الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2014

رصاصة ضلت طريقها إلى قلوبهم ..!

رصاصة ضلت طريقها إلى قلوبهم ..!

كل رصاصة تاهت عن قلبك هي دعوة أم صالحة ..!
هكذا كنت أؤمن دائما ومازلت على إيماني ذاته ، لكن أحيانا تتمنى بل ترجو بكل استغاثات الكون أن لا تضل الرصاصة طريق قلبك .. تظل ترجو برعب حقيقي ، رعب شبيه بالموت ، رعب هو الموت بعينه بجلّ دماره وخرائبه ووحشيته .. رعب لا يريحه سوى سحب الروح عن جسدك ..!
و" بوكاتسكي " بطل قصة " يا طلقة الرحمة " للكاتب " يجي بوترامينت " ترجمة القاص العراقي " عدنان المبارك " كان بين سبعة عشر شخصا في زنزانة متزاحمة ، مذ زجّ فيها وهو يردد عبارته الأثيرة " غير ممكن أن يلحقوا بي الأذى " لينفث في روحه الأمان الذي غدا بعيدا جدا حيث هو حبيس ، الأمان نفسه يتلاشى بمجرد ما يحملق في وجوه المعذبة والزفرات المرعبة التي يطلقها أولئك الذين معه في زنزانة أشبه بقن الدجاج في أزمنة ما قبل الحرب كانت بالكاد تسع لشخصين ، ولكن لأن الحرب تفرض قوانينها شاءت البشرية أم أبت ، غدت الزنزانة الضيقة تعصر أجساد من فيها كما لو أنهم آلاف من عيدان ثقاب في علبة واحدة ..!
اتخذ كل من الواقفين هلعا في برد الزنزانة مهبطهم على الأرض الضيقة وكل شبر منها غدت مملكة خاصة لا يسمح للآخر أن يقرب منها أو أن يستولي عليها طالما كان أول من مدد جسده عليها ، عدا " بوكاتسكي " ظل كعامود عاطل لا يزحزح مكانه وكانت تلك الوقفة التي سخر منها أحد المساجين كانت بالنسبة لــ" بوكاتسكي " وقفة مؤقتة ؛ لأنه كان مشحونا في داخله بأمل العودة إلى المكان الذي اعتاد ، المكان الذي يتمتع فيه بالأمان كله بعيدا عن إهانات العالم وهلعه ، ذلك المكان هو بيته الذي يعيش فيه ، كان وحده يؤمن بالعودة من حيث أتى ، وحده كان يوقد حطب عودته بنار الانتظار واقفا قريبا من الباب حتى يكون أول المغادرين إلى بيته حين يحين أوان المغادرة ، أما الآخرون فلم يجدوا في غياهب كوابيسهم في البقعة المظلمة التي سقطوا فيها من سبيل للعودة ..!
يرفع بجهد " بوكاتسكي " رجليه بالتناوب وهو يردد عبارته الأثيرة " غير ممكن أن يلحقوا بي أذى " كررها بإصرار مخاطبا نفسه ، وفي الليل بعد تلك الوقفة ، والجميع من حوله يتعارك مع عالمه الروحي المعذب على هيئة منامات مضطربة ، أدرك " بوكاتسكي " أن كلماته تعني الآن شيئا آخر يختلف عما كان في الليلة الماضية أو عند الدخول إلى الزنزانة أو حين أخذوه ، وهكذا كبرت الكلمات .. التفتيش ، الاعتقال ، الحبس في السجن .. لغاية يوم واحد كان يؤمن بصورة عميقة وجادة أن هذا أمر غير ممكن ، لكن أقنع نفسه الآن بأن هذا الشيء قد حصل ، وبهذه الطريقة أنقذ رأيه السابق : غير ممكن أن ... قبيل الفجر اتكأ على الباب ، كان الملل قد بلغ عينيه اللتين تقافزت فيهما شرارات دم صغيرة ..!
غفا مطروحا على الأرض ولم يوقظه من غفوته سوى صوت ارتطام الباب الحديدي الذي قبع أسفله وهو يفتح قليلا ، أحدهم ركله وكان وعيه في سديم ضبابي ، وبدأ يكرر كلماته بصورة آلية هذه المرة " غير ممكن أن يلحقوا بي الأذى" فرفسة الحارس أعطت مضمونا جديدا لهذه الصياغة اللغوية ، أن بإمكانهم أن يعتقلوه ، و يلقوه في السجن ، و يضربوه ، إلا أن كل هذا لا شيء إزاء أمر واحد كانوا قادرين على أن يفعلوه ، لكنهم لم يفعلوه ، ولم يذكر اسم هذا الأمر ، ومضت أسابيع عدة و" بوكاتسكي " المحامي المعروف والموظف في قوم يسارية المنطقة ، المواطن الهادئ والمحترم والذي أصبح في أثناء يوم واحد، من دون سبب ، سجينا ومضروبا ومعرّضا للجوع ، بالرغم من أن السقوط عميق وعنيف لايزال الرجل واقفا على قدميه  ، لقد آمن تماما بفكرة عدم المساس بشخصه ..!
