الاثنين، 25 مارس 2013

" بلاش يا بيه .. خليها عيّ المرة دي " ..!


 
 
" بلاش يا بيه .. خليها عليّ المرة دي " !

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب

 

ومن الظواهر التي تفاجئك لوهلة في مصر أن في كل خطوة عليك أن تدفع أو يُدفع لك وهذا يعتمد على شطارتك أولا وعلى وضعك الاقتصادي ثانيا ..!

تدفع أنت حين تكون زائرا أو بالمعنى اللطيف سائحا ويُدفع لك حين تكون ابن البلد وعلى رأس وظيفتك ، ففي مصر عادة الموظفين تلتهم التزامات الحياة اليومية رواتبهم التي هي أصلا قليلة ، ولا تراعي ارتفاع الذي يسود احتياجات الحياة يوما بعد يوم وتطور وسائل ممارستها والتعاطي معها ، ولهذا الموظف عليه أن يلهم وسائل عيشه من مبادئ ميكافيللية في بعض من الأحيان ؛ فلكي يعيش عليه أن يجد غايات تبرر وسائله ..!

وهذا أمر يجري على معظم الشعب المصري ولمن له وظيفة حكومية دائمة أو من هو عاطل عن العمل الحكومي ومقطوع من اهتماماته عليه أن يجد له عملا يوميا مهما كان هذا العمل ونوعه ، فمرة هو منظم للسيارات أمام المحال التجارية ، ومرة هو بائع صحف أو دليل سياحي وهلم جرا .. وكل هذا في سبيل توفير لقمة العيش مقابل خدمة يؤديها لك ولا يحدد مقابل الطلب بل يضع ذلك لكرمك معه ، فقد تدفع له جنيها أو خمس جنيهات يرجع ذلك لحالتك الاقتصادية غالبا أو حالتك المزاجية أو حالتك الإنسانية حين تترفق لطفل صغير يمد يده أو طفلة بيدها زهرة ذابلة وهي تطرق على نافذة سيارتك وترفع اصبعا صغيرا يرجو نصف جنيه أو جنيه ويحدث أن تدفع لها دون أن تعطيك شيئا مقابل ما دفعت كي توفره لدافع آخر ، ويحدث أيضا أن تعطيك مقابل ما دفعته تلك الزهرة الذابلة تحتفظ بها كذكرى أو ترفض أخذها كي تجد لها دافعا آخر يشتريها ..!

ولأطفال مصر حكايات وهو رجال وبنات المستقبل بحق ، خبروا عضة الحياة ووحشيتها مذ طفولة الروح والقلب والعقل فعادة البراءة والدلع المفرط الذي نجسه عند أطفالنا وفي دولنا هو غائب عن الطفل المصري الذي أزاحت عن روحه البراءة عن عمد كي يجاري سوق الحياة ..

ومما اذكره طفلة صغيرة دنت مني وفاجأتني بطلبها : " ممكن أي قطعة نقدية تديني إياها كذكرى من بلدك " فبحثت في حقيبتي ولم أجد سوى بضع دراهم لم أصرفها إلى جنيهات مصرية فقدمتها لها وحين تأملتها قالت لي بجدية صارمة : " مش عايزاها دي ما تتصرفش في محل الصرافة أدام هناك ، إديني أي حاجة من بلدك ورق مش معدك  عشان الصراف يقبل يصرفها لجنيه مصري " ..! قالت ذلك عن خبرة وافية وهي تشير للصراف القريب من موقف سيارتنا حيث تقف ..!

رغم أني سمعت حكايتها إلا أنها قهرتني بروحها الطماعة التي رفضت حتى جنيهات المصرية المعدنية فلم أمنحها شيئا ووجدتها وهي تعبر من أمامي إلى عابر آخر في الشارع تملي عليه الكلام نفسه الذي قالته لي بالضبط .. ويبدو أن الرجل انقهر منها مثلما انقهرت ، لكنها لم تنسحب من أمامه بل سحبته إلى محل للحلويات وهي تشير عليه إلى الحلويات التي تريده أن يشتريها لها من المحل ..!

ولكن يجب أن أشير أن الروح المصرية لا تطلب شيئا بلا خدمة يؤديها لك مهما كانت صغيرة أو كبيرة ، وعادة كبيرات في السن يبخرونك بكم هائل من الأدعية التي ترخي روحك العطوف وتفتح شهيتك الكريمة وحماسك المفرط لتدفع لها مقابل سيل الأدعية التي أحاطتك بها حتى وإن كان دعاء في غير محله .. حتى وإن دعت أن تتزوجي الرجل الذي يجلس بجانبك أو الفتاة التي تجلس بجانبك وأن تنجبا " درزن " من التوائم ليسعد قلبيكما العاشقان وأنتما في النهاية خالة وابن أخت .. لكنها عوز الحياة ..!

إنها الحاجة التي تدفع المعوز في كثير من الأحيان إلى أن يسعى لوسائل أو أن يطرق على أبواب أو يمارس سلوكا ليس من الضروري أن يكون راضيا عنها أو تكون جزءا من سمات شخصيته ، والحاجة أم الاختراع كما يقولون ، لهذا لجأ المصري إلى اختراع عبارة لفتت نظري كثيرا وسمعتها كلما أدوا خدمة لي أو لغيري ، كلما أكلنا من مطعم أو مقهى .. كلما اشترينا من بائع أو بائعة .. عبارة تقول : " بلاش يا بيه .. خليها علينا المرة دي .." ..

وكنت أتساءل كما أتصور أن كثيرون غيري سألوا أنفسهم مغزى هذه العبارة التي يطلقها الإنسان المصري البسيط مقابل خدمة يؤديها ومن محاسن الصدف أن كتاب " رحلتي الفكرية " للمفكر المصري " عبدالوهاب المسيري " قد تناول هذه الظاهرة في الجزء الأول من هذا الكتاب الذي يلقي ضوءا دافئا على سيرته ، حيث اعتقد أن هذه العبارة عبارة عن نوع من " النفاق " ولكنه مع الأيام أدرك عمق هذه العبارة وتأمل مغرى الإنسان المصري وذلك من خلال خادم كان يعمل لديه وكان يرددها كثيرا ، فحسبما تفسير المسيري يرى أن واقع العبارة تعني : " برغم أنني أعمل خادما عندك وأدخل معك في علاقة تعاقدية فإننا من الناحية الإنسانية متساويان ولابد أن ندخل في علاقة تراحمية تتجاوز عمليات التبادل الاقتصادية (خدمات مقابل نقود ) لكل هذا لا داعي لأن تدفع النقود لي هذه المرة " ..

بالنسبة لي وجدت أن هذه العبارة تترك أثرا طيبا في روح الإنسان الذي يؤدي خدمته ، كما أنها تكسر حاجز الفوقية وتحطم جدار العوز ، و تجعل الآخر يدفع عن طيب نفس وكرم مفرط ربما ..

ما أروع التراحم في مجتمع كبير كالمجتمع المصري ، فهذا التراحم يرفع عن أرواحهم المثقلة بمشاغل الدنيا وهمومها ومتاعبها ويخفف عنهم عبء العوز ..!

 
ليلى البلوشي

الاثنين، 18 مارس 2013

عجلة أدام والنبي ..!





عجلة أدام والنبي ..!

 

نشر في الرؤية / العرب اللندنية

 

لا تنتهي حكايات الشارع المصري ، فالشعب كله عادة في الخارج من طلعة الفجر إلى آخر الليل ومن له بيت فهو غالبا لاحتياجات النوم ، فساعات العمل الكثيرة تبدد حياة الإنسان الحديث وفي قديم الأزمان كان الرجل وحده عرضة للغياب ، ولكن العصر الحاضر فرض هذا الغياب على الرجل والمرأة على حد سواء وغياب الأطفال أيضا في مدارسهم وجامعاتهم لساعات طويلة أو لساعات العمل التي يقومون بها بعد مهمة الدراسة لتوفير مصاريف العلم ..!

وفي الشارع المصري تواجهك واقع الحياة بكافة أشكالها الغريبة والمدهشة .. البسيطة والشاقة .. المثقلة بالهموم والخفة كل ممارسات وأشكال الحياة البشرية تصادفك عبر شوارعها المزدحمة ، والسيارات تمشي فيها حبة حبة وصوت أبواق السيارات لوحدها معزوفة يومية تعد من أهم معالم حياة الشارع المصري وأصخبها حضورا ، وقد لمست ذلك بنفسي وشهدت حوارات بين أبواق هذه السيارات التي تتحاور وتنظم سيرها بإيقاع مدهش من نوعه .. في تلك الزحمة عليك أن تخلص نفسك بنفسك وعليك أن تصل إلى أعمالك أو مواعيدك في وقتها حتى عبور سيارتك في مصر تلزمها روحا مصرية ، كي لا يرتفع ضغطك من الزحام ومن المشاة الذين يعبرون حواليك ليلحقوا بدورهم بوظائفهم .. خاصة إذا ما كنت من دولة مرفهة وللشوارع أنظمتها وللزحام قوانينه ففي بلدك ستجد من يفسح لك مجالا كي تعبر بسيارتك أو تقطع راجلا إلى الجهة الأخرى من الشارع ، أما في مصر خاصة شوارع القاهرة حيث قلب الفوضى العارمة والزحمة الكثيفة يصدمك واقع الشارع وتراجع أخلاقيات الإنسانية فلا أحد غالبا يفسح مجالا لعبور سيارتك أو عبور المشاة مهما كان سنه ، فالكل مكتظ وتحت ضغط نفسي هائل من زحام الشارع ومتاعب الحياة وتعب الروح ، ومما اذكر وأنا صغيرة حين أسهبت معلمة العلوم في شرح ظاهرة الضوضاء في حياة البشر فطرحت نموذجا واقع حياة الإنسان المصري حيث أشارت بأن علينا أن لا نلوم المصري على سرعة غضبه ، لأنهم محاصرون بالضوضاء من كافة أنواعها ضوضاء الصوت والحركة والجو العام ولكل هذا تأثيره العارم على حياة الإنسان المصري ، ولعل أعظم آثارها ارتفاع ضغط الدم والتي يلطفونها بروح الفكاهة وكلمات أغنية أحمد عدوية وهي تصدح في الصباح المصري ليست عبثا : " زحمة يا دنيا زحمة " ..!

ولعل الفنانة أم كلثوم بأغانيها الممتدة لساعات وهي تذاع عبر سيارات ومقاهي المحاذية للشوارع العامة تجاري واقع حال المصري وأزمة انتظاره الطويلة في الزحام ..!

لهذا يفاجأ الإنسان الذي تخلو بلاده من الزحمة أو تقل عما هي سائدة في الشارع المصري يفاجأ من غياب أخلاقيات الإيثار أو افساح المجال لإنسان على عجلة من أمره أو عابر ما ، بل يتعجب الناس ممن قد يفسح المجال العبور لغيره .. لراكب أو راجل ، فإيقاع الحياة السريع يحدد أمر السلوكيات وفي غياب متسع من الوقت فليس غريبا أن يدوس الناس بعضه بعضا ..!

وقد عرض المفكر المصري " عبدالوهاب المسيري " ذلك في كتاب " رحلتي الفكرية " في الجزء الأول من سيرته وهي من المواقف العديدة التي قد مر بها شخصيا ومنها حكايته : " كنت أسير مرة بسيارتي في شارع ضيق بالقاهرة وكان هناك عجوز يعبر الشارع فوقفت له حتى أعطيه الفرصة وكانت ورائي سيارة ظل صاحبها يضغط على الكلاكس فنزلت من سيارتي حانقا وأخبرته أن رجلا عجوزا يعبر الشارع ثم سألته سؤالا خطابيا : لو كان هذا والدك أفكنت فعلت الشيء نفسه ... ؟ فقال بوجهه المتجهم : نعم .. فضحكت لصدقه وصراحته .."

وفي موقف آخر له مع سائق آخر يسرد المفكر أنه كان يقف وراء سيارته سائق في الساعة الثالثة ظهرا أمام جامع ابن طولون في أحد اختناقات المرور الشهيرة في الأسبوع الأخير من رمضان ، وظل هو الآخر يضغط على الكلاكس ويطلب أن يتقدم مستعجلا : " عجلة قدام والنبي " أي مسافة صغيرة جدا تعادل مقدار عجلة واحدة فقال له : " كلنا واقفون فلم أتحرك هذه المسافة الصغيرة ".. ؟ فأجاب : " علشان تديني شوية أمل " ..

يالـــ حاجة الشارع المصري إلى ضخة آمال كبيرة بعد أن ضختهم الصراعات السياسية بصدمات أسقطت كل آمالهم دفعة واحدة ففقدوها حتى أقلها ضآلة ..!

ليلى البلوشي

الأربعاء، 13 مارس 2013

حوار افتراضي مع " كارلوس ليسكانو " .. عن تجربته في السجن والكتابة


 
 
حوار افتراضي مع " كارلوس ليسكانو " 1..

عن تجربته في السجن والكتابة

 

نشر في آرميا الثقافي ...

 

" الكتابة عن الأدب ذريعة لكي لا اكتب عن الحياة ؛ حياتي فليس هنالك ما أكتبه عنها " هذه العبارة أقرّ بها الكاتب والروائي " كارلوس ليسكانو " وهو اعتراف ليس في محله قطعا ، فمذ السطر الأول من كتابه المعنون بــــ" الكاتب والآخر " تجد نفسك أمام قامة أدبية يحتشد فيها زخمان : زخم الأدب من ناحية وزخم الحياة من ناحية أخرى .. يتحفنا هذا الكاتب بعصارة تقشير لإنسانية الكاتب من القاع حيث تتلاقى روح الكتابة وروح السجين وروح الإنسان ..

" كارلوس ليسكانو " أحد أبرز أدباء أورغواي المعاصرين ولد في مونتيفيديو عام 1949م ويكتب القصة والشعر والرواية والمسرح والمقال الصحفي حائز على عديد من الجوائز وترجمت كتبه لغات عالمية .. إضافة إلى قامته الأدبية كان عسكريا وعضوا في حركة التوبمارو 2 .. وسجينا سياسيا ومعلما للغة السويدية بعد خروجه من السجن وعندما عاد إلى مونتيفيديو لم يعد غريبا على الآخرين لكنه ربما غدا غريبا على ذاته .. ربما كانت العودة طريقة لإعادة بناء الكاتب الذي ولدت موهبته عام 1981م في السجن حين كان منكبا وبشكل محموم اثنتي عشرة ساعة يوميا على الكتابة .. الكتابة التي كانت أشبه بلقاح أمان في حبسه ذاك عن اندفاعات الجنون والتعذيب الجسدي والتعري الروحي والعار ونضالات الحرية والكرامة والإنسان ..

 

ليلى : كارلوس ليسكانو تقول في صفحات كتابك الغائر في الجرح ككاتب وكسجين قضى ثلاثة عشر عاما أنك قبعت في غرفة واقعة تحت الأرض ما من شيء على الإطلاق ولا حتى الضوء .. صمت ورطوبة وقضبان حديدية تفصل بين السجين وباب السجن وثمة حفرة في زاوية جرة ماء والفراش الذي يعدونه مساء ويستعيدونه في السادسة إلا ربعا صباحا .. حين خرجت من هذه الغرفة الواقعة تحت الأرض كيف كان أمر الحياة حين خروجك  ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " حين خرجت من السجن كنت في درجة الصفر لم يكن في حوزتي كلمات لأصف بها ليلة 14 وصباح 15 آذار 1985م كنت لا شيء .. لا أحد .. لم يكن لي وظيفة وبيت ومال ووثائق رسمية .. لا أبوان ولا أطفال أو أي شيء يمكنني من العمل .. لا ملابس وأوراق أو أي علاقات .." .

 

ليلى : إذن لم تكن لديك وجهة معينة في هذه الحياة تعينك في الذهاب إليها ولا ثمة عائلة تنتظرك بكامل شوقها وتحتضنك بكامل دفئها يا لها من غربة فظيعة تلك التي أحاطت بعالمك وقتئذ ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " الشعور بالغربة هو ذاته على الدوام .. هو ذلك الذي أحسست به ليلة 14 آذار 1985م عندما اجتزت مونتيفيديو في المقطورة التي كانت تقل من خرجوا من السجن إلى بيوتهم .. عندما لم يكن لي وجهة ولا عمل ولا عائلة .. كنت على وشك أن اكتب " عندها لم يكن لي وجه " بدلا من " لم يكن لي وجهة " ثم تداركت يدي على الفور على هذا قد يكون تعريفا حسنا لما كنت عليه آنذاك لفرط ما لم أكن أملكه بسبب كل ما كان ينقصني لم أكن أملك في تلك الليلة حتى وجها .."

 

-       ليلى : هل فقدانك لوالديك أثناء فترة حبسك هي التي كانت وراء تلك الوجهة الغامضة أو ذاك الوجه الذي فقدت الإحساس عن وجوده ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " في سنوات السجن الأولى حاولت أن أعيد بناء نفسي قليلا لكن موت أمي في العام 1976م قذف بي في عالم من العزلة وبعد موت أبي في العام 1978م جعل القمع الحاصل في البلاد وضرورة الانحناء من أجل البقاء حيا ملاذي والقراءة مهربي الوحيد .."..

 

-       ليلى : إذن في سجنك من ضمن أهم القضايا التي كنت تناضل من أجلها " الحياة " وهي مضاد الموت ومن خلال اكتشاف الكاتب بداخلك والتشبث بهذا الاكتشاف كنت تتغلب على هذا الموت على نحو واعي ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " أن تكتب هو أن تريد أن تتجسد وأن تكون موجودا بعد أن يأتي الموت ؛ لأن الكاتب يريد أن يكون مختلفا.. أن يكون من هو وأن يكون آخر لأنه يطمع إلى خلق العمل العظيم الذي سيسمح له بالاستمرار في الوجود بعد الموت .. إنه ذلك الإحساس الغريب الذي ينبعث فيك حين تعرف أنه في هذه اللحظة في مكان ما وربما في لغة أخرى ثمة من يقرأ أحد كتبك وأنت لا تعرفه ولن تعرفه أبدا لأن الحديث إلى النفس يجري عبر الآخرين .. عبر القراء الذين نكتب من أجلهم ولا نعرفهم .."

 

-       ليلى : أنت من الكتاب الذين يعون بوجود قرائهم وأنهم جزء من عملية الكتابة .. دعني استعير عبارة بديعة كنت قد أطلقتها على القراء بوصفهم " أول من يعزز الابتكار هو القارئ " عبارتك الحميمية هذه تحمل دفئا تجاه كل قارئ خفي يقرؤك بل تتماشى مع عصر يقال إنه عصر القارئ بامتياز لكن ما دور الناقد في عصرنا هذا ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " أول من يعزز الابتكار هو القارئ ، إنه يبتكر كاتبه الخاص انطلاقا من الكتاب الذي يقرأ ثم يأتي النقاد ليواصلوا ابتكار مناظر طبيعية وصلات وطرقات في بلاد لا وجود لها ما لم يصفوها هم " ..

 

-       ليلى : ماذا عن دور الكاتب نفسه مع كتابه .. مع النص أو الحكاية التي يكتبها مع الحياة بمجملها ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " الكاتب دوما اثنان : ذلك الذي يشتري الخبز والبرتقال ويجري الاتصال الهاتفي ويذهب إلى عمله ويدفع فاتورة الماء والكهرباء ويحيي الجيران والآخر الذي يكرس نفسه للكتابة .. الأول يسهر على حياة المبتكر العبثية والانعزالية .. إنها خدمة يؤديها بكل سرور لكنه سرور ظاهري فقط ؛ لأن التوق إلى الاندماج يظل موجودا فأن تكون اثنين ليس أسهل من أن تكون واحدا .."

 

-       ليلى : أوافقك فيما ذهبت بلا شك .. ولا أبالغ حين اعترف بأني مبهورة من طريقة تقشيرك للكاتب من الداخل حيث هناك يقبع أكثر من كيان إلى ما أطلقت عليه " خادم " والآخر " المبتكر " .. يقبع كاتب هو إنسان في النهاية له صلات في الحياة والتزامات يومية وعلاقات مع الآخرين ..هذه الإزدواجية المدهشة هلاّ تمعن في وصفها لنا ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " شخصية الكاتب قد وجدت دون أن تعرف كيف حدث ذلك .. إنها اللحظة التي تدرك فيها أن ثمة من يعترف بهذا الصوت الذي يحكي فتتعرف إلى ذاتك في هذا الصوت الذي تم الاعتراف به وإذ ذاك فإن الآخر ذلك الذي يريد أن يصير كاتبا لا يعود موجودا ، فالشخصية المبتكرة تهيمن على كل شيء وما من حوار ممكن بين المبتكر والآخر .."

 

-       ليلى : أنت تعني أن وجود الكاتب في داخل الإنسان يبدأ على نحو واقعي حين تعترف به الأصوات الأخرى و بهذا الاعتراف الأدبي بعينه سوف يخلق العمل الأدبي نفسه ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " لأن الأمر يتعلق بخلق الكاتب لا بخلق العمل الأدبي إذا نجحت في خلق الكاتب فإن الكتاب يخلق وحده ؛ لأن الكاتب يخلق أثناء التأمل في فعل الكتابة والحياة التي يختارها لنفسه أكثر منه في أثناء الكتابة فأن تصبح كاتبا يعني أن تختار حياة وطريقة توجد بها في العالم وترى من خلالها الأشياء لأن الفرد إن لم يكتب لن يكون كاتبا لكن الكتابة وحدها لا تكفي في لحظة ما سيطرح عليه نشاطه الكتابي أن يتأمل متسائلا : ماذا ولماذا وما الفائدة ..؟ "

 

-       ليلى : هل هذه التساؤلات عن جدوى الكتابة تهجم على الإنسان حين يصل إلى مرحلة الشبع الكتابي أو حين يقف على سفح الإبداع متسائلا عن الغاية من كل ما يفعله أو الجدوى من كونه كاتبا ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " لقد كان ذلك زمن البراءة الأدبية حين كانت الكتابة تعنى المضي دوما دون أن أتساءل لماذا أمضي قدما وما فائدة ذلك ..؟ كان ذلك قبل الحكاية حين لم يكن الفرد قد انشطر بعد لم يكن ثمة مسافة بين الإنسان الفرد والكاتب ، فالكاتب لم يكن قد ابتكر بعد لكن ظهوره كان محتما في ضوء الإيمان بأن كل الأشياء ستتألف لإنجاز العمل المقدر سلفا بريئا وممتلئا بالأوهام .. اخترت طريقي وأخذت أتقدم فيه بلا حذر دون أن ألتفت إلى أنني كنت أمضي نحو الشك والقلق والحياة المزدوجة على الدوام .. لأننا في الأدب لا نتقدم أبدا نتعلم تقنيات .. نكتشف كمائن لكننا نبقى دوما في النقطة ذاتها نحفر الحفرة ذاتها ونبحث عما يعرف العالم أجمعه أننا لن نعثر عليه هناك .. مقتنعين بأن الشيء الوحيد الذي يستحق العناء هو أن نستمر في الحفر .."

 

-       ليلى : وهذا الحفر نفسه يكفلك كثيرا ككاتب مهنته ووظيفته الوحيدة في الحياة هي الكتابة وخلق شخوص لحكاياته .. هذا النبش عن آخرين يجبرك على حياة ذات نمط معين وعلى عزلة من نوع ما .. قد تكون عزلة مبالغة أشبه بعزلة الروائي " مارسيل بروست " الذي صنع لعزلته غرفة من الفلين واختار الفلين تحديدا لخمد حس الضجة من حوله تماما أو تكون عزلة أقل كتما للأنفاس .. بمعنى أوضح كيف هي عزلتك ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " الكتابة هي تشييد عزلة لا يمكن اختراقها .. ليست تلك العزلة التي تصل القارئ عبر العمل بل العزلة الأخرى الأكثر عمقا .. عزلة الحيوان المحكوم بالحوار مع ذاته بالتفكير وحيدا .. المحكوم بالتأرجح بين الاندفاع الطفولي والإحباط المدمر .."

 

-       ليلى : لكنك أشرت في كتابك " الكاتب والآخر " بأن من يجعل من الأدب مركز حياته لا يستوجب عليه أن ينعزل فهذا ليس ضروريا ، لأن الأدب بعينه سجن لا يمكن الخروج منه حيث تكون على الدوام حبيس زاوية نظر معينة يحددها الأدب  ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " من أجل الكتابة لابد من أن تكون في الحياة وخارجها في الوقت ذاته .. أن تراقب وتعيش في صمت إنهما حياتان .. إنها الإنسانية المبنية بطريقتين كل منهما مسلكا خاصا وفي هذا إفراط : أن تكون إنسانا بطريقتين مختلفتين وأن يكون لك في الحالتين حياة تامة ظاهرة للعيان .. الأولى حياة المواطن المستقيم كثيرا أو قليلا والثانية حياة الفنان الذي لا يظهر إلا عبر أعمال فنية والذي يمكن أن يعاد بناء حياته عبر هذه الأعمال أيضا .. إن له فكره الخاص ويمكننا أن نعرف إلى أي جوانب الواقع يوجه انتباهه ومدى إحاطته به .." .

 

-       ليلى : كونك كسجين عسكري أعادت ذاكرتي إلى كاتب عربي سوري له كتاب يروي فيه تفاصيل العذاب في السجون وتحويل الجلاد الضحية إلى حيوان .. يدعى كتابه " حيونة الإنسان " .. ترى ما الذي يجعل الآخر يحوّل البشر مثله إلى منزلة الحيوان أو تشييئه إلى أقل من الحيونة ..؟ ما هو غرض الجلاد وما هي مسوغاته للقتل بدم بارد .. ؟ هل للجلادين ضمائر أم هم مجرد عبيد مأمورين ..؟ !

 

-       كارلوس ليسكانو : " من الصعب أن تروي التعذيب ، لأنه شيء حميمي مثله في ذلك مثل الحياة الجنسية ما من داع للحديث عنها خارج الحياة الخاصة أو جلسات العلاج .. ما من داع للحديث عنها خارج الحياة ..ففي غير هذه اللحظات لا يكون الحديث عنها سوى بذاءة واستعراض ومرض ربما .. في التعذيب ثمة طرفان .. جسدان .. جسد المعذب وجسد الجلاد يتصادم الجسدان .. يتلامسان .. يتبادلان روائحهما ويصرخان .. ثمة دموع وشكوى وشتائم .. يشعر الجلاد بأن جسد الآخر ملك له وبما أنه يمتلكه فبوسعه أن يفعل به ما يشاء غير أنه لا يجد غضاضة في أن يبدي الآخر مقاومة الآخر ضده بل إنه يفضل أن يفعل ذلك .. لقد وجد الجلاد من أجل هذا ، من أجل أن يدفع الجسد إلى الاستسلام ودون مقاومة لا يكون هنالك استسلام .."

 

-       ليلى : مرة اعترف قناص أمريكي في حوار عن  مشاركته في حرب العراق أنه كان يقتل العراقيين كما لو أنه يمارس لعبة الجيم فلا ينظر إلى هؤلاء الناس الذين يقتلهم كبشر ولا يتساءل إذا كان لديهم أُسر ..!

 

-       كارلوس ليسكانو : " ذات ليلة اقتادوني إلى قاعة التعذيب كان ثمة سجين آخر لم أكن أعرفه وفي تلك الليلة لم أتمكن من رؤيته تكمن التسلية في دفع سجين إلى تحطيم سجين آخر كان هذا الأمر من أكبر البذاءات كما كان انتهاكا للجسد أيضا ولكن على نحو استعراضي هذه المرة .. امتزج الألم مع الخجل والشعور بالعار وبكونك مضطرا لإظهار ضعفك وبؤسك الشخصيين أمام رفيقك لم يخطر لنا عندها أن العجز عن الدفاع عن النفس كان عذرا كافيا كي لا نشعر بالعار .. لم نكن نشعر أن كوننا مكبلين ومقنعين يمكن أن يخفف من وطأة إحساسنا بالعار .." .

 

-       ليلى : منفّذ التعذيب يتم شحنه بفكر معين وعواطف وأحقاد خاصة ، يشعر معها أنه يؤدي خدمة خاصة للسلطة التي يحترمها أو يخافها أو يهابها أو للإيديولوجيا التي يؤمن بها وهذه السلطة هنا هي الحكومة أو الحزب أو الطائفة أو الجماعة ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " شهور طويلة من القمع المدمر وتفتيش الزنزانة والعقاب والأعمال التعسفية .. كانت الوحشة التي تمارس في السجن ضد الأفراد مضاعفة لأنه كان سجنا عسكريا ليس لأن وجود الجنود في السجن العسكري يجعل حياة السجناء مستحيلة ؛ بل لأن الفظاعة والقسوة هي شرط العسكري ولأن العسكر ألفوا قهر البشر منذ بدء التاريخ فقد أصبح التعسف نظامهم حيث ما من طريقة لمعرفة ما إذا كانت الأوامر ستنفذ دوما في أي لحظة تحت أي ظرف فوحده التعسف يمكنه البرهنة على صلابة النظام وهذا كله يضاف إلى القسوة التي تتعرض لها المجموعة ووحشية الضباط الذين تم تأهليهم في قاعات التعذيب والذين لا يرون في أجساد الآخرين إلا مادة للقهر والإخضاع يكمل جو السجن .."

 

-       ليلى : لعل هذا الكم الهائل من التعذيب الجسدي والقمع لحرية الإنسان وإهانة كرامته كلها تجعل الروح المثقلة تتكئ على السخرية .. السخرية من كل شيء وكأن هذا الاستخفاف بالحياة بكل ما حولنا يبرأ الجرح المثقوب في كيانك كإنسان ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " السخرية طريقة لرؤية الذات تساعدك على ألا تحسب نفسك شيئا وألا تصاب بالجنون فلكي تقضي ساعات وساعات في الوحدة وأنت تكتب لابد من أن تصدق نفسك بقوة عليك أن تعتقد أن بإمكانك قول شيء ما وأن لديك شيئا ما تقوله للآخرين وأنك تمتلك أيضا من الأدوات ما يمكنك من القيام بذلك وحدها السخرية إذن تنقذ من الجنون والغرور الفاحش .." .

 

-       ليلى : افهم أن السخرية أسلوب نافذ لضخ روح المناعة من الجنون أو لتفتيت لعنة الوحدة التي أحاطت عالمك ككاتب سجين ..

 

-       كارلوس ليسكانو : " إن السخرية تمنحك نظرة للعالم من الأعلى وتحميك من أن تصدق نفسك على عكس الآخرين الذين يميلون إلى تصديق أنفسهم ثم تمضي باحثا عن ملاذ .. عن حماية .. عن قليل من الدفء مثل الآخرين .. لا يجد الفرد خلاصا لكن لا وجود للخلاص أصلا كما نعرف منذ البداية وذلك هو واقع الكاتب كبيرا كان أم صغيرا ؛ لأن نضاله من أجل أن يكون يقوده على نحو مستمر من العظمة إلى البؤس .." .

 

-       ليلى : الكاتب مناضل .. يناضل من أجل غايات كثيرة ولعل أعظم نضالاته تكمن حول الحرية خاصة إذا ما كان حبيسا ولكن هل من الممكن أن تكون الحرية عبئا بعد امتداد زمن يقضيه الإنسان في بقعة يقرر عنه الآخرون كل شيء حتى أدق الأشياء الحميمية .. هذا يذكرني شخصيا بالزنوج حين نقلت لهم لجان حقوق الإنسان في أمريكا أنهم أصبحوا أحرارا وأن عصر العبودية ولىّ إلى الأبد ولهم حرية كاملة في فعل أي شيء في الحياة ولكن البعض منهم رفض هذه الحرية بل فضّلوا أن يبقوا عبيدا مقابل حفنة من طعام ..!

 

-       كارلوس ليسكانو : " خلال السنوات الثلاثة عشرة التي قضيتها في السجن ، كان كل شيء ينقصني .. هناك لم يكن الواحد منا يحتفظ حتى بشَعره .. ذات يوم استعدت حريتي وبدأت المشاكل فأن تكون حرا يعني أن تختار عند كل خطوة وفي كل يوم وأمام كل موقف ؛ لأن الحرية هي أن تضطلع بالمسؤوليات وهنا يمكن أن يصل بنا الأمر إلى الحنين إلى ذلك الزمن الذي كنا فيه محرومين منها إلى تلك الراحة التي كنا نعيش بها حين كان الآخرون يقررون بالنيابة عنا وعندها يبدأ كل شيء من جديد ، لأن الحرية هي بناء فردي طويل وشاق .. يتطلب كثيرا من الوقت والجهد والمعاناة لأننا نكون أحيانا أو حتى في كل لحظة على استعداد لأن نتنازل عنها من أجل أن نسلم أنفسنا إلى مؤسسة أو فرد أعلى يرينا الطريق ويشير علينا الحقيقة ويقول لنا أين الخير وأين الشر .."

 

-       ليلى : لكن تظل الحرية هي ربق الروح الناقصة .. تظل الحرية غاية النضال العظمى الذي يخوضه الإنسان في حياته ..

 

-       كارلوس ليسكانو : النضال من أجل الحرية لا ينتهي أبدا ، ففي كل لحظة وعند أقل غفلة يأتي أحد كي يحاول إخضاعنا .. يجب أن نكون حذرين طوال الوقت وهذا هو الأصعب .. الأدب هو أو يجب أن يكون هذا المزيج بين الحياة والانعزال بين الهذيان والتفكير بين السخرية والقلق .. نشوة أن أكون أنا .. ذلك الذي أعرف أن أكونه وأنا مستلق على فراشي وانظر إلى السقف فأرى وجهي .."

 

-       ليلى : كارلوس ليسكانو لعلك اليوم مدين لكل آلامك وأوجاع الحبس الطويل لثلاثة عشر عاما قضيتها في بقعة مظلمة مبللة برطوبة الخوف وامتداد الوحدة وجرح العزلة في تشكيلك ككاتب معروف له وزن .. روائي من طراز رفيع حصدت رواياته عدة جوائز .. ما شعورك تجاه هذه الشهرة العظيمة ..؟

 

-       كارلوس ليسكانو : " حين نبدأ في البحث عن كيفية أن نكون أكثر شهرة من غيرنا نكون قد ابتعدنا كثيرا عن البدايات حين كان الفن وسيلة للبحث عن معنى اندهاشنا لوجودنا في هذا العالم .."

 

-       ليلى : الله .. الله .. عاجزة أنا عن وصف قامتك كمبدع .. مبدع حتى النخاع .. حتى قلب الكلمة  وروح الإنسان ..!

 

-       كارلوس ليسكانو : " نهوضك ذات أحد خريفي الساعة السابعة صباحا وريّك النباتات ودخولك إلى بيتك والخروج منه هو أيضا فعل إبداع .."

 

-       ليلى : كارلوس ليسكانو .. شكرا لكل ظروف الإبداع .. القمع .. النضال .. السجن . الإنسانية . الجمال التي جمعتني بك .. بمعنى أعمق ممتنة أنا كالعادة بـــ" حدسي " الذي قادني نحو كتابك الأروع " الكاتب والآخر " .. ممتنة .. ممتنة

 

-       كارلوس ليسكانو : " إن M  هو من ابتكرني وقد ابتكرتني في الظلمة " ..

 

-       ليلى : وممتنة لـــ" M " خاصتك بلا شك .. رفيقك الأوحد في ظلمات السجن ..!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 _ الحوار الافتراضي : إجابات الروائي كارلوس ليسكانو من كتابه " الكاتب والآخر " من إصدارات دار كلمة للترجمة ، الطبعة الأولى 2012م .. ترجمة نهى أبو عرقوب ..

 

2 – حركة التوبمارو : هي حركة تحرر ثورية يسارية اعتمدت النضال العسكري وحرب العصابات أهدافها بين العامين 1960م و1970م ويعود اسمها إلى " توباك أرمو " الهندي الذي قاد واحدة من أهم ثورات ضد الإسبان في العام 1780م في مملكة البيرو سابقا ..

 

 
ليلى البلوشي

الاثنين، 11 مارس 2013

125 جنيها لزياد الرحباني أم لعيالي ..؟!


 
 
125 جنيها لزياد الرحباني أم لعيالي ..؟!

 

الرؤية / العرب

 

اعترفت لي صديقة مصرية ذات مرة أن الشعب المصري يتغلب على ثقل الحياة ومتاعبها بخفة النكت اليومية التي يفرقعها في كل موقف التي أصبحت تتداول من جهاز هاتفي إلى آخر ، وإذا ما عبر يوم بلا زخم النكت فإن أمرا مهيبا و لابد قد عكّر مزاج الشعب المصري ..!

وهذا ما لمسته بنفسي في زيارتي لأم الدنيا حيث تشعر برغم الزحام المكتظ من البشر والأصوات والروائح إلا أن خلف كل تلك المظاهر تربض روح الخفة بقوة كروتين طبيعي في حياة كل مصري ، وفي ظل هذه الروح المحلقة بالخفة تقابلك روحا أخرى رفيقة لها مزدحمة بمتاعب الحياة وهمومها اليومية والتي تضاعفت تأثيراتها وحساسيتها مع ثورة الشعب المصري حيث تعانقت كافة الحواس التي أنعم الله بها عليهم لتصدي جبروت حكم دام ثلاثون عاما ، هذا الحكم الذي سقط ولكن لم تسقط متاعبه وفوق هذا وجد المصريون أنفسهم داخل جلباب حكم إخواني إسلامي يأمرهم بالطاعة العمياء تارة ويوعدهم بالديمقراطية ويمنيهم بالليبرالية وحكم مدني تارة أخرى .. وجدوا أنفسهم متورطين في داخل أزمة تناقض فاغرة وتحت ظل نظام غايته المثلى السيطرة عليهم ولفهم في جلباب المرشد الأعلى الذي وللآن لم تحقق ولا شبرا بسيطا من أحلامهم التي منوا أنفسهم بالحصول عليها بعد ثورة شهدها التاريخ بأنها عظيمة ..!

ولا يمكن أن ترى وجه مصر الحقيقي سوى في شوارعها التي تقطعها بقدميك أو بسيارتك الخاصة فتتكشف الحياة عن وجهها الحقيقي بلا رتوش حيث كل من في الشارع يعمل مهما كان عمره طفلا أو شابا أو عجوزا ويتحقق لنا وجه المساواة على بلاطة الواقع بلا عقد والتي ترتفع أوراها في بعض المجتمعات حيث يشترك الجنسين الرجل والمرأة لكسب قوتهم اليومي بأعمال نفسها يقوم بها الرجل وتقوم بها المرأة جنبا إلى جنب ، فالفقر لا يعرف عقد المجتمع ولا يؤمن بعقد رجال الدين الذين تثرثر خطبهم عن واقع لا يلامس الواقع الفعلي ..!

حين كنت صغيرة لامست جزءا من صعوبة الحياة عند زميلات الدراسة المصريات في المدرسة ، فقد كن غالبا بلا مصروف وفي أثناء فسح المدرسية كنا نحن بقية التلميذات نجري لنلملم ما يبيعه المقصف من أطعمة متنوعة ولكن الشلة المصرية كانت الوحيدة عادة التي تأتي بطعامها من البيت ويتشاركن في الأكل فكانت النظرات تحدق فيهم شذرا أو ترشقهم بالبخل فقد كان إحضار الطعام من البيت إلى المدرسة يعد فعلا معيبا في مجتمع مرفّه ، فيا للجهل والجفاء الذي كنا فيه والذي فصلنا عن فهم ظروف حياة غيرنا من الناس في جزء من هذا العالم ..!

و أشق وجه من وجوه الحياة في مصر حين تعبر شوارعها فتصادف عبر كل تقاطع وتصدمك عبر كل مسافة أطفالا صغارا يبيعون ما لا يخطر ببالك حتى ، فمنهم من يبيع محارم ورقية ومنها من تبيع ورودا ذابلة أو حزمة من النعناع قد جف عوده وتآكلت أطرافه ، وآخر يفترش الأرض مع ملابس رخيصة أو يحمل بين يديه صفا طويلا من الكتب الثقيلة التي تكون أطول من قامته وأثقل من وزنه ، مما اذكره طفلا صغيرا مر عبرنا ونحن جالسين في مقهى الفيشاوي ، فاستوقف اهتمامي بكامل حالته المتعبة كما استوقفني انتقاؤه لمشتريه فمن يشتري الكتب سوى أصحاب البذلات الأنيقة في زمن شاق كزمننا يطالب بعيش كي يستمر في الحياة وهنا تتأمل نفسك وأنت ترفل في ملابسك الأنيقة بمدى نعمة التي أسبغها الله عليك حين منحك ما يشبع بطنك لتجد من الفسحة والطاقة والبال ما يشبع عقلك ..!

لفتت كتبه نظري فانتشلت من محموله كتابا ثقيلا وهو المجموعة الكاملة للشاعر مظفر النواب وكنت سأمنحه السعر الذي يشاؤه عن الكتاب خاصة بعد أن قرّب يديه مني وطفق يشكو بصوت معبأ بحزن العالم البشع : " انظري إلى أصابعي كيف هي متشققة ومجروحة وملتهبة من حمل الكتب " ولكن أحببت أن أجادله قليلا في مسألة البيع والشراء كي أجس نبض خبرته و بعد أخذ وعطاء معه وجدتني أمام قامة مسؤولة رغم أعوامه العشر .. شعرت أني أمام رجل يجيد فن السوق لا صبي صغير يحلم بالحلوى ، وقد حز ذلك في نفسي ورحت استعرض فلسفات روحي عن ضياع أجمل أيام حياته بل أروع مراحلها " الطفولة " بسبب الحياة القاسية التي اضطرته للعمل في سن لم نكن نحن نحلم فيه سوى بالحلوى وبيت من الشوكولاته وتضاعف حزني حين استحضر ذاكرتي في الوقت نفسه عبارة للروائي المصري " نجيب محفوظ " عندما رأى في أحد هذه الشوارع نفسها طفلا يبيع الحلوى فعلق يومئذ بأسى : " أحلام الأطفال قطعة حلوى وهذا طفل يبيع حلمه ..!"

استحضرت عبارته وترحمت عليه وأنا على بعد خطوات من مقهى الذي كان يجالسه باستمرار .. في المقهى الذي كتب فيه سيل حكايات الحارات وشخوصها التي توجّته نوبل .. المقهى الذي أصبح يتاجر باسمه وبعالميته في خان الخليلي ..!

وأنت في مصر تذكر أن تضع لباس ولهجة وعادات بلدك خلف ظهرك وإلا ستدفع أضعاف ما تدفعه في بلدك ، وهذا أمر قد تجده نوعا من الاحتيال ، ولكن قد يغفره قلبك الطيب حين ترى وراء هذا الاحتيال رجل عاطل والشارع بيته وأسرته الكريمة فتسقط غضبك وتكتفي بلعن " ميكافيللي " في جزء من قلبك الشرير ..!

ولكن إن كنت سابق خبرة وبمجرد هبوط طائرتك في أرض مصر أصبحت بدورك مصري اللباس واللهجة والفؤاد فلن يجرؤ أحد أن يحتال عليك فأنت ابن بلده والحال - زي بعضوا - وهو أسلوب قد ينجح فيه الخليجي والعربي ولكن لن يفلح فيه بتأكيد الأوروبي أو الآسيوي الياباني والكوري ؛ فالشكل هي الهوية التي تفضحه وبالتالي تفتح شهية المصري للاحتيال عليه.. وتصادف أن دخلت في جدال وديّ مع بائع مصري في خان الخليلي حول بضاعة وجدتها بأسعار مبالغة فهمس لي كمن يلقي سرا : لو كنت خواجايه لرفعت الأسعار ولكنك مصرية بنت بلدي ..!

جلّ المواقف التي مررت بها لم تكن تخلو من روح الفكاهة المصري حتى وهو يؤدي خدمة أو على رأس وظيفته أو يطلب صدقة أو إحسانا ، حتى وهو يندب حاله بصوت الأسى أو لصديقه أو لأي عابر يفتح كامل حواسه لهمومه ، ولكن حين أعلن المصريون أن حفلا سيقيمه الفنان اللبناني " زياد الرحباني " الذي تقرر عقده في الحادي عشر من شهر مارس المقبل بقاعة النهر في ساقية عبدالمنعم الصاوي في الزمالك وذلك في إطار الدورة الثانية لوقائع مهرجان القاهرة الدولي للجاز ، وقد حددت إدارة ساقية الصاوي أسعار التذاكر للأعضاء ولغير الأعضاء بمئة وخمسة وعشرين جنيها ، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها سعر التذاكر في الساقية لهذا الرقم، حيث لم تتجاوز أسعار التذاكر من قبل الأربعين جنيها ؛ في هذه الحالة أرخت الفكاهة وجهها حيث نقل المصريون والمصريات على موقع التواصل الاجتماعي " تويتر " للفنان " زياد الرحباني " نقلوا له محبتهم ورغبتهم الكبيرة لحضور حفله قائلين بجدية حال لا يحضره الفكاهة : " احنا عايزين نحضر حفلتك بس 125 جنيه نجيبها منين .. يدوب نقدر ندفع 20 جنيه خاصة بعد ارتفاع أسعار معظم الأشياء في مصر.."!

يبدو أن كل شيء في مصر قابل للارتفاع ؛ فعدد الشعب يرتفع ، وعدد ضغط النفسي يرتفع ، وعدد الفقراء يرتفع ، وعدد العاطلين عن العمل يرتفع فأكثر من نصفه عاطل عن العمل رغم أن هذه المفردة لا وجود لها في الشارع المصري ؛ فالمصري و هو واقف يعمل وهو جالس يعمل وهو يتكلم يعمل وهو يأكل ويشرب ويتثاءب يعمل لأنه لو لم يفعل ذلك ولم يعمل على أربعة وعشرين ساعة فلن يجد قوت عيشه ، وهنا استحضر امرأة كانت تحمل طفلا ظهرت عليهما كل مظاهر الحياة المعدمة دنت من أختي بصوت يئن : " والنبي يحرسك ويديك مناك اديني نص قرش بس لابني ثمن العيش عشان نمشّي اليوم ده  " ..! هؤلاء الفقراء المعدمين الذين يعيشون يوما بيوم ماذا يطلبون من الحياة سوى " العيش " .. عيش حاف بلا مظاهر الفخفخة والبذخ ..!

ووفقا للحكومة المصرية وصل عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في العام المالي 2011م – 2012م إلى حوالي 25,2 في المئة من أصل 83مليون مصري مقارنة بــــ 21,6 في المئة خلال العام المالي 2008م-2009م ..

فمن يحضر حفل الفنان " زياد الرحباني " سوى أصحاب البذلات الأنيقة كالعادة ، أما بقية الشعب المصري سيستعير كلمات الفنان ويعزي حاله بها : " أنا مش كافر بس الجوع كافر/ أنا مش كافر بس المرض كافر/ أنا مش كافر بس الفقر كافر و الذل كافر/ أنا مش كافر لكن شو بعملك / أذا اجتمعوا فيي كل الإشيا الكافرين / أنا مش كافر".

ليلى البلوشي