السبت، 28 يناير، 2012

كائنات تحت الصفر ..!






كائنات تحت الصفر ..!







جريدة الرؤية العمانية ..




أن تغدو فردا في وطن ، لك ما للآخر من جسد موصول بعقل وقلب وشرايين دموية ورئتين لضخ الأكسجين وكبد وطحال ... لك ما للآخر تماما ؛ لكن إنسانيتك ليست كإنسانية الآخر؛ فأنت مجرد كائن تحت الصفر ، لا تملك أساسيات العيش كأي بشري سويّ .. تأت إلى الحياة بلا شهادة ميلاد وتغادرها إن طال بك العمر المرير بلا شهادة وفاة ، بل أنت كائن خارج قانون التملك فلا يحق لك بامتلاك منزلك الخاص ؛ ولا يحق لك كأي كائن أن تحلم ببناء أسرة وأطفال محلقين حولك ينادونك بابا ، ليست لديك رخصة قيادة ولا شهادة تعليمية ولا بطاقة صحية ولا وظيفة تشعر من خلالها بكيانك ، وحبيس في سجن كبير يدعى وطن ولدت وشاخت تفاصيل حياتك فيه ولكنه لا يعترف بوجودك ولا حقوقك ولا إنسانيتك كل هذا وأوجع ؛ لأنك كائن لا تحمل ورقة تدعى " هوية " أو كما يحلو للبعض " جنسية " ..!




ياللعار ، هل غدت الأوراق هي التي تحدد إنسانية الإنسان ، هل بمجرد عدم امتلاك الإنسان تلك الورقة مبرر لوضعه في مرتبة كائن خارج حدود الحقوق الإنسانية ..؟! بالمعنى الأعمق بلا أحلام ولا طموحات ولا تطلعات فقط كائن يحيا في ترقب أبدي طال أم قصر ؛ لتهبط عليه رحمة ممن يملك زمام القرار وتلك الرحمة وحدها تحيل حياته إلى جنة خصبة على الأرض ، ولكن إن اعتكفت تلك الرحمة عينها فجحيم وساء سبيلا ..!




هذه الكائنات متواجدين في " الإمارت " و" الكويت " وعلى أقل وطأة في " السعودية " ولفيف هنا وهناك ؛ الألقاب التي تحملها هذه الفئات أشهرها " البدون " وبعض الدول استحدثت مصطلح " عديمي الجنسية " ثم تسمية " لا يحمل أوراقا ثبوتية " ..!




في الإمارات قبل قيام الاتحاد وجدت قبائل لا تحمل جنسية ، ولكن مع قيام الاتحاد معظم تلك القبائل قدمت طلب الحصول على الجنسية والبعض تراخى ؛ لأن في ذاك الوقت لم يكن الوعي الشعبي عميق ولم تكن تلك الإنسانية في تلك الحقبة تعي أهمية أن يكون للمرء ما يدل على انتمائه إلى أرضه ؛ ولهذا بعض تلكم القبائل إلى اليوم لا تحمل أوراق هويتها هذا من جانب ومن جانب آخر ضمن هذه الفئة تداخلت مشكلة البدون الذين يندرجون تحت أقسام عدة ، فمنهم من يمتلك جواز سفر ومنع من تجديده ، ومنهم أبناء المواطنات المتزوجات من غير المواطنين ، ومنهم من أقام في الدولة قبل الاتحاد وليس لديه أوراق ثبوتية ، وآخرون تسللوا إلى الدولة في التسعينيات واخفوا جوازاتهم ..




أحوال البدون في دولة الإمارات تكاد تكون متأرجحة ، بل تتفاوت من إمارة إلى أخرى وبعض الإمارات منحت فعلا بعض البدون جوازات ولكن دون جنسية لأن الجنسية خارج اختصاصها ، ولكن تلك الجوازات التي تم منحها وقف إصدارها لأسباب غير معروفة ، ثم تجلى قرار منح جنسية وجواز لفئة من البدون ممن عاشوا في الإمارات قبل الاتحاد وأعمارهم تفوق 35 سنة ، وهنا استبشر البقية وظلوا على أمل صدور قرار يعترف بوجودهم الإنساني ، ولكن الآمال ما تزال مترنحة مذ ذلك الحين وطال الانتظار وتعطلت الأمور واستصعبت طرق العيش بلا وظيفة ولا رخصة قيادة أو علاج للأبناء أو تعليم وتعقيد عقود الزواج والطلاق وغيرها ، وبعد هذا الوضع المترنح ظهر على حين فجأة منذ فترة قريبة قرار جديد يطالب كل فئات البدون في دولة الإمارات بما يسمى بـ" تحسين الوضع " وذلك بإصدار جواز دولة " جزر القمر " ويقال إن الإمارات منحت حوالي 250 مليار دولار لهذه الدولة ؛ كي تمنح جوازها لفئة البدون والحسبة هي خمسين ألف درهم عن كل رأس ..!




وكانت الخيارات صعبة ؛ فإما حصول على جواز دولة جزر القمر أو فصل من الوظيفة ، اليأس والإحباط والخوف من فقدان لقمة العيش هي أهم الأسباب التي دفعت معظمهم إلى الرضوخ للأمر ، أما كبار السن فكانت فريضتي الحج والعمرة هما أهم سببين لإصدار جزر القمر من أجل تحقيق حلم الحج إلى بيت الله خاصة بعد فقدانهم بارقة الأمل في الحصول على ورقة لا تمنعهم مغادرة حدود الوطن ..!




والحق يقال أن أحوال البدون في فترة ما قبل أواخر التسعينيات كانت جيدة وعوملوا كمواطنين في الإمارات حيث وفرت لهم الدولة المدارس والصحة والوظائف ومنحت بعضهم الجنسية ، ولكن ربما عندما تكاثرت هذه الفئة وتفشت وجاء كل من هبّ ودبّ وأخذ يسمي نفسه البدون هو ما كان وراء وقوف كل تلك المنح دون إسقاط مسؤولية الدولة في تفشي ظاهرة البدون مع الزمن ؛ حيث كان عدد البدون في البدء ضئيلا ثم مع مرور الزمن تكاثروا إلى عشرة آلاف واليوم يفوق أعدادهم المئة ألف ..!




ولأن أحوال البدون في الإمارات متفاوت من إمارة إلى أخرى ؛ فهم أفضل حالا من بدون الكويت ؛ فحالتهم الحرجة جدا هي التي حشدتهم في مظاهرات لضخّ حقوقهم الإنسانية في أرض لم يعرفوا غيرها منذ أمد طويل ، وهذه الأصوات المتجمهرة حصدت حصيلة احتشادها في الكويت ؛ فمن فترة قريبة أعلن وزير الداخلية الكويتي الشيخ " أحمد حمود الصباح " عن منح بعض فئات البدون الجنسية وحددهم بأربع شرائح هم العسكريون والذين يثبت وجودهم في الكويت أثناء إحصاء 1965م ، إضافة إلى أقرباء الكويتيين وأبناء المطلقات الكويتيات ..




أما دولة الإمارات فمع احتفالات الأربعين لاتحاد الإمارات السبع ؛ صدر مرسوم من رئيس الدولة بتجنيس أبناء المواطنات بدءا من سن 18 ..




هذه الخطوات مباركة وجيدة دون شك من قبل الدولتين ؛ ولكن ماذا عن الفئات الباقية سواء في الإمارات أو الكويت ..؟! هل ثمة أمل في تجنيسهم مع مرور الزمن ..؟ هل ثمة حلول فعلية لإغلاق ملف البدون ..؟ ومتى سوف يحين ذلك ..؟!




استفهامات حاشدة في زمن الحريات والمطالب والعدالة وحقوق الإنسان ؛ إن أبسط حقوق الإنسان اسم ووطن وجنسية ؛ ليشعر بمعنى الانتماء ويتطور منها إلى انفعال أعمق وأشدّ أهمية هو الشعور بـ" الأمان " ..!




حكاية شائكة ولا سبيل للهرب منها أو تنحيها جانبا دون حل ؛ ربما تكون هناك فئات عربية غدت من فئة " البدون " بين يوم وليلة ، وربما هناك آباء كانوا يحملون وثائق ثم تخلوا عنها أو أتلفوها أو كانوا متسللين في التسعينيات ثم أخفوا جوازاتهم ، ولكن المرارة والوجع وغياب أبسط الحقوق الإنسانية تحملها الجيل الجديد اليوم ، فهم ضحية آباء أو أجداد لم يعوا أهمية الجنسية أو هوية أوطانهم السابقة ، وضحية دولة سوّفت القضية حتى تضخمت وأصبحت متجذرة ..!




فكل التسويفات والمظالم الواقعية سقطت كقذيفة على هامة الأجيال الحديثة التي لم تشخص أعينها سوى الأرض التي ولدوا عليها ، ولم تشتم أنوفهم سوى أكسجينها ، ولم تمش أقدامهم سوى على رمالها ، إنها أزمة إنسانية عويصة تحتاج إلى حل فعلي وصارم ؛ دون التلاعب بفئة عريضة من البشر الذين أشجبوا أمالهم وأحلامهم على أمل شاخ مع مرور عبء الزمن ، كل طفل من البدون اليوم يكبر ويسأل بصمت . بصخب . بهدوء . بانفعال – مهما تفاوتت الانفعالات السؤال – يظل مندفعا من حنجرة متشظية بوجع مرير : من أنا ..؟!




امنحوا هؤلاء الأبناء الذين عجنوا من تراب أوطانكم ، هذا الجيل الجديد عبارة عن طاقات هائلة ، وهم صنيع أرضكم وليست أرضا غريبة أو مهجرّة ، هم ثروة لا تقدر بثمن ، امنحوهم مفتاح الأمل والطموح وأحلام تثمر أول ما تثمر في دياركم ..




ارحموا إنسانية كائن تحت الصفر في زمن حتى الحيوانات غدت لها حقوق في الهوية والتوريث والعلاج والصحة وترف الحياة وكفى ..!







ليلى البلوشي










الأربعاء، 25 يناير، 2012

أموات في قناني معبأة بالغاز ..!












أموات في قناني معبأة بالغاز ..!*










نشر في جريدة الزمن العمانية ..







أربع قامات أدبية ، كانت كتاباتهم أشبه بنبيذ فاخر تسابق متجرعوها للاحتفاء بها نشوة اللذة الأبدية ، بعد أن رجحوا هم قبضة الفناء الجسدي لأبدية الروح ..




قيل عنهم الكثير وما يزال شلال الكلام يفجر الصخر تراتيل أمجاد ، والأكثر دهشة أن أربعتهم كقوائم منضدة مربعة ، تخيروا الطريقة عينها لإسكات النبض قبل ميعاده ؛ وكأنها دعوة إلى مأدبة وداعية : الموت انتحارا باستنشاق الغاز ..!




هذه الطريقة بعينها دون غيرها من طرق الموت المتعددة .. وحيدين غادروا ، بكل صمت ، بكل قسوة ، حاملين معهم أجسادهم المعبأة بالربو ، وتاركين خلفهم أدبا يضوع كماسة لا يأفل بريقها أبدا ..




والكتابة هي المنتصرة السرمدية في صفقات الموت تلك ، التي ترسي مرساتها في كل وداع لتعود منتشية بخلودها ، شامخة تشاكس الريح ذاته عبر قرون مديدة ، بعد تلويحة مختصرة لمشيعيها ، وبدأب مفرط لروح لم تخلق لتكل ..







* * *




" 1 "







" سيلفيا بلاث "







" لدي مثل القطة تسع محاولات لأموت " ..







هي شاعرة أمريكية ، ولدت في بوسطن ( 27 / أكتوبر / 1932 م ، 11 / فبراير / 1963م ) .. في الثامنة من عمرها فقدت بلاث والدها ، هذا الأب الذي ربطت غيابه بغياب الحياة نفسها ، تزوجت من الكاتب الانجليزي " تيد هيوز " بعد علاقة قصيرة وأنجبت منه ولدين ..




لكن سرعان ما انهار هذا الزواج الذي كان محفوفا بالمصاعب ، ولا سيما علاقة " تيد هيوز " بآسيا ويفيل ..




كانت لديها مشاعر مختلطة عن الدين خلال حياتها ، تعرضت أثناء تدريبها في مجلة " موداموازيل " بانهيار عصبي ومحاولة انتحار ، تماشيا مع الرواية التي كتبتها وهي شبه سيرة ذاتية " الناقوس الزجاجي " الذي يحكى عن شاب لامع وطموح في كلية سميث ، والذي بدأ بالتعرض بانهيار عصبي ..




يبدو أن لسيلفيا بلاث تسعة أرواح كقطة مسكونة بالحياة ، فأولى محاولاتها للانتحار أثناء أخذها لجرعة زائدة من حبوب منومة والزحف عن طريق منزلها ، ومن هذه المحاولة أصبحت بلاث ملزمة بالذهاب إلى مؤسسة للرعاية العقلية ، حيث تلقت علاج بالصدمات الكهربائية ..




ولربما لها محاولات أخرى غابت عن صفحات التاريخ وبقيت حبيس عوالم بلاث نفسها .. لكن المحاولة التي قضت على حياة بلاث كليا ، ونقلتها إلى عداد الموتى ، بعد عام من انفصالها عن زوجها " تيد هيوز " الذي تركها من أجل آسيا ويفيل ، تداعى عن ذلك بوضع رأسها في فرن مطبخها بينما الغاز يكتب قصيدته الأخيرة في دم بلاث ..!




هذه المغادرة الأبدية باستنشاق غاز يسمم الدم ، ما هي إلا صك مغادرة منطقية بل أكثر واقعية قدمتها بلاث للعالم الموبوء من حولها ؛ لأن الأكسجين نفذ من حياتها مذ كانت طفلة في الثامنة ؛ فتأثير الموت تمثل لأول مرة في روح أهم شخص في حياتها هو والدها ، والذي خصصت له قصيدة بعنوان " الكترا على درب الأضاليا " حيث يهيم الحزن الاسودادي الملطخ بدم الموت منسابا من حبرها :







" كأنك لم تك يوما / كأني جئت إلى هذا العالم / من رحم أمي وحدها / سريرها الواسع ارتدى ثوب القداسة / مت ّ كأي رجل / فكيف لي أن أشيخ الآن / أنا شبح انتحار شائن / كان حبي هو الذي قاد كلينا إلى الموت " ..







محاولة الانتحار الحقيقية وذلك بإدخال ذاك الرأس المحشو بعفن العالم من حواليها ، بضجة انفصال طلاقها عن زوجها ، بهزيمة اتخاذ الزوج عشيقة أخرى والأهم بذكرى والدها الذي مات ، أرادت بلاث أن تتخلص من هذا الرأس المعبأ بالموت ، لو أنها لم تقضي عليه ، لكانت اليوم من أشهر الموسومين بالجنون قاضية نحبها في إحدى المصحات العقلية ..




فالزمن في حياة بلاث كان مقصورا في الحاضر ويعني لها الأبد ، والأبد في مفهومها يجري ويذوي بلا انقطاع ، كل لحظة هي حياة وكل لحظة هي موت ، وهي المسحوقة تحت ثقل الأزمنة كما عبرت بقولها : " أنا الحاضر ، وأعرف أني زائلة بدوري ، هكذا يرحل الإنسان " .. المستقبل هذا الزمن الآخر المتقدم على الدوام نحو مجهول لا يتسقطه سوى القدر ، كان مقطوع الصلة في أزمنة بلاث التي لم تكن تتحدث سوى عن الحاضر ، حاضرها هي ، ووحده الشعر ، هو المعزوفة الباقية ، أو كما وصمتها بلاث بوصمة الحياة الأبدية باعترافها : " أما الكتابة ، اللحظة الأسمى ، فتبقى وتمضي وحيدة على دروب هذا العالم " ..




كل هذه الأمور والمؤثرات لم تكن سوى سببا جاهزا ، تحل بالنسبة للعالم معضلة مغادرتها الأبدية ..




لأن سيلفيا بلاث ، كانت ميتة مذ هي طفلة في الثامنة من عمرها ، يوم تبدى لها وحشية الفقد في شخص والدها ، طوال تلك السنوات يكبر جسد تلك الطفلة ، لكن الروح وحدها تتضاءل شيئا فشئيا ، كضوء شمعة حتى آخر ذؤابة انطفأ من تلقاء نفسه ، لتضّخ انفجارها في هيئة رسالة إلى العالم الخارجي المحيط بها ، وكأن لسان حالها يهتف : إلى هنا وكفى .. !







" يا سيدي الله ، يا سيدي إبليس




احذرا احذرا




من بين الرماد




سأنهض بشعري الأحمر




وألتهم الرجال كالهواء "







كفت بلاث عن الحياة ، لكن قصائدها الوثيرة لم تكف ، وها هي في كل محاولة قراءة تنهض كما وعدتنا بشعرها الأحمر تلتهم الرجال كالهواء .. !







* * *







" 2 "







" صادق هدايت "







" أحس بأن هذه الدنيا ليست لي .. إنها للمتملقين ، المنافقين ، الوقحين ، النهمين أبدا ، مثلهم مثل كلاب واقفة أمام دكان قصاب تتوق إلى قطعة عظم ترمى لهم " ..







كاتب إيراني ، ولد في طهران ( 17 / فبراير / 1903م ، 19 / ابريل / 1951م ) .




وهي الأرض نفسها التي أنجبت الخيام وحافظ الشيرازي وسعدي وجلال الدين الرومي ، ولد في أسرة من الطبقة الارستقراطية ، وجده لأبيه رضا هدايت المؤلف المشهور الذي عاش في القرن 19 ، لم يكن صادق هدايت راضيا عن حياته الارستقراطية ، وكان يريد الانفصال عن أسرته رغم نفوذ الثراء ، ولم يجد منفذا للحرية سوى في باريس ، فاتجه لدراسة الهندسة المعمارية ، لكن الحياة الباريسية أغوته في عوالمها ، فشحذ كل قواه لقراءة روائع القصص والروايات ..




بدأت أولى محاولات انتحار هذا الكاتب رديف - " كافكا " - في تناول المسحوقين وروحه الكئيبة المضببة بالسوداوية ، في نهر " مارني " فقد ألقى نفسه فيه ، ويبدو أن يد القدر تكفل بإنقاذه من قبل ركاب أحد القوارب .. ويبدو أنها بحد ذاتها كانت هدية من الرب ؛ كي يترك لنا هذا الكاتب معينه الأدبي والفكري ، وتساؤلاته عن الإنسان والعدالة ، وسيرة الموت تحديدا قبل أن يغادر هذا الكوكب ..




حينما عاد من باريس وكان ذلك في عام 1930 م ، التقى بثلاثة من الكتاب سرعان ما أقاموا جماعة أدبية باسم " الأربعة أو ربعة " نسبة إليهم .




صادف عودته أياما عصيبة ، فما بين عامي 1920 و1930 م كانت البطالة والفقر والفاقة متفشية في الشارع الإيراني ، كل تلك الآفات كانت تقضي تدريجيا على الشعب ، ولكن أقل اعتراض كان يخمد بقسوة ، وكانت عمليات الإرهاب التي توجه ضد المكافحين بالقلم ، تكاد تخنق أصوات الناس والكتاب ، ولم يساير هدايت الظلم والضغط والاضطهاد ، ومن أجل أن يتحرر من ذل " التقوقع بين الحوائط الأربعة " سافر إلى الهند في سنة 1936م ، ولكن لضيق اليد سرعان ما عاد إلى طهران ، دون أن يستطيع كتابة شيء في جو الإيراني المتصدع .




وحين زادت عمليات الكبت ومهزلة محاكمة خمسون كاتبا دون وجه حق ، لم يفقد الأمل وقد كتب عنه صديقه " برزخ علوى " مقالة يقول فيها : " كان هدايت رجل مقاومة ومبارزة ، ويعلم أصدقاؤه المقربون ، أنه في أيام الشدة حين تغلب قوى أهريمن " إله الظلام " ، كان يكافح في حماسة وإيثار من أجل تسكين آلام المطالبين بالحرية ، زاجا بنفسه إلى التهلكة " ..




صادق هدايت كان مؤسس القصة الحديثة في الإيران ، صاحب رواية " البومة العمياء " التي ترجمت إلى لغات عديدة ، كثيرا ما زج أبطال قصصه إلى نهايات مأساوية يسطرها الموت ، ويبدو أن معظمها كانت تتحدث سيرة موت هذا الكاتب وأفكاره عنها ، لم يجد بدا من أن يستنشق الغاز الذي طالما كان هواؤه طوال مشوار حياته ..




لقد نبش الكثيرون عن سبب انتحار هدايت في شقته في باريس ، بعضهم يرده إلى أسباب شخصية بحته ، ومنهم من يقول أنه أصيب بيأس من الحياة بعد وفاة أحد أصدقائه ، وبعضهم يرد انتحاره إلى مصرع زوج أخته " رزم آرا " الذي كان رئيسا لوزراء إيران واغتيل على يد جماعة " فدائيات إسلام " ..




بينما يرى فريق آخر أنه قدم بانتحاره احتجاجا عمليا على النظام السياسي والاجتماعي الموجود في إيران ، وكان قبلها قد عاد في كتاباته إلى يأسه القديم ، فقدم في قصته " الزقاق : بن بست " صوره لغلبة القدر المدمر ، وضياع الأمل الحلو .




صادق هدايت تنفس الموت قبل أن يقدم عليه ضيفا أبديا ، وهذا ما تفسره قصصه الكثيرة ، ففي قصة " مذكرات رجل مجنون " أقر على لسان بطله : " قرأت في الجريدة أن شخصا في النمسا حاول الانتحار ثلاث عشرة مرة ، وجرب جميع وسائله ، شنق نفسه فقطع الحبل ، ألقى بنفسه في النهر فأخرجوه من الماء ، وأخيرا حينما وجد نفسه وحيدا في المنزل قطع كل عروقه وشرايينه بسكين المطبخ ، كانت هذه هي المرة الثالثة عشرة والتي مات فيها "




وبطل هدايت في القصة يحاول الموت بكل قوة وشتى الطرق بالتعرض بالبرد في الشتاء القارص ، وتناول السم ثم التخدير تحت كميات كثيرة من الأفيون دون أن يؤثر فيه شيء من ذلك .. حتى يعترف على لسان البطل : " ليس هناك شخص يكتسب التصميم على الانتحار ، إن الانتحار موجود عند البعض ، في أصلهم وفي طبيعتهم ، لا يستطيعون الهرب من براثنه ، إن القدر الذي يحكم ، وفي نفس الوقت أنا الذي أعددت مصيري ، ولا أستطيع الآن الهروب منه ، لا أستطيع الهروب من نفسي " ..




فكرة عدم الرضا عن أوضاع الوطن ترتبط دائما بانتحار هدايت ، كانت إيران في العام الذي تركها فيه هدايت قد ركنت إلى يأس مرير ، لقد انزوى المثقفون ، وعادت الكعوب الحديدية تدق أمام أبوابهم في الليل ، ورأى هدايت أن كل ما سيكتبه سيصبح غير ذي شأن في دولة تلك أحوالها ، كان يكتب بمرارة ثم يحرق أوراقه ويمضى ، فالفجوة الفاغرة تهدد بعدم وصول ما يكتبه إلى من يكتب من أجلهم ..!




ويبدو أن الرسالة التي بعثها هدايت إلى صديقه الكاتب الكبير " محمد على جما لزادة " في 15 من أكتوبر عام 1948م ، تصف اليأس الذي استولى على قلبه وتشعب فيه : " ... أما الخلاصة فهي أنني أصل الليل بالنهار ، كأنني محكوم عليه بالإعدام أو أسوأ ، وقد نفضت يدي من حصيلة كل شيء ، لا أستطيع أن اشتاق ثانية لشيء ، ولا أن أعلق قلبي بشيء ، ولا أن أخدع نفسي ، ولا أجد الجرأة على الانتحار " ..




طريقة انتحار هدايت وهي التسمم بالغاز ، بينما هو مستلقي على فراشه كأنه نائم تحكي ذاك الخوف ، التردد من الانتحار رغم أن قلبه الذي تشعب من كل شيء طفا على السطح كسمكة ميتة أصابها الربو ، حين لم تجد سوى بحرا ملوثا ..




ووجد الجرأة على الانتحار ؛ وذلك لأن يقينه الداخلي وقلبه الميت كانا يتدافعان فيه بكل أوصالهما ، فلم يجدا للتراجع دربا .. !







* * *







" 3 "







" ياسوناري كاواباتا "







" ياه .. إن العجوز جار الموت " ..







كاتب ياباني ، ولد في أوساكا ( 14 / يونيو / 1899م ، 16 / ابريل / 1972م ) ..




فقد كاواباتا كل أفراد عائلته ؛ وكأنه في قصة " سيد الجنائز " الرجل الذي انطبع على حضور الجنائز يحكي عن نفسه ، فقد والديه وهو في الثانية من عمره ، فعهد به جديه لتربيته ، وكانت له أخت كبرى أخذتها عمة بعيدة لتربيتها هي الأخرى ، ثم ماتت جدته عندما أصبح في السابعة من عمره ، وغادرته شقيقته التي رآها مرة واحدة فقط مذ موت والديه عندما أصبح في العاشرة ، وحينما بلغ عامه الخامس عشر توفي جده وبفقدانه فقد كل أفراد عائلته ، انظم للعيش مع عائلة والدته " آل كورودا " ، ثم ما لبث أن انتقل للعيش في سكن داخلي قرب المدرسة الثانوية ، والتي تخرج منها منتقلا إلى طوكيو ، حيث اجتاز امتحان بنجاح ليكلل بذلك دارسا العلوم الإنسانية باللغة الانجليزية في جامعة طوكيو الإمبراطورية .




مارس إلى جانب الكتابة عدة مهن ، حيث عمل مراسلا صحفيا ، ورغم أنه رفض المشاركة في التعبئة العسكرية التي رافقت الحرب العالمية الثانية ، فإنه لم يتأثر بالإصلاحات السياسية اللاحقة في اليابان ، ومع موت أفراد عائلته بينما كان في سن مبكرة ، أثرت فيه الحرب بشكل كبير وبعد انتهاء الحرب بوقت قصير اعترف بأسى بأنه لن يستطيع أن يكتب سوى المراثي ..




أنهى كاواباتا حياته بالانتحار ، رغم أنه أول ياباني يحصل على جائزة نوبل ، وحيدا متسمما بالغاز في منزل منعزل على البحر في مدينة كاماكورا ، العاصمة البوذية للإمبراطورية اليابانية في وقت مضى ..




ارتبط انتحار كاواباتا باسم أديب لامع ، وكان صديقا مقربا له " يوكيو ميشيما " الذي وضع حدا لحياته بطريقة صاخبة وعنيفة بالمعنى الصحيح ، بل جعل من حياته قصيدة كما كان يردد قبل انتحاره ، فميشيما انتحر على طريقة الساموراي اعتراضا على أصالة اليابان التي بدأت تنغمس في عادات الغرب كما شيع عنه ، وفي جمهرة كلية أركان العسكرية أخرج يوكيو سيفه بعد ألهب في الجنود الحماسة في المحافظة على العرق الياباني الأصيل فيهم ، وأخذ يفتح جرحا في بطنه مرة بالطول ومرة بالعرض ، وفي موقف دموي ظل جسده ينتفض وسط الرعب الدموي الذي شاهده الجنود ، إلى أن استكان بضربة من سيف صديق له فقطع العنق ، وانفصل الرأس عن الجسد المسجى ..




وجاء بعد سنتين من ذلك خبر انتحار كاواباتا والذي بالمقابل كان هادئا جيدا ، صامتا وجبانا ربما ، سبق هذا التخلص من الحياة كوابيس ظلت تحوم حول لياليه ، قيل البعض أنه لم يشف من صدمة انتحار صديقه ميشيما ، الذي غادر بشجاعة وجرأة كما عرف عنه و موته على الطريقة التقليدية دليل على صدق مبادئه ، لكن كاواباتا كان الأكثر غموضا ، والجدير بالذكر هنا أن ثمة رسائل متبادلة كانت بين ميشيما وكاواباتا ، تلك الرسائل التي نشرها مؤخرا ابن كاواباتا بالتبني بعد موافقة زوجة ميشيما ، ومن ضمن تلك الرسائل ، رسالة كتبها كاواباتا في عام 1961 م ، يطلب من ميشيما أن يخط له رسالة ترشيح لجائزة نوبل ، وهذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها نوبل في رسائلهما ، وعليه تأخذ العلاقة طابعا حساسا جدا بالنسبة من ميشيما والذي كان يرغب بشدة الحصول عليها ، قال كاواباتا في رسالته : " .. رسالة مهما كانت بسيطة ، وحتى لو انعدمت إمكانية نيل الجائزة ، وإذا كتبت سوف أجد من يترجمها للانجليزية أو الفرنسية ، ثم نضع المعلومات ونرسلها " ..




والمعلوم في ذلك الوقت أن منافسي أدباء اليابانيين كانت على أشدها ، ولم يكن كاواباتا أقواهم بل كان " تانيزاكي " على رأس القائمة المرشحة ؛ لذلك استعان كاواباتا بتلاميذه وأصدقائه للوصول ..




