الاثنين، 25 مارس، 2013

" بلاش يا بيه .. خليها عيّ المرة دي " ..!


 
 
" بلاش يا بيه .. خليها عليّ المرة دي " !

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب

 

ومن الظواهر التي تفاجئك لوهلة في مصر أن في كل خطوة عليك أن تدفع أو يُدفع لك وهذا يعتمد على شطارتك أولا وعلى وضعك الاقتصادي ثانيا ..!

تدفع أنت حين تكون زائرا أو بالمعنى اللطيف سائحا ويُدفع لك حين تكون ابن البلد وعلى رأس وظيفتك ، ففي مصر عادة الموظفين تلتهم التزامات الحياة اليومية رواتبهم التي هي أصلا قليلة ، ولا تراعي ارتفاع الذي يسود احتياجات الحياة يوما بعد يوم وتطور وسائل ممارستها والتعاطي معها ، ولهذا الموظف عليه أن يلهم وسائل عيشه من مبادئ ميكافيللية في بعض من الأحيان ؛ فلكي يعيش عليه أن يجد غايات تبرر وسائله ..!

وهذا أمر يجري على معظم الشعب المصري ولمن له وظيفة حكومية دائمة أو من هو عاطل عن العمل الحكومي ومقطوع من اهتماماته عليه أن يجد له عملا يوميا مهما كان هذا العمل ونوعه ، فمرة هو منظم للسيارات أمام المحال التجارية ، ومرة هو بائع صحف أو دليل سياحي وهلم جرا .. وكل هذا في سبيل توفير لقمة العيش مقابل خدمة يؤديها لك ولا يحدد مقابل الطلب بل يضع ذلك لكرمك معه ، فقد تدفع له جنيها أو خمس جنيهات يرجع ذلك لحالتك الاقتصادية غالبا أو حالتك المزاجية أو حالتك الإنسانية حين تترفق لطفل صغير يمد يده أو طفلة بيدها زهرة ذابلة وهي تطرق على نافذة سيارتك وترفع اصبعا صغيرا يرجو نصف جنيه أو جنيه ويحدث أن تدفع لها دون أن تعطيك شيئا مقابل ما دفعت كي توفره لدافع آخر ، ويحدث أيضا أن تعطيك مقابل ما دفعته تلك الزهرة الذابلة تحتفظ بها كذكرى أو ترفض أخذها كي تجد لها دافعا آخر يشتريها ..!

ولأطفال مصر حكايات وهو رجال وبنات المستقبل بحق ، خبروا عضة الحياة ووحشيتها مذ طفولة الروح والقلب والعقل فعادة البراءة والدلع المفرط الذي نجسه عند أطفالنا وفي دولنا هو غائب عن الطفل المصري الذي أزاحت عن روحه البراءة عن عمد كي يجاري سوق الحياة ..

ومما اذكره طفلة صغيرة دنت مني وفاجأتني بطلبها : " ممكن أي قطعة نقدية تديني إياها كذكرى من بلدك " فبحثت في حقيبتي ولم أجد سوى بضع دراهم لم أصرفها إلى جنيهات مصرية فقدمتها لها وحين تأملتها قالت لي بجدية صارمة : " مش عايزاها دي ما تتصرفش في محل الصرافة أدام هناك ، إديني أي حاجة من بلدك ورق مش معدك  عشان الصراف يقبل يصرفها لجنيه مصري " ..! قالت ذلك عن خبرة وافية وهي تشير للصراف القريب من موقف سيارتنا حيث تقف ..!

رغم أني سمعت حكايتها إلا أنها قهرتني بروحها الطماعة التي رفضت حتى جنيهات المصرية المعدنية فلم أمنحها شيئا ووجدتها وهي تعبر من أمامي إلى عابر آخر في الشارع تملي عليه الكلام نفسه الذي قالته لي بالضبط .. ويبدو أن الرجل انقهر منها مثلما انقهرت ، لكنها لم تنسحب من أمامه بل سحبته إلى محل للحلويات وهي تشير عليه إلى الحلويات التي تريده أن يشتريها لها من المحل ..!

ولكن يجب أن أشير أن الروح المصرية لا تطلب شيئا بلا خدمة يؤديها لك مهما كانت صغيرة أو كبيرة ، وعادة كبيرات في السن يبخرونك بكم هائل من الأدعية التي ترخي روحك العطوف وتفتح شهيتك الكريمة وحماسك المفرط لتدفع لها مقابل سيل الأدعية التي أحاطتك بها حتى وإن كان دعاء في غير محله .. حتى وإن دعت أن تتزوجي الرجل الذي يجلس بجانبك أو الفتاة التي تجلس بجانبك وأن تنجبا " درزن " من التوائم ليسعد قلبيكما العاشقان وأنتما في النهاية خالة وابن أخت .. لكنها عوز الحياة ..!

إنها الحاجة التي تدفع المعوز في كثير من الأحيان إلى أن يسعى لوسائل أو أن يطرق على أبواب أو يمارس سلوكا ليس من الضروري أن يكون راضيا عنها أو تكون جزءا من سمات شخصيته ، والحاجة أم الاختراع كما يقولون ، لهذا لجأ المصري إلى اختراع عبارة لفتت نظري كثيرا وسمعتها كلما أدوا خدمة لي أو لغيري ، كلما أكلنا من مطعم أو مقهى .. كلما اشترينا من بائع أو بائعة .. عبارة تقول : " بلاش يا بيه .. خليها علينا المرة دي .." ..

وكنت أتساءل كما أتصور أن كثيرون غيري سألوا أنفسهم مغزى هذه العبارة التي يطلقها الإنسان المصري البسيط مقابل خدمة يؤديها ومن محاسن الصدف أن كتاب " رحلتي الفكرية " للمفكر المصري " عبدالوهاب المسيري " قد تناول هذه الظاهرة في الجزء الأول من هذا الكتاب الذي يلقي ضوءا دافئا على سيرته ، حيث اعتقد أن هذه العبارة عبارة عن نوع من " النفاق " ولكنه مع الأيام أدرك عمق هذه العبارة وتأمل مغرى الإنسان المصري وذلك من خلال خادم كان يعمل لديه وكان يرددها كثيرا ، فحسبما تفسير المسيري يرى أن واقع العبارة تعني : " برغم أنني أعمل خادما عندك وأدخل معك في علاقة تعاقدية فإننا من الناحية الإنسانية متساويان ولابد أن ندخل في علاقة تراحمية تتجاوز عمليات التبادل الاقتصادية (خدمات مقابل نقود ) لكل هذا لا داعي لأن تدفع النقود لي هذه المرة " ..

بالنسبة لي وجدت أن هذه العبارة تترك أثرا طيبا في روح الإنسان الذي يؤدي خدمته ، كما أنها تكسر حاجز الفوقية وتحطم جدار العوز ، و تجعل الآخر يدفع عن طيب نفس وكرم مفرط ربما ..

ما أروع التراحم في مجتمع كبير كالمجتمع المصري ، فهذا التراحم يرفع عن أرواحهم المثقلة بمشاغل الدنيا وهمومها ومتاعبها ويخفف عنهم عبء العوز ..!

 
ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق