الاثنين، 28 مايو، 2012

"لماذات" مشروخة في الحنجرة ..!



" لماذات " مشروخة في الحنجرة ..!



جريدة الرؤية العمانية


يواجه عالمنا الحالي كثير من التحديات على مستوى الاقتصادي والسياسي والديني ؛ ولعل " الدين " هو أكثر التحديات التي باتت تحرك الأفراد لدرجة أن هوية الإنسان غدت تنطلق من انتمائه الديني وليس من انتماءاته الأخرى كما ذهب الأديب " أمين معلوف " في كتابه "هويات قاتلة "..

كما أنه عالم لا يخلو من التساؤلات وعقد مقارنات ما بين أنفسنا والآخر ما بين ديننا والآخر ما بين انتمائنا والآخر ما بين هويتنا والآخر ما بين نحن وهم .. وصلتني رسالة في بريدي مذ وقت طويل ونظرا لأهمية المضمون احتفظت بها دون أن أعرف مصدرها ، والرسالة عبارة عن عقد مقارنات وأفكار تتساءل وحوارات تبغي أن تتفجر في نقاشات هائلة لمعرفة حقائقها .. وسوف اعرض بعض ما جاء من مضمون تلك الأسئلة التي تعقد مقارنات شاملة تلفت النظر والتساؤل بحدة "لماذا " :

لماذا : عندما يطلق اليهودي لحيته يقولون إنه يمارس معتقداته وعندما يطلقها المسلم يكون متطرف إرهابي ..؟!

لماذا : عندما تتحجب الراهبات من الرأس إلى القدم فهي وهبت نفسها للرب وعندما تتحجب المسلمة فإنها تعتبر مضطهدة ..؟!

لماذا : عندما تبقى المرأة الغربية في بيتها لترعى بيتها وأولادها فإنها محل احترام وتقدير لأنها تضحي وتعمل من أجل رعاية بيتها وعندما تفعل المسلمة ذات الشيء فإنها بحاجة لأن تتحرر ..؟!

لماذا : أي فتاة تستطيع الذهاب إلى الجامعة ولبس ما يحلو لها ولديها مطلق الحق والحرية بذلك ولكن عندما ترتدي المسلمة الحجاب تمنع من دخول أي مكان للعمل والدراسة ..؟!

لماذا : عندما يقتل اليهودي لا يذكر أحد دينه ولكن إذا حوكم المسلم بجريمة فإنه يدان لإسلامه ..؟!

لماذا : عندما يكرس أحدهم نفسه لحماية الآخرين فإنه نبيل ويستحق احترام الجميع لكن عندما يقوم الفلسطيني بذلك ليحمي طفله من الموت ويحمي يدي أخيه من الكسر وأمه من الاغتصاب ومنزله من الهدم ومسجده من التدنيس فإنه إرهابي ..؟!

لماذا : عندما يقود أحدهم سيارة جيدة على خراب لا أحد يلوم السيارة ولكن عندما يخطيء أي مسلم أو يعامل أحدهم بأسلوب سيء يقال " الإسلام هو السبب " ..؟!

ثم في النهاية يأتي الجواب كصفعة عن تلك الــ"لماذات " المتسلسلة بدهشة الاستنكار : " لماذا : لأنه مسلم "..!

 إجابة كاشفة كالشمس للجميع رغم ألم الصفعة وباتت أسنّة هذه الشمس أكثر وضوحا اليوم : بأن الدين الإسلامي هو دين المستهدف من قبل الديانات الأخرى ؛ لأنها تشكل خطرا عليهم وعلى دولهم لدرجة بروز مصطلح "رهاب إسلامي " وقد ترجموا هذه الحرب الشعواء على الإسلام بطرق ووسائل عديدة بعقد محاضرات وانتاج أفلام للكبار والصغار على حد سواء بل إن الأحزاب الرئاسية التي تطمع للسلطة في تلك الدول جعلت من ضمن برامجها الترشيحية هو تبني قضية خطورة الإسلام وهجرات المسلمين على شعوبهم ودولهم وعلى رأسهم حزب الجبهة الوطنية في الفترة الأخيرة التي حاولت دغدغة مشاعر الفرنسيين المتأثرين بالأزمة الاقتصادية في فرض قضية المهاجرين على المعركة الانتخابية بل في توجيهها بإتجاه يثير عداء للمسلمين والعرب بصفة خاصة وقد حدث ذلك بدءا بالمبالغة في أعدادهم رغم استحالة معرفتها في فرنسا وإتخاذ أشد الإجراءات ضد " التهديد الإسلامي " رغم أن المسلمين لم يفعلوا شيئا سوى العيش بسلام في أوطانهم بعدما خذلتهم أوطانهم الحقيقية ..!

ولكن مع ذلك نقول : موقف الغربيين من الإسلام والمسلمين أضحى معروفا جدا ولا يدعو للدهشة وإن دعا للاستنكار والاستهجان ولكن ما يدعو لأكثف الدهشات المستنكرة  وأكبر الاستهجانات هو أن يطعن المسلم في دينه وأن يشوه صورة الإسلام والمسلمين بل أن يتعدى على المقدسات ..على ذات الرسول_ عليه الصلاة والسلام – وعلى الذات الإلهية _عزوجلّ _ وهذا أعنفها وأشدها وأعظمها في وقت ينافح فيه بعض الغربيين عن الدين فمن وقت قريب عرفت أن صاحب تلك اللماذات في الرسالة هو "انجليزي مناصر للإسلام " ..!

ولعلي أضيف بدوري تساؤلا إلى التساؤلات التي شهرتها رسالة الانجليزي المناصر للاسلام .. لماذا : عندما تعرض " حمزة الكاشغري " برسائل عبر تويتر لذات الرسول -عليه الصلاة والسلام - زّج في السجن ليحاكم رغم اعترافه بذنبه واعلان توبته ولكن عندما تعرضت الكاتبة " حصة آل الشيخ " للذات الإلهية عفي عنها وسوّغ لها حجج من قبل الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " عبداللطيف آل الشيخ " ..؟!

غريب أن تخالف الخطيئة مسارها هذه المرة ؛ فنحن اعتدنا منذ الأزل أن هذا المجتمع قد قسم الخطايا إلى خطيئة مذكرة وخطيئة مؤنثة لكن تاريخ الخطايا في تطور على ما يبدو واستحدثت إلى خطايا قبلية وخطايا طائفية وخطايا حزبية وهلم جرا ولكل خطيئة استثناء ..!

وما أكثر الــــ"لماذات " المشروخة في حنجرة العقل والقلب واللسان فهل من مجيب عنها ..؟!



ليلى البلوشي


الاثنين، 21 مايو، 2012

تسلق أشجار المانغا ..



تسلق أشجار المانغا ..

جريدة الوطن


   ليس من السهل ارتقاء شجرة مانغا خاصة إذا ما كنت صغيرا وضعيف البنية كالطفلة الصغيرة و الرقيقة " مادور " بينما إخوتها وأبناء عمومتها الأكبر سنا يقطعون المانغا المقطوفة إلى شرائح لذيذة تتزحلق بانسيابية طاغية إلى أفواه المترقبين قصار العمر والقامة في أسفل أفرع أشجار المانغو ..

إنها سيرة مغموسة بروائح مأكولات هندية بأطايبها وبهاراتها ذات خليط أسطوري .. إنها سيرة عن عائلة ثرية يعترش أفرادها تحت ظل شجرة الجد الكبير الذي تصدّر مناصب راقية في البلاط الملكي مورثا عائلته التي تتمدد إلى أفرع متكاثرة الأغصان شرف سامق يتوارث من جيل إلى جيل ..

تروي تفاصيلها بأريحية هادئة ونقية الصدق الكاتبة الهندية " مادور جافري " التي ولدت في دلهي حيث الذاكرة المنتعشة بتفاصيل الأمكنة والأزمنة التي تعاقبت عليها وعلى أفراد عائلتها الكبيرة وتركيز جل سيرتها الحافلة على مقتطفات مكثفة من حياتهم دون أن تولي بقية رحلتها في الحياة سنوات ما بعد التخرج والزيجتان والاستقرار في نيويورك أدنى ما يذكر من تفاصيل .. يمكن القول بأنها ذاكرة هندية أصيلة جدا رغم التربية الغربية التي انغمست الكاتبة في كنفها مذ كانت رضيعة ..

قلنا إن الكاتبة في حيازتها ذاكرة جبارة حيث تختلج سطورها بأدق تفاصيل محكية قل ّ أن تخزنها ذاكرة طفلية ؛ ولكن الفضل على ما يبدو يعود لكرات اللوز التي حرصت أم " مادور " الأنيقة دوما بسواريها القطنية والحريرية على إعدادها .. كما جاء على لسان ذاكرة الطفلة : " اعتادت والدتي أن تطعمنا كرات اللوز وكانت والدتي تنقع المكسرات والهال وتكون منها كرات ملساء تغلفها بطبقة رقيقة من الفضة ، يالها من كرات رائعة لم أر مثلها أبدا ، كان عند والدتي إيمان راسخ بأن اللوز غذاء للعقل وأنه لا يجوز أن يرسل طالب أو طالبة إلى امتحان يدوم ست ساعات دون أن يتسلح بكرات اللوز .." إنها وصفة ينبغي تطبيقها من قبل أمهات فاضلات حريصات على جذوة إذكاء ذاكرة صغارهن ..

أما عن العائلة الهندية تلك التي تفرعت منها " مادور " فهي نادرة في صلات التقارب والتحابب العميقة التي نسجت منها مشاعر هذه العائلة .. التي كانت منفتحة على العوالم الخارجية دون أن تحقن نفسها ضد الاختلافات التي وجدت من حولهم ، سواء من حيث المأكل والملبس والمشرب وطرق التعليم والدراسة وهذا يعيد ذاكرتي إلى روايات هندية عانى أفرادها من انقسامات عائلية ناهيك إلى انقسامات شرخت المجتمع الهندي الواحد إلى مجتمع تعددي الطبقات والديانات في فترة الأربعينيات والخمسينيات ، وهذا يبرز اختلاف وجهات النظر ومدى انفتاحية العقلية تجاه المتغيرات في المجتمع آنذاك .. فعلى النقيض كانت روايات " سلمان رشدي " دائما تحكي عن عوائل هندية تتفشى فيها معانى البغض والعدوانية بين أفراد العائلة الواحدة التي تفتقد أواصر أسرية عميقة بل يسودها الافتقاد غالبا لمسمى العائلة الواحدة .. فالأب إما أن يكون غير لائق لحمل صفة الأبوة أو دوره غائب تماما في الحقل الأسري ..!

ومن ناحية أخرى أمعنت " مادور " في الحديث عن فترة التوتر السياسي أثناء الانقسام الذي تعرض لها بلادها .. ووصفت مشاعرها نحو المسلمين والهندوس بأسلوب ينم عن الرقي ويحتمل معاني الحب والصداقة لكلا الطرفين نابذة من خلالها التفرقة ، ورغم أنها هندوسية إلا أن محيطها الأسري لم يخل من خليط من العادات الهندوسية والمسلمة والطابع البريطاني وقد تماهت مع تلك الاختلافات بطريقة تحقق لها المتعة والسعادة على خلاف الكاتبة المسلمة " تسليمة نسرين " في روايتها " العار " حين حكت عن فترة انقسام الهند بين الهنود والمسلمين بأسلوب يؤّلب مشاعر كلا الفئتين على نار البغض وشرارة الفتن خاصة حين ناصرت الهندوسي وجعلت منه وليمة مظلومة في فم المسلم المتوحش وكشف هذا عن مغالطات كثيرة .. فعلى الرغم من ذاك الشرخ إلا أن الكثير من الهندوس والمسلمين كانوا على توافق اجتماعي لم تأفل قوة المحبة والأواصر بينهم رغم الفتن والمشاحنات السائدة في الجو الهندي وقت ذاك ..

ولعل مدرسة " الملكة ماري " التي التحقت بها الكاتبة في طفولتها تصف لنا الجو السائد آنذاك ومعاني التسامح التي عرفت بها الأسّر الهندية : " شكلت تجربتي في مدرسة الملكة ماري انتقالا من عالم غربي مسيحي إلى عالم هندي مسيحي ، كانت المدرسة مسيحية قلبا وقالبا ولكن لأن الإدارة كانت مسيحية واستقلال الهند كان مكتملا تقريبا سمح للهنود – الهندوس والمسلمين والسيخ وغيرهم – أن يكونوا على سجيتهم .." .

ولا يستغرب من عدم تعصّب الكاتبة لدينها وهذا راجع لتشرّب روح " غاندي " في دمها النقي .. حيث ظهر تأثيره في أفكارها خاصة في فترة الاحتلال البريطاني مع تعامد رغبة غاندي في توافق كافة الأطياف الدينية تحت سيادة دولة واحدة نافيا بذلك كافة أشكال التقسيم في الوطن الواحد ..

الاختلافات التي كانت ترنو إليها الكاتبة كانت منصبة على أنواع الأطعمة التي تقوم بطبخها كل عائلة باختلاف دينها كما جاء وصفها : " كانت هناك عشرات الخصائص والعادات والتقاليد التي عرفتنا بالأطعمة الإقليمية المحلية ، إلا أنها لم تكن كافية أو مرضية تماما ، فلقد تميز كل طبق بحس ديني يمكن رؤيته وتذوقه .." ثم تماهت في وصفها لطعام البنتين التوأمين اللتين رافقنها في المدرسة وهما مسلمتان : " يعكس طعام عبيدة وزهيدة خصائص قلب المدينة ، ومدينة دلهي وخصائص المسلمين من الهنود ، تنتزع أصابعي قطعة صغيرة من اللحم لتفصلها عن العظم الملتصق بها ثم تتبعها لقمة خبز الروتي .."

أما صديقتها " سودا " اليانية : " كان طعام سودا ذا طابع ياني بقدر ما كان طعام عبيدة وزهيدة إسلامي الطابع ، لقد كان طعامها نباتيا تماما وخلا من البصل والثوم ، إذ اعتقد أن هذه النباتات البصلية تثير عواطف دنيئة ، كما وخلا طعامها كذلك من الطماطم والشمندر فلقد اعتقد أن لونهما يذكر بلون الدم ولم يحتو طعامها على الخضروات ذات الجذور بسبب الاعتقاد السائد عند طائفتها أن اقتلاع الجذور يقتل النبتة بأكملها .."

 بينما  " بروميلا " كانت من عائلة بنجابية متحررة نوعا ما وهذا التحرر جاء بدءا من اسمها الغريب ليضفي نوعا من الاندماج مع تاريخ العالم الحديث .. أما عن وصف طعامها حسب طابع انتمائها الديني فوصفته : " اشترت بروميلا خبز الباراثا أو خبز الصاج المحشو بالقرنبيط الذي أكلته مع مخلل المانغا .." .

واللافت للنظر حقا في سيرة الكاتبة أنها تنتمي وعائلتها لطائفة الهندوس وهي طائفة تنأى من أكل اللحوم ولكن عائلة " مادور " تعد اللحم بأنواعه وجبة رئيسية محببة لمعظم الوجبات الطعام المختلفة .. ويحتمل هذا إلى التساهل الديني إضافة إلى موجة التأثير الغربي بالنسبة لعائلة ثرية منذ عهد عتيق مع وجود عقول متعلمة ومنفتحة على عوالمها المتغيرة ..

بدأت السيرة بحكاية عن البيت رقم سبعة التي نشأت في أرجائها الكاتبة وعائلتها والجد الثري الذي كان يقود دفة ذاك الامتداد العريض بشموخ حاكم يقود شعبه ، وختمت الرواية بموت هذا الجد ومراسيم تشييعه وذلك بنثر الرماد في مياه نهر يامونا المقدس ..

وبما أن الرواية تعنى بالدرجة الأولى بأوصاف الأطعمة الهندية الشهية .. فقد خصصت الكاتبة  الصفحات المئة الباقية من الكتاب لعرض أوصاف الأطعمة الشهيرة التي تناولتها - طوال تلك السنوات - آخذة معظم المقادير من الذين قاموا بإعدادها من أفراد عائلتها وكل الذين قابلتهم في مسيرة حياتها .. ولعل مبعث هذا الزخم المطبخي عائد إلى رسوب " مادور " في مادة الطبخ حين كانت ما تزل تلميذة .. ربما وهذا احتمال من ترشيحي .. مهما كانت الأسباب فلن نحرم أنفسنا قط من متعة تجريب إحدى تلك الوصفات التي تنم عن ذائقة باذخة باللذة رغم بطولة الفلفل الأحمر في كل وصفة معدة فيضطر المرء إلى شرب كميات هائلة من الماء ليس بعد كل وجبة من وصفاتها فقط بل يرافقه الاحساس بالحرارة بعد كل التهام قرائي لصفحاتها اللاسعة بالفلفل الهندي الأصيل وصحة للجميع ..



ليلى البلوشي

قالوا : " اتحاد خليجي " فبكى " التعاون الخليجي " ..!


قالوا : " اتحاد خليجي " فبكى" التعاون الخليجي " ..!
جريدة الرؤية العمانية


الاتحاد الخليجي .. مصطلح جديد أعلنه أصحاب القرار في دول الخليج رغم تحفّظ البعض وممانعة آخرين هذا على مستوى " حكومات الخليج " أما على مستوى " شعوب الخليج " فسوف يستدعي الموقف مثل القائل " اتفق العرب على ألا يتفقوا " لا ندري من أعلن هذا المثل التي غدت كالبصمة يُعرف بها العرب ولا شك من قاله كانت له نظرة مديدة .. وانقسموا ما بين استنكار وشجب ورغبة وقبول وما بين تحفّز وقلق..!

الاتحاد الخليجي .. يستدعي أيضا مصطلحا وجد قبله وله باع طويل " مجلس التعاون الخليجي " نحن أمام لفظتين مهمتين " اتحاد " المستحدث والمقترح الطازج ولفظة "التعاون "تلك اللفظة العتيقة كشيخ هرم .. وبما أننا نحن-العرب- شعوب من عادتها الوقوف على الأطلال مذ أيام الجاهلية الأولى ولكل طقوسه في هذا التباكي لذلك نقول إن لفظة" التعاون " تعيد ذاكرتنا أشواطا إلى الوراء ويسقطنا في أنياب التساؤلات ولعل أسنّها : ماذا كسبنا من التعاون الخليجي من خليجنا إلى خليجنا ..؟!

كل خليجي مقيم في وطنه لم يكسب من مجلس التعاون الخليجي شيئا يذكر ؛ والخليجي خارج وطنه وداخل وطن الخليج ماذا كسب سوى مجانية التعليم والصحة والإقامة ..؟!

أما على مستوى التعليم فحقوقه مبتورة وليست كاملة الاستحقاق فمن الأول الأساسي إلى شهادة البكالوريا فقط مع حجب حق التعليم في فصول الروضة وفي فصول الجامعة ؛ والشاب الخليجي عندما يتخرّج من الثانوية في البلد الخليجي أمامه خيارين والثالث محبط : اكمال الدراسة في وطنه أو دفع رسوم لجامعة خاصة والمحبط هو ترك طموح الدراسة والبحث عن وظيفة راتبها أقل عن راتب ابن البلد لأنه خليجي ، هذا إن حصل على وظيفة مع سياسات أولوية ابن البلد ..!

على صعيد الصحة ثمة تمييز واضح فالخليجي بطاقته ملونة حسبما دولته تختلف عن لون بطاقة ابن البلد هذا في زمن" التعاون " ربما في زمن " الاتحاد " ربما نتوّحد في ألوان بطاقات الصحة والزي الرسمي للرجال لأن المرأة زيها الرسمي موحد ومعروف ، ولون جوازات السفر دون أن نسقط فشل مشروع العملة الخليجية الموّحدة ..!

على صعيد الأحكام والقوانين الخليجي حين يقترف جرما في غير بلده ينفى إلى وطنه لتتكفل به وبجرمه ولا يهم مطلقا إن كانت كل عشيرته مستقرة في البلد الخليجي الذي نفي عنه وحيدا ومكسورا وذليلا ..!

ناهيك عن ذل الانتظار لساعات عبر حدود دول الخليج .. وهذا غيض من فيض مما يعايشه الخليجي في بلد خليجي آخر ..!

أجل نحن - شعوب خليجية - أرهقنا التشاؤم والاكتئاب والبكاء على الأطلال ولكن أرهقتنا الوعود أكثر بل تشبعنا بها ومنها حد التخمة ..وأخالني اليوم أدركت مبعث ارتفاع السمنة المفرطة بين أبناء دول الخليج إنهم منفوخون من الوعود المحبطة التي يفرغونها في التهام كامل الدسم ..!

هل " الاتحاد " يصنع ما فشل عنه " التعاون" .. تساؤل قابل للتأويل‏ في زمن الاتحادات المؤولة ..؟! يذكرنا بأوبرا الحلم العربي " دا حلمنا طول عمرنا أرض يضمنا كلنا كلنا " ولم نجد سوى احتشاد مطربين ومطربات على مسرح عربي واحد ..!

الاتحاد الخليجي نريده اتحادا في ترف السلم وتقشف الحرب ؛ لا في السلم خارج الحقوق وفي الحرب داخل الواجبات ..!

الاتحاد الخليجي نريده أن يكون واضحا في أهدافه و خططه وتطلعاته لمستقبل مواطني دول الخليج على أصعدة كافة سياسيا واقتصاديا ودينيا وثقافيا واجتماعيا ؛ لا اتحاد قائم على مصالح خاصة تمثل أصحاب القرار ويجنون مكاسبها على حساب المواطن الخليجي حيّا كصوت في رفع شعارات تدعم وجودهم وميّتا كجثة للذود عن وطن ينافح عنه من أجل عين كرسي أو رجل طاولة ..!

الاتحاد الخليجي نريده اتحادا بمعناه الحقيقي غير قابل لتأويلات الوعود وغير قابل للغة المجازات الغامضة وغير قابل لــ" لا " أو نعم " بل اتحاد مستقيم يحترم المواطن الخليجي ويتم ترقيته من عضو صامت إلى عضو فاعل في قرارات تمس الخليج ومستقبله على مستوى السلم والحرب ..!

الاتحاد الخليجي نريده اتحادا على قلب واحد شرايينه موصولة من خليجي إلى خليجي نتحّد بعمق بعمق لدرجة إذا ما قال العماني أو الكويتي أو البحريني " آه " هبّ السعودي والإماراتي والقطري "لبيه " .. !

ليضع أصحاب القرار في دول الخليج ببالهم بأن شعوبهم لم يعودوا مختصرين في بدو وحضر ولا متربعين في مراتع الصحاري والفيافي المقفرة منفصلين عن العالم بل هي شعوب في قلب الحدث فرضت وجودها على مستوى الواقعي والافتراضي في الآن معا .. هي شعوب الفيس بوك والتويتر والواتس ساب ....وهلم جرا ..!

على دول الاتحاد الخليجي قبل أن يعلنوا قرار " الاتحاد " عليهم أن يكاشفوا أساسيات هذا الاتحاد وأبعاده .. وإن عجزوا عن فهم معنى " اتحاد " ؛ فإني ناصحة لهم كإمرأة خليجية بالوقوف على تجربتين ثريتين واقعيتين في سبل الإتحاد الحقيقية ؛ فلينهلوا من مناهل خبرتهما للتّأهل .. الأول متجسّد في " اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة " وهذا خيار محلي وأما الثاني متمثل في " الاتحاد الأوروبي" وهذا خيار خارجي ..!

ولا " اتحاد " بدون" اتحاد " على مستوى القرار والتشاور والتحاور بين الشعوب وحكامها ولتتداول تلك " الراءات " بشكل جدّي وفاعل على الأقل في مرحلته المتبلورة الأولى إن وجدت مرحلة أولى وتتابعتها مراحلها الأخرى ..!


ليلى البلوشي

الاثنين، 14 مايو، 2012

الجمهورية الأوروبية الإسلامية ..!




الجمهورية الأوروبية الإسلامية ..!

جريدة الرؤية العمانية ..


شاهدت فيلما عبر اليوتيوب تحت عنوان " فيلم أمريكي يحذر من قيام دولة إسلامية مع حلول عام 2016م " .. أي بعد خمس سنوات من الآن وهي فترة قريبة جدا وهذا بحد ذاته يشي عن مبعث الرعب الأمريكي والأوروبي من انتشار الإسلام وتدفق المد الإسلامي في أرجائهم ..!

الفيلم عرض إحصائيات ويتعامل بمفهوم أن تناقص عدد السكان في حضارة ما يؤدي إلى هلاكها بالمعنى الأدق اندثارها ؛ فحسبما إحصائية الأرقام خلال سنوات مقبلة سوف تختفي أوروبا والسبب في " الهجرة " بالتحديد " الهجرة الإسلامية ".. فمنذ عام 1990م رأى الأوروبيون أن 90 % من الزيادة السكانية مبعثها الهجرة الإسلامية .. حيث معدل الزيادة في فرنسا 1.8 والمسلمون 8.1 ، بينما في فرنسا الجنوبية وهي واحدة من أكثر الأماكن المزدحمة بالكنائس في العالم تحتوي الآن على مساجد أكثر من الكنائس .. أما في روسيا فتوصوا إلى أن الجنود المسلمون في الجيش يتضاعف عددهم وبعد سنوات سيكون جيشا مسلما .. أما معدل الأطفال ففي عام 2027 م فإن واحد من كل 5 فرنسيين سيكون مسلما ..!

واضح جدا من تلك الإحصاءات المختلفة والتي تتناول جوانب عديدة أن أمريكا ودول أوروبا تعاني ما يسمى بالرهاب الإسلامي واستفحال خطره – كما يرون – على أوطانهم وحدودها ؛ ولعل هذا ما يجعل القس " تيري جونز " يعيد أفعاله المرة تلو الأخرى في إحراق القرآن ..! كما يبرر عند بعض الأوروبيين " أندرس بريفيك " الذي يعّد نفسه قائدا معاصرا لـ " فرسان الهيكل " ؛ أصولي مسيحي ، حصر أعداء أوروبا حسبما رأيه في ثلاثة : الماركسية والإسلام والتعددية الثقافية ..!

و تفجيراته جاءت كفعل اعتراض على الهجرات المتدفقة من قبل المسلمين لدول أوروبا ويوم فعلها رفع صوته بجسارة مهددا كما يذكر العالم : " إذا توقف تدفق المهاجرين المسلمين إلى أوروبا أو إذا ما اعتنقوا المسيحية فإني سأسامحهم على جرائمهم الماضية ، وإذا رفضوا القيام بذلك طواعية حتى عام 2020م ؛ فإنها ستكون نقطة اللاعودة ؛ فإننا سنمسحهم جميعا ولا نبقي منهم أحدا .." !

ولن نذهب بعيدا ؛ فالجميع يذكر " جينجريتش " الذي تصدر قائمة المرشحين لنيل ترشيح الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة حجته عن الشريعة الإسلامية في كلمة ألقاها العام الماضي بمعهد " أمريكا انتربرايز " قال فيها : " إن المشكلة الأولى التي تواجهها الولايات المتحدة ليست الإرهاب كما يظن الكثيرون ، وإنما الشريعة .." وقال أيضا : " إن الشريعة بطبيعتها تتسم بالوحشية التي تجد تمثيلا لها في ممارسات كالقمع والرجم وقطع الرؤوس وإن السعي لتحقيق انتصار الشريعة لا يقوم به الجهاديون فحسب وإنما يتم من خلال طرق خفية عبر حث الناس مثلا على الحضور للمسجد الذي يقع في نهاية الشارع .."

واتبع شن حربه على الإسلام من خلال إنتاج فيلم يحمل عنوان " أمريكا في خطر : الحرب ضد عدو لا اسم له " ودعا فيه إلى سن قانون فيدرالي ينص على عدم جواز الاعتراف بالشريعة في أي محكمة أمريكية ، وهو ما يعطي انطباع بأن الشريعة تمثل تهديدا حقيقيا في مدينة توبيكا في ولاية كنساس مثلما هي عليه في أي عاصمة إسلامية متشددة ..!

يبدو أنه من الواضح كما أشرنا أن دول أوروبا وأمريكا يعانون من حالة رهاب إسلامي وذلك وحده كفيل في كل الإجراءات والصعوبات التي يثقل بها كاهل المهاجرين العرب المسلمون هناك ليس أولها منع الحجاب عن الجاليات المسلمة مرورا إلى منع النقاب وهذا ما له علاقة بالنساء المسلمات بل إلى حد منع تطبيق الشرائع الإسلامية في عمليات ذبح الدجاج واللحم وهلم جرا ..!

ولا يتوقف الأمر هنا بل يستشعر المسلمون هناك أنهم مطالبون وملاحقون بوجهات نظرهم وآرائهم الصريحة حول بعض قضايا تمس الإسلام والمسلمين وما يهدد خطرا لدول أوروبا وأمريكا كمثل رأيهم في تنظيم القاعدة من خلال تحقيقات تجريها أبرز مجلاتهم وصحفهم ؛ وهذا بحد ذاته وثيقة إثبات على نظرات التشكك التي يثقل بها المسلمون من قبل الآخرين وأكثرها شيوعا أن المسلمين لا يدينون ممارسات الإرهاب كما يجب ، ففي أعقاب تفجيرات لندن عام 2005م كتب " توماس فريدمان " كاتب العمود في " النيويورك تايمز " : " حتى يومنا هذا لم ينشر أي رجل دين مسلم أو هيئة دينية فتوى تدين أسامة بن لادن " .. وهذا إدانة وتشكك سافر في المسلمين وتعميمهم في منظومة التجريم والإرهاب الممارس من قبل جماعات معينة ..!

يرى الفيلم الوثائقي أن خلال 39 عاما فقط سوف تصبح فرنسا جمهورية إسلامية ؛ يعلنون هذا ويضعون أيديهم على قلوبهم وكامل حواسهم وتدابيرهم على رقاب الإسلام والمسلمين في استفحال ثقيل بينما الواضح للعيان أن المد الإسلامي يضخ دماؤه الحارة في شرايين تلك الأوطان وأصقاعها والتاريخ وحده بمرور الزمن يخلّد الحضارات التي تعمل من أجل تخليدها ويواري غبار الفناء على بعضها ..!

هذه الصراعات على الإسلام تحيلنا إلى ورطة الحريات واحترام الحقوق في أمريكا وأوروبا ؛ فهم من كان يتغنى بالحريات الشخصية للشعوب وهم أول من ادّعى حقها في ممارسة وتعاطي اختلافها على عدة أصعدة والحال يثبت لنا أنهم كانوا ينشدون أناشيد الحرب في زمن السلم وكان هذا وضعهم بلا شك ..!