كان واحدا منهم وهو عامل سكة حديد هو أول من سكب الحقيقة بفجاجة على وجوههم بأنهم جميعا سيعدمون ، الأكثرية اعترضوا ، وضحك آخرون كما لو أنه أطلق نكتة ، بينما " بوكاتسكي " بالتحديد كرهه ؛ لأنهم " لا يلحقون بنا الأذى لأننا لم نلحق الأذى بأحد " ، في ذلك الوقت حين حميت مناقشاتهم عن المصير المترقب كان الحراس قد كفوا عن اقتحام الزنزانة ، وضرب السجناء ، و إطلاق الشتائم عليهم بسبب ضجة يثيرونها ومهما كانت خافتة  ..!
وفي يوم جاء أحد الضباط وسأل السجناء إن كان أحدا منهم يتقن اللغة الألمانية ليقوم بنقل عباراته للمساجين ، فتطوع " بوكاتسكي " الذي كان يتقنها ليترجم عبارة الضابط الألماني والتي كانت تقول : " كل السجناء ارتكبوا جريمة نكراء ضد السلطة الألمانية إلا أن الشعب الألماني يمنحهم فرصة لغسل الذنوب وهي أن يعملوا لخيره. ومن يظهر الإرادة الحسنة يمكنه توقع الشفقة أما الذي يحاول الهرب أو يظهر ولو أقل قدر من العناد فمصيره الموت " نطق " بوكاتسكي " هذه الكلمات وهو يلقي على الجميع نظرات انتصار  ..!
في زنزانة قديمة ، عطنة ومتفسخة كما الوحل المخضر ، كانوا يتقون البرد بالتراص وتنكيس الرؤوس بين الأكتاف استعدوا للرحيل على متن شاحنة محملة بهم وهنا غلب الهلع والتوتر على أغلبهم حتى " بوكاتسكي " على الرغم من أنه اطمئن لخطاب الضابط الذي ترجم كلماته وعلى الرغم من تكراره لعبارته " لن يلحقوا بنا الأذى " شعر أن وجيب الخوف في جسده الضئيل البارد يرتعش لا سيما حين هرب عامل سكة حديد وهو ينطق بعبارته التي حطمت كل آمال الحياة الجديدة " اهربوا إنهم يقودونكم إلى الموت " ونجح وحده من الفارين في أن يجد حياته في مكان آخر، واقتيد البقية من كان في الشاحنة المحملة إلى مبنى صغير وقذر طلبوا منهم أن يخلعوا كامل ملابسهم ثم أمروهم واحدا واحدا ومنهم " بوكاتسكي " أن يقفزوا إلى حفرة عميقة مطينة وهناك أمطروهم بالرصاصات ، في هذه الحفرة التي قضى فيها جميع المساجين نحبهم عدا " بوكاتسكي " الذي استطاع أن يعزل جسده الملطخ بالطين والدم والجثث متفسخة من حوله ، لوهلة شعر أنه نجا من الموت المحتم ، فالرصاصات خرست حين اعتقد الضابط بأن الجميع سابح في دمه غير أن " بوكاتسكي " حين فكر بهلع بأنهم سيردمونه في هذه الحفرة المليئة بالجثث حيا ، حينئذ أخرج رأسه ونبّه الضابط بأنه ما يزال حيا كي يردمه برصاصة تنجيه من هلع دفنه حيا بين جثث متفسخة ، تفاجأ الضابط لوهلة ثم أطلق رصاصات من مسدسه ولكن ليس على قلب " بوكاتسكي " أو رأسه بل ظل يتلاعب بمشاعر هلعه حتى آخر رمق وهو يستعرض مدى قدرته كطاغية على تحطيم إنسان يرجو طلقة .. طلقة واحدة رحيمة ؛ كي تضع حدا أبديا على صرخته وهي تستغيث الموت بكل ما تملك من روح الحياة ، " بوكاتسكي " الذي ظل يثق بأنه لن يلحقوا به الأذى ، الذي ظل يؤمن طوال فترة اعتقاله بأنهم لن يقتلوه بل سيعيدوه إلى بيته ، " بوكاتسكي " الذي وجد نفسه يلح ، يرجو ، يستغيث ، ويصرخ بصوت إنساني مخنوق : " يا طلقة الرحمة "  ..!
السؤال هنا في ظل عصر داعش وعصابات الموت المتفشية في كل ناحية ، يا ترى كم إنسانا كان " بوكاتسكي " يستغيث رجاء العالم كي يردموه بطلقة واحدة ، يستنجد أن لا تضل رصاصة الرحمة طريقها إلى قلبه قبل أن يقتله هلعه ورعبه .. قبل أن يركلوا كرامته ويشوهوا روحه البريئة بالعذاب والقهر ، يا لها من أمنية يرجوها إنسان ..؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق