الثلاثاء، 28 أكتوبر، 2014

الجنة على شكل مكتبة

الجنة على شكل مكتبة

أؤمن بشدة بعبارة " بورخيس " في إحدى قصائده : " وأنا الذي تخيلت دوما الجنة على شكل مكتبة " ..
يفيض هذا الكون بالكتب .. يتلون ويتشكل يقصر ويطول .. وما أكثر الخيارات من حولنا ..! ووحده الجاحد من يعيش على لغة الأعذار في هذا العالم القرائي بإمتياز ، أقول هذا لأن حتى الأميّ في مظاهرات واعتصامات الربيع العربي كان يحمل لافطة أو اثنتين على _ أقل تقدير _ وثمة عبارة إنسانية . اجتماعية . سياسية . اقتصادية يؤمن بها مما دعاه إلى جهد رفعها طوال فترات المطالبة بالكرامة والحرية الإنسانية ..!
ولعل ذات الشخص – الأميّ – طلب من أحد المتعلمين قراءة بصوت مسموع ما تقوله الصحف المتنوعة والمتفشية في شوارع المظاهرات ..إننا في عالم قرائي شاسع ، ولكل كتاب موقف ومكان وزمان وحياة ، أو اندثار في هيئة حبس على رف رثّ في مكتبة تزعمها عنكبوت شائخ ..!
دعوني أثرثر هنا عن كتبي وعلاقتي بكل فروعها ..
هناك كتب للمشاوير السريعة كالطريق من البيت إلى السوق ، كانتظار في ردهة المشفى ، كأوقات الفراغ في مقر العمل ، في مثل هذه الحالات انتشل كتابا شعريا من مكتبتي وبأي لغة كانت لأي شاعر محلي عربي كان  أم غربي ؛ ليكون رفيقي الحقيقي خلال هذه الفسحة من الزمن ..
هناك كتب للأوقات المهمة ، لساعات الفراغ الطويلة كعطل نهاية الأسبوع أو العطل السنوية ، ففي هذه الحالات وحدها الروايات الضخمة وكتب علوم النفس المعقدة والدراسات الاجتماعية والفلسفية والتشريعية تتناسب والعطلة الممتدة ..
هناك كتب لا تُقرأ سوى مع الآخرين ، كتب وجدت للصحبة مع قراء مدهشين من نوع خاص .. كالقصص التي تتناول الأطفال أو الموجهة إليهم ، وغالبا ما اقرأها مع أطفال العائلة أو مع تلميذاتي في المدرسة ، وهي تجربة أثمرت عن خيالات مبدعة ، فالمسألة تطورت من مجرد قراءة بصوت حكائي إلى تمثيل هذه القصص كمسرحيات ، وفسح المجال لخيال التلميذات لاستكمال نهاية القصة المقروءة أو تخيل أحداث لم نتطرق إليها أو تخيل مقدمة / نهاية مختلفة للأحداث ، إنها أشبه بعملية إعادة كتابة الكتاب بطريقتنا الخاصة ..!
هناك كتب للمطبخ ولغرفة الغسيل ، تترك الطبخة على نار هادئة لتغوص في طبخة قرائية مشتهى ببهارات من نوع آخر ، أما غرفة الغسيل فالروايات القصيرة ذات السهل الممتنع تفي بالغرض جدا ..
هناك كتب لا أقرأها إلا عند مشاهدة التلفاز أو متابعة فيلم ، ففترة الاعلانات التجارية جيدة كفسحة استغلال لقراءة شيء يسير من مقالة مسطرة في كتاب ما أو متابعة موضوع لافت للاهتمام من إحدى المواقع الالكترونية أو تصفح مجلات والصحف ..
ثمة كتب خلقت لتكون رفقة لنا في السفر ، وأحرص في مثل هذه الأوقات على الاصطحاب معي كتب تضاعف من حجم استمتاعي أو تلك الكتب القريبة من القلب ، وسبق أن قمت بقراءتها فيكون السفر مع حضور الكسل خير وسيلة لإعادة ما سبق وخضت عوالمه ، فتكون قراءتها هنا بمثابة استجمام واسترجاع ..
هناك كتب احتياطية أحملها معي في الحقيبة ، وحقائبي مصدر تندر من صديقاتي ، فهي مستودعات لكل شيء حتى كتاب يسلي أي عابر سبيل أو وحيد ، وهناك كتاب أحمله معي ليس لضرورات القراءة وحدها ، بل لأستدعي شعورا ما في داخلي كون أني لا أخرج من المنزل فارغة ؛ فحقائبنا نحن النساء لا تخلو على أقل تقدير من أحمر شفاه ، وعلبة تزيين صغيرة ، ومرآة ، وزجاجة عطر ، فلماذا لا يغدو طبيعيا أن يكون من ضمن هذه الحمولات التي تحطّم أكتافنا أحيانا كتاب أنيق لتجميل الداخل ..؟!
وثمة كتاب لا يحلو لنا قراءته سوى على سرير وثير بخيالاتنا والكتاب الذي أغوانا إلى عوالمه وكم تستهويني المجاميع القصصية في مثل هذه الحالة خاصة الخيالية منها أو سيرة مشبعة بالإنسانية ..!
وكتب ما قبل الخلود إلى النوم ؛ لتكون زادنا نحن - الحالمين - بواقع أجمل ، الروايات المترجمة عن خيال العلمي وكتب الرحلات إلى مدن غامضة ، هناك حيث نتعرّف على ذواتنا الأخرى ..!
" هناك باب موصد حتى نهاية الأزمنة / بين كتب مكتبتي / هناك كتاب لن أفتحه أبدا " ..
أجل يا " بورخيس " لن أفتحه أبدا ، كي أحتفظ كقارئة فضولية شغف فتحه يوما ما ..!
ليلى البلوشي

الخميس، 23 أكتوبر، 2014

الحكاءة " ماريا مرغريتا " راوية للأفلام ..

الحكاءة " ماريا مرغريتا " راوية للأفلام

" لقد قرأت في أحد الأيام جملة – لابد أنها لكاتب مشهور – تقول شيئا بمعنى أن الحياة مصنوعة من مادة الأحلام نفسها .. أما أنا أقول : إن الحياة يمكن لها أن تكون مصنوعة بالضبط من مادة الأفلام نفسها " ..
هكذا تعترف " ماريا مرغريتا " في الفصل الرابع والعشرين من رواية " راوية الأفلام " ؛ فمن هي " ماريا مرغريتا " وما هي حكاية راوية الأفلام ..؟
في رواية سهلة ولذيذة في آن تتشبث الحكاية بصوت طفلة في الحادية عشر من عمرها ، والتي ترقب الأب المولع بالسينما ولادتها كي يطلق عليها اسم الممثلة الأثيرة لديه ، والتي أغرت العالم في عصرها وما يزال إغراؤها حديث الناس اليوم " مارلين مونرو " ، ولكن أم الطفلة والتي كانت تقلد حركات ومشية " مارلين مونرو " رفضت تحقيق أمنية الأب ، ليختار على مضض اسما آخر لابنته المنتظرة عزاؤه هو حرفيّ ميم في اسمها المركب ليكون " ماريا مرغريتا " ، غرامه كمشاهد لنجمة الإغراء الساحقة " مارلين مونرو " جعله يطلق على أبنائه الخمسة أسماء تبدأ بالميم ..
الطفلة التي تكبر بين أربعة أشقاء ذكور يعتني بهم الأب الذي كان عاملا في مناجم لاستخراج الملح في بقعة نائية من منطقة صحراوية بعد أن هجرتهم أمهم هاربة وراء أحلامها السينمائية من نوع آخر ورجل آخر حين تعرض الأب لحادث أقعده بقية حياته على كرسي بدواليب صنعها صغاره ؛ لعجزهم المادي عن شراء كرسي متحرك له ، الأب الذي يعتاد على عادة معاقرة الكحول بعد أن فرت منه المرأة التي أحبها لكنه يظل مولعا بالسينما كأنها عزاؤه الوحيد ، ولأن هذا الولع ، وهذه المتعة الوحيدة التي بقيت له بعد أن خسر زوجته وصحته تحتاج إلى إشباع ، لهذا يسعى إلى تحقيق متعته بطريقة فريدة من نوعها وهو اختيار راوي للأفلام من أبنائه الخمسة في تنافس أشبه بمسابقة واختيار أفضلهم مقدرة في سرد حكاية الفيلم الذي يشاهده في صالة السينما ، ليكون جديرا بتذكرة مشاهدة الأفلام في كل مرة وروايتها لهم ، فالأب يقوم بتوفير تذكرة واحدة لدخول السينما لواحد من أبنائه الخمسة للذي يكون الدور عليه ، لأن فقرهم المدقع لا يسمح بحضورهم جميعا الفيلم المعروض في صالة السينما الوحيدة في تلك الصحاري التي تخلو من كل متع الحياة ، لهذا كانت السينما هي المتنفس الوحيد لعمال معسكر المناجم وأسرهم الفقيرة ، وفي كل مرة يحضر أحد من الأبناء الفيلم ، فإن مهمته لا تنتهي بل يذهب رأسا إلى صالة المعيشة حيث ينتظره الأب العاجز على كرسيه وإخوته على مقعد عريض وبعد شرب الشاي يحكي لهم مشاهدات الفيلم بكامل تفاصيله ، وبعد أن يجتاز الأبناء الخمسة الاختبار يرشح الأب ابنته الصغيرة " ماريا مرغريتا " كي تكون حكاءة الأفلام لما تتمتع به من ملكة سرد الحكايات بأسلوب تمثيلي بديع مع حنجرة غناّءة ، هذه الطفلة التي بأسلوب سردها الفريد سرعان ما تكون ورقة رابحة لأسرتها حيث تتحول رواية تلك الأفلام إلى مصدر للرزق بنصيحة أحد الرجال الذين يقدرون الفن وقيمته في حياة الناس ، سرعان ما تكون " ماريا " التي تكبر مع كل فيلم تتابعه كما يكبر خيالها الخضب الراوية الأهم والأعظم في المعسكر الملح ، وفي كل بيت تذهب إليه يحمل أحد إخوتها صندوق الشاي الذي تضع فيه كل الأدوات والملابس والأقنعة التي صنعتها بنفسها لإضفاء مزيد من التشويق والخيال على تمثيلها ، وليكون تقديمها نابعا من قلب ممتلئ بالحكايات ، حتى أنها تستحوذ بصوتها الدافئ على عقول أهل المعسكر ؛ ليغدو ما ترويه بالنسبة لهم أفضل من الأفلام نفسها ، بل إن شغفها برواية تلك الأفلام يدفعها أحيانا إلى ادّعاء ما يشبه الكذب على العجائز حين كن يطلبن منها أفلاما قديمة كانت تمثل حقبتهن لم تكن راوية الأفلام قد شاهدتها من قبل ، ولكن كي تدخل إلى قلوبهم السعادة كانت تدّعي معرفتها بتلك الأفلام ، فتختلق أحداثها لهن بكل رحابة الخيال الذي كانت تملكه " أظن أنه كانت لي في العمق روح مدبرة مكابدة ؛ ففضلا عن أنني بمجرد رؤية صورتين أو ثلاث ملصقة على لوحة الإعلان الخارجية ، ومن خلال نظرة كاهن شبقة ، وتقطيب وجه طفلة ، وإيماءة راهبة متواطئة ، كنت أستطيع اختلاق حبكة وتخيل قصة متكاملة وتدبر فيلمي الخاص " ..
" ماريا " التي أدركت من تجربتها في رواية الأفلام أن الناس يحبون أن تروى لهم الأكاذيب ، وهذا يشابه ما ذهبت إليه الكاتبة التشيلية " إيزابيل الليندي " حين حكت مرة بأن زوج أمها كان يلقبها بـــ" حكاءة الأكاذيب " لأنها كانت تروي قصصا من خيالها البعيد المولع بكل ما هو ساحر وأخاذ ويستولي على عقول الناس بلهفة .. ويشابه أيضا ما صرّح به الكاتب " جورج أورويل " في كتابه " لماذا أكتب " حين أجاب عن هذا السؤال بقوله : " عندما أجلس لكتابة كتاب ، لا أقول لنفسي : سوف أنتج عملا فنيا .. أكتبه لأن هناك كذبة أريد فضحها ، حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها " .. أما الروائي الياباني " هاروكي موراكامي " ففي خطبته أثناء دعوة لاستلام جاهزة القدس للآداب 2009م أشار إلى مسألة الأكاذيب في حياة الروائي قائلا يومئذ : " لا أحد يتهم الروائي بالكذب وليس ثمة من يقول أن روائيا أرتكب عملا غير أخلاقيا في روايته حين أفترى على بطل من أبطال الرواية بل على العكس كلما كبرت الأكاذيب الروائي وأبدع في اختلاق أكاذيبه على الأرجح سوف يلقى إشادات لا حصر لها من الجمهور بشكل عام ومن النقاد ، لأنه حوّل الكذب إلى مهارة " ..
لكن أسطورة راوية الأفلام سرعان ما تستحيل إلى مجرد ذكرى تستعاد كحكاية أسطورية ، لعدة أسباب من ضمنها موت الأب الذي كان وراء تكوينها كراوية أفلام ، ولكن الحدث الأهم الذي كان وراء أفولها هو حضور " التلفزيون " الحدث الطارئ والاختراع الرهيب الذي سرعان ما غزا كل البيوت في ذاك المعسكر ، لتتحول " مارية مرغريتا " أو كما استعارت لنفسها اسما مستعارا " الحورية ديلسين " إلى مرشدة سياحية لمعسكر خلا من أهله تماما بعد أن انتهت مهمة عمال الملح في المعسكر ، لتحكي لكل عابر سياحي حكاية راوية الأفلام لتدهش حكايتها عقولا استعمرتها التقنيات التكنولوجية الحديثة ..
" ماريا مرغريتا " التي بفضل خيالها الفائض بقصص الأفلام استطاعت أن تتغلب على وحدتها في مكان خال من كل مظاهر الحياة الحديثة ..
ويبدو أن شغف رواية الأفلام كانت مستحوذة على كثير من البيئات في فترة ما قبل اختراع التلفزيون أو في دول منع عنهم هذا الاختراع كالصين ، حيث أن فكرة رواية " راوية الأفلام " ترجمة " صالح علماني " للكاتب التشيلي " إيرنان ريبيرا لتيلير " الذي ترعرع بدوره في قرية كان يستخرج أهله فيها الملح في وسط صحاري " أتاكاما " تلامس الفكرة التي عرضها الروائي الفرنسي من أصل صيني " داي سيجي " في رواية " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة " ولكن بأسلوب سردي مختلف ، حين ثمة صبيان ينفيان إلى قرية نائية في إحدى قرى الصين في عهد الزعيم " ماو " في أواخر عام 1968م ؛ وذلك ليعاد تأهيلهما مثل ملايين الشباب الصينيين - تحت إشراف الفلاحين الفقراء - وفي القرية يخضع الشابان الصغيران لأنواع شاقة من العمل السخرة ، وفي ظروف جغرافية ومناخية قاسية ، ولا يجدان ما يشفع لهما سوى موهبتهما الفريدة في الكلام ، والتي بدورها أغرت مأمور القرية ، ولذلك يعمل على إرسالهما مرة واحدة كل شهر إلى مركز المقاطعة لحضور العرض الشهري لفيلم سينمائي يقام في ساحة الألعاب الرياضية في المدرسة الثانوية للمدينة ، ليقوما بسرد ما شاهداه بالتفصيل لأهالي القرية ..

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2014

رصاصة ضلت طريقها إلى قلوبهم ..!

رصاصة ضلت طريقها إلى قلوبهم ..!

كل رصاصة تاهت عن قلبك هي دعوة أم صالحة ..!
هكذا كنت أؤمن دائما ومازلت على إيماني ذاته ، لكن أحيانا تتمنى بل ترجو بكل استغاثات الكون أن لا تضل الرصاصة طريق قلبك .. تظل ترجو برعب حقيقي ، رعب شبيه بالموت ، رعب هو الموت بعينه بجلّ دماره وخرائبه ووحشيته .. رعب لا يريحه سوى سحب الروح عن جسدك ..!
و" بوكاتسكي " بطل قصة " يا طلقة الرحمة " للكاتب " يجي بوترامينت " ترجمة القاص العراقي " عدنان المبارك " كان بين سبعة عشر شخصا في زنزانة متزاحمة ، مذ زجّ فيها وهو يردد عبارته الأثيرة " غير ممكن أن يلحقوا بي الأذى " لينفث في روحه الأمان الذي غدا بعيدا جدا حيث هو حبيس ، الأمان نفسه يتلاشى بمجرد ما يحملق في وجوه المعذبة والزفرات المرعبة التي يطلقها أولئك الذين معه في زنزانة أشبه بقن الدجاج في أزمنة ما قبل الحرب كانت بالكاد تسع لشخصين ، ولكن لأن الحرب تفرض قوانينها شاءت البشرية أم أبت ، غدت الزنزانة الضيقة تعصر أجساد من فيها كما لو أنهم آلاف من عيدان ثقاب في علبة واحدة ..!
اتخذ كل من الواقفين هلعا في برد الزنزانة مهبطهم على الأرض الضيقة وكل شبر منها غدت مملكة خاصة لا يسمح للآخر أن يقرب منها أو أن يستولي عليها طالما كان أول من مدد جسده عليها ، عدا " بوكاتسكي " ظل كعامود عاطل لا يزحزح مكانه وكانت تلك الوقفة التي سخر منها أحد المساجين كانت بالنسبة لــ" بوكاتسكي " وقفة مؤقتة ؛ لأنه كان مشحونا في داخله بأمل العودة إلى المكان الذي اعتاد ، المكان الذي يتمتع فيه بالأمان كله بعيدا عن إهانات العالم وهلعه ، ذلك المكان هو بيته الذي يعيش فيه ، كان وحده يؤمن بالعودة من حيث أتى ، وحده كان يوقد حطب عودته بنار الانتظار واقفا قريبا من الباب حتى يكون أول المغادرين إلى بيته حين يحين أوان المغادرة ، أما الآخرون فلم يجدوا في غياهب كوابيسهم في البقعة المظلمة التي سقطوا فيها من سبيل للعودة ..!
يرفع بجهد " بوكاتسكي " رجليه بالتناوب وهو يردد عبارته الأثيرة " غير ممكن أن يلحقوا بي أذى " كررها بإصرار مخاطبا نفسه ، وفي الليل بعد تلك الوقفة ، والجميع من حوله يتعارك مع عالمه الروحي المعذب على هيئة منامات مضطربة ، أدرك " بوكاتسكي " أن كلماته تعني الآن شيئا آخر يختلف عما كان في الليلة الماضية أو عند الدخول إلى الزنزانة أو حين أخذوه ، وهكذا كبرت الكلمات .. التفتيش ، الاعتقال ، الحبس في السجن .. لغاية يوم واحد كان يؤمن بصورة عميقة وجادة أن هذا أمر غير ممكن ، لكن أقنع نفسه الآن بأن هذا الشيء قد حصل ، وبهذه الطريقة أنقذ رأيه السابق : غير ممكن أن ... قبيل الفجر اتكأ على الباب ، كان الملل قد بلغ عينيه اللتين تقافزت فيهما شرارات دم صغيرة ..!
غفا مطروحا على الأرض ولم يوقظه من غفوته سوى صوت ارتطام الباب الحديدي الذي قبع أسفله وهو يفتح قليلا ، أحدهم ركله وكان وعيه في سديم ضبابي ، وبدأ يكرر كلماته بصورة آلية هذه المرة " غير ممكن أن يلحقوا بي الأذى" فرفسة الحارس أعطت مضمونا جديدا لهذه الصياغة اللغوية ، أن بإمكانهم أن يعتقلوه ، و يلقوه في السجن ، و يضربوه ، إلا أن كل هذا لا شيء إزاء أمر واحد كانوا قادرين على أن يفعلوه ، لكنهم لم يفعلوه ، ولم يذكر اسم هذا الأمر ، ومضت أسابيع عدة و" بوكاتسكي " المحامي المعروف والموظف في قوم يسارية المنطقة ، المواطن الهادئ والمحترم والذي أصبح في أثناء يوم واحد، من دون سبب ، سجينا ومضروبا ومعرّضا للجوع ، بالرغم من أن السقوط عميق وعنيف لايزال الرجل واقفا على قدميه  ، لقد آمن تماما بفكرة عدم المساس بشخصه ..!
كان واحدا منهم وهو عامل سكة حديد هو أول من سكب الحقيقة بفجاجة على وجوههم بأنهم جميعا سيعدمون ، الأكثرية اعترضوا ، وضحك آخرون كما لو أنه أطلق نكتة ، بينما " بوكاتسكي " بالتحديد كرهه ؛ لأنهم " لا يلحقون بنا الأذى لأننا لم نلحق الأذى بأحد " ، في ذلك الوقت حين حميت مناقشاتهم عن المصير المترقب كان الحراس قد كفوا عن اقتحام الزنزانة ، وضرب السجناء ، و إطلاق الشتائم عليهم بسبب ضجة يثيرونها ومهما كانت خافتة  ..!
وفي يوم جاء أحد الضباط وسأل السجناء إن كان أحدا منهم يتقن اللغة الألمانية ليقوم بنقل عباراته للمساجين ، فتطوع " بوكاتسكي " الذي كان يتقنها ليترجم عبارة الضابط الألماني والتي كانت تقول : " كل السجناء ارتكبوا جريمة نكراء ضد السلطة الألمانية إلا أن الشعب الألماني يمنحهم فرصة لغسل الذنوب وهي أن يعملوا لخيره. ومن يظهر الإرادة الحسنة يمكنه توقع الشفقة أما الذي يحاول الهرب أو يظهر ولو أقل قدر من العناد فمصيره الموت " نطق " بوكاتسكي " هذه الكلمات وهو يلقي على الجميع نظرات انتصار  ..!
في زنزانة قديمة ، عطنة ومتفسخة كما الوحل المخضر ، كانوا يتقون البرد بالتراص وتنكيس الرؤوس بين الأكتاف استعدوا للرحيل على متن شاحنة محملة بهم وهنا غلب الهلع والتوتر على أغلبهم حتى " بوكاتسكي " على الرغم من أنه اطمئن لخطاب الضابط الذي ترجم كلماته وعلى الرغم من تكراره لعبارته " لن يلحقوا بنا الأذى " شعر أن وجيب الخوف في جسده الضئيل البارد يرتعش لا سيما حين هرب عامل سكة حديد وهو ينطق بعبارته التي حطمت كل آمال الحياة الجديدة " اهربوا إنهم يقودونكم إلى الموت " ونجح وحده من الفارين في أن يجد حياته في مكان آخر، واقتيد البقية من كان في الشاحنة المحملة إلى مبنى صغير وقذر طلبوا منهم أن يخلعوا كامل ملابسهم ثم أمروهم واحدا واحدا ومنهم " بوكاتسكي " أن يقفزوا إلى حفرة عميقة مطينة وهناك أمطروهم بالرصاصات ، في هذه الحفرة التي قضى فيها جميع المساجين نحبهم عدا " بوكاتسكي " الذي استطاع أن يعزل جسده الملطخ بالطين والدم والجثث متفسخة من حوله ، لوهلة شعر أنه نجا من الموت المحتم ، فالرصاصات خرست حين اعتقد الضابط بأن الجميع سابح في دمه غير أن " بوكاتسكي " حين فكر بهلع بأنهم سيردمونه في هذه الحفرة المليئة بالجثث حيا ، حينئذ أخرج رأسه ونبّه الضابط بأنه ما يزال حيا كي يردمه برصاصة تنجيه من هلع دفنه حيا بين جثث متفسخة ، تفاجأ الضابط لوهلة ثم أطلق رصاصات من مسدسه ولكن ليس على قلب " بوكاتسكي " أو رأسه بل ظل يتلاعب بمشاعر هلعه حتى آخر رمق وهو يستعرض مدى قدرته كطاغية على تحطيم إنسان يرجو طلقة .. طلقة واحدة رحيمة ؛ كي تضع حدا أبديا على صرخته وهي تستغيث الموت بكل ما تملك من روح الحياة ، " بوكاتسكي " الذي ظل يثق بأنه لن يلحقوا به الأذى ، الذي ظل يؤمن طوال فترة اعتقاله بأنهم لن يقتلوه بل سيعيدوه إلى بيته ، " بوكاتسكي " الذي وجد نفسه يلح ، يرجو ، يستغيث ، ويصرخ بصوت إنساني مخنوق : " يا طلقة الرحمة "  ..!
السؤال هنا في ظل عصر داعش وعصابات الموت المتفشية في كل ناحية ، يا ترى كم إنسانا كان " بوكاتسكي " يستغيث رجاء العالم كي يردموه بطلقة واحدة ، يستنجد أن لا تضل رصاصة الرحمة طريقها إلى قلبه قبل أن يقتله هلعه ورعبه .. قبل أن يركلوا كرامته ويشوهوا روحه البريئة بالعذاب والقهر ، يا لها من أمنية يرجوها إنسان ..؟!

الثلاثاء، 14 أكتوبر، 2014

حدقوا جيدا إلى صورة فتاة فقدت والديها ..!

حدّقوا جيدا إلى صورة فتاة فقدت والديها ..!

جريدة الرؤية ..

  لكل صورة نلتقطها قصة ، لعلها قصة مكان أو قصة زمان ، قصة حياة أو موت ، والقصص تتضافر تبعا للعابرين فيها ، ولا توجد في العالم صورة غير معبرة ، ولكن نظرة الآخرين لها تتباين من نظرة ، من فكرة ، من حكاية ..
يقال إن أول صورة فوتوغرافية تم التقاطها على أرض مصر ، وربما أفريقيا كلها وفي الشرق الأدنى للوالي " محمد علي باشا " كان ذلك الحدث التاريخي العظيم في الإسكندرية بآلة " داجير " والتقطها " فريدريك جوبيل " و" هوراس فيرنيه " وقد دوّن " جوبيل " في إحدى مؤلفاته قصة صورة الوالي " محمد علي باشا " وقصة الفزع الذي انتابه لحظتئذ ، فالوالي تصور بينما هو يلتقط أول صورة له في حياته أن ثمة مكيدة أو محاولة لاغتياله ؛ لا سيما حين تم تعتيم الغرفة التي جرى فيها التصوير كليا ؛ لدرجة أنه كان مستعدا بسيفه للدفاع عن نفسه ، وعيناه تعقبان المحيطين به من طاقم التصوير ، ويبدو أن الظلام انكسر باشتعال عود ثقاب أضاء الأوجه البرونزية الشاخصة ، بينما وجه " محمد علي باشا " طافح بالاستغراب لا يخلو من الإعجاب وهو يصيح : " هذا من عمل الشيطان " ..! ثم استدار على عقبيه وهو لا يزال ممسكا بمقبض سيفه الذي لم يتخلّ عنه لحظة .. !
ولكن عمل الشيطان هذا تفشى مذ يومها في كل بقعة من بقاع هذا العالم المترامي الأطراف ، وهي الفضل في نبش حكاية صورة أخرى ، دخلت بدورها التاريخ من أوسع مداخله ، هي حكاية شعب بأكمله ، مأساة تاريخية استطاعت صورة واحدة نقلها حية ناطقة بالحواس جلها ، ولكن ما قصة هذه الصورة ولمن تكون ..؟
المصور الأمريكي " ستيف ماكوري " عزم في يوم من الأيام وبرفقة عدسته أن يحلق إلى أرض الباكستان خلال عام 1984م ، وفي نية عدسته التقاط صور حية تنبض بمعاناة التشرد والتنكيل وويلات الحروب في أرض غدت كبركان مستعر من الحروب والصراعات الداخلية والخارجية ، وخلال الرحلة صادف في أحد مخيمات اللاجئين الأفغان فتاة في عامها الثالث عشر وحيدة بعد أن قتل السوفيت والديها أثناء رميهم القنابل على قريتهم ، وفي ليلة داكنة بفجيعة الفراق والموت والهلع توارى أبويها تحت أكوام التراب ، فوجئ بها تسأله باللغة البشتونية وببراءة مطلقة : " هل تأخذ لي صورة " ..؟
والتقطت عدسة ماكوري صورة تلك الفتاة ، التي لم يعرف بأنها ستكون ذا شأن ، و تتصدر قائمة مئة أفضل صورة في العالم ، ووجه غلاف مجلة " ناشيونال جيوغرافي " .. وتعرف بصورة " الفتاة الأفغانية " والتي عرف بعد سنوات اسمها الحقيقي " شربات غولا " .. ويعني اسمها حرفيا بلغة البشتون " فتاة زهرة الماء العذب " ..
قال " ماكوري " عن صورة فتاته : " إنني أحب هذه الصورة ، الأيقونة على الدوام ؛ لأنها ببساطة تجمع عواطف متعددة ، الدهشة ، الخوف ، وحب الفضول ، وتمنحنا الفرصة لنتخيل قصة ما ، قصة أنفسنا في حياة هذه الشابة ذات النظرات الساحرة " ..
هذه الصورة هي دراما كاملة ، رواية لتاريخ متأجج بالثقل ، والدمار ، والصراعات المتدامية وقهر لا ينضب ، وعدسة " ماكوري " مازالت تقول الكثير ، ذاك الجمال المتوحش يبلغنا كم هي المرأة قوية ، صامدة ، وحقيقية في أشد أوقات العالم قبحا ، وظلاما ، وظلما ، وقسوة ، حدقوا جيدا إلى صورة فتاة فقدت والديها ..؟
إنها صورة تحدي ، شراسة كبرياء ، إصرار حد الحياة على الحياة ...!


ليلى البلوشي