، وأعني ذلك وقع ككنز هي مجموعة قصص بوليسية للصغار كان عنوانها المغامرون الخمسة، هذه الحصيلة المعرفية وجدتها في يوم ما أمام باب منزلنا ولا أعرف حتى هذه اللحظة من وضعها هناك مترقبة قارئا فضوليا مثلي كان في مرحلة يعشق نبش القرطاسيات وتقليب الصفحات.
جائزة.. أو كلمة.. شجعتك على مواصلة الطريق؟
الكتابة قرار، طالما قررت على أن تصبح كاتبا فإن الطريق إليها واضح تماما يكمن في القراءة ثم القراءة ثم القراءة وهذا ما فعلته، حفزّت نفسي بنفسي.
كاتب ترك بصمة مهمة عليك؟
ساراماغو وإدورادو غاليانو عند قراءتهما أشعر برغبة جارفة في الكتابة والقراءة أيضا.
متى وكيف نشرت أول نص لك؟
كان ذلك أثناء زمن المنتديات الثقافية، في إحدى تلك المنتديات التي أصبحت عضوة فيها نشرت لأول مرة قصة قصيرة ظللت أعدّل فيها حتى اليوم.
كيف تفهمت الأسرة رغبتك أن تصبحي كاتبة؟
العالم لا يتفّهم، لكن سعيك المخلص نحو الكتابة كفيل بتفهمهم شاءوا أم أبوا!
هل هناك أصدقاء شجعوك؟
الأصدقاء كانوا يتساءلون: ماذا ستجنين من الكتابة؟ ولكن بعد أعوام حين أصبحت لي إصدارات ورقية أخذوا يسألونني مندفعين: كيف يمكن أن نصبح كتّاباً؟!
ما طقوسك مع الكتابة؟
لا طقوس معينة، لكن الفكرة الملّحة تفرض عليّ الجلوس لساعات طويلة من أجل ترجمتها إلى كلمات وعبارات وانفعالات ومواقف.
تجربة أول كتاب نشرته؟
تجربة لذيذة، مازلت أستشعر تدفقها في روحي لا سيما حين لمست اسمي المدون بيدي.
ماذا تعني لك الجوائز؟
لا تعني لي الكثير ولكن تعني الكثير للنقاد والقراء ما يجعلهم في حال نيلك إحداها يندفعون نحو عالمك الكتابي وتجربتك كما لو اكتشفوا منجما من الماس كان أمامهم من قبل لكن لم يكن ثمة تحريض حقيقي على نبشه والجائزة فعلّت هذا التحريض وهذه هي أهم المشكلات التي تواجه الكاتب والكتاب في عالمنا العربي!
كتاب كنت تتمنين لو أنت من كتبته؟
رواية أن تقرأ لوليتا في طهران للروائية الإيرانية آذر نفيسي
عمل تخططين لإصداره قريبًا؟
في العادة لا أعمل خططا لأعمالي، الخطط تقيّد أتركها تنساب بحرية مطلقة ثم بعد ذلك آخذ عدسة التدقيق لأضبط نبراتها ومواقفها
حكمتك ككاتبة؟
الكاتب لا يخسر أبدا... سبق ووضعت هذه الحكمة على لسان بطلي هنري ميللر المفترض في كتابي رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن.

في معنى أن تكون إنسانيا ..!

في معنى أن تكون إنسانياً ..!

فوجئ ركاب طائرة من الدرجة الاقتصادية زهيدة الثمن بالنجمة " أنجلينا جولي " و زوجها " براد بيت " برفقة أولادهم وهم يصعدون على متن الطائرة وبين الركاب المحتشدين يحاولون الوصول لأماكنهم ، وبعد أن انتشرت العائلة في أماكنها المتفرقة ، سأل أحد الفضوليين النجمة " أنجلينا جولي " : لماذا تركبين هذه الدرجة الرخيصة ..؟ " ..
فأجابت : " بالفرق بين جلوسي في الدرجة الاقتصادية وأن أجلس في الدرجة الأولى أستطيع توفير مبلغ من المال به نستطيع أن نوفّر خمسين خيمة للاجئين ينامون في العراء ولا يملكون شيئا .."
العبارة المفعمة بالحكمة التي انسابت بسلاسة من الممثلة الهوليوودية الشهيرة " أنجلينا جولي " لم تأت من باب التباهي أو إدعّاء التواضع ، لم تأت سوى بعد خبرة مريرة وتجوال حقيقي في مخيمات اللاجئين السوريين و الصوماليين والأفغانيين وكمبوديين وغيرهم أولئك الذين شردتهم الحرب ، لقد أدركت هذه الممثلة " الكافرة " كما ينعتها أدعياء وتجار الدين معنى أن توفر مبلغا من المال لعائلة متشردة ، لأم لا تملك قوت يومها ، لأب عاجز ، لطفل وحيد ، وهي الثرية والتي لديها من القصور والمنتجعات والجزر في معظم أنحاء العالم ، معنى أن يشعر الثري بالمعدم ، معنى أن يشعر غير المسلم بالمسلم ، معنى أن يشعر الأجنبي بالعربي ، كل هذه المعاني ليس من السهل أن يستوعبها ثري ، مسلم ، عربي ، يتمتع بالجشع ، لن يستوعبها الثري الذي سلب أموال المعدمين في وطنه وأصبح فاحش الثراء على حساب قوتهم وحقوقهم المسلوبة ، لن يستوعبها من يملك كل شيء في حياته اليومية و يصحو على مائدة متنوعة من ألذ خيارات الأرض وينام على تخمة ، لن يستوعبها كل من يرى العالم من شرفته الفخمة التي تطل على أبهّة قصور غيره ، لن يستوعبها كل من أسقط معنى الإنسانية في تلافيف روحه ..!
كثير من البرامج الترفيهية التي تم عرضها على الشاشة في شهر رمضان الفضيل ، ولعل من أشهرها برنامج " رامز واكل الجو " حيث ذكرت قناة العربية الإخبارية أن ميزانية البرنامج بلغت ملايين الدولارات ، وذكرت تقارير صحافية أخرى أن أجرة الضيف وحدها بلغت حوالي نصف مليون دولار وتتضمن التكاليف أيضا إقامة الضيف ثلاثة أيام في أحد فنادق دبي وتذكرة الطائرة ذهابا و إيابا ، بالإضافة إلى أجرة الطائرة التي تنفذ فيها المقالب ، وتبلغ 20 ألف دولار يوميا ..!
السؤال الذي يصدر نفسه الآن بعد عرض الميزانية الضخمة : ما الذي يجنيه المشاهد من هذا البرنامج وما على شاكلته ..؟
ما هي المتعة في استعراض صراخ الآخرين أو تخويفهم هذا على افتراض إذا كان برنامج مقالب حقيقي وليس تمثيلي بالاتفاق مع الممثلين اعتادوا على حرفة التمثيل وصياغة المشاهد وفق تصورات المتابع لإضفاء التأثير  ..؟
من هو الكسبان الحقيقي وراء عرض مثل هذه البرامج سوى مقدمها وطاقم العمل و الضيوف الممثلين المشاركين ، فكل واحد منهم يستلم مستحقاته من آلاف الدولارات ..؟!
كم واحد من طاقم البرنامج أو المشاركين فيه فكر أنه يمكن لحلقة واحدة ، حلقة واحدة فحسب بكامل ميزانيتها الباهظة يمكن أن تنقذ عائلة ، عائلتين ، ثلاث ، بل عشر من المشردين اللاجئين على أصقاع العالم العربي وحدوده ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تبني آلاف الآبار في قرىً نائية يقطع أهلها مئات الأميال للحصول على الماء وعبء الحمل الثقيل نفسه بقطع الأميال نفسها في طريق العودة ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تنبي أكثر من مدرسة لملايين من الأطفال بلا تعليم ، أن توّفر مستشفيات و أجهزة و أدوية لمرضى السرطان والفشل الكلوي ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تساهم في إنقاذ حياة مئات الأطفال يعانون من سوء التغذية في أصقاع العالم العربي المنكوب حيث الجوع ولا شيء سوى الجوع ، يمكن لحلقة واحدة أن تزرع مئات الأشجار الصحية لبيئة أنقى من شوائب المصانع والعوادم وسائل المواصلات الملوّثة ..!
هنا يكمن المعنى الإنساني بين أن تسخّر الأموال في إنتاج برامج يكون المشاهد هو الكاسب الوحيد من عرضها ، برامج تشرع له ولغيره آفاقا نحو عمل مثمر ، نحو عمل إنساني ، نحو الإحساس بالآخرين و التخفيف من آلامهم و معاناتهم في ظل عالم عربي واقع في معترك الحروب والتشرد والعنف والجوع والمرض ...
وبين برامج لا غرض لها سوى إثارة مشاعر سلبية ، تفيض بالعنف ، وتخلو من كل معنى إنساني نبيل ، يكون العرض من ورائها هي كسب ملايين الدولارات على حساب مشاهدين لا يملك معظمهم كهرباء لمشاهدتهم ..!

ليلى البلوشي

واحد هندي ..!

واحد هندي ..!

منذ فترة قريبة أعلنت دولة الإمارات عن بناء معبد هندوسي كبير في إمارة أبوظبي للجالية الهندية الموجودة على أراضيها ، والذين يتجاوز عددهم مليوني هندي تقريبا ، يعتنقن معظهم المذهب الهندوسي ، على إثر زيارة رئيس وزراء الهند " ناريندرا مودي " ، وقد صاحب هذاالإعلان ضجة هائلة ما بين مؤيدين ومعارضين في مواقع التواصل الاجتماعية تويتر والفيسبوك أهم منبرين للنقاش عبر العالم ..
وقبل أن أبيّن وجهة نظري في هذه المسألة أود أن أشير إلى دراسة حديثة كشفت فيها " الأمم المتحدة " عن احتمال زيادة عدد سكان الهند خلال سنوات قادمة ، ليتجاوز عدد الصينيين خلال عام 2022م وهذا يسبق التوقعات السابقة التي أكدت أن الزيادة ستحدث قبل ست سنوات مضت ..
هذه الزيادة تؤكد أن معظم سكان العالم هم من الهنود ، الذين يتصفون عبر العالم ببشرة داكنة و حبهم الغريب للمأكولات الحريفة وطقوسهم وعاداتهم الدينية العديدة ، الشعب الهندي الذي يتحدث سكانه أكثر من مئة لغة و يعتنقون أكثر من مئة مذهب ديني ، يعيشون في بقعة مزدحمة في العالم وهم منتشرون كالنمل في جميع أنحاء العالم ..
الهند كدولة عظمى شهدت صراعات مريرة عبر تاريخها الطويل ، صراعات مع الاحتلال البريطاني و صراعات أهلية ما بين مسلميها والهندوس ، ناهيك عن صراع الطبقات التي لم يسلم منها حتى الآن الإنسان الهندي ، هذا الإنسان نفسه الذي عانى وما يزال يعاني من النظرة العنصرية التي تطارده من الإنسان الغربي والعربي على سواء ، فدول الغرب كانوا ينظرون إلى الهند كشعب آسيوي هم أقل شأنا منهم ، بينما الشعوب العربية و لاسيما الخليجية منها حيث يستقر ملايين من العمالة الهندية على أراضيها ؛ فإن هذا الهندي يعدونه صفرا حتى لو كان حاملا شهادة دكتوراه بينما الذي يستهجنه ليس سوى مواطن حامل جنسية دولة نفطية لا مؤهلات له سوى كون هذا العالم جعله متفوقا لأنه صدف القدر أنه يعيش في دولة نفطية ثرية ..!
لكن الإنسان الهندي الذي عانى وما يزال يعاني من النظرة العنصرية استطاع أن يتفوق على نفسه ، استطاع أن يثبت للعالم الأجمع بأن قيمة الإنسان في عمله ، وما يحمله من مبادئ ، وليس مما في جيوبه ولا في أراضيه من آبار نفظ تدر عليه بالعيش المرفّه ، هذا الهندي الذي اضطرته ظروف الحياة القاسية إلى مغادرة وطنه الذي يرتبط به دينيا قبل أن يكون ارتباطه بأرضه اجتماعيا ، فالإنسان الهندي معروف عنه بأنه كائن اجتماعي ويعيش ضمن عائلات ممتدة ، لهم طقوس وواجبات دينية مقدسة ، كما لهم أعياد يجسدون من خلالها معتقداتهم التي ورثوها عن أجدادهم منذ ملايين السنين وهم بلا كلل أو تذمر أو حتى شعور باللاجدوى متمسكون حتى وقتنا الحاضر بهذه الأمور ، ربما إيمانا منهم ببركتها على حياتهم الشاقة ..
هذا الإنسان الهندي الذي تفوق على نفسه من نواح عدة ، الهند التي أقامت أول معهد هندي للتكنولوجيا عام 1950م في وقت كانت كوريا تطحنها الحرب الأهلية والصين كانت تحت نير العهد الماوي ، والعالم يشهد على إنجازاته في مجالات علمية وكونية مهمة ، وقد أبهرت العالم في سبتمر الماضي حين أطلقت مركبة فضائية حول كوكب المريخ وكان معظم الطاقم من النساء الهنديات المتوفقات علميا وفكريا ..
هند التي تنعم اليوم بنظام ديمقراطي متميز في العالم ، فهي الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في دول العالم الثالث ، ويعود تصلب هذه الديمقراطية إلى التعدد والتنوع في أديان والقوميات والأجناس ، الهند التي تزدهر فيها الطبقة الوسطى بعد أن سادت كل من الطبقتين المعدمة و الثرية على تفاصيل حياتهم المتعثرة ..
الإنسان الهندي نتيجة التنوع ، والتعدد ، والتزاوج المختلط ، نتيجة التسامح السائد عند الطبقة المتعلمة أصبحوا يتمتعون بمزيج بديع من الجمال الجسدي و الروحي كذلك ..
ينس أو يتناسى كثير من الشعوب العربية ولا سيما الخليجية أنالفضل يعود للعمالة الهندية في تطور بنيتهم الجغرافية وارتفاع العمران ؛ هذه الأيدي العاملة التي بقيت وفية وتعمل بإخلاص ساعات طويلة وتحت ضغط ظروف صعبة و بأجر زهيد من أجل توفير لقمة العيش لهم ولأبنائهم الذين تركوهم رغما عنهم في بلادهم الفقيرة ، من أجل تعليم أبنائهم الذي بنوا بجدارة مستقبل الهند وحفروا تفوقها عبر العالم ، لقد عانى جيل الآباء ليتمتع الأبناء اليوم بمعيشة رغيدة ..
الهنود اليوم ما عادوا يطمحون للسفر إلى دول الخليج العربية لتحسين ظروف حياتهم بل إنهم أصبحوا نتيجة تفوقهم علميا وفكريا كجيل عصري تجاه متغيرات الكون يتوقون للسفر إلى أرض الأحلام والمشاريع الهائلة والمستقبل المضمون في بلد كأمريكا و أوروبا ؛ حيث يحظى الهندي بمعاملة تليق بمؤهله العلمي ، حيث يسود التسامح ، وحيث ينظر للإنسان بإيجابية بعيدا عن نير العنصرية والتعصب إلا في حالات نادرة ..
الإنسان الهندي ما عاد يطمح للعمل في دول خليجية ؛ لأن معظم من هم في هذه الدول لا يقدرون مؤهلاته ولا يحترمونه كإنسان له حقوق وواجبات ، ومع غلاء المعيشة و الأجور الزهيدة ، وجد أن سفره إلى أمريكا حيث تتوافر شروط احترام الإنسان و حقوقه وواجباته أفضل له ولمستقبل أبنائه ولوطنه أيضا ..
بعد أعوام قليلة سيكون العالم معظمه من الهنود ، الأعلى كثافة سكانية ، الهندي الذي تفوق على نفسه في كل مجالات الحياة ، الهندي نفسه الذي نطارده نحن – أهل الخليج – ولا استثني أحدا بالدونية ونردد مرارا بلا إنسانية وكثير من سخط : واحد هندي ..!
الهندي نفسه الذي ننكر ذكورته نحن - نساء الخليج – حين نرفع غشاوة الوجه ونحن نكلمه ، وحين لا نبالي بالشعرات الطافحة من الحجاب ونردد : واحد هندي .. يعني " صفر " من الأشخاص ..!
على الإنسان العربي لا سيما الخليجي أن يقف قليلا ويتأمل حقائق التاريخ ، التاريخ الذي لا يرحم ، حين كان الأجداد القدماء ما قبل ظهورالذهب الأسود يكابدون رزقهم في الهند في ظل إمبراطورتيها العظمى ، و التاريخ نفسه بعد ظهور النفط قلب موازين العالم ، التاريخ هو نفسه ولا ينصت سوى للمتفوقين ، من يدري بعد زمن في ظل أزمات هذا العالم المتقشف ، وفي ظل الحروب و العنف ، ونقص في المواد الغذائية والمياه و نضوب النفظ ، سيجد ربما الخليجي نفسه أجيرا في الهند التي عرفت جيدا كيف تتفوق على نفسها ، عرفت جيدا كيف تتعلم من دروس التاريخ و تصون تقلباته بالعلم والفكر ..!

ليلى البلوشي

الموت سيرة متخمة ..!

الموت سيرة متخمة ..!

في روايته " انقطاعات الموت " عن دار مسكلياني للنشر ، ترجمة " صالح علماني " يذهب السارد العظيم " ساراماغو " إلى حبس الموت في قمقم و إحكام السدادة عليه ؛ كي يكون حبيسا لفترة من الزمن لا يعرف تقديرها سوى السارد نفسه ..
هذا الموت الذي يكون موتا حياًّ ، متكلماً ، يعرف ما يفعله ، يعي بدوره تمام الوعي و فوق هذا ساخر بالوجود و أهله ، كاشف عن أكثر أقنعتهم زيفاً ..!
هذا الموت الذي يستقر في بلدة صغيرة يغدو راوياً ، مراوغاً ، يرى أهل تلك البلدة تتقلب مشاعرهم ما بين رغبة الخلود وما بين الشعور بعبء الآخرين الذين كبروا حتى ما عادوا يرغبون في الحياة ، أولئك العاجزين ، أولئك المرضى ، أولئك الذين تعبوا الحياة وجلّ رغبتهم تكمن في قبر ضئيل حتى قيامة الأحياء ..
الموت الذي تحبه وتبغضه في آن ، تقع في حبه ؛ لأنه عزم على أن يحررك من ثقل انتظاره ، وتبغضه لأنه في الوقت نفسه يبقي على أحياء أموات ، أحياء كان يجب أن يلفظوا أنفاسهم من مئات السنين ، أحياء أموات لا شيء فيهم صالح للنبض سوى قلوبهم العليلة بوجع العمر الثقيل ..!
ولأن الموت هو الراوي والحاكم و المتفرج ، لأنه قاضي كل الجماهير في تلك البلدة الغريبة التي اختارها الموت لاختبار قدراته ، فإنه يبدل خططه ويعتمد على ارسال بطاقات بنفسجية ، تغدو كنذير مسبق لصاحبها على أن يعد نفسه للرحيل الأبدي إلى قبره ، يمنحه سبعة أيام فحسب ؛ كي يعّد نفسه كميت بعد تلك المهلة القصيرة ، كي يودع أهله ، كي يسدد دينه ، كي يتخلى أو يستغني أو يعرض للبيع كل ما عاد يحتاجه كميت بعد أيام قليلة ..
لقد عاد الموت بطريقته إلى تلك البلدة بعد عبء الخلود المخيف في كل روح اعتقدت أنها خالدة أبدا ، لقد جاء بعد أن أصبح في مصاف الأمنية ، عاد بعد أن شاخت الأرواح المتعبة وأرهقها عبء الوجود ..
بعد قراءة الرواية تجد نفسك في عالم أشد الأمور حدوثا فيه هو " الموت " تلتفت من حولك ، تلتفت كبوم يدير رأسه كاملا جهات العالم ، إلى الشمال و الجنوب ، إلى الشرق و الغرب ، فلا تجد سوى الموت الأكثر حضورا و تأثيرا ..
الموت الذي يغدو العدو الأكبر لبشر يحلمون بالخلود ، بالشباب الدائم ، بأحلام كبيرة ، بثروات هائلة ، بأبناء وخدم وحشم ، كل هذه الأمور تتلاشى في غمضة عين إذا جاء الموت وسجل حضوره بينهم ..!
ربما أكثر الذين يهابون الموت هم من يعتقدون أنهم يملكون الحياة ، هم الذين امتلكوا كل شيء في هذه الحياة ، وحين يأتيهم الموت يُبهتون على كل الثروات التي سيخلفونها وراءهم ، يموتون مرتين بل مئات المرات لأن كل ما امتلكوه لا يمكنهم حملها معهم إلى حيز ضئيل في أرض جرداء تحوي عظامهم ، يموتون فزعين ، مرتعبين ، مكبوتين لأن الوجود خرج عن طوعهم وقطع صلته بهم ، هم الأشباح الأموات ..
الموت إنه الفعل الغامض الذي لم يستطيعوا يوما قهره ، لأنهم يدركون أنه وحده القادر على قبض أرواحهم ، أنه وحده الذي لا يقبل بالرشاوي ، ولا يطمع بالكنوز ، ولا يتباهى بامتلاك الأشياء ، لأنه وحده يخلص الآخرين من ممتلكاتهم ، وحده يفصلهم عن أشيائهم ، وحده قادر وقدير حين يأتيه النداء من أعلى السماوات السبع من المولى – عزوجل – الذي يقبض الأرواح و يحييها في الوقت نفسه في كلمتين سحريتين غاية في الرهبة والرغبة " كن فيكون " ..
الموت نفسه تختلف النظرة إليه ، تتفاوت الرهبة نحوه ، تلين إليه القلوب ، تتوقه العقول ، حين تكون في مواجهة كائن معدم ، الذي ولد وهو لا يملك سوى اسمه وجوارحه ، الذي ولد واضطر لتأجير جسده لأعمال شاقة ، تسحقه وتسحق روحه حتى حين يأتي الموت يجد راحته في حضورها البهيّ ..!
الموت الذي يأتي غزيرا ، متوحشا ، هجوميا ، مسلحًّا في كل من سوريا والعراق والصومال و اليمن و الأفغانستان و ميانمار ، و القائمة العربية الاسلامية تطول ، الموت في هذه الدول لا يأتي سوى محملا بقذائف و رشاشات حديثة الصنع و تصيب غايتها بدقة ، من ميزاتها أنها تقبض الأرواح بشكل جماعي ، موت كامل الدسم ، يتجشأ بعد كل وليمة دم ..!
الموت نفسه سيأتي ، وسيدرك بأننا ميتون ، ميتون ، في أدنى درجات الموت - موتى متفرجون -  ميتون ويحكمنا الموتى ، الموتى الخائبون ..!

ليلى البلوشي

سمي صاحب المعطف " غوغول " ..

سمّي صاحب المعطف " غوغول " ..

أشار " ساراماغو " في روايته " كل الأسماء " إلى خصوصية اسم الإنسان قائلا : " أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك ، ولكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك " ..
الاسم يشكل هوية الإنسان وهي هوية شخصية في طابعها لكنها غير حرة ؛ فالطفل حين يولد لا يختار اسمه ، وتبقى تلك الهوية حبيس صاحبها إلى أن يشب عوده فيمكنه حينئذ تبديل اسمه وتتبدل ربما أقداره مع الاسم المنتقى بعناية ، فالمثل العربي يقول : " لكل امرئ من اسمه نصيب " ، ها نحن أمام شخصية روائية يدعى بطلها " غوغول " عزم أن يغير اسمه الذي اختاره والده له ، فهل سيغير الاسم الجديد أقداره ..؟
" غوغول " بطل الروائية الأمريكية من أصل هندي " جومبا لاهيري " في روايتها البديعة " السمّي " .. الشاب البنغالي الذي ولد في أمريكا ، فترعرع وهو حامل جنسيتها ، وثقافتها ، ومثلها ، وأحلامه التي نكهت بنكهة أمريكية كما لو أنه مواطن من مواطنيها ، غير أن اسمه قلّب كل الموازين و حرفّها عن أصولها المتوارثة منذ ولادته بل بتقدير أدق قبل ولادته بأعوام طويلة ، مذ كان والده " أشوك " مراهقا في كلكتا ، محبا للكتب ، الكتب التي كانت ترافقه في كل مكان كظله ، حتى أن والدته اعتقدت أن نهاية ابنها ستكون وراءها هذه الكتب ، التي ما إن يقبض على صفحاتها وينكس رأسه في مكامن سطورها حتى يضيع في عالمها مهما كان وضعه مقعدا أو ماشيا ، كانت تخشى أن يتعّثر فيقع في حفرة أو تدهسه عربة قادمة ، لكن تنبؤها حدث على نحو غريب ، حين بعث " أشوك " إلى جده الذي يعيش في مكان يحتاج إلى ركوب قطار ، ذاك القطار هو مبعث تسمية " أشوك " ابنه بـــ" غوغول " ، القطار الذي انقلب وسط عتمة الليل ويد والده تبرز من النافذة ، صفحة مجعدة تتدلى من كتاب " غوغول " الكاتب الروسي الشهير الذي كان " أشوك " مغرما بكل حرف يكتبه لا سيما قصته " المعطف " ، تلك الصفحة هي التي لفتت انتباه لجان البحث عن الناجين بين ركام القطار ، هي التي انتشلته من تحت الأنقاض جسدا هزيلا كان على وشك مفارقة الحياة ؛ لذا حين ولد ابن " أشوك " و زوجته " أشيما " في إحدى مشافي أمريكا حيث كانا يترقبان رسالة جدتهما في كلكتا لتسمية الحفيد الجديد في العائلة الهندية وفق أصولها حتى و إن قدما أمريكا ويعيشا فيها ، كانا يعتقدان أن الوقت أمامهما مديد حتى تصل رسالة الجدة ، ولكن القوانين الصحة الأمريكية وضعتهما أمام الأمر الواقع لتسمية طفلهما قبل مغادرة المشفى ، في عمق الصدمة اختار " أشوك " اسم كاتبه المفضل " غوغول " نابع من شعوره السامي بأنه أنقذه كاسم مؤقت يطلقه على ابنه حتى موعد رسالة الجدة ، ولكن تبين بعد شهور أن الجدة على أعتاب الزهايمر وذهنها مشوش وفقدت رسالتها في فوضى المرض ، ظل كل من " أشيما " و أشوك " يطلقان على ابنهما اسم " غوغول " وكانا قد عزما أن يكون اسم دلع على أن يختارا اسما آخر كما هي عادة كل الهنود في الهند حين يدخل المدرسة ، ولكن الطفل " غوغول " في أول يوم دراسي له يرفض تماما الاسم الآخر " نيكيل " ، حتى أن مديرة المدرسة وجدت غرابة في الأمر ، ودعمت " غوغول " ؛ كي يحتفظ باسمه على كل سجلات المدرسة رغم معارضة الوالدين ..
" غوغول " الطفل الذي يكبر ليُعرف بـــــ" نيكيل " بناءً على رغبته بعد أن يتخلص من الاسم الغامض الذي التصق به وكان يبعث له الحرج طوال مرحلة طفولته ..
سرد آسر وأحداث ممتدة بصبر و أناة وتشويق في 467 صفحة تسحب الروائية " جومبا لاهيري " قراءها إلى عالم " غوغول " منذ اليوم الأول لولادته حتى يبلغ الثانية والثلاثين ، " غوغول " الذي تحيك تفاصيل حياته بدقة وبراعة فائقة دون رتابة ، دون أن يختل ذلك بحبكتها الروائية التي جاءت غاية في الإتقان ، دون أن يشعر القارئ بترهل الأحداث ، بل يجد نفسه في داخل فيلم بوليوودي بنكهة هوليوودية بإمتياز مع اهتمام دقيق بنفسيات الشخصيات وأنماط تفكيرهم ، فأحداث الرواية تصوّر حياة المهاجرين البنغال في أمريكا ، وسبل عيشهم ، وطريقة تعاطيهم مع الأشخاص الذين من أصولهم ، هنود تركوا وراءهم وطنا مزدحما بأشخاص يحبونهم إلى وطن غريب ، عابر ، لا يمت لهم بصلة ، وطن وجدوا أنفسهم فيه منعزلين ، وهي عزلة فرضها البنغال من جيل الآباء على أنفسهم ، الذين كانت أجسادهم وحدها تسعى للعمل فحسب وكسب الرزق ومطاردة الطموح ، أما قلوبهم فقد كانت معلقة في الهند ، على نقيض جيل الأبناء من " غوغول " و أخته " سونيا " و " موشومي " طليقة " غوغول " وحتى رفاقهم من البنغال كانوا مرتبطين بأرض أمريكا حتى النخاع ، لم يشعروا يوما بالغربة التي شعر بها جيل آبائهم ، بل كانت رحلاتهم إلى كلكتا حيث أجدادهم و عائلات آبائهم تفيض بالمرارة مع شعور بالملل يتفاقم متجسدا بحضورهم بينهم و الذي كان يتلاشى بمجرد ما تحلق بهم الطائرة إلى أرض التي ولدوا عليها ، هذه الأرض الغريبة التي طبعت بها طباعهم إلى حد النظرة اللامبالية لكل الأعراف والتقاليد التي ورثها آباؤهم عن أجدادهم في الهند ، فتأثير الأمركة فاض في دمائهم ..
467 صفحة من المتعة الكاملة يخوضها القارئ و يتنفّس انفعالاتها مع الروائية بحجم " جومبا لاهيري " التي سبق وترجم لها مشروع كلمة للترجمة مجموعتها القصصية " ترجمان الأوجاع " ترجمة " مروة هاشم " ناقشت أوضاع الهنود في الدول الغربية ..
 هذه الثيمة التي تشغل بكل أبعادها وجذورها المترامية قلب الكاتبة ولبّها كأنها تسرد سيرتها هي وحدها وحنينها الفائض ككاتبة أمريكية من أصول هندية مستقرة في نيويورك حيث أقام بطل شخصيتها الروائية " غوغول " ، المجموعة القصصية التي حازت على جوائز مهمة وأجمع النقاد على أهمية فكر كاتبتها ، مازلت أتذكر النصيحة التي دونتها الناقدة  آمي تان " على ظهر غلافها الخلفي " جومبا لاهيري من نوع من الكتاب الذين يجعلونك ترغب في أن تمسك بأول شخص تراه وتحثه على قراءة هذا الكتاب " ..
العبارة نفسها استعيرها بقوة ، ليسبر القارئ روايتها الملهمة بالتفاصيل الهندية في أرض الأحلام أمريكا " السمّي " في ترجمة أنيقة للدكتورة  " سُرى خريس " ..

ليلى البلوشي

منبر الحكماء والبلهاء ..!

منبر الحكماء والبلهاء ..!

منذ وقت قريب أحدث الروائي الإيطالي الشهير برواية " اسم الوردة " " أمبرتو إيكو " ضجة هائلة في مواقع التواصل الاجتماعية الفيس بوك وتويتر ، حين نقد الموقعين نقدا قاسيا ، ففي مقابلة مع صحيفة لاستمبا الإيطالية ، قال مصرّحا بأن أدوات مثل تويتر و الفيسبوك " تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى ، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع ، وكان يتم إسكاتهم فوراً ، أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل ، إنه غزو البلهاء" .
إذا كان كثير من الكتاب لا يطيقون مواقع التواصل الاجتماعية ، بل هم في عزلتهم الكونية خضعوا لها صاغرين من أجل مشاريعهم الكتابية ، فإن هناك فئة أخرى تظل متواصلة باستمرار مع هذه المواقع كما لو أنها فضاء كتابي آخر ، ليعبر عن رأيه حول المجتمع ، و الحياة و ذاته ، بل تعّد بالنسبة له منبرا ؛ لكي يتواصل مع جمهوره القراء إذا كان مؤلف كتب أو مع جمهوره المتابعين والمعجبين له إذا كان فنانا غنائيا أو ممثلا أو رياضيا لامعا وما إلى ذلك ، وعلى رأس هؤلاء الروائي البرازيلي الذي له شعبية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعية " باولو كويلو" وقد أشار مرة مفاخرا بأن الجمهور الذي يتابعه في هذه المواقع تفوق متابعين الفنانة العالمية " مادونا " ، حتى أنهم أطلقوا عليه لقب " ناسك تويتر " ؛ نظرا لاستهلاكه ساعات من يومه في التواصل مع جمهوره العريض ، وفي عام 2010م وصفته مجلة " فوربس " بأنه ثاني أكثر المشاهير تأثيرا على موقع " تويتر " بعد النجم الشهير " جاستن بيبر " ، ويفسر الروائي البرازيلي مبعث إدمانه على مواقع التواصل الاجتماعية مشيرا : " الكتاب لم يعودوا يعيشون في عزلة ، و أنا بمجرد أن اكتشفت إمكانية استخدام موقع تويتر والفيس بوك ومدونتي للتواصل مع قرائي ، قررت أن أستخدمها للتواصل معهم وتبادل الأفكار التي لا يمكنني استخدامها في الكتب ، واليوم لدي ستة ملايين معجب على الفيس بوك " ..
والحقيقة التي لا يمكن نكرانها بأن مواقع التواصل الاجتماعية غدت اليوم منبرا لمن لا منبر له ، لا سيما في الدول العربية حيث افتقدت شعوبها منابرهم للتعبير عن آرائهم في كثير من تفاصيل الحياة ، ليس لأن الصحف و المجلات كانت خاضعة لجهات معينة أو أفراد معينين فحسب بل لأنهم كانوا يخضعون لأنظمة أغلقت عليهم كل أبواب التواصل والتعاطي لحقوقهم كمواطنين وكأفراد لهم حق التعبير عن متطلباتهم وآرائهم في عقر أوطانهم ، ولكن في ظل هذه المواقع الاجتماعية وجد الشباب العربي فرصة كبيرة للتعبير عن آرائهم ومتطلباتهم والانطلاق بحماس لعرض ما يريدونه بدون رقابة وقص وتلميع ، وأصبحت الكلمة تعيش عصرها الماسي من التحرر وتعبر عن نفسها بثقة كبيرة ، وعلى الرغم من ذلك كثير من الدول العربية التي اعتادت على إخضاع شعوبها وفقا لسياساتها اخترعت قوانينا و أنظمة لفرض حدودها في هذه المواقع الاجتماعية ؛ كي تعود الكلمة إلى سابق عهدها مطاردة و مكبّلة و تخضع لرقابة دقيقة من جهات أمنية ، وصلت إلى حد عقوبات السجن لكل من يخالف أنظمة استخدامها وفق تلك الجهات الأمنية ، ولعل أشهر هؤلاء السجناء هو الناشط السعودي " رائف بدوي " الذي تم اعتقاله عام 2012م بتهمة الإساءة للدين الاسلامي من خلال الانترنت ، وعوقب نتيجة لذلك بــ 1000 جلدة والسجن لمدة 10 أعوام بالإضافة لغرامة مالية ، ليكون تحت قائمة ما يسمى بـــ" سجين رأي " وهذه التسمية أو التهمة استحدثت مع مواقع التواصل الاجتماعية ، وقد اعتبرت منظمة العفو الدولية هذا الحكم قاسيا جدا في حق " سجين رأي " ؛ لأنه احتجز أثناء ممارسته لحقه في حرية التعبير عن رأيه بشكل سلمي ، وما أكثر سجناء الرأي في عالمنا العربي وما أتعسهم في ظل أنظمة ترعبها ظلالها ..!
في الوقت نفسه أصبحت هذه المواقع تنجب كثيرا من البلهاء كما وصفهم " إيكو " في عبارته ؛ هناك فئات من الشباب أصبحوا يستغلون هذه المواقع لطرح خصوصياتهم وأدق تفاصيل حياتهم متناسين أن جمهورا عريضا يشاهدون ويقرأون ما يعرضونه من تفاصيل ، بل غدت موضة الـــــ" سيلفي " تتحكم في أدق لحظات حياتهم ، لدرجة أن كل وجبة قبل أن يلتهمونها ، أو كل مشروب قبل أن يحتسونه ، أو ملابس يرتدونها ، أو هدايا يحصلون عليها ، أو أشياء يقومون باقتنائها ، يجب أن تخضع لجلسات تصوير هائلة مع صاحبها ؛ كي يتفرج عليه كل العالم الافتراضي ، بل يبالغ البعض لتلميع صورته ، لمزيد من الأبهّة الاجتماعية ؛ فالناس اليوم أصبحوا يتنافسون في عرض ولائمهم على شبكات التواصل الاجتماعية بكافة أنواعها ، وصار الفرد أشبه بمستعرض في سيرك ومروّج خاضع بكل حواسه لهاتفه الذكي  ..!
هذه المواقع سلبت خصوصية الفرد ، غدت حياته معروضة كاللحم المكشوف ، بل من مخاطر الذين يعرضون تفاصيل بيوتهم أثناء موقع " السناب شات " و " الانستغرام " وغيرها فتحوا المجال لضعاف النفوس على استغلال ذلك للقيام بسرقات أثناء إعلان أصحابها في تلك المواقع على عزمهم على السفر إلى بلد معين ، فيكون البيت فارغا من أصحابه مما يسهل على لصوص زمن التواصل الاجتماعية القيام بمهامهم بلا خوف ، بل يعرف كل ما هب ودب عدد الأفراد في البيت ولون الجدران و ما تحويه كل غرفة من مفروشات وشكل المطبخ وتصميمه وهلم جرا ، فالبيوت ما عادت أسرارا البته بل تكاد تكون حيطانها من زجاج مرئية لكل عابر  ..!
ببساطة نحن في عصر صار فيه الفرد - خشخاشة - في يد آلة ذكية إلا من رحم ربي ..!

ليلى البلوشي

الديانات السماوية الأربع ..!

الديانات السماوية الأربع ..!

في فيلم من أفلام المصرية القديمة ، يعود لزمن الأبيض والأسود ، يفصله عن زمننا الحالي أكثر من أربع وخمسون سنة ، في مقطع من هذا الفيلم تقول الزوجة المسيحية التي اسمها في الفيلم " لويزا جورج " لزوجها المسلم بعد الانتهاء من صلاته : " حرماً " ..
 فيرد عليها الزوج الذي أدى دوره الممثل " حسين صدقي " بكل عفوية وبساطة : " مقدرش أقول لك جمعاً ؛ لأن جمعاً معناه أننا نصلي سوا في الحرم وده معناه أنك تكوني مسلمة وأنا مش أقدر أوجهّك توجيه خاص في الموضوع ده بالذات " أي بمعنى أنه لا ولن يتدخل في أمر ديانتها فهو شأنها الخاص ، شأنها مع ربها وحدها ..
ياااااااه ..!
حوار جرى في القرن الماضي ينم عن حرية حقيقية في نبرة الزمن نفسه ، ذاك الزمن الجميل ، المريح ، الشفاف والنقي ، حيث كان المسلمون والمسيحيون ، وحتى اليهود ، يعيشون في قرى وحارات نفسها ، وتسود بينهم أواصر المحبة والاحترام ، وكانوا يدركون تماما معنى السلام الروحي مع الآخرين ، أولئك الذين يختلفون معهم في الدين ، فالدين هو شأن العبد مع ربه ، حيث الأجيال السابقة الذين أدركوا تماما هذه الحقيقية الربانية وآمنوا بها بكامل أرواحهم ، لذا عاشوا في سلام حقيقي ، سلام واقعي بكل معنى الكلمة ..
لكن الحقيقية نفسها ، الحقيقية الربانية التي أقرها الله عزوجل في كتابه منذ عهد نزوله عن حرية الإنسان في اختيار دينه " ولا اكراه في الدين " هذا المبدأ نفسه الذي جاء صريحا في القرآن الكريم ينكره أولئك الذين يدّعون بأنهم مسلمون ، أولئك الذين وضعوا أنفسهم مكان الله ؛ ليحاسبوا الآخرين على شأن هو خاص بالله وحده ، إله هذا الكون وخالقه ..!
ما يشغل عالمنا العربي في الوقت الراهن هي قضية المذهبية ، القضية ما عادت بين دين ودين آخر فحسب بل نحتت فتنتها بعمق مرعب ليستحيل الصراع العربي إلى قضية مذاهب ، وفي خضم هذا الصراع الذي تجذر في كل شيء واقتحم حتى أدق تفاصيل الحياة ، قرأت تعليقا للصديق الشاعر والمترجم السعودي " عبدالوهاب أبو زيد " من وقت قريب على حسابه الاجتماعي ، تعليقا بقدر ما ينم عن مرارة وحسرة بالقدر نفسه تستصرخ عن حقيقة فاجعة يمر بها عالمنا العربي : " الديانات السماوية ليست ثلاث بل أربع هي اليهودية والمسيحية والسنة والشيعة ، هذا ما يسعى لتحقيقه الحمقى والمتعصبون من حيث لا يعلمون " ..
نحن نعيش في أزمة طائفية واقعية شئنا أم أبينا ، مهما حاولنا طمسها تطفو إلى السطح عبر ممارسات حمقاء لذوي العقول المطموسة عن الفكر السليم ، وعن قلوب سيطر عليها سواد أعمى ، فما عادوا يرون سوى هذا الخلاف المذهبي ، ولن تفلح الدعايات الفاقعة التي تحاول اثبات الود بين أصحاب هذين المذهبين ، فالمذهبية والأفكار الطائفية لن تنقرض عن وجودنا ، عن حياتنا ، عن فكرنا و قلوبنا ، وعن يومنا حتى نكف عن التحدث عنها ، حتى نكف عن طرح صور و مقاطع و جلسات مدعية انسجاما بين هذين المذهبين بينما الدماء تفيض وآلاف من الضحايا يدفعون الثمن ؛ فكل تلك التفاصيل الدعائية المعروضة ما هي سوى تأكيد أحمق على الخناق والنفاق المذهبي الذي تعيشه مجتمعاتنا ، لم يحتاج ، ولم يسع الأولون _ أصحاب الزمن المسالم – لتلك الممارسات التمثيلية التي لا تخلو أكثرها من الإدعّاء كي يثبتوا تعايشهم الحقيقي في زمن كانت أفكارهم نظيفة وقلوبهم نقية بحب الإنسان الآخر بكل اختلافاته الدينية ..!
لن تنقرض المذهبية ولن تموت تلك الأفكار الطائفية حتى يسود الوّد السياسي على صعيد الأنظمة والحكومات ؛ لأن المذهبية ما عكر صفوها بين أصحاب المذاهب المختلفة سوى تلك المشاحنات الدولية بين أصحاب الدول والحكومات ، المذهبية لم تظهر ولم يعرف بها أصحاب الأجيال السابقة ؛ لأن رجال الدين كان همهم الدين نفسه ونصرته وبثه بين الناس بكل ترحاب ، بينما اليوم لا رجال في الدين بل هم تجار في الدين إلا من رحم ربي ، أولئك الذين من على منابرهم يحرضون على سفك دماء أصحاب المذهب الآخر كأن قتل النفس البشرية مباح ، كأنها ليست كبيرة من الكبائر التي حرم الله - عزوجل - حتى أن المسألة صارت منافسة وحشية ، دموية وغاية في العنف ..!
لن تنقرض المذهبية ولن يفنى الاحتقان الطائفي طالما تحقن عقول الصغار بسموم المذهبية ، طالما معظم أولئك الآباء يعصون الاختلاف و يعبدون المثيل و الشبيه ، وحين يغدو التعاطي الإنساني مع الآخر المختلف مثار الشُبهة ..!
لن تنقرض المذهبية وستبقى الأفكار الطائفية مطبوعة في الأفئدة طالما بعض المناهج الدراسية تسقط مبدأ الاحترام مع الآخر المختلف في التعبير عن اختلافه ، طالما تلك المناهج تلغي حق الآخر وتقصيه بعيدا كما لو أنه مرض معّدٍ يجب تجنبّه ..!
علاج المذهبية يكمن في قلوبنا حين نغذيّها بحب الآخر ، ستموت الطائفية حين نقتل شيطانها في عقولنا ..!

ليلى البلوشي

بوكوفسكي شاعر البيرة والنسا والكسل ..!

بوكوفسكي شاعر البيرة و النساء و الكسل ..!

انفتحت على عالم الشاعر والروائي الأمريكي من أصل ألماني " تشارلز بوكوفسكي " من ديوانه الشعري الذي ترجمه الشاعر " سامر أبو هواش " إلى العربية عبر مشروع كلمة للترجمة عام 2009م ..
النصوص الشعرية التي تألقت في عنوان لافت وملعون " الحب كلب من الجحيم " ذيلها المترجم بمقدمة مؤثرة عن الطفولة الشاقة للطفل " بوكوفسكي " الذي عاش تعيسا في ظل والده العاطل عن العمل ، والذي كان يفرغ نوبات غضبه بالشتم واللكمات مما جعله يبغض والده بل يشكر الرب لأنه زهق روحه وأراح العالم – عالمه الداخلي - من شرّه ، تلك الأبوة التي اسقطت حقها من الحب و التوقير و الاحترام في قلب الطفل " بوكوفسكي " حين أسقط دوره الأبوي بفجاجة مقيتة ..!
" بوكوفسكي " الذي عرفته أكثر كشاعر عصيّ على الوصف من خلال مدونة " معطف على سرير العالم " للمترجم والشاعر الشاب " محمد الضبع " حين سمعت لأول مرة صوت " بوكوفسكي " شعرا من خلال نصه الشعري الشهير " لا تحاول " وهي الكلمة نفسها اختارها كي تنحت اصراراها على شاهدة قبره ، وكأنها تعويذة إلى قلبه ، ولعل ترجمات الشاعر الشاب " الضبع " لعبت دورا هائلا في لفت أنظار كثير من الشعراء والقراء - الشباب - نحو عالمه الشعري المغرق في العتمة والنساء الجميلات وكؤوس البيرة ..
يلقي قصائده الشعرية بعاطفة تهطل كالفيضان دفعة واحدة ، يكمن ألقها المكثف في عفويتها ، بفجاجة يلقن تعاليمه وهو الذي لا تعاليم له ولا الوصايا ، حياته التي تسيّرها قنينة بيرة فهو لا يلقي الشعر دون قناني البيرة التي يغدقها عليه منظمو الأمسية أو حتى الجمهور ، الجمهور الذي يهيم مع سكرته و صوته الشعري الذي يتجسد فيه العنفوان الهائج كلما تدفقت البيرة في دمه دفعات هائلة حتى ندر أن تجد له صورة فوتوغرافية بلا كأس خمرة في يده ، وقد برر حال سكرته الأبدية قائلا ذات مرة : " كان من الجيد أن أشرب وقررت أنني أحب هذه الحالة فهي كانت تبعد الواضح عني ، وربما إذا استطاع المرء بما فيه الكفاية الابتعاد عن الواضح فلن يعود واضحا هو نفسه " ..
و من خلال المترجمة السورية " أماني لازار " وعبر مدونتها الإلكترونية الخصبة بجماليات في الأدب والفكر العالمي المترجم التي تحمل عنوان " الأماني " اقتربت من عالم " بوكوفسكي " القصصي ، سرده الآسر ، جمله تلك التي تنطلق كدعامات حكائية ، وعيه ، لعناته ، ونساؤه ..
الكتابة القصصية التي حفرت إبداعها في ذهنه في سن مبكرة من حياته ، حين كان في ربيعه الرابع والعشرون ، غير أن تقلباته في وظائف متعددة لكسب المال جعله يتخبط كتابيا ، ولكنه بعد أن قدم استقالته كساع للبريد من مكتب البريد وكان حينها في 49 من عمره ، عزم ورغم كل الظروف غير المضمونة ، فلا شيء مضمون في عالم الكتابة أن يتفرغ كليا لعالمه المجنون الكتابة أو كما يحلو له التعبير لكل من يسأله عن وظيفته أو عن مبعث مطاردة النساء الجميلات له " الدق على الآلة الكاتبة " ، وكان هذا تحديا عظيما ومنعطفا في حياته من موظف ملتزم بدوام يومي وراتب شهري إلى كاتب ملعون برتبة كسول وراتب يعتمد على وضعه الكتابي ولا شيء آخر ، هذا التحدي جعله يكتب رواية " مكتب البريد " بعد شهر من استقالته وقد نقلتها المترجمة " ريم غنايم " وهي أولى رواياته التي ترجمت إلى العربية ..!
من يغطس في عتمة عالم " بوكوفسكي " سيتعرف على طباعه النفسية ، وعلى أنه كائن يحيا في عالمين ، منقلب ما بين الواقعية الموجعة التي تفاقمت بعد طفولته التعسة مع وجهه الذي لحقه التشويه في أكثر مراحل الإنسان صدمة زمن المراهقة ، تلك الحبوب جلدته بقسوة عنيفة فخلفت ثقوبا في تقاطيعه حتى أنه كان ينعت نفسه بالبشع ، تلك الدمامة التي استعاض عنها بالكتابة ، الكتابة هي حل مؤقت لأزمات الروح ، الكتابة هي انتصار ضمني في عالم متوحش ووحشي وعالمه الخيالي المفرط في حميمية الجسد والبيرة والنساء ..!
على الرغم من تلك الدمامة كان " بوكوفسكي " شاعرا محاطا بالنساء أو هكذا يخال لكل من يتطفل على عوالمه الكتابية شعرها وسردها ، وقد تزوج أكثر من مرة ، ولعل روايته الأخيرة التي ترجمها " شارل شهوان " إلى العربية من منشورات الجمل المعنونة بـــ" النساء " تكشف جل علاقاته وغرامياته بالنساء في حياته ، الرواية التي تفيض بإيروتيكية ، بشهوة فاضحة ولكنه نكهها بسخرية فاضحة أيضا ، حتى يعتقد قارئها بأنه يعطي دروسا مجانية في عالم الجنس ، فلا تكاد تخلو صفحة من صفحات الرواية عن الجسد الطافح بالشهوات ، عن نساء حسناوات ، التقى بهن " بوكوفسكي " في حياته ، صلاته بالنساء الجميلات و البشعات والكبيرات والصغيرات و الشاعرات والمومسات توثقت أكثر حين أصبح شاعرا ، تلكم النساء كان يحولهن بعد شهوة الجسد العنيفة إلى كتلة كتابية متفجرة بلغم الكلمات و غزل العبارات ، الشاعر الذي يبقى وفيا رغم عن كل خياناته لجسد القصيدة وحدها ، يفرغ فيها معالم الحياة التي يخوضها بجنون كائن استثنائي ..
ولكنه وعلى الرغم من ذلك لم يخل من عقدة الضعف تجاه النساء المحترمات وحدهن دون بقية النساء اللواتي كان يجدهن في بحثه الحثيث عن رغبة مشبعة " النساء المحترمات كن يرعبنني ؛ لأنهن في نهاية الأمر يردن الحصول على روحك وما كان تبقى من روحي كنت متمسكا به ، كنت بشكل أساسي أرغب بشدة المومسات ، النسوة الفاجرات ؛ لأنهن كم مهلكات و قاسيات وما كن يطالبن بأي متطلبات شخصية ، لم تكن تخسر شيئا إطلاقا حين يغادرن " ..
كان يتقلب من امرأة إلى امرأة ، بالأدق كن النساء ، المزيج منهن ، يتقلبن في فراشه ، تلك العلاقات التي لم تعرف معنى الدوام ، ربما لأنها كانت تنبع من حرمان الروح ، علاقات جسدية تخلو من الحب الحقيقي دون أن تفقد شبقها في نبش رغبات ممنوعة ، فهو لم يحب في حياته سوى امرأة واحدة أو امرأتين ، ذلك الحب الذي حين يخسر روحه النابض فهو يستعيض عن الخسران الهائل في روحه بمحاولات تعويض تعبر أجساد شتى منهوكة ، مستهلكة و ساقطة من معنى إنساني ونبيل ، ولعل ذلك نابع من يقينه بأن علاقات البشر مهووسة بالسادية والمازوشية وتماهى ذلك بقوة في شخصيته المضطربة وتعاطيه مع النساء من حوله عبر اعترافات عن أدق تفاصيل النساء اللواتي عرفهن في حياته والتقاهن ، و رواية " النساء " تشهد على تاريخه الفاضح في عالم معجون بعرق النساء و فروجهن ..!

ليلى البلوشي