الثلاثاء، 29 أبريل، 2014

تربية الطفل العربي على القيم الكونية

تربية الطفل العربي على القيم الكونية

جريدة الرؤية

يتساءل الفيلسوف " أوشو " في كتابه " العلاقات الحميمة " بقوله : " لمَ الصغار ناعمون ؟ لأنهم لا يحملون شيئا ، إن طريقتهم كطريقة الحكيم فإذا كان الطفل غاضبا فهو غاضب ولا يأبه لأحد .. انظر إلى الطفل عندما يكون غاضبا إلى جسمه بالكامل ، إنه طفل صغير وناعم رقيق ، ينتفض غضبا وتحمر عيناه ووجهه ، يقفز ويصرخ في ثورة عارمة وكأنه متفجرة من الغضب ، في اللحظة التالية يختفي هذا الغضب العارم فتجده يلعب ، انظر إلى وجهه لا يمكنك أن تصدق أن هذا الوجه كان في ثورة عارمة قبل لحظات إنه يبتسم ..!
هذا الطفل .. الكائن المدهش كيف نتعاطى معه في وسط عالم كوني وكيف نربيه على القيم الكونية ؟ ( تربية الطفل على القيم الكونية ) كانت هذه هي عنوان المحاضرة التي قمت بإدارتها في مهرجان الشارقة القرائي للطفل هذا العام ، جلسة شارك فيها كل من محمد الشيباني ووفاء الميزغني وكارولين كريمي وحضرها مجموعة من التربويين والمهتمين بشؤون الطفولة في الدولة وضيوف المهرجان ..
ذهب الأستاذ " محمد الشيباني " وهو باحث تونسي ومختص بالشأن الأدبي والدراسات اللسانية وقد ساهم في المؤتمر الدولي الأول " الطفل بين اللغة الأم والتواصل مع العصر " إلى أن القيم الكونية يعنى بها حقوق الطفل في هذا العالم ، وبنبرة هادئة قام بعرض بعض أهم هذه الحقوق التي يجب توفيرها للطفل والنهوض بها من خلال الأسرة والمدرسة والبيئة المحيطة به ، بحيث تقود الطفل وتفتح حواسه على معايشة العالم بكل ما فيه من خلال الاقبال على الثقافات الأخرى ، ودعا ذلك من خلال أساليب مختلفة منها إلى أن يخصص للطفل أسبوع للجوع ؛ بحيث لا يقدم له في المدرسة سوى وجبة واحدة خفيفة كي يستشعر تجربة الجوع ويشعر بالآخر المعدم ، كما رحب بتدريس الموسيقا والفنون التشكيلية والنحت إلى غيرها من الفنون السمعية والبصرية والحسية كي نخفف من عبء العالم على كاهل الطفل في زمن ساد فيه العنف والقتل ، ننمي مواهبه ونشرع له وسائلا ليعبر عما في أعماقه من خلال ممارسة هذه الفنون الحسية المختلفة ..
بينما الباحثة " وفاء الميزغني " وهي مختصة في مجال التوحد والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ، قامت بعرض مجموعة متنوعة من القصص المكتوبة للطفل ، تلك القصص تناولت فيها أهم ميزاتها وأفكارها المبدعة التي يستقي منها الطفل كثير من الفائدة والمتعة وفي الوقت نفسه تناقش الأسئلة التي يتساءلها الأطفال في سنواتهم الأولى ..
كما تطرقت إلى كيفية التعاطي مع طفل المكفوف في كتابة القصص لهم وفي طريقة مخاطبتهم ، فهنا يجب أن يعنى بالجانب الملموس فالطفل الأعمى لا يبصر ، كما يجب أن يكون هناك تصوّر للمسافة وفي الألوان وفي الأشياء اللمسية ..
واعترضت على الصورة النمطية لدور الأم في قصص الأطفال ؛ فمعظم تلك القصص توظف الأم كامرأة تعمل في المطبخ وتعد القهوة للزوج الذي يقرأ الجريدة ، ودعت لكسر هذه الصورة النمطية وإلى قلب الصورة بحيث يقدم الزوج القهوة والأم هي التي تقرأ الجريدة ، لتكون هناك نظرة شمولية وتكاملية في فكر الطفل عن علاقة المرأة والرجل ..
أما الكاتبة الأمريكية " كارولين كريمي " وهي الحائزة على درجة ماجستير في الكتابة للأطفال ولها أكثر من 13 كتابا وحازت عن كتبها بأكثر من 30 جائزة على مستوى الولايات ، مبدأ حقوق الطفل وأهمية ادراجه في قصص الأطفال ، مستعرضة نماذج من كتبها التي تضم جوانب كثيرة من حقوق الطفل و التي لابد أن يتعلمها ، وهي أهمية السلم ، والتعايش ، والتواصل ، والحرص على غرس قيم أخرى فيه ، مثل أهمية عدم الانطواء ،  ووجود والأصدقاء ، والانفتاح على العالم ..
ودعت إلى ممارسة المرح والفرح وطالبت بتطبيق هذا الجانب في المناهج الدراسية لاسيما في ظل نتائج الدراسات الحديثة التي أثبتت أن المرح أقصر طرق ايصال الرسائل الإيجابية للطفل ، وعاملا مهما من عوامل تخفيف الضغوط ونبذ الخلافات وتشجيع مبادئ العمل الجماعي ..
وفي عصر العنف هذا يحتاج الطفل إلى الترفيه ، وإلى تلقي العالم بصورة أبسط ، وأسهل ، وأخف وطأة ، وذلك عبر تخصيص أسبوع للمرح في المدرسة ، وفي هذا الأسبوع تُقرأ للطفل حكايات طريفة وقصص ساخرة وتعرض له نكت تجلب له الضحك ..
ويحكي الفيلسوف " أوشو " : فيما كان طفل صغير يسير مع والدته ، قالت له : " تذكّر دوما أن تساعد الآخرين " .. فسألها الطفل : " وماذا سيفعل الآخرون ؟ " فأجابت الوالدة بشكل طبيعي : " سوف يساعدون الآخرين " فقال الطفل : " تبدو خطة غريبة لم لا تساعدين نفسك عوضا عن تعقيد الأمور ؟!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 22 أبريل، 2014

مديح الكراهية ..!

مديح الكراهية ..!

جريدة الرؤية

في عام 1867م وقف الكاتب الأمريكي " مارك توين " بكل عنجهية قاسية بجانب وزير الحرب واقترح عليه بأن يجمع كل الهنود في مكان مناسب ويذبحهم مرة وإلى الأبد ثم قال له : " إن لم توافق على هذه الخطة فإن البديل الناجح هو الصابون والتعليم ، فالصابون والتعليم أنجع من المذبحة المباشرة وأدوم وأعظم فتكا .. إن الهنود قد يتعافون بعد المجزرة لكنك حين تعلّم الهندي وتغسله فإنك ستقضي عليه حتما ، عاجلا أم آجلا .. التعليم والصابون سينسفان كيانه ويدمران قواعد وجوده ، سيدي أقصف كل هندي من هنود السهول بالصابون والتعليم ودعه يموت " ..!
على مدى خمسمائة عام تعرض هنود أمريكا لحملات غزو إسبانية وبرتغالية وفرنسية وهولندية وإنكليزية ، سلبتهم إنسانيتهم وأنزلت بهم فنونا عجيبة من القتل والتدمير ، ونظرت كلها إلى حياتهم وديانتهم ولغاتهم باحتقار كما يقول مؤلف كتاب " أمريكا والإبادات الثقافية " ، في هذا الكتاب وقف المؤلف على أسوأ وأطول حرب إبادة في التاريخ البشري لحقت الهنود الذين نجا بعضهم بأعجوبة ، أولئك الذين طالبوهم أن يتطهروا من أسمائهم وأخلاقهم وثقافتهم وأجسادهم ويمثلوا دور الموتى ..!
فكرة أمريكا وجنرالاتها أن احتلال الأرض والإبادة الجسدية ليست كل شيء وأنه لابد من كسر " العمود الفقري " لضحيتهم ويعنى بها اللغة والثقافة والتراث الروحي ، هذه الإبادة الثقافية أو " المحرقة الأخيرة للوجود " بتعبير الممثل و الناشط الأمريكي الأصلي " راسل مينز " ..!
الإرهاب الثقافي والنفسي " الأبيض " الذي جعل بعض السكان الأصليين يعتبر هويته كابوسا لدرجة مجاهرته بالقول : " أتمنى لو أنني لم أخلق هنديا " ..!
ولمزيد من الإيلام وتحطيما للمثل الثقافية قام هؤلاء الغزاة بتغيير أسماء بعض الهنود وتحويلها إلى أسماء توحي بالكراهية والوحشية ، ليحملوا عارها رغما عنهم ، وبسياسة الإكراه البشعة نفسها أجبروهم على تلقينها لأبنائهم .. فأي وحشية هذه وأي كراهية عمياء ..؟!
الكراهية التي تعاظمت بعنصرية مقيتة ، لدرجة رغبتهم الحقيرة في أكل لحم الأسود بكامل شحمه وعظمه ، هذا الحقد العنصري الذي تم تبريره في ذاك الزمن ؛ حين روّج فيها الإنجليز بأن أكل لحم الرجل الأسود يقوي الباه ويطيل العمر ..!
مظاهر وأشكال الكراهية الأمريكية نفسها اليوم نراها تتجسد في احتلالهم لأرض الآخر ، وفي تصريحاتهم ومن ذلك تصريح " كونداليزا رايس " يوم كانت مستشارة للأمن القومي حول ضرورة تغيير العقل العراقي كمقدمة لتغيير العقل العربي ..! نعم تغييره ، تغييره بغرس الفتن الطائفية والحروب الأهلية لسلب ثرواتهم النفظية ..!
وكتصريح ميشال سافاج وهو مذيع وكاتب شعبي واسع الشهرة حين أكد بأن : " الغالية العظمى من الأمريكيين تتمنى أن ترى قنبلة نووية تلقى فوق عاصمة عربية كبرى – لا تعنيهم أن يعرفوا ما هي – إنهم يريدون استخدام السلاح النووي دونما تحفظ .." !
في إحدى مقاطع فيلم " فندق رواندا " الذي تناول عرض الصراع والاقتتال الأهلي ما بين قبيلتين في رواندا عرفتا بالهوتي والتوتسي ، يسأل التوتسي صديقه الهوتي بكامل حزنه : لماذا العالم قاس لهذه الدرجة ..؟ فيجيبه الهوتي بنبرة حزن شبيهة : إنها الكراهية ..!
تحطمت أواصر السلام والمحبة بين هاتين القبيلتين بسبب خطاب الكراهية التي شنها أولئك السياسيون ، حين مدت أفعى الكراهية لسانها في مجتمعات معدمة يحرّض فيه الكبير الضعيف على الصراع ، ويدفع البسيط نحو كراهية الآخر ، هذه الكراهية التي سرعان ما تغدو بمثابة واجب وطني ، نعم واجبا وطنيا حين يحرضك السياسي بدافع مصلحته على كراهية ابن بلدك ، على كراهية من يحمل تقاطيعك نفسها ، واللغة والدين والطباع والعادات والمثل والثقافة نفسها ، يحرضك بخطابه على كراهيته بدافع واجب وطني .. أو بدافع واجب ديني إن كان من كان من حقنك بسمّ الكراهية يختلف دينيا ومذهبيا مع الآخر الذي يكن له الكره ، أو بحجة حماية الهوية الوطنية حين ننفتح على ثقافة الآخر كموقف الفرنسي من الأمركة أو العربي من كل ما هو غربي وعصري لدرجة أنهم أصبحوا يحمّلون بعض الكلمات مفاهيم سوء الظن والبذاءة بغرض تخويف الإنسان البسيط ليتجنبها في مجتمعات منغلقة فكريا كــ" الحرية " و" الاستقلالية " و" الفردانية " وهلم جرا .. !
في زمن الكرامة تم تلقين الإنساني العربي على كراهية المستعمر الذي احتل أرضه ، وهنا الكراهية بحد ذاتها كانت فعلا له غاياته المبررة نابعة من واجب قومي ، ولكن اليوم أصبح هذا الجيل يلّقن على الكراهية غير المبررة حين يطلب من عربي من أن يكره أخيه العربي وهما يحملان الدين نفسه واللغة نفسها والمثل والقيم والثقافات نفسها ..!
في وطن ، في عالم ، في كون من ينبذ فيها الكراهية ويعلن عصيانه لقوانينها يغدو خائنا لوطنه ولأبناء قبيلته ولساداته ، خائنا لأنه وفيّ للإنسانية .. الإنسانية وحدها ..!
غدت مظاهر الكراهية في عالمنا اليوم فاغرة كفم تنين وحشي قادر على بث نيران حقده الكامن ، الكراهية التي تجذرت بشكل خطير شنها المستعمرون منذ الأزل ، وها هي تستطيل فينا بأشكال ومسميات وممارسات مختلفة نابعة من طابع الكراهية نفسها ونغتذي عليها ، على نارها ، وعلى قبحتها ، وعلى بذاءتها ، وعلى سوادها القاتم دون أن توجعنا ضمائرنا .. دون أن نشعر بأننا مختلّون في مشاعرنا بل نكره بمنتهى الألفة وكأن الكراهية فن علينا التعاطي معها ؛ لنحمي أنفسنا من الآخر ولنردع عنا شرور الكون ..!
نشعر بثقل الحزن والكآبة والخيانة والموت والقتل والدم ولكن حين تستعمرنا " الكراهية " وتسلل إلى أعضائنا عضوا عضوا فتشنها مشاعرنا على الآخر نفعلها بمنتهى الرضى والغرور الإنساني ، دون أن نفكر .. ولم نفكر قط لوهلة أن سلسلة تلك الانفعالات مسببها انفعال واحد هي " الكراهية " وأننا لو قضينا على الكراهية التي استعمرت عقولنا وقبضت على جمرة قلوبنا ؛ لغدا العالم اليوم نظيفا ، ناصعا ، معافى من كل شرور العالم .. شرورنا ..!
ليلى البلوشي

الاثنين، 14 أبريل، 2014

أشخاص أنقذوا العالم

أشخاص أنقذوا العالم

جريدة الرؤية

1-" جورج هوغ " : اسم هذا الرجل ، المراسل الصحفي البريطاني الذي مات نتيجة الملاريا في الصين لا يمر مرورا عابرا ، بل إلى اليوم على رغم من كل أعوام الحرب مازال هناك من يذكره خاصة أطفاله والذين أصبحوا يعرفون بــ" أطفال هوانغ شو " وهو الاسم الذي كان الصينيون ينادونه به ، حكاية إنسانية عميقة خلفها هذا الإنسان النبيل في أرض ليست أرضه ، في وطن ليست وطنه وبين شعب ليس شعبه لكن مذهب الإنسانية هي الأعمق في قلبه وفكره جعله يقدم روحه لستين طفلا صينيا في زمن الحرب الدائرة ما بين اليابان والصين ، في تلك الحرب المندلعة وجد " جورج هوغ " أن من واجبه كصحفي أن يوثق أعمال العنف تلك المذابح التي اقترفها اليابانيون في حق مدنيين صينيين عزل ، أكوام من الجثث قام بالتقاطها بكاميرته وحين اكتشف أمره عزمت السلطات اليابانية محاكمته بالإعدام بالسيف وينجو بفضل ضابط صيني مقاوم والذي يحاول اقناعه على مغادرة الحرب إلى قنصليته البريطانية لتحميه وتقوم بترحيله ، ولكن عوضا عن ذلك يختار الحرب ، ويجد نفسه في ملجأ للأيتام مع مجموعة من أطفال صينيين فقدوا آباؤهم بطريقة بشعة شمعت صورهم في ذاكرتهم كوشم أبدي ، يقوم " جورج هوغ " بالعناية بهؤلاء الأطفال الذين سلبت الحرب طفولتهم ، وداست على براءتهم ، فيسعى بكامل إنسانيته على ترميم أرواحهم قبل أن يفلح في نظافتهم وتعليمهم اللغة ، واكسابهم فنون التعاطي مع الحياة ، ولم تتوقف روحه الإنسانية المعطاءة عند هذا الحد بل يعزم على إبعاد الصغار حين يحاول القوميون الصينيون بعد نهاية الحرب على استعادتهم وإبعاد البريطاني الذي رعاهم عنهم لأن دماؤهم صينية ، ولهذا يسعى بروح شجاعة على ترحيلهم إلى بر الأمان ، إلى مكان لا يخضع لقانون المصالح السياسية ، وعبر مسيرة دامت ما يقارب ثلاثة أشهر محفوفة بالمخاطر وصقيع شتائي لا يرحم سعيا لإنقاذ أرواحهم وبقية من طفولتهم ، تلك المسيرة التي اشتهرت فيما بعد بمسيرة " مسيرة الأطفال الطويلة " ستون طفلا أنقذهم " جورج هوغ " ودفن هناك بين قلوبهم الطيعة بالمحبة والسلام ، وأطفاله الذين أصبحوا اليوم عجائز كبار ووجوههم محفوفة بالتجاعيد لكن قلوبهم الحية ما تزال تنبض باسم معلمهم وأبيهم الروحي الذي أصبحوا أحياء بفضل شجاعته وروحه الإنسانية الطليقة ..
2- " بول روساساباغيتا " : هناك صلة ما بين هذا الرجل العظيم وفندق في يقع في رواندا يدعى " لاي ميل كولين " برزت إنسانيته في فترة حرجة من تاريخ رواندا أثناء حرب أهلية فجرها خطاب الكراهية والروح الشريرة التي خيمت على طغاة تلك المرحلة ، الذين قاموا بزرع وهم الاختلاف ما بين قبيلتين ، قبيلة " الهوتي " وقبيلة " التوتسي " طالما عاشوا في المدينة نفسها ، وعبروا عبر الطريق نفسه ، وعملوا ، وتزاوجوا ، وعاشوا مع بعضهم بسلام ولكن لعنة السلطة هي التي كسرت المحبة بين هاتين القبيلتين وفصلتهم بكم هائل من الكراهية العمياء .. سأل التوتسي : لماذا هذا العالم قاس لهذه الدرجة ..؟ أجاب الهوتي : إنه الكراهية ..!
" بول روساساباغيتا " هو رجل ينتمي لقبيلة الهوتي الأكثرية متزوج من امرأة يحبها وتنتمي إلى قبيلة التوتسي وهم الأقلية ولهم ثلاث أطفال يعيشون حياة غامرة بالسعادة والحب ، ولكن سرطان الحرب السياسية تعكر صفو حياتهما فهما من قبيلتين أصبحتا عدوتين كما يزعق - الصوت الوحشي – الصارخ في المذياع وكما تعلن سكاكين وسيوف وعصي الهوتي الذين يطاردون التوتسيين أو " الصراصير " كما أطلقوا عليهم ، ليقتادوهم إلى مذبحة إبادة جماعية خلفت حوالي مليون توتسي وسط خرس العالم ، في تلك الحرب البشعة والمشبعة بالكراهية وجد " بول " نفسه مسؤولا ليس فقط عن إنقاذ حياة زوجته وأطفاله بل أيضا عن جيرانه وكل توتسي وثق به والتجأوا إلى فندقه كونه مديرا للفندق ، فحرص على استقبال أكثر من ألف شخص من توتسي وأنقذهم من المجزرة الهائلة .. بروح إنسانية عظيمة بذل بول كل ما في وسعه كي ينقذ أرواح أشخاص لم يكن لهم ذنب بأطماع السياسيين ولا كراهيتهم المقيتة ، وإلى اليوم يذكر تاريخ قبيلة التوتسي فضل إنسان يدعى " بول روساساباغيتا " الذي كان كملاك الرحمة في زمن القسوة حين تفرج عليهم البيض بغثيان العنصرية ، وقاموا فقط بإنقاذ ذوي الجلود البيضاء ، باعتبار أن ذوي جلود السوداء قذرون ورخيصون ، في زمن الكراهية والخيبة لم يكن " بول " يملك سوى قلبه الخام وروحه الإنسانية الحرة وبهما أنقذ أرواحا بريئة ..
3- زهرات الحرب : فيلم مقتبس عن رواية " كالينغ يانغ " والتي حملت عنوان " زهرات نانجينج " المدينة التي وقعت فيها أحداث الفيلم ، في فترة الحرب الصينية اليابانية جرت أحداث دموية ، في هذا الفيلم بالتحديد ترى أمامك أكثر من شخص أنقذوا العالم من حولهم ، بل ساهموا بكل ما يملكونه من روح مؤثرة على التضحية والروح الصينية معروفة بالتضحية بكل شيء في سبيل روح أرضها ووطنها ، برز ذلك بشكل عميق عبر شخصية الضابط الصيني الذي ظل يقاومه ويحارب من أجل وطنه حتى آخر رمق في روحه ، وجسدت أيضا عند صبي الكنيسة والذي استطاع أن ينقذ فتيات الكنيسة الثلاث عشر الصغيرات واللواتي في مثل سنه تقريبا ، قادهم بكل مسؤولية إلى الكنيسة حيث الأمان النسبي في وقت شتت رصاصات اليابانيين الغريزة عليهم في أن تضل فتاتين شمل المجموعة ، فتعتصران جسدهما المرتجفين من الرعب أكثر من الجوع والصقيع في برميل عتيق ومثقوب ، في تلك اللحظة تجدان أمامهما عبر فتحة البرميل الحانوت الأمريكي " جون ميلر " الذي جاء ليدفن جثة قسيس متوفى في الكنيسة نفسها التي تضم الفتيات تجمعهم طرق واحدة ومصالحهم مختلفة في البداية ، غير أن هذا الحانوت الأمريكي في النهاية وبروح مسؤولية ومؤثرة بالحرب يقوم على تهريبهن من جحيم الحرب الدائرة إلى أفق فيه رائحة السلام والنقاء ، تلك المهمة ما كانت تتم لولا عاهرات صينيات واللواتي حللن مكان الفتيات الثلاث عشر الصغيرات ليكن وليمة لضباط كبار شبقين وقساة القلوب .. هنا في زهرات الحرب كل روح تسامت على نفسها لتمد روح الإخاء والإيثار لغيرها بمنتهى التضحية والإنسانية الخلاقة ..
ليس بالفعل وحده تنقذ العالم أيضا بالكلمات ، بكلمة الحق ، الكلمة الشجاعة و الصامدة ، الحقيقة والمسؤولة التي تقال في وقتها وحينها يمكن أن تنقذك أو تنقذ من حولك أو تنقذ العالم ؛ ومن واقع تجربتي الشخصية في السنة الجامعية الثالثة استقبلنا العام الجديد بأساتذة جدد كان من ضمنهم دكتور عرف بشدته وقسوته في التعاطي مع الآخر فرغبنا عنه وعن فصوله التي كنا نستقبلها بروح مثقلة بالهم والخوف أحيانا لمزاجه الغريب ، وفي يوم جاء الدكتور حاملا معه استبانات شخصية وزعها علينا كي نقيّم أداؤه أثناء الفصل الدراسي طلبا من عميد الكلية ، غدت الاستبانة بين يدي كقارب في عمق عاصفة ما بين أن أبوح الحقيقة أو أجامل كي أنجو ، واخترت الحقيقة المكلّفة بعد أن سلمت ورقتي وعليها كامل اسمي غمرتني راحة كبيرة وخفة روحية هائلة رغم إنني توقعت نتائج فظيعة على الرأيي الصريح الذي أبديته ، هذا إن لم يرم الدكتور الأوراق في القمامة ، فعادة معظم هذه الاستبانات تكون شكلية ونادرا ما تنال الاهتمام التي تستحق ، ولكن بعد مرور أسبوعين وقف الدكتور نفسه أمامنا في القاعة بوجه حزين ، ونبرة تشبه تقاطيعه الغائمة ، ليعلن بصوت اعترافي كئيب أنه قرأ الأوراق وثمة ورقة وقف عندها طويلا ثم أضاف : لم أكن أعرف بأنني شخص جامد وقاسي القلب وأنني أبدو كالوحش بتعبير إحداكن ..! لم أكن أعرف بأنني كذلك ، لم يصارحني بذلك أحد قط ..!
ما حدث أن تأثير الكلمات الصادقة لامست قلب هذا الدكتور وخطت تأثيرها فيه فاستحالته من تمثال شمعي إلى إنسان حقيقي يتعاطى بمنتهى الاحترام والتقدير مع الآخر .. وفي نهاية السنة الجامعية قال لي بنبرة احترام كبيرة لم تغادرني حتى اللحظة : شكرا يا ابنتي ، لأني بفضلك اكتشفت نفسي ..!
دائما أؤمن بأن الشجرة القاسية تكسرها الريح ، لكن العشبة اللينة تميل وتنتظر ثم تستقيم ، الطري ينجو ، لا يفنى ثم ينمو ويعلو ..

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 8 أبريل، 2014

لأني سوداء ..!

لأني سوداء ..!

جريدة الرؤية العمانية

لفت نظري وأنا أعبر كقارئة على بعض حوارات أجريت مع الكاتبة الفرنسية من أصل أفريقي " ماري ندياي " الكاتبة التي أهدتها أمها الفرنسية التي تعمل أستاذة في مادة العلوم الطبيعية في عيد ميلادها العاشر آلة كاتبة ، لعلها استشفت باكرا أن ابنتها مشروع كاتبة ولم يخب حدسها ونادرا ما يخيب حدس - الأمهات الطيبات - فبعد سبعة أعوام قدمت " ماري ندياي " روايتها الأولى التي بعثتها لثلاث دور نشر مختلفة ، فتتفاجأ وهي ما تزال طالبة في مدرسة ثانوية ، المراهقة في عامها السابع عشر أن ناشر دار الباريسية " مينوي " برعاية " جيروم لندون " ومعه عقد نشر روايتها البكر المسمى " بالنسبة للمستقبل الغني " عام 1985م ..
ولدت " ماري ندياي " عام 1967م في بيتيفير " وسط فرنسا " من أم فرنسية وأب سنغالي ، الأب الذي لم تقابله سوى في مرحلة متأخرة من حياتها ، هذه الكاتبة أثبتت أنها مشروع روائي بامتياز وموهبتها العميقة على خطى الكبار رشحتها لأهم وأعرق جائزة فرنسية وهي جائزة " غونكور " الأدبية لتنالها عن جدارة عام 2009م عن روايتها " نساء قويات " فأصبحت عالمية ومن أكثر الكاتبات قراءة في الولايات المتحدة الأمريكية وأرجاء أخرى من العالم ..
" ماري ندياي " أول امرأة تفوز بالجائزة مذ عام 1998م ، وكما صرحت الجائزة بأنها " أول امرأة سوداء " تحصل عليها ، وهي رفضت التعليق على هذا التجنيس الذي يصنفها على لون بشرتها .. !
و ما يثير حقا في حياة هذه الكاتبة أنها في مرحلة من حياتها وقبل فوزها بالجائزة غادرت مسقط رأسها " فرنسا " لتستقر مع زوجها في ألمانيا ، وظل خبر هجرتها مبهما وغريبا مما لفت نظر الصحف والصحفيين خاصة بعد نيلها لجائزة عريقة كــ" غونكور " وفي فرنسا وحينئذ صرحت بجسارة قائلة : " أن الثلاثية " إخاء ، حرية ، مساواة " التي تعلو واجهات المباني العامة في مدن وقرى فرنسا وسفاراتها والتي جعلت من فرنسا بلد الحريات أصبحت الآن في خبر كان " ..!
لقد غادرت " ماري ندياي " فرنسا كرفض قاطع وعلني لكل ممارسات البوليسية والوحشية والمثيرة للغثيان على - حد تعبيرها - والتي غزت أوصال فرنسا في عهد الرئيس السابق " نيكولاي ساركوزي " وموقفهم المشين على المهاجرين والحالة نفسها على ما يبدو في تنام مستمر ، لهذا اختارت الهرب كوسيلة اعتراض على أن تظل خاضعة في بلد لا يحترم طبيعتها ولا اختلافها بل اختصرت كيانها الإنساني على لون جلدها وعلى أصولها الأفريقية وهي التي عبرت بقولها : " فكرة الثبات هذه عارية عن الصحة ، فالإنسان يشبه النهر ، إنك تواصل تغيير مزاجك ؛ لذا لا داعي لتربك نفسك بفكرة الثبات الساذجة ، فكل من يقلق حيال فكرة الثبات يصبح غير حقيقي " ..
وتداعت تلك الضغوط على المهاجرين العاديين وشملت الكتاب والمبدعين أيضا مما جعل البعض يعترض بحقد كما نشرت صحيفة " نيويورك تايمز " بترجمة " أحمد فاضل " في مقالة عنونت بــتعبير عنصري يعبر عن مدى فظاعة الوضع " منتج فرنسي بحت ولكن ببشرة سوداء " سرد فيه عن تلك الضجة السياسية داخل البرلمان الفرنسي ، حينما دعا أحد أعضائه إلى طرد المهاجرين من أصول أفريقية من فرنسا ، بسبب منافستهم البيض حتى على أرفع الجوائز هناك ، وهو ما اعتبرته " ندياي" أمرا وحشيا ، لأنها وبتعبير أغلب من وقفوا ضد تلك التصريحات : أن " ندياي" تمثل فرنسا متعددة الأعراق ، وصوتها هو صوت الشتات الأفريقي فيها ، ومع اعتزازها بفرنسيتها التي غادرتها الى ألمانيا بسبب سياسات ساركوزي تجاه المهاجرين الأفارقة ، فقد دأبت في جميع كتاباتها من تمجيد أصولها السنغالية ، التي ينتمي إليها والدها الذي قدم فرنسا كطالب عام 1960م ليتزوج من والدتها الفرنسية ، فرواية "ثلاث نساء قويات" إشارة قوية منها لذلك التمجيد، مع ما أثبتته من كفاءة وموهبة أدبية نتيجة خصوبة وسعة خيال، جعلتها مميزة ومعروفة في الأدب الفرنسي الحديث..
ما يدعو للإعجاب في شخصية الكاتبة " ماري ندياي " هو مبدأها الصارم ككاتبة وموقفها الشجاع كإنسانة والذي لا يخضع أو ينحني تجاه كل ما هو مرتبط بمصالحها ؛ فهي عبرت عن موقفها الشجاع تجاه حكم ساركوزي والوضع المزري في فرنسا والممارسات العنصرية واللاإنسانية ، ولم تمنعها الجائزة في كسر مبدئها الصارم في أن تسكت ، أو حتى تستحيل إلى موظف حكومي ، وظلت على موقفها على الرغم من كل شيء حتى وصل الأمر أن يرسل أحد مسؤولي الحزب الحاكم رسالة الى وزير الثقافة الفرنسي يطلعه على تصريحات " ندياي " والتي طلب منه إبلاغها بعدم تشويه سمعة فرنسا ..
موقف الكاتبة " ماري ندياي " يثبت حالة فوبيا التي تعيشها فرنسا تجاه كل ما هو ليس بفرنسي ، تجاه المهاجرين وتجاه المسلمين ، سبق وأشار الكاتب " أمين معلوف " في كتابه " هويات قاتلة " إلى أن الفرنسيين باتوا لا تثيرهم العولمة ولا انترنت وذلك ناجم عن خوف أن هذا يؤثر على مكانتهم غدا وثقافتهم ولغتهم ، ومنهم يرون أن العولمة مرادفة اليوم للأمركة ؛ لهذا يمتعضون من افتتاح مطعم للوجبات السريعة في حيّهم ، وحانقون على هوليوود ، والـــ" NN  " ، وديزني ، والميكروسوفت ، ويطاردون في الصحف أية صيغة يُشتبه أنها تتسم بالطابع الإنجليزي ..!*
ويبدو أن أناشيدهم عن الحرية ستكون في قادم الأعوام مجرد ظواهر صوتية ..!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
·         لقراءة المقالة كاملة " أوروبا واختلال العالم " ، كتاب هواجس غرفة العالم ، ليلى البلوشي ، ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ..


ليلى البلوشي

الثلاثاء، 1 أبريل، 2014

وصمة الحرب البشرية ..!

وصمة الحرب البشرية ..!


نشر في الرؤية

يقول الروائي الأمريكي " فيليب روث " في إحدى صفحات روايته " الوصمة البشرية " : " الشيء الأسوأ من الموت ، إن كان ثمة ما هو أسوأ من أن تكون ميتا " ..!
في هذه الرواية لامس " فيليب روث " عدة قضايا سياسية تتناول القشرة الأمريكية الداخلية وغلافها الخارجي أيضا ولعل من أكثرها تأثيرا على النفس الإنسانية هي لعنة الحرب الفيتنامية التي خاضها الجنود الأمريكان وبداية الجحيم كانت في الخمسينيات حين شرعت الولايات المتحدة في إرسال مستشارين مدنيين وعسكريين لفيتنام الجنوبية ، وبحلول عام 1965م بدأت في إرسال قوات عسكرية وشن غارات جوية على فيتنام الشمالية واستمر التورط الأمريكي في هذه الحرب حتى عام 1973م ..!
في تلك الحرب التي غدت أشبه بالجحيم إن لم نقل الجحيم بعينه ؛ فتأثير هذه الحرب شملت الأمريكي والفيتنامي على حد سواء ، إنها الحرب ولا رابح مطلقا ، لا رابح أبدا مهما افتعلنا النصر فنحن مهزومون ، لأن رائحة الدم التي تبعثها جثة الأرض المغتصبة بالقنابل والرشاشات والقذائف لا تخلف سوى ذاكرة دموية بشعة ..
في هذه الرواية يكشط " فيليب روث " روح الهزيمة والرعب التي ظل الجندي الأمريكي يعايشها ككابوس لم تبرح ذاكرته المريرة قط ولن تبرح ..! حتى أصبح مألوفا لديه ما يسمى بحرب ما وراء فيتنام وعلى لسان إحدى الشخصيات يفصل " فيليب روث " أزمة الحرب النفسية : " إنه في مهمة انتحارية ومن داخلها كان يفكر في الزمن العصيب . لا كلمات . لا أفكار . إنه النظر مجردا ، الانصات . التذوق ، الشم ، إنه الغضب . إنزيم الأدرينالين ، إنه الاستقالة لسنا في فيتنام . نحن فيما وراء فيتنام " ..!
على لسان الجندي " لوي " العائد من الموت الفيتنامي والدمار الفيتنامي أخضعته لعنة تلك الحرب لجلسات علاج نفسية مكثفة فبعد عودته اللاعودة ، فقد السيطرة على العالم الصغير من حوله على نفسه المقفصّة في وصمة تلك الحرب ، وعلى زوجته التي كان يضربها بقضيب حديدي كتنفيس عن حالة الضياع النفسي ، وعلى طفليه اللذين فقدا حنان أبوته كرجل مسؤول ..
عدة نماذج عصرها الروائي " فيليب روث " وحاول استشفاف جرحها النفسي الكثيف في صفحات روايته " الوصمة البشرية " ولعل الجندي الذي عاد من الحرب وانسحب من العالم إلى منطقة ريفية نائية يمارس فيه طقس صيد الأسماك في منطقة جليدية محاطة بفراء متين من الصقيع ليلغي ذاكرة موشومة بحرب دموية عنيفة كان جزءا منها .. مما جعله يهذر نفسيا في آخر صفحات الرواية : " عدت من فيتنام بكل غضب واستياء العالمين أصبت بـــ PTSD  ما يطلق عليه اضطرابات إجهاد ما بعد الصدمة .. حينما عدت لم أكن أريد أن أعرف أي إنسان ـ عدت ولم أتعلق أو أتواصل مع أي شيء مما يحدث حولي هناك ، بقدر ما كانت تسمح به متطلبات المعيشة الحضرية ، كان الأمر كأنما كنت هناك لأودع العالم ، كان جنونا تاما "
يتابع الرجل وصف وصمته الحادة معترفا بصوت تسكنه رجفة الحرب رغم مرور عبء تلك الأعوام الراجفة باللعنة : " ألبس ملابس نظيفة والناس يقولون هالو ، والناس يبتسمون والناس يتفرقون في جماعات والناس يقودون سيارات ، لم أعد أستطيع أن أتواصل مع كل هذا أكثر ، لم أكن أعرف كيف أتكلم مع أي إنسان لم أعرف كيف أقول هالو لأي إنسان .. انسحب لمدة طويلة .. " !
" كانت حرب فيتنام أسوأ أزمة تمر بها أمريكا منذ الحرب الأهلية ، وقد بلغ عدد قتلى الجيش الأمريكي 58 ألف ، بينما فاق عدد قتلى شطري فيتنام ، بمن فيهم المدنيين ، المليونين ، وكانت حرب مكلفة على أمريكا، إذ بلغ الإنفاق عليها ألفين بليون دولار في الشهر، أدى ذلك لآثار اقتصادية سيئة تسببت في تضخم أعقبه كساد ، استمرت آثاره طيلة عقدي السبعينيات والثمانينيات ، أما اجتماعيا فقد أدت لنمو حركة اليسار الجديد التي استمدت قوة دفع من الحركة الشعبية المناوئة للحرب وحركة الحقوق المدنية" *
ولهذا بعد حرب فيتنام تشكلت لدى الجنود الأمريكيين عقدة ضخمة كورم تجاه كل ما هو آسيوي اتخذت طابعها مع الزمن بالـــ" عقدة الفيتنامية " والسؤال المرير الذي يتشكل بدوره كأزمة متعاظمة : ترى كم عقدة لغمها هؤلاء الجنود الأمريكيون في عالمنا اليوم ، في داخل كل إنسان ذاق لعنة الوجود الأمريكي في صميم بلاده ..؟!
بما أننا نتحدث عن لعنة الحرب الفيتنامية فإن أمريكا خلفت آثار دمار شاملة في فيتنام الشمالية التي ظلت  تقصفها وتبيدها بلا رحمة رغم وجود أشخاص عزل ، عرضت كصدمة في تغطية تلفازية التي كشفت عن فظائع الحرب داخل ملايين المنازل الأمريكية ، كما أدى اتهام قوات الولايات المتحدة باستخدام مبيدات الحشائش لتجريد مناطق شاسعة من الأدغال الفيتنامية من أوراقها إلى احتجاج دولي واسع النطاق ، ومن أشهر تلك المظاهر الوحشية إبادة الملازم الأميركي " وليام كالي "  للمدنيين العزل في قرية لاي عام 1968م وقد تمت محاكمته عسكريا عام 1971م .. مما جعل الشعب الأمريكي يخرج في احتجاج كبير ومناهض لهذه الحرب البشعة بكامل حواسها الإنسانية ..!
ولعل صورة الطفلة الفيتنامية " كيم فوك " التي مر عليها ما يقرب 42 عاما على حرب فيتنام ، الصورة التي كانت سببا لغلق فوهة تلك الحرب المدمرة ، الصورة التي وشمت ذاكرة الرعب في رأس طفلة كانت تحمل في أعماقها براءة العالم ونقائه تم التقاطها في 8 يونيو 1972م في قرية ترانج بانج الفيتنامية بواسطة المصور الصحفي المولود في الهند الصينية " نيك أوت " وتظهر فيها " كيم فوك " الطفلة الفيتنامية في الصور عارية تماماً وهي تجري منطلقة في اتجاه الكاميرا تصرخ بنحيب طفولي محطم كبر ملايين السنين قبل أوانه : " ساخن جدا .. ساخن جدا ..! " من آلام احتراق جسدها من الخلف بفعل نابالم القوات الفيتنامية الجنوبية ، ففي 8 يونيو 1972م قامت الطائرات الفيتنامية الجنوبية بالتنسيق مع القوات الأمريكية بقصف قرية تراج بانج بقنبلة نابالم بعدما احتلتها القوات الفيتنامية الشمالية ..
وبقيت هذه الطفلة حية كتاريخ شاهد ، كسيرة مأساوية تنبض بالحياة على الرغم من وشم الحرب على جسدها وذاكرتها ، حية بكامل روحها النقية لتقول بثقة وشجاعة نادرتين في وجه جلاديها : " صفة التسامح جعلتني متصالحة مع نفسي مازال جسدي يحمل العديد من الأثار وآلام شديدة في معظم الأيام ولكن قلبي مازال صافياً " ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
·        مقالة " الدرس الفيتنامي لأمريكا 1954 – 1975م " بابكر عباس الأمين ..