الاثنين، 15 أغسطس، 2011

جنود على أرجوحة الجوع ..! ج2







جنود على أرجوحة الجوع ..! ج 2





جريدة الرؤية العمانية ..





وللجوع سيرة مغرية ؛ لأنه يعي كخبير كيف يجعل العالم والإنسانية كافة تُخلص التفكير فيه كقضية أساسية ، لا يمكن في حال من الأحوال ، ومهما كانت الظروف إسقاطها من قائمة الحياة ..




وليس وحده انعدام الأمن الغذائي يشكّل أزمة جوع ، بل ثمة جياع من نوع آخر ؛ جوع التشفي من الجنس البشري ، كالمجازر التي يقترفها الجنود في حق البشرية ، كما فعل جنود الأمريكان في السجون العراقية ، وفي الأفغانستان ، وفي معاقل الغوانتنامو وغيرها من معاقل التعذيب والعنصرية والوحشية ضد إنسانية الإنسان ؛ في وجه ذاك التعذيب حيث ينتصب الإنسان خصما أمام إنسان مثله ولا اختلافات بينهما سوى لعله في لغة أو دين أو وطن ؛ وهذه الاختلافات هي مبعث أكثر الصراعات البشرية في الكون ، وكم فات أسياد هذه الدمى البشرية التي تتعارك من أجل صنم مسكون بنوازعه المريضة ، الوقوف على حقيقة قوله تعالى " جعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا " ؛ لا ليتحاربوا ولا ليمصّوا دماء بعضهم بعضا ..!




فلدى هؤلاء جوع سحق إنسانية الإنسان وعنف هؤلاء نابع من عوامل عدة أهمها الغربة والضغط النفسي ، والعنف الموازي للتسلية وقتل الضجر ، وماسوشية التي تتمثل في متعة التشفي بالآخر كما جوع " هتلر " حين قذف اليهود في أفران يهوديا بعد آخر ، و" نيرون " الذي احرق بجوع حقده المجنون تاريخ روما ، كما " القذافي " الذي قفّص شعبه في أقفاص الجرذان ، كما " علي عبدالله صالح " الذي بهت حين استيقظ شعبه بعد أن كان وأعوانه يهبون لهم " القات " كهدايا تمجه عقولهم نهارا وليلا لغفلة الحياة والحقوق ، كما " بشار الأسد " الذي استبدل مهاماته من رئيس دولة إلى " جزار " يقطع أطراف أبناء شعبه ؛ ليكونوا وليمة طازجة بدم ساخن في جرف الأنهار ..!




هؤلاء الجنود حكايتهم مع الحياة في اختلاف متواز ومتناقض ؛ فما قبل الحرب ليس كما بعد الحرب ، والعديد منهم افتقد بعد الصراع الدامي الذي وجد نفسه في دوامته ورائحة الدماء والجثث المآل من الحياة تماما ، فاقدين بما يسمى ببارقة الأمل في حياة نقية ..




والبعض يقضي حياته في كوابيس تكبس على مناماته في أحلام مؤرقة دربها مسدود إلى حلم مسالم ، وهناك من تجردهم الحروب من انتمائهم الإنساني ، وقل ّ أن تغفر لهم الحياة القاسية التي عايشوها ومارسوا تبعاتها مع من شاطروهم مساحات الدامية ، كاعتراف أحد الجنود الذين رماهم القدر للمشاركة الإجبارية تحت ضغط الهلاك في إحدى النزاعات وهو ما يزال طفلا لم يتجاوز الثامنة من عمره وقتذاك : " أنا خائف اليوم ، ولا أدري عائلتي ، وليس لدي مستقبل ، فحياتي ضائعة وليس لدي ما أعيش من أجله ، ما عدت أستطيع النوم ليلا ؛ إذ أظل أفكر في تلك الأشياء الفظيعة التي رأيتها وفعلتها عندما كنت جنديا " ..




وللصهاينة سياسية مختلفة يقرها فتاوي " حاخاماتهم " والتي من أبرز موادها " القتل البشري " التي تسمح بقتل غير اليهود سواء أكانوا رجالا أم نساء أم أطفالا " كما أصدرها " مردخاي الياهو " : " اقتلوهم وجردوهم من ممتلكاتهم ، لا تأخذكم بهم رأفة ، لا تتركوا طفلا ، لا تتركوا زرعا أو شجرا ، اقتلوا بهائمهم من الجمل والحمار " ..!




ولا تترقبوا شيئا يدعى رحمة من سجل الصهيون ؛ فحتى وزراءهم لم يشفع لهم حين تدخلوا في قرار تنازل عن ما يخص الأراضي الفلسطينية ، حيث أبيح بقتلهم بما يناسب ومصلحة اليهود ، أي أنها تمارس سياسات " تصفية " تجاه كل من يجسر ويتحدى الوقوف في وجهها ..!




أي أن جنود اليهود منذ أعلنوا التحاقهم بالصهيونية تخلوا عن كل مفردات التي تمت الإنسانية بصلة تجاه الآخرين كما أشار الممثل الأمريكي " ميل جيبسون " وهو معروف بمواقفه الجريئة وصداماته مع اليهود مذ فيلم " آلام المسيح " : " الصهاينة هم منبع الدمار في العالم وأتمنى لو بإمكاني محاربتهم كالجنود " ، فالسياسة الصهيونية قائمة على التشكك حتى من الذبابة التي تطن فوق رؤوسهم ، إنه أشد أنواع الجوع بشاعة على أرض الخليقة وأمرّها ..!




وهناك جوع إلى الأمومة ، إلى الحب ، إلى الحنان ، تلك القيم الاجتماعية العميقة والمهمة كانفعالات طبيعية في حياة كل جنس بشري ، وافتقاد إحداها يؤدي غالبا إلى جرائم متفاقمة وبشعة ، لعل من أبرزها جرائم الاغتصاب والشذوذ والخطف وغيرها ؛ من أجل إيجاد إشباع لحاجات اجتماعية وئدت من بيئة الجاني في زمن ما دون وجه حق أو عززت فيه على نحو قسري كسلوكيات خاطئة اكتسبها من بيئة خطأ ..!




ثمة جوع آخر أيضا معنوي ؛ جوع الإنسانية إلى قيم نبيلة تشعرها بكيانها البشري على أرض الواقع ، جوع إلى العدالة والكرامة والحرية والحب والعيش الكريم ؛ فثورات العربية من محيطها إلى خليجها لم تكن لجوع اللقمة وحدها ونقص ذات اليد ؛ بل كان جوعا نابعا من شعور الإنسان بالعار في وطنه الأم ..




وهناك من يبيع نفسه من أجل قطعة خبز ، ووحدها الحرة تجوع لكنها تأبى أن تبيع نفسها إشباعا لشهوة جوع ..!




هذا هو المبدأ التي سار عليه هؤلاء ، أحرار يطلبون حقا شرعيا وليس مسلوبا ، خلق لهم ولكن قطع عن الوصول إليهم ؛ ثمة وحوش بشرية عبء على الإنسانية الجمعاء لا هم ّ لها سوى إشباع أهواءها حتى التخمة على حساب حقوق الآخرين وقسطهم من الكرامة والسلام والعدل والخير العميم ..!




وتاريخ الثورات الحالية شاهد عيان على جنود لم يثاروا مع شعوبهم من أجل لقمة ، بل من أجل حياة يستحقونها كما يستحقها أي إنسان عزيز له حقوق ، إنه جوع غني بالكرامة ، فياله من جوع مشّرف ..!






ليلى البلوشي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق