الاثنين، 29 أغسطس، 2011

لو أنهم في منطاد واحد ..!








لو أنهم في منطاد واحد ..!


جريدة الرؤية العمانية ..




صرّح الروائي السويدي " هيننغ مانكيل " صاحب أكثر الروايات البوليسية مبيعا في العالم عن رد فعله تجاه " أندرس بريفيك " في مجزرة يوتويا بالنرويج قائلا : " مهما كتبت من قصص خيالية فإن الحقيقة تبدو هي الأسوأ ، إذا استخدمت الجانب الشرير من عقلي لأكتب مثل هذا الحدث وعن رجل يمشي متمهلا في معسكر صيفي هادئ وبهدوء يقتل شخصا بريئا وراء آخر ، فإن القارئ سيعتقد أن هذا غير ممكن على الإطلاق وقد يعتبره سخفا " ..




مضيفا أن شخصية " بريفيك " هي شخصية مملوءة بالكراهية وتعاني من حالة نفسية سيئة واضطرابا نرجسيا هائلا ، لكننا نستطيع القول بأن في أوروبا نماذج جيدة لبشر وزعماء مروا عبر تاريخها وفي قلوبهم ثمة كوة مضيئة عن الإسلام والمسلمين في أوروبا وخارجها ؛ على سبيل المثال لا الحصر نذكر الرئيس الأمريكي في عهود عتيقة " توماس جيفرسون " هو أكثر رئيس أمريكي ارتبط اسمه بالإسلام والمسلمين _ كما قيل _ وكانت لديه نسخة من القرآن الكريم يستمد منها بعض القوانين الأمريكية ، و" جون آدامز " وهو رئيس أمريكي سابق ، هذا الرجل نعت الرسول – صلى الله عليه وسلم – بأنه " أعظم الساعين في التاريخ إلى الحقيقة " وفي الوسط الأمريكي لا يفوتنا ذكر الرئيس الأمريكي " بيل كلينتون " الذي دعا الصائمين في عهد لمأدبة إفطار ؛ كسبيل لتوثيق أواصر الصلة بين المسلمين والمسيحيين في أمريكا وغدت عادة سنوية سار عليها من خلفوه ، ورغم أن ثمة تحفظات لسعي هؤلاء الرؤساء لضخ روح الإسلام في المحيط الأمريكي بين المسلمين ، لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نسقط التناقض الفاغر بين موقفي كل من " جورج بوش " و" توني بلير " اللذان يعلنون على الملأ احترامهم للإسلام وعملهم ببعض آيات القرآن الكريم ؛ إلا أن كلاهما شنّا في وقت ما حملة ضد الإسلام بمسمى " شن حرب صليبية ضد الإسلام " ..! ولازالت عبارة الممثل الهوليوودي " جورج كلوني " تدوي في أذني حينما قال : " جورج بوش وتوني بلير ورايس سوف يتبرأ منهم التاريخ ذات يوم " .. تبرأ منهم يا " جورج كلوني " تبرأ وانتهى ..!




ولعل الصحفية البريطانية " لورين بوث " وهي الأخت غير الشقيقة لزوجة الرئيس الوزراء البريطاني " توني بلير " والتي أعلنت إسلامها منذ وقت قصير ، لعلها لم تبالغ حين أكدت عن نظرة الغربيين إلى الإسلام مشيرة أن نظرة الغرب إلى المسلمين نظرة خاطئة فهم يعتقدون أن المرأة المسلمة ما هي سوى فقيرة وملفوفة بعباءة سوداء ولا تملك رأيا في المنزل ولا تعمل أي شيء ..!




" لورين بارث " إعلامية مشهورة في الأوساط الإعلامية عبر العالم ، التي اعتنقت الإسلام بعد سنوات قضتها في فلسطين زارت خلالها كل من مصر ولبنان والأردن ، والتي غدت تبدأ يومها بالصلاة وتنهيه بالصلاة وتخرج من المنزل محجبة بعد إشهار إسلامها ..




الطامة التي تعانيها العقلية الغربية كبريفيك وغيره ؛ أن هذه الثلة متعفنة بالأكاذيب التي روجتها الصهاينة والمتعصبين من الغرب عن الإسلام والمسلمين ، فهم ضحايا مغفلون لمهرجي الإعلام الرخيص الذين ينكب عملهم على ترويج إشاعات مغرضة عن ثقافة الإسلام ؛ بإرساء صورة واحدة عن الاسلام وعن المسلمين بأنهم متوحشون ويعانون من أزمة امتصاص الدماء البشرية غير الخاضعة لحكم الدين الإسلامي ؛ حتى تتخلل الصورة المشوّهة في أذهانهم فيعتقدون معها بالإجماع أن الإسلام مكهرب بأفكار تقتضي هدم كل ما لا يمت شعائر الإسلام ..!




أشار مرة " جورج واشنطن " وهو أول رئيس أمريكي بقوله : " إن أمريكا مفتوحة لاستقبال المظلومين والمضطهدين من جميع شعوب والديانات " ؛ رغم أن هذا التسامح تقلص تدريجيا في أعقاب هجوم الحادي عشر من سبتمبر ؛ ووحدهم المسلمون هم من دفعوا الثمن ..!




وياله من حلم عتيق مفرط الجمال ..!




ويبدو أن هذه العبارة رسخت كمعنى في أيام " قرطبة " ؛ كما عرضه فيلم وثائقي يحمل عنوان " الخروج من قرطبة " الذي يحكي عن أعظم فصل في فصول التاريخ الأوروبي ألا وهو إسبانيا المسلمة ، لمدة تزيد على 800 سنة ، كانت أجزاء شاسعة من شبه جزيرة أيبيريا تحت الحكم الإسلامي ، وتعد تلك الفترة من الأندلس كما يسميها الإسبان من أصول إفريقية وحتى يومنا هذا حقبة سادها " التسامح " ؛ حيث عاش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون معا وبسلام في معظم الوقت تحت لواء " العيش المشترك " وكأنهم في منطاد واحد - الضرر يصيب والخير يعمّ - الجميع بلا استثناء ؛ فيا زمان الوصل في أندلس ...!




العقلنة الأوروبية في زمن مضى ظلت راسخة في أن الإرهاب هو أصل نابع من دين مسمى الإسلام ، لكن بعد تفجيرات أوسلو لعل النظرة الأوروبية استبدلت شطرها من اليمين إلى اليسار وإن بنسبة ضئيلة كحفنة أمل لنا نحن – المسلمين – من تهم كل دمار مبعثه مسلم ..!




ما ينقص أوروبا وكل الذين تشوهت عقلياتهم عن الفكر الإسلامي هو قراءة التاريخ ؛ فثمة أمثلة كنيزك وامضة لأشخاص عرفوا الإسلام وفهموا حقيقته ومن هذا الفهم والمعرفة اقتبسوا ثمرة الدين الإسلامي واشهروا إسلامهم بكل فخر ، وما أكثرهم من زعماء وسياسيين ومشاهير في الفن ورياضيين وأطباء وعلماء ورجال دين ومفكرين وأناس بسطاء كـ " السموأل يحيى " أهم عالم توراة ومؤلف كتاب " إفحام اليهود " ، " يوسف إستس " قسيس أمريكي سابق ، " كيتس إليسون " عضو في كونجرس الأمريكي ، " إتيان دينيه " مفكر ورسام فرنسي ، " دانيال مور " شاعر وكاتب أمريكي ، " محمد علي كلاي " وأشهر على علم في ملاكمة الوزن الثقيل ، " مالكوم إكس " ...، وغيرهم الكثيرون الذين استوطنوا الإسلام عن قرب فجسّ صميم قلوبهم ..





ليلى البلوشي


الاثنين، 22 أغسطس، 2011

نعم " أتسوشي " بئس " بريفيك " ..!









نِعْم " أتسوشي " بِئْس " بريفيك " ..!


جريدة الرؤية العمانية ..







مفهوم " التضحية " في سبيل الوطن ، ليست مغنى أو نشيدا نردده في صدورنا أو نجاهر به كشعار عن وطنيتنا ، فالتضحية لوطن هو أمنا وأبانا ومهبط أجدادنا وحكايا تاريخنا وحدود جغرافيتنا الوطنية إن لم نعزز حبنا له بفعل ؛ فكأن لا حب ولا وفاء ولا انتماء حقيقي ..!




وتتباين - مما لاشك - دورنا كمواطنين في كل وطن مهامات الفعل كوظيفة ، كأداة ، كفكر ، كتطوير ، كابتكار ، كرقي ، كإخلاص .... من وعن وإلى وعلى وبـ " الوطن " ..




وثمة نماذج براقة يفخر رحم الوطن بإنجابهم ، وتضحياتهم لا تقل أصالة لأرض احتوتهم ؛ ولعل المواطن الياباني المدعو " أتسوشي واتنابي " خير مثال كمواطن وكإنسان نوى من ذات نفسه أن يقوم بدور جسيم وحساس لإنقاذ وطنه من نكبات تهدد أرضه واستقراره وأمن أفراده المقيمين فيه ؛ فهذا الرجل فدى نفسه من أجل إغلاق مصنع فوكوشيما النووي ، دون أن يبال بما سيتعرض له من جرعات كبيرة من الإشعاعات النووية التي تمنعه مستقبلا من القيام كأي رجل بمهامه الاجتماعية كـ الزواج والإنجاب ، بل وتقلل من عمره الافتراضي ..




يقول " أتسوشي " : " أنا شخص وحيد وشاب ، وأشعر بأنه من واجبي المساعدة على تسوية هذه المشكلة " والواضح أنه قام بهذا العمل عن عزيمة صادقة : " أعتقد أنني في مهمة لتوفير الطاقة الآمنة لليابان وأنا فخور بذلك " .. ويعمل هذا الوطني النبيل في المجمع النووي منذ أكثر من عقدين من الزمان كعامل صيانة ، ولم يأبه لتحذيرات أهله والمحيطين به عن خطورة الوظيفة التي انتسب لها ؛ لكن " أتسوشي " تقدم للوظيفة عن اقتناع تام ومارس عمله عن حب ؛ ولفرط إخلاصه أنه أثناء أزمة الكارثة التسونامي والمفجر النووي قضى أسبوعا في معسكر النازحين مترقبا كرجل مسؤول النداء من رؤسائه للعودة إلى العمل ؛ ولا يقين يستملكه سوى حب محض خام لوطنه ..




ومن حكاية بطل اليابان المخلص إلى النرويج مهبط جائزة نوبل للسلام ، نفغر الضوء على شخصية خلفت بقسوة مئات القتلى وأحدثت ضعضعة هائلة في الكيان الأوروبي قبل الإسلامي ، واثبت أن ليس وحدهم المسلمون وراء كل جريمة إرهاب ، بل في كل صوب من الكون ثمة من في قلبه إرهاب العالم ، إنه المدعو " أندرس بريفيك " الذي يعّد نفسه قائدا معاصرا لـ " فرسان الهيكل " ؛ أصولي مسيحي ، حصر أعداء أوروبا حسبما رأيه في ثلاثة : الماركسية والإسلام والتعددية الثقافية ..!




وغرض التفجيرات التي قام بها الرجل جاءت كفعل اعتراض على الهجرات المتدفقة من قبل المسلمين لدول أوروبا ، ويبدو أن بعد قيام هذه العملية اعترف " بريفيك " في حوار أجراه كسؤال وجواب مع نفسه ، وكان من ضمن ما قاله : " إذا توقف تدفق المهاجرين المسلمين إلى أوروبا أو إذا ما اعتنقوا المسيحية فإني سأسامحهم على جرائمهم الماضية ، وإذا رفضوا القيام بذلك طواعية حتى عام 2020م ؛ فإنها ستكون نقطة اللاعودة ؛ فإننا سنمسحهم جميعا ولا نبقي منهم أحدا .."




وهذا الاعتراف المنكّه بلغة الوعيد إن دل على شيء ؛ فهو انتصار ساحق لتأثير الإسلام والمسلمين في الدول الأوروبية ؛ ويبدو أن قلقا عميقا بدأ يتدفق بصوت مرتفع في أفئدة الأوربيين والديانات الأخرى من تأثير هذه القوى الإسلامية ..!




لكن ما غاب عن هؤلاء أن ديننا الحنيف أشار إلى مبدأ مهم مذ أعلن الله – عزّوجل – لنبينه الكريم على نشر الإسلام في جاهلية قريش جهرا أن " لا إكراه في الدين " ..




لكن كيف يمكن مخاطبة عقلية انغمست حتى النخاع في أفكار يهودية ؛ فـ" بريفيك " استقى بطولاته من كتاب لكاتبة يهودية " تعريب أوروبا أو أسلمة أوروبا " ضمخت الكاتبة سطورها عن مدى جسامة الأخطار التي تنجم عن كثافة هجرة المسلمين لأوروبا دون أن تسقط من سطورها المزعومة دور " نتنياهو " وسياساته للشعب الإسرائيلي ؛ هذا الشعب الذي يجب مساندته في مواجهة خطر الإسلام والزحف العربي الذي يجتاح قطاع العالم الأوروبي ..!




والغريب حقا ؛ أن هذا " اليمين " هي نفسها كانت تنظر بوضاعة لليهود في غابر الأزمان ؛ على أنهم أشخاص غير قابلين للدمج في المجتمعات الغربية ، ويبدو أن السهم عينه مصوب تجاه المسلمين اليوم في المحيط الغربي ..!




والأكثر غرابة ؛ أننا طوال قرون نسعى إلى استعارة مفاهيم " الديمقراطية " و" السلام " و" حرية الرأي والمعتقد " و" مبادئ التعامل مع البشرية والعالم " من دول أوروبا ؛ طوال تلك القرون ونحن في وهم أن مثل هذه المبادئ التي قضى تاريخ البشري يصارع من أجل ربق نيلها ، ما تزال تطحن تحت نير النار والدم من أجل أن تلمع واجهتها للغرب أنهم ليسوا وحدهم من ارسوا الديمقراطية والحرية في قطاعات ديارهم ؛ ولكن يبدو أن الحال واحد ، يبدو أن الفقاعة انفقأت ، فأوروبا نفسها لا ديمقراطيات وحريات على بلاطها ؛ وهي نفسها ملتوية الذراع من إسرائيل ، كيف لا ؛ فهناك في أوروبا من حقك الشخصي أن تلعن وتقذف بأقذع السباب رؤساء أوروبا ووزرائها وتنتقد بشراسة لاعبيها ومشاهيرها لكن حذاري ، حذاري ، حذاري .. أقولها بالثلاث أن تهمس شيئا في حق إسرائيل أو في حق الجالية اليهودية ؛ لأن كلامك قد يفهم في غير سياقه ؛ ولأن التهمة جاهزة " العداء للسامية " ، بل قد يحدث لك أسوأ مما حدث مع " جون جاليانو " كبير مصممي دار أزياء " ديور " التي طردته من داره ؛ لزعم يهودية أنه شتمها ، أي عاد السامية ..!




هل لنا في ختام المقال أن نقف مع قول " جان بول سارتر " حين اعترف بعد سنوات قضايا كسندباد رحال في أرجاء العالم : " إذا أردنا أن نفهم هذه الدنيا ، القليل منها فقط ، فمن الضروري أن نتخلص من الضغينة " ..




والكاشف جدا أن " أتسوشي " كان قلبه مشرقا كالشمس حين ترك دنياه من أجل قضية وطن ، والواضح كفلاش في نفق مظلم أن " بريفيك " فاته تنقية قلبه المتفحم فوّرط نفسه ووطنه في قضية مستعارة من اليهود ..!







ليلى البلوشي


الاثنين، 15 أغسطس، 2011

جنود على أرجوحة الجوع ..! ج2







جنود على أرجوحة الجوع ..! ج 2





جريدة الرؤية العمانية ..





وللجوع سيرة مغرية ؛ لأنه يعي كخبير كيف يجعل العالم والإنسانية كافة تُخلص التفكير فيه كقضية أساسية ، لا يمكن في حال من الأحوال ، ومهما كانت الظروف إسقاطها من قائمة الحياة ..




وليس وحده انعدام الأمن الغذائي يشكّل أزمة جوع ، بل ثمة جياع من نوع آخر ؛ جوع التشفي من الجنس البشري ، كالمجازر التي يقترفها الجنود في حق البشرية ، كما فعل جنود الأمريكان في السجون العراقية ، وفي الأفغانستان ، وفي معاقل الغوانتنامو وغيرها من معاقل التعذيب والعنصرية والوحشية ضد إنسانية الإنسان ؛ في وجه ذاك التعذيب حيث ينتصب الإنسان خصما أمام إنسان مثله ولا اختلافات بينهما سوى لعله في لغة أو دين أو وطن ؛ وهذه الاختلافات هي مبعث أكثر الصراعات البشرية في الكون ، وكم فات أسياد هذه الدمى البشرية التي تتعارك من أجل صنم مسكون بنوازعه المريضة ، الوقوف على حقيقة قوله تعالى " جعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا " ؛ لا ليتحاربوا ولا ليمصّوا دماء بعضهم بعضا ..!




فلدى هؤلاء جوع سحق إنسانية الإنسان وعنف هؤلاء نابع من عوامل عدة أهمها الغربة والضغط النفسي ، والعنف الموازي للتسلية وقتل الضجر ، وماسوشية التي تتمثل في متعة التشفي بالآخر كما جوع " هتلر " حين قذف اليهود في أفران يهوديا بعد آخر ، و" نيرون " الذي احرق بجوع حقده المجنون تاريخ روما ، كما " القذافي " الذي قفّص شعبه في أقفاص الجرذان ، كما " علي عبدالله صالح " الذي بهت حين استيقظ شعبه بعد أن كان وأعوانه يهبون لهم " القات " كهدايا تمجه عقولهم نهارا وليلا لغفلة الحياة والحقوق ، كما " بشار الأسد " الذي استبدل مهاماته من رئيس دولة إلى " جزار " يقطع أطراف أبناء شعبه ؛ ليكونوا وليمة طازجة بدم ساخن في جرف الأنهار ..!




هؤلاء الجنود حكايتهم مع الحياة في اختلاف متواز ومتناقض ؛ فما قبل الحرب ليس كما بعد الحرب ، والعديد منهم افتقد بعد الصراع الدامي الذي وجد نفسه في دوامته ورائحة الدماء والجثث المآل من الحياة تماما ، فاقدين بما يسمى ببارقة الأمل في حياة نقية ..




والبعض يقضي حياته في كوابيس تكبس على مناماته في أحلام مؤرقة دربها مسدود إلى حلم مسالم ، وهناك من تجردهم الحروب من انتمائهم الإنساني ، وقل ّ أن تغفر لهم الحياة القاسية التي عايشوها ومارسوا تبعاتها مع من شاطروهم مساحات الدامية ، كاعتراف أحد الجنود الذين رماهم القدر للمشاركة الإجبارية تحت ضغط الهلاك في إحدى النزاعات وهو ما يزال طفلا لم يتجاوز الثامنة من عمره وقتذاك : " أنا خائف اليوم ، ولا أدري عائلتي ، وليس لدي مستقبل ، فحياتي ضائعة وليس لدي ما أعيش من أجله ، ما عدت أستطيع النوم ليلا ؛ إذ أظل أفكر في تلك الأشياء الفظيعة التي رأيتها وفعلتها عندما كنت جنديا " ..




وللصهاينة سياسية مختلفة يقرها فتاوي " حاخاماتهم " والتي من أبرز موادها " القتل البشري " التي تسمح بقتل غير اليهود سواء أكانوا رجالا أم نساء أم أطفالا " كما أصدرها " مردخاي الياهو " : " اقتلوهم وجردوهم من ممتلكاتهم ، لا تأخذكم بهم رأفة ، لا تتركوا طفلا ، لا تتركوا زرعا أو شجرا ، اقتلوا بهائمهم من الجمل والحمار " ..!




ولا تترقبوا شيئا يدعى رحمة من سجل الصهيون ؛ فحتى وزراءهم لم يشفع لهم حين تدخلوا في قرار تنازل عن ما يخص الأراضي الفلسطينية ، حيث أبيح بقتلهم بما يناسب ومصلحة اليهود ، أي أنها تمارس سياسات " تصفية " تجاه كل من يجسر ويتحدى الوقوف في وجهها ..!




أي أن جنود اليهود منذ أعلنوا التحاقهم بالصهيونية تخلوا عن كل مفردات التي تمت الإنسانية بصلة تجاه الآخرين كما أشار الممثل الأمريكي " ميل جيبسون " وهو معروف بمواقفه الجريئة وصداماته مع اليهود مذ فيلم " آلام المسيح " : " الصهاينة هم منبع الدمار في العالم وأتمنى لو بإمكاني محاربتهم كالجنود " ، فالسياسة الصهيونية قائمة على التشكك حتى من الذبابة التي تطن فوق رؤوسهم ، إنه أشد أنواع الجوع بشاعة على أرض الخليقة وأمرّها ..!




وهناك جوع إلى الأمومة ، إلى الحب ، إلى الحنان ، تلك القيم الاجتماعية العميقة والمهمة كانفعالات طبيعية في حياة كل جنس بشري ، وافتقاد إحداها يؤدي غالبا إلى جرائم متفاقمة وبشعة ، لعل من أبرزها جرائم الاغتصاب والشذوذ والخطف وغيرها ؛ من أجل إيجاد إشباع لحاجات اجتماعية وئدت من بيئة الجاني في زمن ما دون وجه حق أو عززت فيه على نحو قسري كسلوكيات خاطئة اكتسبها من بيئة خطأ ..!




ثمة جوع آخر أيضا معنوي ؛ جوع الإنسانية إلى قيم نبيلة تشعرها بكيانها البشري على أرض الواقع ، جوع إلى العدالة والكرامة والحرية والحب والعيش الكريم ؛ فثورات العربية من محيطها إلى خليجها لم تكن لجوع اللقمة وحدها ونقص ذات اليد ؛ بل كان جوعا نابعا من شعور الإنسان بالعار في وطنه الأم ..




وهناك من يبيع نفسه من أجل قطعة خبز ، ووحدها الحرة تجوع لكنها تأبى أن تبيع نفسها إشباعا لشهوة جوع ..!




هذا هو المبدأ التي سار عليه هؤلاء ، أحرار يطلبون حقا شرعيا وليس مسلوبا ، خلق لهم ولكن قطع عن الوصول إليهم ؛ ثمة وحوش بشرية عبء على الإنسانية الجمعاء لا هم ّ لها سوى إشباع أهواءها حتى التخمة على حساب حقوق الآخرين وقسطهم من الكرامة والسلام والعدل والخير العميم ..!




وتاريخ الثورات الحالية شاهد عيان على جنود لم يثاروا مع شعوبهم من أجل لقمة ، بل من أجل حياة يستحقونها كما يستحقها أي إنسان عزيز له حقوق ، إنه جوع غني بالكرامة ، فياله من جوع مشّرف ..!






ليلى البلوشي


الاثنين، 8 أغسطس، 2011

جنود على أرجوحة الجوع ..! ج 1










جنود على أرجوحة الجوع ..! ج 1







جريدة الرؤية العمانية







في خبر تداولته معظم الصحف العربية منها والأجنبية ، عن ضباط من الروس اضطرتهم ظروف الحرب على تناول طعام الكلاب وكان يقدم لهم على شكل حساء ، بعد أن تم استبدال الملصق الأصلي بملصق آخر على العلب كتب عليه لحم بقر عالِ الجودة ..!




أحالني هذا الخبر إلى دور الكبير الذي تحملته قوات الشرطة الخاصة في اليابان أثناء أزمة البلاد من تسونامي الزلزالي ؛ ناهيك عن دورهم الخطير والشجاع والنبيل للبعض منهم في معمل المفاعلات النووية حين قاموا بجسارة لاستكشاف مدى تأثيره مع علمهم المسبق بأنهم سيكونون وليمة للموت ..




وفي تاريخ القديم في زمن غزوات - الرسول صلى الله عليه وسلم - قاتل المسلمون في غزوة بدر وهم صيام في شهر رمضان ، وغزوات أخرى كان الرسول عليه السلام والصحابة الكرام يضطرون إلى ربط حجر على بطونهم اتقاء لشر الجوع ..




معاناة جنود الحروب والأزمات الطبيعية في كافة الدول وفي كل زمن كانت شاقة ومؤلمة في معظمها ؛ فالجندي هو درع الذي يحمى به الوطن ، لهذا فهو أول من يضحي بجسده في سبيله ..




وفي قراءة لرواية الكاتبة الألمانية " هيرتا موللر " الحاصلة على جائزة نوبل للآداب عام 2009م ، في روايتها " أرجوحة النفس " عرضت وصفا عميقا ودقيقا لمعنى معاناة الجنود في حروب دامية ؛ تقتل الإنسانية وتهدر الكرامة البشرية في سبيل أهداف لا غاية منها سوى تحقيق استعلائية يقوم بها بعض الزعماء من أجل دخولهم معترك الخلود على حساب الآخرين ..!




في روايتها وهو عبارة عن سرد لسيرة ذاتية لأحد الجنود المشاركين في تلك الحروب ، فلقد حمل السوفيت ذنب الجرائم النازية للأقلية الألمانية وبأمر من السوفيت قيد خلال الحرب اعتبارا من الأول من كانون الثاني / يناير عام 1945م كل الرومانيين من أصل ألماني الذين كانت أعمارهم تتراوح بين 17 و45 سنة إلى معسكرات العمل الشاق لـ" إعادة بناء ما دمرته الحرب " ليعملوا فيها كعبيد خلال فترة تصل إلى خمس سنوات ، كما كانت هناك قوائم يقتاد البشر على أساسها إلى التجمعات في محطات القطار ومنها إلى المجهول في عربات كانت مخصصة في العادة لنقل الدواب ثم تستمر الرحلة فيها أسابيعا وغالبية تلك المعسكرات تقع في أوكرانيا ..




في تلك المعسكرات التي افتقدت حتى أقل درجات البيئة الصحية التي من الممكن أن يحياها آدمي على أرض البقيعة ؛ والتي تشي للمرء أن تلك الثكنة البشرية المتكتلة من رجال ونساء الذين سخروا كأيدي عاملة لإعادة الإعمار يعيشون في زرائب أشبه بزرائب الخنازير ..! في جو معتم في درجة صقيع تصل إلى 30 تحت الصفر ، كان ثمة ملاك يدعى " ملاك الجوع " الذي لم يكن يهبط فجأة بل كان قابعا في ثكنات تلك المعسكرات في أغطية الأفرشة المقملة بالقذارة ، في الأواني الحديدية الصغيرة الفارغة دائما إلا من لقمة وسخة لا تؤكل ، في الطابور الصباحي وهي ترص أجساد هزيلة ترتجف من البرد والجوع ، ماذا يمكن أن يقول المرء عن الجوع ..؟!




الجوع في كل الأديان كافر ، وعلى كل بقعة يخلّف جرائما ؛ بدءا من حياة الغابة عند الحيوانات ، تلك السياسة التي لا يمكن لنا سوى أن نقرها شئنا أو أبينا ؛ فالأسد زعيم الغابة لن يتخلى عن حصته من فخذ غزالة من أجل مراعاة المشاعر الحيوانية التي لا وجود لها في قانون الكون عند هذه المخلوقات التي خلقت بلا عقل مفكر ، وهذا ما يجعلها ربما في مقام أعلى من الإنسان الذي يتخلى عن مشاعر وقلبه وضميره الإنساني ليتحول إلى جنس آخر أشبه بوحش ؛ من أجل أن يحصل على حصته مما يسكت جوعه الذي لا يعرف للصبر دربا حينما ينتفخ ؛ فيغطي على بقية الأعضاء ليحولها إلى لا شعور من أجل عين لقمة تشبع ..!




يضعنا هذا أمام شواهد التاريخ وما أكثرها ..!




تحدثت " جيسيكا ويليامز " مؤلفة في كتابها عن حقيقة " الجوع " العالمي ؛ فذكرت أن الإحصاءات الدقيقة تشير إلى أنه يتعرض للجوع 800 مليون شخص كل يوم ، بينما يعاني 2 مليار آخرون من سوء التغذية المزمن ، في حين يموت 18 مليون شخص سنوياً من أمراض مرتبطة بالجوع ، ناهيك عن أنه يعاني 2 مليار شخص في العالم من نواقص المغذيات الدقيقة والتي تؤدي إلى مشكلات صحية مزمنة ، وترتبط حوالي نصف وفيات الأطفال دون الخمس سنوات بسوء التغذية 10 مليون طفل كل سنة ، مؤكدة أن منظمة الصحة العالمية WHO قررت أن الجوع وسوء التغذية هما من بين أخطر المشكلات التي تواجه فقراء العالم .




ماذا عن حالة " المجاعة " التي أعلنتها الولايات المتحدة رسميا في الصومال ..؟! وهي دليل قاطع على تفشي نسبة عالية من معدلات سوء التغذية عند الأطفال ، وعلى ارتفاع نسبة الوفيات التي تصل إلى وفاة كل شخصين بين كل من عشر آلاف مواطن في اليوم الواحد ..!




إن جوع هؤلاء الفقراء التصق بهم كتوأم مذ جرت دماء الحياة المعوزة في شرايينهم الجافة ، ولعل الجوع الأفريقي في كافة أصقاعه الخالية إلا من الفقر والأمراض وجوع مستديم يرافقهم في حلهم وترحالهم ، عكف تفكيرهم في هذه الحياة مذ طلقة الولادة إلى شهقة الموت على رغيف كتب عليه من هيئات إنسانية لحقوق الإنسان ، هذه الهيئات وجدت ؛ لأن ثمة إنسانية خالية مما يسمى بالحقوق ..!




وهي وحدها احتفالية خارقة أن يجد أحد هؤلاء قوت يومه دون أن تقرصه قرصات الجوع المهلكة ، التي تقلبه في شتى الفصول على حال واحدة وحلم واحد يتكرر ولا ينتهي كهيئة سرمدية ، جوع هؤلاء الذي يدفع الملايين الممتلئين بكل شيء سوى جوع من نوع آخر يفتقدونه حد الخواء العميق ؛ إنه جوع الروح ، وهو علة خلقت مع الذين ولدوا ومعلقة من الذهب في أفواههم من فرط الامتلاك وزخم الامتلاء حتى نفذت أرواحهم من كل شيء سوى آفة الحسد والبغض إلا فيما ندر ، عند حفنة نادرة ما تزال ضمائرهم حية ..!




فالجوع البشري كاسح ، منذ طفولة الزمن إلى أرذله ، يذكرها هذا بقضية المحقق في رواية " فيكتور هوغو " المسمى بـ" البؤساء " الذي طارد " جان فالجان" على مدار سنوات لتثبيت العدالة ؛ لأن جوع هذا الرجل سرق في لحظة جوعه الكافرة قطعة من الخبز أدانته كمجرم فار من يد العدالة ، ويا لها من عدالة ..!




وهنالك جوع يجعل الغضب يثور من عقاله ؛ كما ثارت ثائرة الشعب في عهد الملكة فرنسا طالبين الخبز ولكن رد فعل الملكة صب ّ البنزين على الغضب حتى تأجج في هياج ملعون حين علقت بسذاجة جاهل عن أحوال الشعب ومعاناته : " ولماذا الثورة إذا لم يجدوا الخبز ؛ فليأكلوا البسكويت ..! " .




هذه الثورة الفرنسية ويضاف إليها ثورة الحرب الكبرى بين عامي 1914 – 1918م التي كانت وقائعها بشعة فكل طرف من الأطراف أدى إلى تجويع الآخر عن طريق الحصار ، بينما ثورة آذار / مارس التي بدأت بأحداث شغب في العاصمة سببها قلة الطعام مما جعل الجنود الروس يتمردون والذين كان يفترض بهم قمع ذلك الشغب وظهرت حكومة مؤقتة أدت إلى تنحي القيصر عن العرش ..




وفي القرن الخامس قبل الميلاد وفي أول ديمقراطية حقيقية في تاريخ العالم اضطر اليونانيون من رجال ونساء وأطفال إلى استهلاك اللحم البشري. وكان هؤلاء الناس- الذين أكلوا لحوم البشر هم الفقراء- ممن كانوا من ضحايا الحرب الذين تعرضوا إلى حصار في شمال اليونان، إذ انه بعد أسابيع من الهجوم عليهم ، نفد كل الغذاء الموجود في مدينتهم المحاصرة ، وتفشّت الأوبئة فيما كانت تصطف خارج الأسوار قوات التحالف لأثينا القديمة ، إنها ثورات كانت من أجل إشباع شهوة البطن ، وهي شهوة إن افتقدها الإنسان فسوف تموت كافة أحاسيسه وانفعالاته سوى امتلاكها مهما كانت السبل والطرق ، ففي أرض الجياع لا قوانين ، عدا قانون إرضاء شهوة الجوع المستفزّ حتى آخر رمق ، ما أكثر الجرائم التي يخلفها الجوع ، وما أكثر ضحاياه في بوتقة قاتليه ومقتوليه ..!






ليلى البلوشي


الاثنين، 1 أغسطس، 2011

إمبراطور المهرجين على حبل الفضيحة ..!






إمبراطور المهرّجين على حبل الفضيحة ..!


" جريدة الرؤية العمانية "



لعل ثمة إجماع يشمل الجميع ؛ بأن عام 2011م هو عام الفضائح وسقوط إمبراطوريات ما أكثر ما طال مكوثها على عروشها المخملية ؛ حتى كاد المرء منا ، بل كادت السنوات أن تتصدأ من ثقل وجودهم ، بينما هم لم يفوتهم أبشع وأشنع وأعتى الوسائل لتلميع صورهم في واجهة العالم ..!




وها هي بريطانيا العظمى ، تُسقِط في الوحل فضيحة إمبراطور الإعلام " روبرت مردوخ " اليميني وصديق المحافظين الجدد والذي كان يجر بقوة لقب " إمبراطور الإعلام " باحتكار ؛ وذلك لامتلاكه أكبر وأهم الصحف وشبكات التلفزيون العالمية في أوروبا والولايات المتحدة واستراليا ، بل وصلت إمبراطوريته مؤخرا إلى حدود التركية بضمه لمحطة " تي جي آر تي " التلفزيونية ..!




" مردوخ " المسيطر على 40 بالمئة من الصحافة البريطانية ، والذي كانت له علاقات واسعة جدا بكافة الأقطاب المهمة حول العالم ، والرجل الذي يرفع ويسقط كيفما شاءت إمبراطوريته المرشحين بالانتخابات ، ها هو اليوم هو الساقط ، وهو المأكول ، وليمة سائغة في أفواه قروش العالم ؛ بعد تفجر فضيحة التنصت على ضحايا أبرياء من عامة الشعب ، ولعل أهمها فضيحة الضحية المقتولة " ميلي دوللر " التي قتلت في عام 2002م وقد أثار الكشف عن أن مخبرا تابعا لحساب " نيوز أف ذي وورلد " ؛ قام بمحو رسائل الهاتف الخليوي للفتاة المفقودة للإيحاء لأقربائها والشرطة بأنها على قيد الحياة ..!




وأكثر أهداف شبكة تنصت " مردوخ " كانت تنصب حول ضحايا جرائم القتل ، والجنود الذين سقطوا في حربي أفغانستان والعراق ، بينما تضيف أمريكا الهائجة هي الأخرى على مشجب فضائح إمبراطورية " نيوز أف ذي وورلد " ضحايا الحادي عشر من سبتمبر لفخاخ التنصت البشع في حق الأبرياء ..!




وفي أثناء جلسة الاستماع في البرلمان البريطاني قدم " مردوخ " خالص الاعتذار لأسر ضحايا التنصت عن " الأخطاء الفادحة التي وقعت " مرفقا اعتذاره بوعد تعويض جميع الضحايا ..!




ما أسهل اعتذار الجاني بعد اهراق بحر من الدماء ..!




وماذا يفعل هذا الاعتذار المتأخر جدا بعد وقوع الأذى النفسي والجسدي بالأشخاص الأبرياء ، بل غالبا ما يعد الاعتذار وفي ظرف كهذا و في مثل هذه الحالة جريمة شنعاء في حق كل من دفع باهضا ثمن تلك التلاعبات اللاأخلاقية في سبيل سبق صحفي ، أو إثارة خبر أو جني ثروة على حساب جثث أشخاص - لا ذنب لهم - سوى أنهم كانوا صيدا ثمينا في صالح هؤلاء الجشعين ، فارغي الضمير والإنسانية ..!




ومن ناحية أخرى تعد فضيحة إمبراطورية " مردوخ " الآيلة للسقوط ، في صالح مصالح جهات عديدة ليس فقط من قبل أولئك الذين طعنوا من قبل إعلام " مردوخ " المتزعم لانتهاك الحريات والمطاردة والتنكيل والتنحي خلف الشمس من مسؤولين وصحفيين ومرشحين ومشاهير بل أكثر المستفيدين صادري الصحف الأخرى ، وكأن قول " المتنبي " يستدعي نفسه : مصائب قوم عند قوم فوائد ..!




لكن الأصل في هذه المصيبة - الغنيمة المجانية - عند البعض والتي هبطت عليهم هبّة من السماء هي ألا يتباهوا ولا تشملهم الفرحة طويلا لسقوط هذه الصحيفة الأكثر مبيعا والأشهر طوال 168 عاما ؛ بل أن يضعوا في عين اعتبارهم قواعد وأصول الإعلام الجيد ، ولعل من أشدها أهمية ولا يقوم إعلام نظيف دونها : " النزاهة " نزاهة الجهة الإعلامية والعاملين فيها .. فمن يضع " النزاهة " خارج مراميه ؛ المرامي عينها سوف تقذفه في زمن ما إلى قدر غير محمود العواقب ..!




معادلة " النزاهة " هي أنظومة مكتملة ، يستدعي حضورها في كل وطن يطمح على أرضه الثابتة أفرادا نزيهين يستمدون نزاهتهم من قوانين نزيهة تصدر في حقهم ، يساندهم إعلام نزيه في كل ما يقدمه لهم ؛ كي تتعامق جسور الثقة إلى المجتمع النزيه بكافة أطيافه ، وكل هذا من أجل وطن نزيه هو ملك للجميع ولكافة الأجيال ..




ولتقلص مفاهيم النزاهة وتخلخلها هي من أكثر الأسباب التي كانت وراء سقوط إمبراطورية مردوخ ، الذي على ما حوّل الإعلام إلى حلبة سيرك تزعمها ، زعيم أولئك المهرجين الذين يتضاحكون ، يتباكون ، يرقصون ، ويعلنون الحداد حسبما هي أحوال العامة المتفرجين ولنيل رضاهم ولنيل رفعة وشهرة شعبية تبنى على أساس من الغش والخداع وابتزاز وانتهاك الحقوق واستغلالها وتهويم وتضخيم وتواري وكشف حقائق حسبما مزاج سائسها ..!




وليس بعيدا عن هذا المعنى ما أشاره الروائي " عاموس عوز " في مقطع في روايته " قصة عن الحب والظلام " حين تحدث عن العلاقة ما بين القارئ السيئ والصحفي اللاهث قائلا : " القارئ السيىء مثله مثل الصحفي اللاهث ، يتعامل دائما بنوع من الريبة العدائية ، بنوع من الكراهية المتزمتة دينيا ، القويمة أخلاقيا مع الإبداع ، الإختلاق ، التحايل والمبالغة ، إلى ألعاب اللف والدوران إلى الكلمات ذات الوجهين وإلى الموسيقى وإلى الإيحائي إلى الخيال نفسه ، قد يتكرم وينظر أحيانا في عمل أدبي مركب ولكن شريطة أن نضمن له مسبقا المتعة " التخريبية " الكامنة في ذبح بقرات مقدسة ، أو المتعة المحمضة التي تنطوي على التقوى التي أدمن عليها كل مستهلكي الفضائح و" الاكتشافات " على مختلف أنواعها بحسب قائمة الطعام التي تقدمها لهم الجرائد الصفراء " .




في بلد يكون إعلامه قاصما لحقوق وحريات المعدمين من العامة ؛ فكيف إذن ستغدو قبضة كبريات سياسات أخرى على من هم " لا تهش ولا تنش " كما نرددها بالعامية في البلد نفسه ..؟!




في قرن من الزمن غدت " الثقة " فقاعة صابونية تنفقئ في وهلة ، لن يثق فيه الإنسان حتى بظله اللصيق به في غدوه ورواحه ، حتى الظلال لا تستأمن يا جماعة ؛ فراقبوها جيدا ..!







ليلى البلوشي