ليلى البلوشي




الثلاثاء، 8 مايو، 2012

مشروع صناعة طفل موهوب .. ورقة ألقيت في مهرجان الشارقة القرائي للطفل




مشروع صناعة طفل موهوب*

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليلى البلوشي

 جريدة الرؤية العمانية ..


( الأطفال كيف يكتبون لأنفسهم  ) ..؟ هذا هو محور حديثنا اليوم ، ولكن قبل أن نخوض عن كيفية كتابة الأطفال لأنفسهم ولأقرانهم سوف اطرح سؤالا مغايرا : ( كيف نصنع من الطفل كاتبا موهوبا ) ..؟ الإجابة عن هذا السؤال هو ما يصنع كتابات طفولية من خيال وفكر الأطفال أنفسهم ..

التعامل مع الأطفال عملية ليست هينة ؛ بل تحتاج إلى طاقات هائلة كي نخرّج طفلا على قدر من المعرفة والمهارة والموهبة قيمّا وسلوكا .. لهذا أنا أوافق تماما ما ذهب إليه الممثل المصري " محمد صبحي " حين أشار في إحدى حواراته إلى أن الطفل هو مواطن صالح وهو أعظم سلاح يخرج للعالم ، لذلك لا يجب تبديد هذه الثروة والتي هي الطفل ولا يجب الاستهانة بمرحلته التعليمية التأسيسية فهذه المرحلة هي التي تتطلب حملة الدكتوراه أن يتولوا تعليمها وليس طلاب الجامعة من يحتاجون أساتذة من حملة الدكتوراه ..

في الدول الغربية يتخيرون لتعليم أطفال المراحل التأسيسية أفضل المؤهلين ذوي حاملي  شهادات عليا وخبرات مديدة في التعامل مع الصغار ، ولكن في دولنا العربية ما يحدث هو العكس لا توجد منظومة مؤهلة وغالبا ما يتولى خريجي جامعات الجدد غضي الخبرة والمعرفة تعليم الأطفال في مراحلهم التأسيسية ، لذلك الطفل في الدول الغربية هو طفل زاخر بالخبرات والمعارف وقادر على الإختراع والابتكار بسلاسة وثقة تامة ..

ولكن الطفل العربي وأبسط - مثال واقعي - حين يتواصل مع وسائل التقنيات الحديثة من آي باد وآي فون وغيرها يتعامل معها على أنها هواتف للتعاطي وممارسة الألعاب دون أن يختبر فضوله في فهم البرامج الأخرى في جوف تلك الأجهزة بينما الطفل الغربي يحرص على أن يفك شيفرة جهازه الخاص وقد يضيف له برامج تزيده إثراء .. ودائما تيقنوا من أن الطفل المولع بالمراقبة كملاحظة نملة تمضي في دربها أو نحلة تمتص رحيق زهرة فإن هذا الطفل متأمل وممكن أن يكون عالما .. أما الطفل الذي يكسر الألعاب فإن هذا له عالم خاص ومعناه يريد أن لديه عقلية فاحصة ولديه علامات استفهام حول طريقة عمل الأشياء .. بمعنى أوضح الطفل يولد مع مواهبه الفطرية قوامها الخيال اللامحدود والقدرة على صناعة الدهشة ولكن للأسف تأت الثقافة المحلية فتقضي على هذه المواهب ومحظوظ الطفل الذي يحيا في بيئة تقّدر حجم مواهبه وتعمل على صقلها مع مرور الزمن ..

أما من ناحية البعد المستقبلي فإن علاقة التواصلية مع المستقبل عند كل من الطفل العربي والغربي تكاد تكون متفاوتة تماما .. الطفل الغربي هو طفل واثق من نفسه وتلك الثقة استمدها من محيطه المتحمس بينما الطفل العربي غالبا هو طفل متردد وتحمل نظرته نحو المستقبل النظرة المترددة الحذرة نفسها ..

لكن ماذا لو عزم كلا الطفلين أن يصبحا كاتبين .. لنتخيل طبيعة الحوار الذي يجري بين هذين الطفلين ولنوسع خيالنا أكثر ولنجعلها صديقين .. حوار أتخيله على هذا النحو :  

( حوار بريء

دار حوار بين طفل غربي وطفل عربي ..

 قال الطفل الغربي بثقة :

-       أود حينما أكبر أن أؤلف كثيرا من الكتب ، أجني منها ثروة ضخمة ..

بينما الطفل العربي قال وهو يرنو بعيدا  :

   - أود حينما أكبر أن اعمل في وظيفة مناسبة اجني منها الكثير من المال وتوفر لي الوقت كي اكتب .. ) .

هذا الحوار البريء بين هذين الطفلين هو واقعي ومنطقي وحقيقي ؛ فمن المعروف أن الكتابة مهنة حقيقية عند الغرب والكاتب من خلال الكتابة وحدها والتفرغ لها يجني ثروات هائلة واتخاذ الكتابة مهنة تباركه الأسرة الغربية ولكن ماذا عن الطفل العربي الذي عليه أولا أن يجد مهنة يجني منها المال ومن هذا المال يصرف على نفسه ومتطلبات الكتابة أما عن الأسرة العربية فهي غالبا ما تعد الكتابة هي مجرد " موهبة " هذا إن لم تعده مضيعة للوقت ناهيك عن اعتبارها " مهنة " مستقبلية للطفل فالتشجيع هنا غالبا ما يكون معدوم ..

الطفل في صغره متلقي .. يتلقى سلوكيات ويتلقى أفكار ويتلقى أساليب ويتلقى معرفة ؛ يمكن القول بأن الأساليب والمعرفة تتبلور مع الزمن وتمر بمراحل نمو ونضج ولكن ما هو أعظم أن الأفكار والسلوكيات التي يتلقاها الطفل في صغره تظل لها آثار بعيدة المدى ولزمن طويل ومنها يتشكل تعاطيه مع نفسه والعالم من حوله .. على سبيل المثال قال الكاتب المعروف في أدب الطفل السويدي المدعو " أولف ستارك " عن تجربته في الكتابة للأطفال : " أمي .. أنها أمي من فتح خيالي إلى أقصاه بقصصها وحكاياتها الخيالية التي كانت تسردها لي ، فيما كان والدي يطلب منها ألا ترويها لي لأنها خرافات وليست حقيقة " ..

يمكن القول بأن الأم هنا في حياة الكاتب هي عامل إيجابي ومتلقي جيد للطفل والأب هو عامل سلبي .. وما أكثر العوامل الايجابية وتفوقها السلبية تلك التي يتلقاها الطفل من الكبار على هيئة أساليب مختلفة كأفكار .. كسلوكيات .. كمعارف وهلم جرا ..

بعد أن نسعى إلى توفير بيئات صحية للطفل تعمل على نهوضه فكريا وسلوكيا وأساليب تعاطيه مع الأشياء من حوله وتنشيط خياله فإننا سوف نصنع طفلا موهوبا مبدعا ، قادرا على بث أفكاره بثقة وثبات وحماس وافتنان .. وهنا يجب التأكيد على أن - الطفل الخليجي - تحديدا مؤهل لإبداعات شتى حيث الرفاهية والبيئة الصحية للإبداع والتعليم والحالة الفسيولوجية الجيدة للتلقي بالمقارنة مع أطفال بقية دول الوطن العربي الذين يتعرضون لآلة الاستبداد والتنكيل والنماذج شاهدة وأحسن حالا بأضعاف مضاعفة من معظم أطفال أفريقيا وهم الأسوأ حظا على الإطلاق ؛ فهناك يولد الطفل مع قائمة متاعب يرثها كالفقر والمجاعة والحروب والأمراض المستعصية وغياب أبسط سبل العيش والنمو الطبيعي ..لهذا ما ينقص أطفالنا هو " الوعي " و" الإحساس بالمسؤولية " في كثير من الأحيان ..

من حسن حظي إنني أعمل معلمة أطفال .. وهذا يجعلني على احتكاك دائم ويومي معهم ، هذا الاحتكاك اليومي خلق لغة تواصل بيني والطفل كما أنه حفزني على الإبداع ليس هذا فحسب بل منحني كثيرا من الجرأة ..

ومن خلال تجربتي في تعليم الأطفال ترسبت لدي حقيقة وهي أن الطفل يجرب دون خوف أو حساب ويخوض المغامرة بشتى أنواعها بقلب وجل .. والحقيقة الأعمق أنه يمتلك خيالا فضفاضا قادرا على إدهاش الكون ..

لهذا من خلال عملي واحتكاك اليومي بالطفل وعبر أجيال متنوعة توصلت إلى أن الطفل عادة ما ينسى المعارف التي يتلقاها في صغره وأخصّ المعلومات المبثوثة في الكتاب المدرسي والتي يتلقاها كفرض ولهدف واحد الحصول من خلالها على درجات تؤهله لمرحلة دراسية أخرى هذه هي علاقة الطفل بالكتب المدرسية هي علاقة مبررة ومتبلدة وغير متحفزة ولكن ما يتلقاه من معارف ومهارات خارج نطاق الكتاب المدرسي تعد عوامل حفز وفضول للتعرف عليها ومن خلال وظيفتي كنت احرص على استغلال حصص الاستماع والتحدث وتحويلها إلى ورشات عمل صفية على أن أقوم باختيار قصة قصيرة من مكتبتي بما يتناسب ومرحلتهم العمرية أقرأها على تلميذاتي على شكل حلقات أو أقف عند كل مقطع وآخر ومن ثم أطرح أسئلة عن المقطع أو أطلب منهم من خلال عمل مجموعات على وضع أسئلة عن المقطع الذي استمعوا إليه ومن ثم كل مجموعة تطرح أسئلتها على المجموعة الأخرى .. وفي المرحلة الأخرى أروي لهم تفاصيل الحكاية ومن ثم أتوقف قبل نهاية القصة واطلب من كل واحدة منهن كتابة النهاية وفق مخيلتها وربطتها بالأحداث التي مرت عليها .. وكثيرا ما كنا نخرج بنهايات خلاقة ومختلفة ومتقنة وغاية في الخيال ما يفوق النهاية التي وضعها الكاتب نفسه ..

وهنا ينبغي أن نضع في حسباننا بأن الطفل كي تتطور مواهبه يحتاج إلى تحفيز وإلى تحريض .. أما التحفيز فيجب ألا نأخذ بجدية تلك الأخطاء الصغيرة التي يقترفها الطفل عادة على المستوى اللغوي في العملية الكتابية فمع امتلاك القدرة على التخيل والتعبير سوف يعالج الزمن أخطاءه .. وأما التحريض فعلينا أن نحرضه على إثراء لغته وأساليبه من خلال توجيهه إلى قراءات المختلفة في ظل أدوات المعرفة الشاملة متاحة بأريحية لهذا الجيل الذي يواكب وسائل التقنيات الحديثة في توسيع بؤرة القراءة والتلقي المعرفي ..

يقينا اهتمام الأسرة ووجهود المعلمة والبيئة المدرسية وحدها لا يمكن أن تصنع الكثير أمام أهمية وجود مؤسسات تعنى بتثقيف الطفل وتنمية مواهبه المختلفة وفي مجالات شاسعة وإمارة الشارقة القدوة حيث يتوفر للطفل من مقومات إبداعية يحلم بها أي طفل في العالم .. واستطيع القول بأن كتابات الأطفال في كتابي " تحليقات طفولية " وهو نتاج عناية و رعاية واهتمام تلك المؤسسات المحرضة على صناعة طفل موهوب .. طفل قادر على تبني مواهب مختلفة وهو على يقين بأن جهوده واهتماماته في المجال الفكري والكتابي سوف تنال حقها من الضوء واستنشاق الحياة ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

·        ورقة ألقيت في مقهى ثقافي ( أطفال كيف يكتبون لأنفسهم ) في مهرجان الشارقة القرائي للطفل 2012م .


الأربعاء، 2 مايو، 2012

وصايا اسكندر المقدوني ..





وصايا اسكندر المقدوني ..



جريدة الرؤية العمانية



   في كتاب " إنها الثورة يا مولاي " للرئيس التونسي " منصف المرزوقي " خصّ حديثا عاما عن أمانة ذمة بعض الرؤساء قائلا : " لا أحد منهم هرّب أمواله الشخصية للخارج أو ملك فيه أجره ، كلهم اعتبروا أنفسهم حرّاس المال العمومي كلهم استنكفوا أن تظن بهم الظنون فبالغوا لدرجة التي وصلها " ديجول " وهو يرفض أن يتلقى أجرا كرئيس جمهورية وكان يدفع من جيبه ثمن غداء عائلته عندما تزوره في قصر الإليزيه .. ومن لا يعرف أن " عبدالناصر " مات مدانا وأن ابنته لم تصبح مليونيرة ولا ابنه ..؟ يتصادف أني خصم لـ" بورقيبة " أبا عن جد لكنني اعترف بأنني ذهلت يوم مات الرجل وذهبت للعزاء ففوجئت بجثته ملفوفة في العلم وسط ساحة بيت لا يختلف عن بيت أي عائلة تونسية من الطبقة الوسطى " ..

لا بد وأن الذهول يقبض على حواسنا حين يتناهى إلينا أمانة بعض زعماء – العرب – خاصة في زمن الفساد وخيانة الأمانات ..!  ويمكن القول أن الزمن يشهد بوجود زعماء ورؤساء سواء عرب أو من الغربيين كانت سيرتهم عطرة وخلفوا لشعوبهم إرثا تاريخيا عظيما يفخر بها شعوبهم كما يفخرون بالأرض التي أنجبتهم .. ولعل على رأسهم حاكم عدّ على مدى العصور أعظم محاربين القدماء ولم يحدث قط كما تداولت سيرته كتب التاريخ أن رفعت جيوشه بياض هزيمة في وجه أعدائه خلال كل معركة قادها .. إنه " الاسكندر المقدوني " حاكم مقدونيا أو ماسيدونيا وواحد من أدهى وأعظم القادة الحربيين عبر العصور وتلميذ الفيلسوف والعالم الشهير " أرسطو " .. كان قاعدا تكتيكيا بارعا وموصوف بالحكمة والدهاء والجسارة والسخاء وصلبا شديدا في السياسة واستطاع في فترة حكمه أن يمازج بين حضارات الإغريق والشرق ودمجها في إمبراطورية واحدة سمى أكثر من 20 مدينة منها على اسمه وعلى رأسها مدينة الإسكندرية في مصر ..

قال له والده الملك " فيليب المقدوني " : " إن الدنيا لن تسع عقلك يا بني " وهذه العبارة التي كلل بها الأب ابنه وكما تروى كتب التاريخ حين غدت إحدى فرسه عنيفة ومتمردة وأبت التحرك خطوة وما كان من الصبي المراهق " اسكندر " حين تناهى إليه يأس مسيسيه إلى التدخل ومعالجة الأمر رغم خوف والده ورفضه الفكرة وحين دنا من الفرس أمسك بلجامها ثم غيّر اتجاه رأسها فهدأت الفرس ، تعجب والده الملك وسأله عن سر ترويضه للفرس الجموح .. فبين له اسكندر أن مبعث عناد الفرس يعود إلى خوفها من ظلها كلما وقعت عينها عليه وحين حول رأسه صوب الشمس صار ظلها تحت قدميها فهدأت .. فقال الأب عبارته الشهيرة .. 

ولكن من غرائب سيرة " اسكندر المقدوني " تلك الوصايا الثلاث التي بلغ بها مقربيه كي يقوموا بتنفيذها عند موته وكان نص تلك الوصايا الثلاث : " الوصية الأولى : أن لا يحمل نعشي عند الدفن إلا أطبائي ولا أحد غير أطبائي .. والوصية الثانية : أن ينثر على طريقي من مكان موتي حتى المقبرة – قطع الذهب والفضة وأحجار الكريمة التي جمعتها طيلة حياتي .. والوصية الأخيرة : حين ترفعوني على النعش أخرجوا يداي من الكفن وأبقوها معلقتان للخارج وهما مفتوحتان " ..

التبست هذه الوصايا على مقربيه وسألوا عن مغزاها .. فأخذ الملك نفسا عميقا وأجابهم :  " أريد أن أعطي العالم درسا لم أفقهه إلا الآن .. أما بخصوص الوصية الأولى فأردت أن يعرف الناس أن الموت إذا حضر لم ينفع في رده الأطباء الذين نهرع إليهم إذا أصابنا مكروه وأن الصحة والعمر ثروة لا يمنحهما أحد من البشر .. وأما الوصية الثانية حتى يعلم الناس أن كل الوقت الذي قضيناه في جمع المال ليس إلا هباء منثورا وأننا لن نأخذ معنا حتى فتات الذهب وأما الوصية الأخيرة ليعلم الناس أننا قدمنا إلى هذه الدنيا فارغي الأيدي وسنخرج فارغي الأيدي كذلك .. "

رحل " المحارب الجبار " اسكندر المقدوني " ونفذ فيه مقربوه وصاياه بحذافيرها .. وهذه الدرر الحكيمة التي اختصرت في وصايا ثلاث تجعل المرء يعيد ترتيب حياته من جديد هذا بشأن الفرد الواحد مع نفسه ولكن ماذا عن زعماء وحكام مسئولين عن شعوب بأكملها مما شك سيكون ترتيبهم لأنفسهم من نوع مغاير وكثيف ..؟!

وهذه العظات استدعت سيرة الرئيس المصري المخلوع " حسني مبارك " فمما توارد أن الرئيس المخلوع حرص على مسألة موته الوشيك وهذا ما جعله يعكف على تجهيز قبره وبمواصفات عالمية عالية في الرفاهية وعلى طريقة قبور الملوك وقد أقيمت المقبرة من رخام الحجر الحلواني أغلى أنواع الرخام على الإطلاق تكفلت المقبرة حوالي 10 ملايين جنيه وتبلغ مساحتها 120 مترا مربعا من الرخام ويوجد بها حمام 5 نجوم فاخر واستراحة ملكية ونظام صوتي خاص وغرفة تكييف مركزية خارجية ..

هذه المقبرة بهذه المواصفات باذخة الفخامة تقع في دولة تدعى " مصر " وهي دولة أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر وأكثر من نصفه اتخذ من المقابر المهجورة بيته الخاص وعائلته المتناسلة نتيجة الفقر المدقع وتمر حاليا بأزمة اقتصادية متردية للغاية .. !

البون شاسع  ما بين فكر وحكمة ملك بقامة " اسكندر المقدوني " وبعض " زعماء العرب " أصحاب الجيوب الثقيلة والعقول الفارغة ..!



ليلى البلوشي