وردا على الرسالة كتب ميشيما قائلا : " شكرا للرسالة ، أما بالنسبة إلى نوبل فإنني أخجل وأنا الصغير ، أن اكتب رسالة ترشيح لك ، ولكن شكرا لهذه الثقة ، وقد كتبت الرسالة ، وسوف أبعثها إليك قريبا ، وإذا ساعدتك قليلا فسأكون سعيدا جدا ، وإن كان لديك طلب آخر فأرجوك ألا تترد .."




في سنة 1968 ينال كاواباتا - ياسوناري جائزة نوبل ، ومن هنا تتبدل العلاقة فورا بين الكاتبين ، ولا توجد رسالة تهنئة من ميشيما. هناك رسالتان فقط بعد ذلك التاريخ ولحد انتحار صاحب "القناع".. في الأولى وهي بتاريخ 1969م ، يمتدح ميشيما أعمال كاواباتا الروائية، والمسرحية ، ثم ينتقل فورا إلى الحديث حول نفسه ، وحول مشاريعه ولاسيما مشروعه لسنة 1970م ، أي مشروع انتحاره ، أو كما يسميه "تهيئة نفسي".. ويعني بذلك عملية انتحاره ، ووصى في رسالة كتبها لكاواباتا على أن يعتني بأسرته بعد غيابه ، نظير الثقة المتبادلة بينهما .. وبعد انتحار ميشيما تضطرب أحوال كاواباتا النفسية ، يميل للصمت والعزلة ، ويبدو ثمة ما يضمره ضمير كاواباتا ؛ فعملية انتحار صديقه ميشيما كانت قاسية جدا ، ولربما حمّل نفسه هذا الانتحار ؛ بسبب جائزة نوبل التي حصدها ، بينما كانت حلما كبيرا لميشيما وبفقده فقد الاعتبار لأي شيء في حياته كما اعترفت رسالته الأخيرة والتي اقر فيها : " ولم أعد أبالي بكل ما يحدث .. لا اهتمام لي بما يحدث..."




أم أن العجوز جار الموت ، كما أشار على لسان العجوز ايغوشي في روايته " الجميلات النائمات " ..




ويبقى المعنى مخبأ في ضمير كاواباتا ، والذي على ما يبدو لم يمهله سوى عامين من التعذيب النفسي حتى كبته نهائيا ..







* * *







" 4 "




" آن ساكستون "







" حبيبتي الحياة ليست بيدي ؛ الحياة بتغيراتها الرهيبة ستأخذك ، قنابل أو غددا " ..







غالبا ما يرتبط اسم " آن ساكستون " بالشاعرة " سيلفيا بلاث " ليس فقط في الأسلوب التخطيطي لانتحارها ، بل في علاجات المصحات النفسية التي مرتا به كليهما في فترات متقطعة من حياتهما الحافلة بالمرارة والكآبة ، ولا سيما الطفولة التي تأزمت فيها معنى الفقد لسليفيا بلاث ومعنى مرارة اللاحب لساكستون ..




ساكستون حين انتهت من مراجعة آخر دواوينها المخطوطة " التجديف المروع نحو الرب " مع صديقتها " كومين " اتجهت نحو منزلها وفي المرآب تحديدا قفلت على نفسها الباب ، بينما غاز الكاربون مونوكسايد يبخر السيارة بعطر الموت ، لينسل إلى صدرها معلنة هذه المرة انتصار شارة الموت ..!




ولدت آن ساكستون في نيوتن ماساتشوستس عام 1928م ، حيث تلقت دراستها الابتدائية والثانوية .. والجدير بالذكر أنها نالت أرفع جوائز الأدبية في أمريكا ولاسيما جائزة " بوليتزر " عن كتابها " عش أو مت " عام 1967م .. تتفشى في كتابتها مطارحات الموت ، ولا ندري أيهما يطارد الآخر ..؟!




في قصيدتها " من أجل عام المجنونة " تقول :




" أقرب فأقرب / تدنو ساعة موتي / بينما أعيد ترتيب وجهي / أكبر بالعكس / أنمو بذرة طويلة الشعر / كل هذا هو الموت " ..




لقد اجتاح آن في طفولتها شعور مرير برفض الآخرين من حولها لها ، بدءا من والديها مرورا بأخواتها انتهاء إلى معلميها في المدرسية .. ومذاق ذاك الشعور المثقل بالرفض هو ما غذى روحها بالكآبة التي تطورت إلى مشكلات نفسية ، سرعان ما قبعت في مصحات العلاج النفسي مرات مكررة من حياتها ..




هذه المرأة الشاعرة التي أصبحت - أما - في العشرين من عمرها ، بعد أن فرت مع الرجل الذي أصبح بعد ذلك زوجها " ألفرد مولر ساكستون " ، ولم تكن ولادة ابنتها " ليندا " إلا فرقعة انفجار لانهيار عصبي تبعته بعد ذلك سلسلة من المآسي أشبه ببركان مستّه لعنة هائجة ، ومن تلك المآسي فقدانها عمتها الكبيرة " آنا لاند دينغلي " التي كانت آن تكن لها محبة خاصة .. وولادة الابنة الثانية " جويس " عام 1955م ؛ ليكون الانهيار هنا سببا لفصلها عن طفلتيها اللتين غدتا تعيشان في منزل جدتهما لوالدهما ..




ولعل المأساة الأكبر والأكثر إفراطا بشحنات اليأس ، حين بدأت تسمع الأصوات التي تحثها على الموت بحسب صديقتها " كومين " ..




" أيها اليأس / لا أحبك كثيرا / لا تناسب ثيابي ولا سجائري / لماذا تقيم هنا ضخما كخزان " ..




في تلك المراحل المتأزمة ما بين الحياة والموت في حياة ساكستون انبثق نبع الشعر يجري حارا ، باعترافات تتشامخ بجرأة في عرض مضامين كانت تحت حصار التابو في ذاك الوقت ..




الشعر هو ما وشم حياة ساكستون حياة أخرى مانعا الموت ، الذي كان يتسلق بدأب مدهش في محاولات انتحار متكررة كانت تبوء بالفشل في كل مرة ، لتشحن بذلك روحها التي كانت غارقة في مستنقع الكآبة اليأس ومخاوف لا نهاية لها بالحياة بمضّخة الشعر وحده ، ليكون هذا الشعر نفسه هو ما أبقى آن ساكستون نابضة بالحياة خلال 18 عاما من الإبداع .. وهذا ما أكدته صديقتها " كومين " بقولها :




" لولا هوسها هذا بالشعر فإنني واثقة من أنها كانت ستنجح في واحدة من دزينة محاولات الانتحار التي قامت بها بين 1957 و1974م ، إنني مقتنعة أن الشعر كان ما أبقى آن حية خلال 18 عاما من الإبداع " ..




و الشعر الاعترافي كشعر ساكستون ، سنجد فيه كيف أن رائحة البؤس كانت تتفشى في روحها المعذبة مذ طفولتها ، ليمتد تاريخ تلك الأحاسيس الغامضة التي انتابتها في حزمة من المعتقدات ما بين الرحيل كفتاة صالحة أم موت متخم بالأسئلة ، لم تجد ساكستون أجوبة لها في هذا العالم ، خانقة إياها ليس برائحة الكلوركس كما قالت في قصيدتها " ثياب " بل ببديل أقوى هو غاز " الكربون مونوكسايد " الذي أسدل سواده أخيرا على حياتها ، بينما شعرها يشعر :




" سيكون الأمر رائعا بالنسبة إليّ / أن أموت فتاة صالحة / تفوح بالكلوركس و" الدوز " / في السادسة عشرة / في السروال الداخلي / أن أموت مليئة بالأسئلة " ..







ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




· كتبت هذه القراءة في أواخر عام 2010م ..







ليلى البلوشي

الاثنين، 23 يناير، 2012

أسئلة في رجولة مقموعة وأنوثة متحررة ..! ج 2







أسئلة في رجولة مقموعة وأنوثة متحررة ..! ج 2




جريدة الرؤية العمانية ..




نستكمل هنا التساؤلات المرتبطة بالجسد والحرية ، وموقع علاقتهما الشائكة بين ضديّ الاستغلال وطموحات التحرر الواعي ..




السؤال الثالث : هل المتحررة راضية حقا بالتخلي عن مكاسب " الشرقية " فيها ..؟!




في حوار لمجلة باري ماتش في عام 1989م مع السيدة " عبيدة حسين " وهي كانت أول نائبة منتخبة في البرلمان الباكستاني ردا على سؤال حول الصعوبات التي لقيتها كامرأة سياسية علقت بقولها : إنه أقل صعوبة لأنني امرأة ، ففي الشرق تتمتع المرأة بحماية ورعاية لمجرد أنها أنثى ، نعم بالتأكيد كان دربي ستكون أكثر صعوبة لو كنت في الغرب " ..




قياسا على هذه العبارة وغيرها لا يمكن النكران أن المرأة الشرقية تتمتع بمزايا وخصائص واستثناءات تفتقدها المرأة الغربية ، فهناك في أوروبا تصرف لا يدعوا للدهشة البتة حينما يشتري الزوج له نصف رغيفه ويترك زوجته تبتاع نصف رغيفها ؛ ولكن العربية التي لم تألف هذا السلوك في شرقها ؛ فإن أقل ما تفعله هو شتم الرجل ونعته بالبخل والمساس برجولته إن لم تتطور الأمور إلى الطلاق ..!




كما أن مطالب المساواة بين الجنسين في الغرب ومناداة المرأة بها أثرت عليها ؛ ففي الوظائف ثمة جهات لا تراعي حال المرأة الحامل ولا تحرر لها إجازات للوضع أو الاعتناء بالطفل ولا ساعات الرضاع ..! ولمن يطالع كتاب " حياة منقوصة _ أسطورة تحرر المرأة في أمريكا " لمؤلفته " سيلفيا آن هوليت " وهي تحكي تجربتها المريرة كأستاذة جامعية في إحدى الجامعات الأمريكية حين رفضت إدارة الجامعة منحها إجازة أمومة واضطرت نتيجة ذلك للإجهاض ، بل إن عميد الكلية أنذرها إن حملت ثانية فسوف تتعرض للفصل من وظيفتها ، ولكن نداء أمومة كان أقوى فحملت للمرة الثانية وأكملت مشوارها الوظيفي بمعية أربعة أطفال أنجبتهم تباعا ..!




السؤال الرابع : لماذا مفهوم التحرر عند المرأة يكمن في حدود الجسد وعند الرجل في نبذ المذاهب والأديان ..؟




وزير الداخلية الإيطالي السابق عندما طلبوا منه حظر الحجاب قال : " كيف تريدونني أن أفعل ذلك والعذراء كانت ترتدي الحجاب ..؟! "




النساء الرافعات لشعار التحرر في معظم دولنا العربية يعتقدن أن الحجاب قيد والتستر عبودية ، وأنهن كلما خلعن الحجاب وكلما قصرت التنورة عن الركبة ؛ فهذا هو التحرر ؛ كثيرا ما يتناهى إلى أسماعنا بعض من الفتيات يرفعن أصواتهن بعنجهية غريبة عندما تخلع إحداهن الحجاب فتهتف بفخر : أوووف ؛ تحررت أخيرا ..!




والجدلية تكمن أن هذه المرأة عندما تتحرر بمفهومها تظل ملاحقة داخليا بعدم الرضا عن من حولها في المجتمع وترفع صوت هجومها خاصة على المحجبات ، وتفكير نزع الحجاب ومهاجمة النساء المحجبات ؛ مبعثه قصور وعيها الفكري والثقافي والعلمي وهو بحد ذاته محاججة ودفاع عن حيز حريتها الضيق المختصر في نزع الحجاب .. !




و رغم هذا معظم المحجبات أو اللاتي نشأن في بيئات محافظة على مدار سنوات يجدن سببا وجيها للعودة إلى التحجب والسير على نهج التربية والبيئة التي خرجن منها ؛ ولعل شريحة معظم الممثلات والمغنيات والإعلاميات خير دليل ..!




لكن التي ترعرعت في بيئة متحررة ؛ فإن الوضع يختلف تماما وليس ثمة أزمة وبل هي تمارس تحررها بشكل طبيعي دون أن تنبذ الفئات الأخرى المختلفة عنها مظهرا وفكرا ؛ و تحيا على سجيتها بلا عقد ، وفوق هذا نجد عند هذا النمط التزاما ورقيا في الأخلاق والمثل أكثر من تلك المرأة التي كانت في بيئة منغلقة ثم حررت نفسها على - حد قولها - من براثن الغابة التي حادت عن سربها ..!




" ثورة الحريم " حين تنحرف صوب الشذوذ والتطرف والبعد عن الواقعية والرغبة في الاستفزاز جهات معينة أو تحدي الجنس الآخر بدلا من البناء داخل بلاط القيم الإنسانية يبدو حينئذ أمرا داعيا للاستنكار والنبذ وخارج نطاق الاحترام ..!




بل السعي الحقيقي هو أن تدعو المرأة المتحررة إلى " ثورة كرامة " للقضاء على مفهوم " المرأة الدمية " ومحاربة الأفكار البالية التي تنتقص من حقها على أصعدة عدة في الحياة العامة والخاصة ، كثير من النساء محجبات وملفوفات في عباءات لأجل عيون العرف والعادات والتقاليد وأوامر ولي الأمر ؛ الأمر خارج نطاق الرغبة وخارج نطاق الاقتناع والمتحررة هنا من الطبيعي أن يغدو أولى مطالبها في جدولة المطالبة هو السفور ؛ انطلاقا من مطالب شخصية وتعميمها ؛ وهي تعتقد أنها بذلك تحرز تفوقا في سلم مطالبها التحررية ؛ ولهذا تقع صدمة موقف المجتمع والذكور من خطوتها وندائها المتحرر بل حتى من قبل بنات جنسها ؛ فالمجتمع بعرفه والذكر بعاداته وتقاليده وقل ّ منهم من يلفت بقين إلى مسألة الدين وحكمه في هذه المسألة ..! أما بنات جنسها فليس كلهن محجبات لدواعي أعراف أو ضغوط عادات وتقاليد بل رغبة داخلية كامنة في الستر والاقتناع الكلي ..




لهذا المسألة ليست في تعرية جسد بل في صحوة الأفكار وتطويرها بما يتناسب وقيم الإنسانية العامة ، تحرير من بعض القوانين الاجتماعية المتوارثة ووجهات النظر التقليدية التي لا تنطوي على أي معنى إنساني والتي تشوّه شخصية المرأة كإنسانية ، والتي تسقط إنسانيتها ككائن حي لها حقوق كما لها واجبات ، لها صوت وعقل ليس فقط جسد مغري ووجه فاتن ..!




بينما الرجل لا أقل قيدا من الأنثى في مجتمعاتنا العربية ؛ هذه الذكورية المنفوخة من قبل القبيلة بأنه نسر الصحراء وأسد الغابة تضع على كاهله شروط ومسؤوليات الرجولة مذ خشونة أظفاره ؛ ولرجل اليوم مفاهيم في قاموسه مختلفة تماما عن مفاهيم بيئته ونمط قبليته ؛ فكان من نتاج هذا التباين ما بين الرغبة في الانفتاح الخارجي وإرضاء المثل الداخلية ينشيء زعزعة في كيان الرجل ويسقطه في دوامة التناقض ، ومنهم من يسير على نهج التناقص طوال مشوار تعاطيه في الحياة مع الناس ليرضيهم وليملع صورته أمامهم ، والنمط الثاني يعلن عصيانه وتمرده على ملأ ويصب جام غضبه على الدين وأبسط طرق التحرر على - حد اعتقاده - هو الخروج عن الطريق المستقيم على شكل إلحاد وازدراء الأديان والمذاهب ..!




ترسبات العرف وتراكمات بعض العادات والتقاليد تظل غائرة في نفوس أفراد المجتمع ؛ لهذا الرجل الشرقي عندما يرتبط بامرأة غربية تبهره حريات الغربية في امرأته في البدء ولكن حينما يمتلكها ؛ فإن الوضع يتغير ويبدأ الرجل بممارسة تنغيمته الشرقية المعروفة بالعودة إلى أصله الشرقي وأعرافه وتقاليده ..




إن مفهوم الحرية في كل المجتمعات العربية والمحافظة على الطريقة الإسلامية تنظر إلى الحرية على أنها تخلص من عقدتي الجنس والدين دون التفكير في النماء الفكري المختص في التعليم ، والنماء الوظيفي المختص في العمل ، والنماء الأخلاقي المختص بقيم ومفاهيم الصدق والوفاء والإخلاص واحترام الرأي الآخر ، وهذه الأخلاقيات هي عماد الحرية وجوهرها وما يفوتهم أن الحرية مسؤولية لهذا تشكل عبئا لمن اعتاد على العبودية ..




وهذه الجوقة هي أكثر من تنبذ مبدأ " حريتي وحرية الآخر " كشيء واقعي فاعل ، بينما يطبلون محافلهم بثرثرات عريضة وطويلة وممتدة عن الحريات الفارغة عن وزن الفعل الحقيقي ..!




السؤال الخامس : لماذا الرجل الداعي إلى التحرر يضع أول شروطه تحرر جسد الأنثى ويكون هذا السعي هو أهم أهداف تحرره ..؟!




تفاعل الكثيرون من الجنسين مع هذا السؤال الذي طرحته على حائطي في الفيس بوك ؛ وقد أجمعت آراء الذكور والإناث على أن الرجل المتحرر غرضه من تحرير جسد المرأة ؛ لأنه عبد شهواته وإطلاق هذه الدعوة هي غاية خصبه له ..




وخرج الحوار بأسئلة طرحها المتحاورون ، أما السؤال الأول : " لماذا دعاة تحرير المرأة من الرجال يطالبون بمطالب لا تدعو إليها داعيات تحرير المرأة ؟! " أما السؤال الثاني : " لماذا دعاة تحرر المرأة يستثنون نسائهم منه ؟! "




ويبدو أن " المرأة " سوف تظل صراعا ما بين المتدينين والمتحررين ؛ فالمتدينين ينادون بتغطيتها من رأسها إلى أخمص قدميها لئلا ينفذ إليها هواء ملوّث ، والمتحررون يطالبون بتحرر جسدها وكأنها عاهة يجب أن تعرض للتشميس ..!




وسؤال أخير : لماذا لا يسأل هؤلاء الصائحون بأصواتهم الترهيبية والترغيبية المرأة عن مطالبها ..؟!




اكتفي بوضع هذا السؤال ، والبقية لكم أيها القراء ؛ لتتجولوا في لغز إجابته ؛ فلا نية لي مطلقا التحدث عن لسان بنات جنسي ؛ لإيماني المطلق أن لكل واحدة منهن صوت ولم تلتهم القطط ألسنتهن ..!










ليلى البلوشي




الاثنين، 16 يناير، 2012

أسئلة في رجولة مقموعة وأنوثة متحررة ..! ج १






أسئلة في رجولة مقموعة وأنوثة متحررة ..! ج 1







جريدة الرؤية العمانية ..







قرأت خبرا من فترة قريبة عن العارضة الروسية " مارياكوز هيفنيكوفا " البالغة من العمر 27 عاما ، نجحت في حجز مقعد لها في البرلمان الروسي ، وهذه العارضة ظهرت على غلاف مجلة " بلاي بوي " الإباحية ، ويبدو أنها ليست الوحيدة التي أنظمت إلى البرلمان بمعية جسدها فبطلة الجمباز " سفيتلا ناكهوريكنا " والتي ظهرت عارية على غلاف مجلة والمتزلجة " سفنتتالا زهوروفا " عضو البرلمان عن حزب " روسيا الموحدة " وظهرت عارية في مجلة " جي كيو " وغيرهن ..!




ويبدو أن السياسة الروسية المشكوك في انتخاباتهم ؛ لها دأب غريب في اختار مرشحيها ؛ لتولي مراكز مهمة في القيادة السياسية في البلاد ..!




ويبدو أن " الجسد " في عصرنا الحالي غدا سلاحا " تحريضيا " من جانب و" إغرائيا " من جانب آخر ؛ حسبما جنس هذا الجسد وغاياته ..!




أما الجانب " التحريضي " فيتعلق بالرجل ؛ " الجسد " هو سلاح الأنظمة الفاسدة والمستبدة لقمع صوت وأحلام وتطلعات الإنسان والإنسانية ؛ ومسلسل قمع الجسدي متفشي وما يزال ؛ فجميع القوى عبر التاريخ عندما كانت تعييهم مآربهم لكتم طاقة وصوت كائن ما ، فإن التخلص الأبدي من تلك الطاقة الصوتية أو الكتابية أو الثورية هو أقذر سبيل على مقاس دناءة تفكيرهم ؛ أما أساليب التخلص النهائي لاغتيال صاحب الجسد فما أكثرها ..!




يمحون وجودهم _ حسبما اعتقادهم الساذج - أن برحيله سوف يغتالون تاريخه وصوت نفسه وأفكاره ونهجه ؛ لكن ليس برحيل الجسد تموت الرموز والقامات الإنسانية الأصيلة ؛ فها هو " غسان كنفاني " الصوت الفلسطيني رحل بتدبير صهيوني خبيث ، ولكن " غسان كنفاني " كرمز وقامة فكرية أدبية ثورية ما يزال قائما ، وها هو الثوري الأشد شهرة في كافة أرجاء الكون " تشي غيفارا " ما يزال يتضوع نورا وحماسة بين شرائح المجتمع العالمي والعربي ؛ إذا الأبطال خالدون مهما سحقتهم الأنظمة المستبدة ..!




ولأن أشكال الـ " قمع " تتعدد في بقاعنا العربي وهو في تكاثر متنام من قمع روحي وآخر جسدي وعقلي وفكري ولساني ونفسي ، بالمجمل كل ما له صلة بمسمى الحواس ؛ والوسيلة المثلى والوحيدة لمنع تفشي المحسوسات الداخلية والخارجية بكافة توجهاتها هو قمع " الجسد " ؛ فالأنظمة القمعية لا تفهم سوى لغة الضرب والسحق والبتر والنفي والحبس ؛ ولأن بقية المحسوسات معنوية ؛ فإن وحده _ المسكين – الجسد هو واجهة القمع ؛ فلا غرابة في نظام الأنظمة القمعية السعي إلى جعل " جسد " الرجل مزارا للتخويف والعربدة وتوسيع نطاق العبودية وتفعيل كافة سبل استهجاناتهم عليه ، بينما مع النساء فالنهج مخالف تماما فهم يستعرضون عريهّن وحكاية " فتاة التحرير" التي سحلت وتعرضت للإهانة والتعري من قبل عسكر مصر أشهر من نار على علم ...!




ولكن ثمة نسوة يعرضن أجسادهن للعري بملء إرادتهن ؛ لأغراض عدة حسبما كل جسد ومأربه ؛ فالفتاة " مدونة الثائرة العارية " علياء ماجدة المهدي " التي نسبت نفسها لوالدتها ، والتي استعرضت نفسها عارية إلا ما جوارب سمراء وحذاء أحمر - وهذا يذكرني شخصيا - بنهج " مارلين مونرو " في أحد أفلامها حينما استعرضت عريها إلا من حذاء والمشاهدين يومئذ اسقطوا العري وحدقوا إلى الحذاء المعروض ..!




السؤال الأول : هل الرجل يمشي عريانا في المجتمع الشرقي ..؟!




الفتاة العارية الثائرة من خلال جسدها تطالب بحقها في المساواة مع الرجل وكأن الرجل يمشي عاريا في الشارع ؛ فأي مساواة هذه ومن هو الرجل " الشرقي " الذي يرغب أو يريد أن تحرر حريمه على هذا النحو من المساواة ، بل الذكورية الشرقية واضحة تماما في نظرتها إلى الجسد الأنثوي ، الجسد العاري قد يرتضيه المتحرر لصديقاته ولكن حين يتعلق الأمر بنسائه بأمه وأخته وزوجته فلن يرتضيه مطلقا وبشكل قطعي ، وما تصفيقه على عري غيرهن من النساء ما هو سوى استخفاف ومن باب التمتع لا أكثر وأقل ..!




وهذا أمر طبيعي فالجسد الأنثوي في معظم الثقافات " تابو " ؛ لأنه يمثل الشرف بالمرتبة الأولى ويمس كرامتها ، ولكن الأكثر غرابة هو سعي المرأة نفسها إلى التعري من أجل غايات وهمية وعلى رأسها المساواة مع الرجل ..!




حتى في أوروبا بلد التحرر والعري بات المجتمع لا يقبل بهذا التفسخ الرخيص ؛ ومن سنوات قريبة قامت فتاة سويدية تدعى " آنيا كارلسون " بطمس صور فاضحة للعارضة الألمانية " كلوديا شيفر " بالطلاء الأسود ؛ لأنها تعرض إعلانا للملابس الداخلية في شارع عام ، ورغم رفع دعوة قضائية ضد تصرفها من قبل الشركة المعروضة ، إلا أن موقفها أخذ تأييدا واسعا من قبل الشعب والصحف والإذاعات لنبذهم فكرة استغلال جسد المرأة وهو ما سوف يؤدي إلى كارثة اجتماعية كبرى على مدار سنوات قادمة ، وهذا العمل الاحتجاجي حذا حذوه معظم المنظمات والأحزاب النسوية الأوروبية ؛ لوقف توظيف جسد المرأة لأغراض تجارية ؛ فهذه الإعلانات التي تعرض في الشارع تؤدي إلى تشتيت تفكير السائقين وبالتالي مخاطر حوادث مميتة ، بل هناك جوائز أعلنتها منظمات عدة منها جمعية " نساء الصحافيات " في فرنسا خصصوا جائزة لإعلان أقل خدشا للحياء بعد أن طغت الإعلانات الفاحشة ؛ نابذين فكرة تشييء المرأة واستغلال جسدها لأغراض تجارية ..!




وثمة دعوات شبيهة للفصل بين الجنسين في المدارس عند سن معينة ، وسعي حثيث من قبل جمعيات ألمانية ؛ لمنع " التقبيل " في الأماكن العامة ؛ فطبيعة مجتمع الألماني المحافظ تحضر هذه السلوكيات خاصة و أجيالها يتعاطون في المدارس مبادئ سلوكية محافظة جدا ..




هنالك كثيرات لا يفهمن مفهوم التحرر وأصله ؛ المطلوب من التحرر هو أن يحفظ للمرأة فضيلتها وكرامتها ولا يقضي على أنوثتها ومكاسبها الأنثوية ؛ فالأصل هو " التكامل " مع الرجل لا " التماثل " معه ؛ التماثل أمر ليس في صالح المرأة مطلقا ؛ وهي بذلك تعرض أنوثتها وإنسانيتها لدروب لا تحمد عقباها مع مرور الزمن ..







السؤال الثاني : هل تغيرت نظرة الرجل إلى المرأة عندما تعرّت ..؟!




ظاهرة " المتظاهرات العاريات " صارت من سمات الغرب ؛ كنساء الدانمارك في وقت ما سعين إلى التعري في المسابح العامة من باب المساواة مع الرجل ؛ ولكن النتيجة أن إقبال الرجال على تلك النوادي غدا أكثر كثافة ؛ مما حدا بالنسوة أنفسهن إلى التستر بالمايوه ، بعد أن فقدن الأمل من تقدير واحترام الرجال لهن وهن عاريات ..!




ولعل ما يحدث في بريطانيا التي أبدت فيه جهة معينة من فترة قريبة بفتح صالون حلاقة بالقرب من حي الأندية الليلية وتعيين فتيات عاريات الصدر للعمل وذلك ؛ لزيادة إغراء العملاء للإقبال على الصالون ؛ إذن الأمر خارج " سلوك الاحترام " المتوقع من الرجل للمرأة المعروضة كسلعة وداخل في " الربح التجاري " من قبل الجهات المستفيدة من الصفقة ..!




بل إن أشهر فلاسفة القرن العشرين " جان جاك روسو " الذي كان له آراء ثورية عن العدالة والحرية والمساواة خاصة ، والذي عاش بين أحضان النساء حتى يصعب على المرء من إحصاء عددهن ، يأكل من طعامهن ويسكن في بيوتهن ويستمتع بخبراتهن جسدا وروحا ؛ وفوق هذا لم ينطق في حقهن كلمة واحدة تنصفهن في المجتمع سواء في آرائه أو في كتابه " إميل " ، ورد فعل هذا الفيلسوف عائد إلى العرف الذي كان سائدا عن مكانة المرأة في المجتمع الأوروبي في ذلك الوقت ، ورغم أن المرأة الأوروبية قطعت أشواطا هائلة لإبراز مكانتها لا كشيء أو فتنة بل كجسد به روح و له كيان مستقل ولم تسلم كليا من آثار بعض النظرات المجحفة لها من الذكور ؛ فكيف الحال إذن مع المرأة العربية في مجتمعات ما تزال تطالب فيه المرأة حقها في قيادة سيارة أو بيع مستلزمات نسائية تخصها في محلات عامة ؛ هذا هو حال العرف الشرقي المهيمن الذي يتفاوت شكليا فقط من مجتمع إلى آخر وتحتمل المضامين نفسها ..؟!




إذن لم يعد " العري " طريقا إلى التحرر أو شجب مطالبات ؛ بل على العكس اليوم غدت " الحشمة " هي ما تلفت النظر ، فتظاهرة للمنقبات في وسط ساحات باريس تبدو أكثر تأثيرا وأعظم إفرازا للرأي العام من اللحم المكشوف كالفراريج ..!










ليلى البلوشي