الثلاثاء، 8 مايو، 2012

مشروع صناعة طفل موهوب .. ورقة ألقيت في مهرجان الشارقة القرائي للطفل




مشروع صناعة طفل موهوب*

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليلى البلوشي

 جريدة الرؤية العمانية ..


( الأطفال كيف يكتبون لأنفسهم  ) ..؟ هذا هو محور حديثنا اليوم ، ولكن قبل أن نخوض عن كيفية كتابة الأطفال لأنفسهم ولأقرانهم سوف اطرح سؤالا مغايرا : ( كيف نصنع من الطفل كاتبا موهوبا ) ..؟ الإجابة عن هذا السؤال هو ما يصنع كتابات طفولية من خيال وفكر الأطفال أنفسهم ..

التعامل مع الأطفال عملية ليست هينة ؛ بل تحتاج إلى طاقات هائلة كي نخرّج طفلا على قدر من المعرفة والمهارة والموهبة قيمّا وسلوكا .. لهذا أنا أوافق تماما ما ذهب إليه الممثل المصري " محمد صبحي " حين أشار في إحدى حواراته إلى أن الطفل هو مواطن صالح وهو أعظم سلاح يخرج للعالم ، لذلك لا يجب تبديد هذه الثروة والتي هي الطفل ولا يجب الاستهانة بمرحلته التعليمية التأسيسية فهذه المرحلة هي التي تتطلب حملة الدكتوراه أن يتولوا تعليمها وليس طلاب الجامعة من يحتاجون أساتذة من حملة الدكتوراه ..

في الدول الغربية يتخيرون لتعليم أطفال المراحل التأسيسية أفضل المؤهلين ذوي حاملي  شهادات عليا وخبرات مديدة في التعامل مع الصغار ، ولكن في دولنا العربية ما يحدث هو العكس لا توجد منظومة مؤهلة وغالبا ما يتولى خريجي جامعات الجدد غضي الخبرة والمعرفة تعليم الأطفال في مراحلهم التأسيسية ، لذلك الطفل في الدول الغربية هو طفل زاخر بالخبرات والمعارف وقادر على الإختراع والابتكار بسلاسة وثقة تامة ..

ولكن الطفل العربي وأبسط - مثال واقعي - حين يتواصل مع وسائل التقنيات الحديثة من آي باد وآي فون وغيرها يتعامل معها على أنها هواتف للتعاطي وممارسة الألعاب دون أن يختبر فضوله في فهم البرامج الأخرى في جوف تلك الأجهزة بينما الطفل الغربي يحرص على أن يفك شيفرة جهازه الخاص وقد يضيف له برامج تزيده إثراء .. ودائما تيقنوا من أن الطفل المولع بالمراقبة كملاحظة نملة تمضي في دربها أو نحلة تمتص رحيق زهرة فإن هذا الطفل متأمل وممكن أن يكون عالما .. أما الطفل الذي يكسر الألعاب فإن هذا له عالم خاص ومعناه يريد أن لديه عقلية فاحصة ولديه علامات استفهام حول طريقة عمل الأشياء .. بمعنى أوضح الطفل يولد مع مواهبه الفطرية قوامها الخيال اللامحدود والقدرة على صناعة الدهشة ولكن للأسف تأت الثقافة المحلية فتقضي على هذه المواهب ومحظوظ الطفل الذي يحيا في بيئة تقّدر حجم مواهبه وتعمل على صقلها مع مرور الزمن ..

أما من ناحية البعد المستقبلي فإن علاقة التواصلية مع المستقبل عند كل من الطفل العربي والغربي تكاد تكون متفاوتة تماما .. الطفل الغربي هو طفل واثق من نفسه وتلك الثقة استمدها من محيطه المتحمس بينما الطفل العربي غالبا هو طفل متردد وتحمل نظرته نحو المستقبل النظرة المترددة الحذرة نفسها ..

لكن ماذا لو عزم كلا الطفلين أن يصبحا كاتبين .. لنتخيل طبيعة الحوار الذي يجري بين هذين الطفلين ولنوسع خيالنا أكثر ولنجعلها صديقين .. حوار أتخيله على هذا النحو :  

( حوار بريء

دار حوار بين طفل غربي وطفل عربي ..

 قال الطفل الغربي بثقة :

-       أود حينما أكبر أن أؤلف كثيرا من الكتب ، أجني منها ثروة ضخمة ..

بينما الطفل العربي قال وهو يرنو بعيدا  :

   - أود حينما أكبر أن اعمل في وظيفة مناسبة اجني منها الكثير من المال وتوفر لي الوقت كي اكتب .. ) .

هذا الحوار البريء بين هذين الطفلين هو واقعي ومنطقي وحقيقي ؛ فمن المعروف أن الكتابة مهنة حقيقية عند الغرب والكاتب من خلال الكتابة وحدها والتفرغ لها يجني ثروات هائلة واتخاذ الكتابة مهنة تباركه الأسرة الغربية ولكن ماذا عن الطفل العربي الذي عليه أولا أن يجد مهنة يجني منها المال ومن هذا المال يصرف على نفسه ومتطلبات الكتابة أما عن الأسرة العربية فهي غالبا ما تعد الكتابة هي مجرد " موهبة " هذا إن لم تعده مضيعة للوقت ناهيك عن اعتبارها " مهنة " مستقبلية للطفل فالتشجيع هنا غالبا ما يكون معدوم ..

الطفل في صغره متلقي .. يتلقى سلوكيات ويتلقى أفكار ويتلقى أساليب ويتلقى معرفة ؛ يمكن القول بأن الأساليب والمعرفة تتبلور مع الزمن وتمر بمراحل نمو ونضج ولكن ما هو أعظم أن الأفكار والسلوكيات التي يتلقاها الطفل في صغره تظل لها آثار بعيدة المدى ولزمن طويل ومنها يتشكل تعاطيه مع نفسه والعالم من حوله .. على سبيل المثال قال الكاتب المعروف في أدب الطفل السويدي المدعو " أولف ستارك " عن تجربته في الكتابة للأطفال : " أمي .. أنها أمي من فتح خيالي إلى أقصاه بقصصها وحكاياتها الخيالية التي كانت تسردها لي ، فيما كان والدي يطلب منها ألا ترويها لي لأنها خرافات وليست حقيقة " ..

يمكن القول بأن الأم هنا في حياة الكاتب هي عامل إيجابي ومتلقي جيد للطفل والأب هو عامل سلبي .. وما أكثر العوامل الايجابية وتفوقها السلبية تلك التي يتلقاها الطفل من الكبار على هيئة أساليب مختلفة كأفكار .. كسلوكيات .. كمعارف وهلم جرا ..

بعد أن نسعى إلى توفير بيئات صحية للطفل تعمل على نهوضه فكريا وسلوكيا وأساليب تعاطيه مع الأشياء من حوله وتنشيط خياله فإننا سوف نصنع طفلا موهوبا مبدعا ، قادرا على بث أفكاره بثقة وثبات وحماس وافتنان .. وهنا يجب التأكيد على أن - الطفل الخليجي - تحديدا مؤهل لإبداعات شتى حيث الرفاهية والبيئة الصحية للإبداع والتعليم والحالة الفسيولوجية الجيدة للتلقي بالمقارنة مع أطفال بقية دول الوطن العربي الذين يتعرضون لآلة الاستبداد والتنكيل والنماذج شاهدة وأحسن حالا بأضعاف مضاعفة من معظم أطفال أفريقيا وهم الأسوأ حظا على الإطلاق ؛ فهناك يولد الطفل مع قائمة متاعب يرثها كالفقر والمجاعة والحروب والأمراض المستعصية وغياب أبسط سبل العيش والنمو الطبيعي ..لهذا ما ينقص أطفالنا هو " الوعي " و" الإحساس بالمسؤولية " في كثير من الأحيان ..

من حسن حظي إنني أعمل معلمة أطفال .. وهذا يجعلني على احتكاك دائم ويومي معهم ، هذا الاحتكاك اليومي خلق لغة تواصل بيني والطفل كما أنه حفزني على الإبداع ليس هذا فحسب بل منحني كثيرا من الجرأة ..

ومن خلال تجربتي في تعليم الأطفال ترسبت لدي حقيقة وهي أن الطفل يجرب دون خوف أو حساب ويخوض المغامرة بشتى أنواعها بقلب وجل .. والحقيقة الأعمق أنه يمتلك خيالا فضفاضا قادرا على إدهاش الكون ..

لهذا من خلال عملي واحتكاك اليومي بالطفل وعبر أجيال متنوعة توصلت إلى أن الطفل عادة ما ينسى المعارف التي يتلقاها في صغره وأخصّ المعلومات المبثوثة في الكتاب المدرسي والتي يتلقاها كفرض ولهدف واحد الحصول من خلالها على درجات تؤهله لمرحلة دراسية أخرى هذه هي علاقة الطفل بالكتب المدرسية هي علاقة مبررة ومتبلدة وغير متحفزة ولكن ما يتلقاه من معارف ومهارات خارج نطاق الكتاب المدرسي تعد عوامل حفز وفضول للتعرف عليها ومن خلال وظيفتي كنت احرص على استغلال حصص الاستماع والتحدث وتحويلها إلى ورشات عمل صفية على أن أقوم باختيار قصة قصيرة من مكتبتي بما يتناسب ومرحلتهم العمرية أقرأها على تلميذاتي على شكل حلقات أو أقف عند كل مقطع وآخر ومن ثم أطرح أسئلة عن المقطع أو أطلب منهم من خلال عمل مجموعات على وضع أسئلة عن المقطع الذي استمعوا إليه ومن ثم كل مجموعة تطرح أسئلتها على المجموعة الأخرى .. وفي المرحلة الأخرى أروي لهم تفاصيل الحكاية ومن ثم أتوقف قبل نهاية القصة واطلب من كل واحدة منهن كتابة النهاية وفق مخيلتها وربطتها بالأحداث التي مرت عليها .. وكثيرا ما كنا نخرج بنهايات خلاقة ومختلفة ومتقنة وغاية في الخيال ما يفوق النهاية التي وضعها الكاتب نفسه ..

وهنا ينبغي أن نضع في حسباننا بأن الطفل كي تتطور مواهبه يحتاج إلى تحفيز وإلى تحريض .. أما التحفيز فيجب ألا نأخذ بجدية تلك الأخطاء الصغيرة التي يقترفها الطفل عادة على المستوى اللغوي في العملية الكتابية فمع امتلاك القدرة على التخيل والتعبير سوف يعالج الزمن أخطاءه .. وأما التحريض فعلينا أن نحرضه على إثراء لغته وأساليبه من خلال توجيهه إلى قراءات المختلفة في ظل أدوات المعرفة الشاملة متاحة بأريحية لهذا الجيل الذي يواكب وسائل التقنيات الحديثة في توسيع بؤرة القراءة والتلقي المعرفي ..

يقينا اهتمام الأسرة ووجهود المعلمة والبيئة المدرسية وحدها لا يمكن أن تصنع الكثير أمام أهمية وجود مؤسسات تعنى بتثقيف الطفل وتنمية مواهبه المختلفة وفي مجالات شاسعة وإمارة الشارقة القدوة حيث يتوفر للطفل من مقومات إبداعية يحلم بها أي طفل في العالم .. واستطيع القول بأن كتابات الأطفال في كتابي " تحليقات طفولية " وهو نتاج عناية و رعاية واهتمام تلك المؤسسات المحرضة على صناعة طفل موهوب .. طفل قادر على تبني مواهب مختلفة وهو على يقين بأن جهوده واهتماماته في المجال الفكري والكتابي سوف تنال حقها من الضوء واستنشاق الحياة ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

·        ورقة ألقيت في مقهى ثقافي ( أطفال كيف يكتبون لأنفسهم ) في مهرجان الشارقة القرائي للطفل 2012م .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق