الاثنين، 14 أبريل، 2014

أشخاص أنقذوا العالم

أشخاص أنقذوا العالم

جريدة الرؤية

1-" جورج هوغ " : اسم هذا الرجل ، المراسل الصحفي البريطاني الذي مات نتيجة الملاريا في الصين لا يمر مرورا عابرا ، بل إلى اليوم على رغم من كل أعوام الحرب مازال هناك من يذكره خاصة أطفاله والذين أصبحوا يعرفون بــ" أطفال هوانغ شو " وهو الاسم الذي كان الصينيون ينادونه به ، حكاية إنسانية عميقة خلفها هذا الإنسان النبيل في أرض ليست أرضه ، في وطن ليست وطنه وبين شعب ليس شعبه لكن مذهب الإنسانية هي الأعمق في قلبه وفكره جعله يقدم روحه لستين طفلا صينيا في زمن الحرب الدائرة ما بين اليابان والصين ، في تلك الحرب المندلعة وجد " جورج هوغ " أن من واجبه كصحفي أن يوثق أعمال العنف تلك المذابح التي اقترفها اليابانيون في حق مدنيين صينيين عزل ، أكوام من الجثث قام بالتقاطها بكاميرته وحين اكتشف أمره عزمت السلطات اليابانية محاكمته بالإعدام بالسيف وينجو بفضل ضابط صيني مقاوم والذي يحاول اقناعه على مغادرة الحرب إلى قنصليته البريطانية لتحميه وتقوم بترحيله ، ولكن عوضا عن ذلك يختار الحرب ، ويجد نفسه في ملجأ للأيتام مع مجموعة من أطفال صينيين فقدوا آباؤهم بطريقة بشعة شمعت صورهم في ذاكرتهم كوشم أبدي ، يقوم " جورج هوغ " بالعناية بهؤلاء الأطفال الذين سلبت الحرب طفولتهم ، وداست على براءتهم ، فيسعى بكامل إنسانيته على ترميم أرواحهم قبل أن يفلح في نظافتهم وتعليمهم اللغة ، واكسابهم فنون التعاطي مع الحياة ، ولم تتوقف روحه الإنسانية المعطاءة عند هذا الحد بل يعزم على إبعاد الصغار حين يحاول القوميون الصينيون بعد نهاية الحرب على استعادتهم وإبعاد البريطاني الذي رعاهم عنهم لأن دماؤهم صينية ، ولهذا يسعى بروح شجاعة على ترحيلهم إلى بر الأمان ، إلى مكان لا يخضع لقانون المصالح السياسية ، وعبر مسيرة دامت ما يقارب ثلاثة أشهر محفوفة بالمخاطر وصقيع شتائي لا يرحم سعيا لإنقاذ أرواحهم وبقية من طفولتهم ، تلك المسيرة التي اشتهرت فيما بعد بمسيرة " مسيرة الأطفال الطويلة " ستون طفلا أنقذهم " جورج هوغ " ودفن هناك بين قلوبهم الطيعة بالمحبة والسلام ، وأطفاله الذين أصبحوا اليوم عجائز كبار ووجوههم محفوفة بالتجاعيد لكن قلوبهم الحية ما تزال تنبض باسم معلمهم وأبيهم الروحي الذي أصبحوا أحياء بفضل شجاعته وروحه الإنسانية الطليقة ..
2- " بول روساساباغيتا " : هناك صلة ما بين هذا الرجل العظيم وفندق في يقع في رواندا يدعى " لاي ميل كولين " برزت إنسانيته في فترة حرجة من تاريخ رواندا أثناء حرب أهلية فجرها خطاب الكراهية والروح الشريرة التي خيمت على طغاة تلك المرحلة ، الذين قاموا بزرع وهم الاختلاف ما بين قبيلتين ، قبيلة " الهوتي " وقبيلة " التوتسي " طالما عاشوا في المدينة نفسها ، وعبروا عبر الطريق نفسه ، وعملوا ، وتزاوجوا ، وعاشوا مع بعضهم بسلام ولكن لعنة السلطة هي التي كسرت المحبة بين هاتين القبيلتين وفصلتهم بكم هائل من الكراهية العمياء .. سأل التوتسي : لماذا هذا العالم قاس لهذه الدرجة ..؟ أجاب الهوتي : إنه الكراهية ..!
" بول روساساباغيتا " هو رجل ينتمي لقبيلة الهوتي الأكثرية متزوج من امرأة يحبها وتنتمي إلى قبيلة التوتسي وهم الأقلية ولهم ثلاث أطفال يعيشون حياة غامرة بالسعادة والحب ، ولكن سرطان الحرب السياسية تعكر صفو حياتهما فهما من قبيلتين أصبحتا عدوتين كما يزعق - الصوت الوحشي – الصارخ في المذياع وكما تعلن سكاكين وسيوف وعصي الهوتي الذين يطاردون التوتسيين أو " الصراصير " كما أطلقوا عليهم ، ليقتادوهم إلى مذبحة إبادة جماعية خلفت حوالي مليون توتسي وسط خرس العالم ، في تلك الحرب البشعة والمشبعة بالكراهية وجد " بول " نفسه مسؤولا ليس فقط عن إنقاذ حياة زوجته وأطفاله بل أيضا عن جيرانه وكل توتسي وثق به والتجأوا إلى فندقه كونه مديرا للفندق ، فحرص على استقبال أكثر من ألف شخص من توتسي وأنقذهم من المجزرة الهائلة .. بروح إنسانية عظيمة بذل بول كل ما في وسعه كي ينقذ أرواح أشخاص لم يكن لهم ذنب بأطماع السياسيين ولا كراهيتهم المقيتة ، وإلى اليوم يذكر تاريخ قبيلة التوتسي فضل إنسان يدعى " بول روساساباغيتا " الذي كان كملاك الرحمة في زمن القسوة حين تفرج عليهم البيض بغثيان العنصرية ، وقاموا فقط بإنقاذ ذوي الجلود البيضاء ، باعتبار أن ذوي جلود السوداء قذرون ورخيصون ، في زمن الكراهية والخيبة لم يكن " بول " يملك سوى قلبه الخام وروحه الإنسانية الحرة وبهما أنقذ أرواحا بريئة ..
3- زهرات الحرب : فيلم مقتبس عن رواية " كالينغ يانغ " والتي حملت عنوان " زهرات نانجينج " المدينة التي وقعت فيها أحداث الفيلم ، في فترة الحرب الصينية اليابانية جرت أحداث دموية ، في هذا الفيلم بالتحديد ترى أمامك أكثر من شخص أنقذوا العالم من حولهم ، بل ساهموا بكل ما يملكونه من روح مؤثرة على التضحية والروح الصينية معروفة بالتضحية بكل شيء في سبيل روح أرضها ووطنها ، برز ذلك بشكل عميق عبر شخصية الضابط الصيني الذي ظل يقاومه ويحارب من أجل وطنه حتى آخر رمق في روحه ، وجسدت أيضا عند صبي الكنيسة والذي استطاع أن ينقذ فتيات الكنيسة الثلاث عشر الصغيرات واللواتي في مثل سنه تقريبا ، قادهم بكل مسؤولية إلى الكنيسة حيث الأمان النسبي في وقت شتت رصاصات اليابانيين الغريزة عليهم في أن تضل فتاتين شمل المجموعة ، فتعتصران جسدهما المرتجفين من الرعب أكثر من الجوع والصقيع في برميل عتيق ومثقوب ، في تلك اللحظة تجدان أمامهما عبر فتحة البرميل الحانوت الأمريكي " جون ميلر " الذي جاء ليدفن جثة قسيس متوفى في الكنيسة نفسها التي تضم الفتيات تجمعهم طرق واحدة ومصالحهم مختلفة في البداية ، غير أن هذا الحانوت الأمريكي في النهاية وبروح مسؤولية ومؤثرة بالحرب يقوم على تهريبهن من جحيم الحرب الدائرة إلى أفق فيه رائحة السلام والنقاء ، تلك المهمة ما كانت تتم لولا عاهرات صينيات واللواتي حللن مكان الفتيات الثلاث عشر الصغيرات ليكن وليمة لضباط كبار شبقين وقساة القلوب .. هنا في زهرات الحرب كل روح تسامت على نفسها لتمد روح الإخاء والإيثار لغيرها بمنتهى التضحية والإنسانية الخلاقة ..
ليس بالفعل وحده تنقذ العالم أيضا بالكلمات ، بكلمة الحق ، الكلمة الشجاعة و الصامدة ، الحقيقة والمسؤولة التي تقال في وقتها وحينها يمكن أن تنقذك أو تنقذ من حولك أو تنقذ العالم ؛ ومن واقع تجربتي الشخصية في السنة الجامعية الثالثة استقبلنا العام الجديد بأساتذة جدد كان من ضمنهم دكتور عرف بشدته وقسوته في التعاطي مع الآخر فرغبنا عنه وعن فصوله التي كنا نستقبلها بروح مثقلة بالهم والخوف أحيانا لمزاجه الغريب ، وفي يوم جاء الدكتور حاملا معه استبانات شخصية وزعها علينا كي نقيّم أداؤه أثناء الفصل الدراسي طلبا من عميد الكلية ، غدت الاستبانة بين يدي كقارب في عمق عاصفة ما بين أن أبوح الحقيقة أو أجامل كي أنجو ، واخترت الحقيقة المكلّفة بعد أن سلمت ورقتي وعليها كامل اسمي غمرتني راحة كبيرة وخفة روحية هائلة رغم إنني توقعت نتائج فظيعة على الرأيي الصريح الذي أبديته ، هذا إن لم يرم الدكتور الأوراق في القمامة ، فعادة معظم هذه الاستبانات تكون شكلية ونادرا ما تنال الاهتمام التي تستحق ، ولكن بعد مرور أسبوعين وقف الدكتور نفسه أمامنا في القاعة بوجه حزين ، ونبرة تشبه تقاطيعه الغائمة ، ليعلن بصوت اعترافي كئيب أنه قرأ الأوراق وثمة ورقة وقف عندها طويلا ثم أضاف : لم أكن أعرف بأنني شخص جامد وقاسي القلب وأنني أبدو كالوحش بتعبير إحداكن ..! لم أكن أعرف بأنني كذلك ، لم يصارحني بذلك أحد قط ..!
ما حدث أن تأثير الكلمات الصادقة لامست قلب هذا الدكتور وخطت تأثيرها فيه فاستحالته من تمثال شمعي إلى إنسان حقيقي يتعاطى بمنتهى الاحترام والتقدير مع الآخر .. وفي نهاية السنة الجامعية قال لي بنبرة احترام كبيرة لم تغادرني حتى اللحظة : شكرا يا ابنتي ، لأني بفضلك اكتشفت نفسي ..!
دائما أؤمن بأن الشجرة القاسية تكسرها الريح ، لكن العشبة اللينة تميل وتنتظر ثم تستقيم ، الطري ينجو ، لا يفنى ثم ينمو ويعلو ..

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق