الاثنين، 24 سبتمبر، 2012

نساء هلأ لوين ..!


 
نساء هلأ لوين ..!

 

جريدة : الرؤية / العرب

يروي " علي الوردي " موقفا مرّ به حين كان في أمريكا .. فيصف المشهد بقوله : " كنت في أمريكا فنشب نزاع عنيف بين المسلمين عن " علي " و" عمر " – رضي الله عنهما – وكانت الأعصاب متوترة والضغائن منبوشة ، فسألني الأمريكي عن عمر وعلي هل يتنافسان الآن على الرئاسة عندكم كما تنافس ترومين وديوي عندنا ..؟ فقلت : إنهم كانوا في الحجاز قبل 1300 سنة والنزاع الحالي حول أيهما أحق بالخلافة .. فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد أن يستلقي على قفاه وضحكت معه ضحكا فيه معنى البكاء وشر البلية ما يضحك .."

هذا هو الوضع المضحك المبكي في آن .. ! كل يوم يزداد هذا العالم اشتعالا .. كل يوم نسمع عن ضحايا ومجازر وبشر متعاركين وهم جيران وأصحاب بناية واحدة والباب للباب .. ترى ما يُفقيء القلب مرارة وما يورث المشاعر وجعا مرا .. وتتساءل ما سبب كل هذا ..؟ وأين التسامح الديني الذي كنا فيه ..؟ وهل الدين هو السبب أم المتاجرين به ..؟ من الرابح ومن الخاسر ..؟

الرابح دون شك أصحاب الجشع والثروة والمصالح و كراسي السياسة ، بينما الخاسر واضح وضوح الشمس هو الإنسان العادي الذي جعل عقله ألعوبة في يد طرف لا يهمه سوى مصالحه وكل طرف نار والبشر هم عيدان ثقابهم ..؟!

نعود إلى الوراء أعوام .. قبل أن نولد في زمن آبائنا فتبهرنا حكايات التعايش البشري في العالم الإسلامي بين سنة وشيعة كانوا إخوة وأصدقاء وجيران ويبرهنا أكثر التسامح الراقي بين من هم مسلمين ومن هم مسيحيين ... القرآن بجانب الانجيل والمسجد بقرب الكنيسة والحياة كل يوم أجمل وأهدأ وكل متعايش مع الاختلاف في منتهى التسامح والطمأنينة سائدة في عالمنا العربي ..

بينما الغرب الذي كان مضغوطا لعقود في التعصب والعنصرية حيث البشر طبقات ، وهناك من هو أكثر إنسانية من الآخر ، وهناك من هو وضيع في منزلة الحيوان تجاوز مراحل تاريخه الأسود كي يبني نفسه ، وكي يرتقي ، وكي يشمل هذا الرقي كافة أفراد المجتمع دون تفرقة أو مس حريات الفرد وأصوله وانتمائه .. ومن هنا انطلق الغرب بكل قوة نحو الحداثة ولكننا بقينا .. بقي العرب بل تراجعوا آلاف سنين ضوئية نحو التخلف وضيق الأفق والعدائية والشك والسفك والدم بضمير بارد ..!

المأساة الحقيقية اليوم هي أن ثمة أناس يعتقدون أن هناك انتماء واحدا مسيطرا يفوق كل الانتماءات الأخرى وفي كل الظروف حتى بلغ مرحلة جعلها " هوية " .. هذا الانتماء للوطن بالنسبة لبعضهم والدين بالنسبة لآخرين .. محاولة تذويب الانتماءات المختلفة في انتماء واحد شامل هو ما وّلد تلك الصراعات المتدامية في أوطاننا العربية ؛ وبلغ هذا الصراع حده لدرجة تعاظم شعور التهديد وبضياع الانتماء الديني .. ويبقى السؤال الأهم : كيف نعود كما كنا أكثر تعايشا وأعمق اطمئنانا وأشمل محبة ..؟!

هذا السؤال عاد بذاكرتي إلى فيلم ظريف يدعى " هلأ لوين " حرصت مخرجته اللبنانية " نادين لبكي " إلى غمس الفكاهة والطرافة فيه لتبسّط نقل الفكرة ولتسري في روح الاختلاف بمذاق المحبة والرغبة في التعايش السلمي ، هذا الفيلم أهم ما فيه نساؤه .. نساء من نوع مختلف .. نساء عجزن كل نظريات الفلسفة والفكر والمنطق من تفسير أساليبهم الواعية لتقويم القلوب .. قلوب أبناء ضيعة واحدة من مسلمين ومسيحيين دون تفرقة بينهم ، المسجد قرب الكنيسة ، هذه القرية البسيطة لا يصلها بث إذاعي أو تلفزيوني واحتفالا بالألفية يحضر أحد سكان القرية صحنا لاقطا وتتسرب الأخبار عن الحروب الطائفية الدائرة ومن ثم ينتقل إلى القرية هواء ذاك الاقتتال الطائفى .. تتطور الأمور بين أهل القرية الذين عاشوا معظم حياتهم على أخوة وحب وتسامح ، تبدأ في قريتهم انقسامات طائفية ؛ ولأن نساء القرية يدركن خطورة ذلك يحاولن بشتى الطرق المبتكرة إبعاد هذه الخلافات عن قريتهن كحرق الجرائد و تخريب الصحن اللاقط حتى إنهن يحضرن راقصات أوكرانيات لإلهاء رجالهن عن الاقتتال ، ثم يقمن بخبز الحلوى ودسّ الأدوية المخدّرة فيها في محاولة لسحب السلاح من القرية ودفنه ، يشعرن بأنهن حققن شيئاً وجاهدن لحل مشكلة ليست متجذرة في الضيعة المنعزلة فقط بل في كامل لبنان بل كامل الجسد العربي ..

الرجال يقتلون ويرفضون التعايش بحجة الحمية والغيرة الدينية وهلم جرا من الحجج التي كانت مبعثا لموت ملايين من البشر بدم بارد وبطولة استعراضية ؛ لأن كل حزب أو كل مذهب أو كل ديانة تغذي روح العداوة والبغضاء في النفوس حتى تمتلئ فتضخ ما فيها من كراهية عمياء دون السماح لفكرة عاقلة تخبرهم أو تنبههم عن فداحة غبائهم وفداحة ما يورثونه لأجيال قادمة أبناؤهم وأحفادهم ..

المرأة التي وصفتها معظم الديانات بالشرّ .. ومعظم العباقرة والفلاسفة بأنها شيطان هي من تسعى وبإمكاناتها البسيطة لردم فوهات العداوة والموت ووقف نزيف الدم ؛ كي يتعايشوا بسلام مع أزواجهم وأبنائهم وكي يسود السلام وتحيا الأرض ..

ما يعوز عالم اليوم بشر أكثر إنسانية وأكثف تحملا لمعنى المسؤولية وأعمق إيمانا بحقوق الآخرين ، ليس فقط في الحرية والعدالة والكرامة بل في احترام وجهات نظرهم وتقبل آرائهم مهما غدت عنهم مخالفة ومتباينة وجدلية وغامضة ومستهجنة وناقصة ومبتورة .. متى تفهم ومتى تعي عقولنا الضيقة مبدأ " حريتي وحرية الآخر " كفعل وفاعل ومفعول وليس كمبدأ جامد ، ثابت ، فارغ من معنى التنفيذ مع سبق الإصرار والترصد ..؟!

من ضمن أحداث الفيلم في مقهى آمال .. وآمال امرأة يؤدي دورها المخرجة والممثلة في آن " نادين لبكي " حين يتعارك رجال من مسلمين ومسيحيين ؛ لأن النفوس محتقنة على بعضهم تصرخ فيهم آمال بكل بقوة وكأن لسان حالها يثبت أن في قاع كل منا دكتاتور .. يسقط هذا الدكتاتور الداخلي بكل استبداده وحقده وغيرته وعنجهيته وأنانيته المنتفخة .. يسقط .. يسقط .. يسقط .. أن أكون إنسانا وكفى ..!

ويبدو أنه لن يوقف نزيف هذا العالم سوى نساء ؛ فواقع اليوم يثبت تعقلهن ووعيهن الأكمل بعد أن فقد الرجال العقل والحكمة لوقف النزيف الإنساني الدموي ، فكل منهم يناصر مصلحته وجشعه ما بين مكانتهم السياسية والدينية وكأننا في مباراة أي فريقين يجني أعلى نسبة من القتلى لصالح حزبه ..!

في ظل هذه الحروب برزت المرأة .. كائن الرحمة والسلام والوعي ؛ ولو لم تكن المرأة وطنا لعاش جميع الرجال لاجئين .. !

ولم يكذب أحد أشهر فلاسفة  العالم " سقراط " الذي عبّر بيقين ذات يوم : " عندما تثقف رجلاً تكون ثقفت فرداً واحداً وعندما تثقف امرأة فإنما ثقفت عائلة بأكملها .."

 

ليلى البلوشي

نساء بيكاسو ..!


 
نساء بيكاسو ..!

 

نشر في جريدة البلد

 

لم يكتف بواحدة .. رغباته أوسع من جسد امرأة .. إحساسه بالمتعة الجسدية كان ممزوجا بمساحة الحضور المريح .. هل أحبّ بيكاسو كل نسائه ..؟ أم أن الرغبة غلبت الحب وهل ينوجد الحب بلا رغبة ..؟

هكذا بدأ الكاتب " جوزف أبي ضاهر " يتساءل في مؤلفه " نساء بيكاسو " .. فلا يمكن أن تتناول حياة الفنان العالمي " بيكاسو" بمعزل عن نسائه .. كوكتيل نسوي كل منها كان موديلا للوحاته .. كل لوحة هي امرأة أحبها ثم بهت اهتمامه بها فضجرها ناقبا في كل مرة عن امرأة جديدة تضخ فيه الشباب والحيوية وجنون الريشة ومجموع لوحات ثمينة لا تقدر بثمن .. وهو القائل عن نسائه : " المرأة عود ثقاب يشعل رغبتي في الرسم أريدها دائمة الحضور متجددة ونارها لا تنظفيء " ..

السؤال هنا : من هو بيكاسو ..؟

" بيكاسو " هذا الفنان " الماجن " كما وصفه صديقه الشاعر " ماكس جاكوب " .. ولد في تمام الساعة الحادية عشر من ليل 25 تشرين الأول / أكتوبر سنة 1881م وفي قرية " مالاقا " الإسبانية سمعت حركة غير عادية : " ولد لجوزيه روينر بلاسكو طفل ميت " .. أجريت له الإسعافات اللازمة وظل الجسد الطري هامداً تقدم منه عمه الطبيب " سلفادور روينر بلاسكو " وحمله بين يديه نافخاً في وجهه دخان سيجاره وعلى حين فجأة تحرك الجسد وانتفض وصرخ وصرخ من كان حاضراً : إنه حيّ ..!

من هذه البداية الغريبة ولد " بابلو بيكاسو" .. الغرابة هنا تلقي الضوء على معتقدات كانت سائدة في القرون الوسطى ذات صلة بالأسد وأشباله من أنها كانت تولد ميتة وتبقى كذلك ثلاثة أيام إلى أن ينفث الأسد فتدب الحياة في أوصالها والأسد والأشبال هنا رمز الانبعاث ، والمخلوق الطفل يخرج هامداً من رحم أمه ثم يبعث بإرادة الأب وهذه الأفكار كان لها تأثير ضبابي في حياة " بيكاسو " ولوحاته ..

ولادة " بيكاسو " حسب علماء الفلك جاءت في برج العقرب وهو حمل صفاته : عدائي ومتسلط ، مدمر وأناني ، يعد نفسه محور الكون كله ، ومنتج لا يتعب ومحول للطاقات هائل ، وفي كل حركة من حركاته تظهر السلطة حتى في نومه لا يعرف الراحة أو السكون ..

كان والده رساما فكان من الطبيعي أن يتأثر الإبن بالأب ، ولكن ما ليس طبيعي أن يقتدي ويتعلم الأب من ابنه العبقري الذي استطاع في سن صغيره أن يبهر من حوله برسوماته .. مما جعل الأب يقول عن ابنه : " لا أخجل من نفسي عندما أقول أنني أتعلم الرسم من ابني الصغير " ثم تخلى عن ممارسة الرسم نهائيا قائلا لإبنه : " ليس لدي ما أتركه لك سوى ريشتي ودعاء قلبي الذي أحبك كثيرا " ..

أما أمه " ماريا لوبيز " فقد أحبته حبا أعمى وكانت تمنحه الثقة والمحبة الشاسعة والاهتمام .. ويبدو أن " بيكاسو" كان له حظ وافر جداً من حب واهتمام النساء ؛ حيث بدأت وجوه النساء تحنو على سريره منذ ولد بدءاً من فرط حنان أمه وأختيه ونسيباته .. واسترخى في دفء تدليلهن حتى آخر امرأة التقاها وبقيت معه وكانت أرملته " جاكلين " ..

والحديث عن مراحل لوحات بيكاسو لا يمكن أن تتم دون ضج نسائه فيها وعبرها فهن كل لوحات وكل ألوانه .. والنقاد الفنانين قسموا مراحل الرسم عند بيكاسو إلى أريع مراحل .. أولها كان المرحلة الزرقاء التي بدأت مع سكنه باريس في ربيع 1904م .. ثم المرحلة الوردية التي كانت عام 1906م حيث التأمل بعدها انتقل إلى المرحلة الزنجية التي اتصفت بالإنفعال والعنف .. ثم إلى أهمها المرحلة التكعيبية والتي كانت مع " جورج باراك " حيث وضعا نهاية دورة مهمة في تاريخ الفن ..

وكما أسلفنا كل لوحة هي وجه امرأة وقلبها وعقلها وكل ما فيها .. فرناند ، إيفا ، ماري تريز ، دورا مارا ، فرنسواز ، جنفياف ، وصولا إلى جاكلين .. واثنتان تزوجهما هما " أولغا " و " جاكلين ".. واثنتان انتحرتا " ماري تريز"  أسفا على حياتها معه و" جاكلين"  أسفا على رحيله ميتا .. واثنتان دفعهما إلى الجنون كـ" أولغا " و" دورا مار" .. أما " إيفا " فماتت قبل أن يملها أو تتركه .. وأمه كانت تدرك هذا الجنون الذي يتمّلك نساء بيكاسو وحاولت نقل شعورها هذا إلى " أولغا " قبل زواجها من " بيكاسو " حيث خاطبتها قائلة : " يا صغيرتي المسكينة لو كنت صديقتك لأقنعتك بالابتعاد عنه ، وتركه ونسيانه ؛ لأنه لا يستطيع أن يحب امرأة مهما كانت جميلة وطيبة ومخلصة .. لن يكون لها .. لن يكون ملكاً سوى للرسم والرسم فقط " ..!

وحدها " فرنسواز"  كانت أكبر من الكارثة هجرته وسط استهجانه حين أعلن بتحدي : " لا تستطيع امرأة أن تهجرني .. أنا أقرر هجرها " ..

ولكن"  فرنسواز"  هجرته ولم يطق ذلك ؛ لأن المرأة هي مزيج من الحب والرغبة وهي مضخة للعمل والإنجاز والإبداع كما عبر ذات يوم : " أنا بحاجة إلى الحب لأتمكن من العمل ، الحب هو الجدار الواقي وهو الدرع الذي يرد الصدمات والخيبات والقوة التي يلقاها كل فنان ناشئ في محيط لم يعرفه تمام المعرفة .." لهذا كلما بهت ضوء إحدى نسائه راح يطارد غيرها ؛ كي يظل ضوؤه الداخلي مشتعلا أبدا ..!

وتظل أكثر نسائه حظاًّ الأخيرة وهي " جاكلين " تزوج منها وظلت معه حتى آخر لحظة من حياته وهو لم يتعب أو يضجر منها ، وتفانى اهتمام " بيكاسو" بها حتى أنه كان يهدي إليها لوحاته فيوّقعها باسمها وقال لها ذات يوم : " الأخريات كن زوجاتي .. أما أنت فستكونين أرملتي " وقد رسمها في لوحة تحمل عنوان " جاكلين الأرملة " ..

هناك امرأة أخرى ولكن صلة " بيكاسو" بها مختلفة وكان يقول إنها مجرد " أخت " .. وهذه المرأة هي الأمريكية " جرترود شتاين " التي عرفها من خلال علاقته بــ" فرناند أوليفيه " .. فساعدته فنيا واجتماعيا وماليا واشترت أولى لوحاته وتم عبرها التعارف ما بين " بيكاسو" وفنانين كثر وعلى رأسهم " هنري ماتيس " وبواسطتها انفتحت أمامه أبواب السوق الأمريكية ثم الأسواق العالمية ..

كان لــ" بيكاسو" قواعده وتعريفاته وانطباعاته عن المرأة ، غالبها انفعالات تنم عن غطرسة وثقة عمياء بعاشق يهيم به كل نساء الكون .. كمثل عبارته : " كل مرة أتعرّف فيها إلى امرأة جديدة ، يجب أن أحرق التي مرت قبلها .. هكذا أكون حرا .. طليقا من غير قيود .. ولن تستطيع واحدة .. أية واحدة أن تشغلني طيلة حياتي أو تمتلكني .. أترك المرأة وأنسى الماضي كل الماضي وربما هذا يعيدني إلى الشباب الدائم " ..

من يقرأ سيرة حياة " بيكاسو " أو يشاهد فيلما عنه سوف يكتشف دون شك في أنه فنان عبقري وعظيم خلّف تاريخيا راسخاً وخالداً في تاريخ الفن وعوالمه ، ولكن سيكتشف في الوقت نفسه أنه ليس إنسان بل ما هو سوى كتلة من الأنانية المنفوخة بالغطرسة تذكرني – شخصياً- بالسمكة البالونة وهي سمكة معروف عنها أنها خطيرة على القرش وسامة للبشر .. " بيكاسو " عبقري الذي حوّل الريشة تاريخياً كان بخيلا في الإنسانية بمعناه العاطفي والمادي كذلك ..!

في الثامن من نيسان / أبريل 1973م سقطت الريشة من يد بابلو " بيكاسو " .. رحل لكن شمس شهرته لم تأفل يوما ومايزال هذا الأناني المنفوخ بالغطرسة الطفولية كأنما يردد للعالم من حوله .. لكل ما له صلة بالفن والجمال والنساء .. يردد بثقته المعهودة : أنا بيكاسو .. بيكاسو أنا ..!

الجدير بالذكر والملفت للنظر أنه ولد في الساعة الحادية عشر وغادر الحياة في الساعة نفسها .. رحل كذّرة غبار ولكن من دون حاجة إلى ضربة مكنسة كما عبّر عن نفسه ذات مرة أمام " جاكلين " ..!

ليلى البلوشي

الاثنين، 17 سبتمبر، 2012

سجون أضيق من حنجرة ومقابر أوسع من وطن ..!


 
سجون أضيق من حنجرة ومقابر أوسع من وطن ..!

 

نشر في جريدتي الرؤية / العرب

كلنا يعرف " أندريس بريفيك " الذي نفّذ هجوما مزدوجا في 22 يوليو2011م الماضي تسبب في تفجير مجمع حكومي في أوسلو أسفر عن مقتل 8 أشخاص ثم توجه إلى جزيرة أوتويا وقام بقتل 69 شخصا في مخيم للشباب تابع لحزب العمال الحاكم وذلك بإطلاق النار عليهم مستخدما سلاحا أتوماتيكيا فحكم عليه بــ 21 عاما وهي أقسى عقوبة تصدر في النرويج .. توقعت وأعتقد أن كثيرين شاركوني في توقعي أن أجد أمامي " بريفيك " بعد أن قضى مدة في السجن قبل إصدار الحكم عليه ، توقعت أن أشاهده عبر التلفاز في حالة مزرية وجه مليء بالكدمات وجسد هزيل وعينان منفختان من الضرب والسهر والإهانة ، ولكن ما رأيته خالف كل توقعاتي! فقد وقف " بريفيك " أمام التلفاز في هيئة مرتبة وووجه يشي بالاسترخاء والراحة وجسد عريض موفور الصحة وقد زاد وزنه بضع كيلوجرامات بشكل واضح!

سمعنا الكثير عن السجون الغربية ولعل أكثرها عنفا ووحشية هو معتقل " غوانتانامو " ولكن أكثرها إنسانية ورحمة هي السجون السويدية ؛ ففي العام الماضي من خلال برنامج خواطر 7 الشهير الذي يقدمه " أحمد الشقيري " خصص فيه حلقة مؤثرة عن السجون السويدية التي قام بزيارتها وعرض وسائل المتوفرة فيها والتي تظهر مدى اهتمام القانون السويدي بالسجين ، فهم يعدون السجين إنسانا له حقوق ؛ لهذا سجونهم مجهزة بقاعات رياضية وأجهزة حاسوب وخطوط الانترنت ؛ والمعروف أن السجون السويدية مجهزة بسرير فردي بطول 200 سم وعرض 80 بالإضافة إلى خزانة ثياب وخزانة كتب التي يستعيرها السجين من مكتبة السجن وصحفه التي يمكن له شراءها ويحتفظ بها وطاولة مكتب صغير وتلفزيون ، أصف لكم هذا الواقع السويدي وأنا أكتم حسرة مريرة في قلبي وحسراتي تضاعفت حين عرفت أخيرا أن وزير العدل السويدي " توماس بود ستروم " حريص على تفعيل قانون جديد يمكّن السجناء المنضبطين الذين لا يرتكبون أي أعمال مخالفة للقانون أثناء فترة سجنهم من قضاء نصف فترة عقوبتهم في السجن والنصف الآخر في المنزل وفوق هذا معروف أن السجون السويدية تسمح لسجنائها بالعمل أو الدراسة خارج أسوار السجن خلال فترة النهار لكن القانون الجديد يعزم منحهم حرية أكبر!

" منحهم حرية أكبر " كل تلك الحقوق التي يحصل عليها مسجون سويدي في سجنه لا يحصل عليه المواطن العربي غير المسجون في وطنه .. !

" منحهم حرية أكبر " هو سجن يحترم الإنسان ويقدر إنسانية الإنسان ويؤمن أن من يتعامل معه ليس مجرم ولا خطير بل هو إنسان ارتكب خطأ وسيصحح ولا يعني ذلك نهاية العالم!

كما تبحرت كثيرا في تجارب المساجين وأحوال السجون في عالمنا العربي ومدى أساليب القمع والتعذيب والسعي الحثيث لحيونة الإنسان أي جعله حيوانا وتعذيبه على أساس أنه أحط من أن يكون بشريا .. كنت اقرأ كل هذا بغصة مريرة عن عقول همجية تعاقب بني جنسها بتلك الطرق الوحشية الخالية من أي أثر إنساني ، لكني وبكل حق لم أتصور يوما أن ما كنا نشاهده أو نقرأه من تجارب الكتاب والمساجين يمكن أن نرى مثيلها في سجوننا الخليجية .. دولنا الخليجية والتي يقال عنها أنها دول حضارية ومرفهة وتعرف الإنسان وقيمته!

ولم أكن أتوقع أن أمرا مثيلا يجري في أوطاننا ؛ حيث المواطن السجين ما هو سوى مجرم حتى قبل إدانته والحكم عليه يعامل كالمجرمين بل يسعون حثيثا لتشويه سمعته في كل المحافل وكان لسجناء الرأي الحصة الأكبر من التنكيل والعنف ؛ فهل تستدعي تويتة من 140 حرفا أو عبارة فيسبوكية قصيرة كل هذا العنف والتخويف والوحشية .. بل كيف لسلطات تخشى من عبارة يكتبها افتراضي في تويتر أن تحمي وطنا بأكمله من أعداء واقعيين!

ففي الآونة الأخيرة هالنا ما قرأناه وما سمعناه وما كتبه البعض كإعتراف عن تجربة شخصية كسجين قضى فترة حكمه وآخرين على حافة انتظار حكم صادر! بل حتى طرق استدعائهم خلت عن أي أسلوب حضاري بالتعامل مع إنسان في دولة حضارية وذلك من خلال أساليب أقرب ما تكون لصوصية باختطافه من الشارع أو من المقاهي أو من السوق أو حتى عبر الاتصال بذويهم مع علمهم بأرقام المعتقلين وذلك إمعانا في ترويع الأهل!

يقول أحد المساجين الذي يذكرني بتفاصيل معتقلي غوانتانامو أو سجن أبو غريب : " لقد تعرضت لأقسى أساليب التعذيب ، تركوني في زنزانتي من الساعه الثانيه صباحاً عند استلامي للسحور وحتى الرابعه والنصف عصراً بدون دورة مياه وبدون فرش وبدون أبسط الواجبات الآدميه حتى أنني - أجلكم الله - اضطررت الى أن أتبول في الأواني التي اتسحر بها وبها ما بها من قذارة حارة الدماء رأيته هناك ، وذاك الملازم القوي يأمر بإدخالي الزنزانه وبمعاقبتي وهو في بيته بالرغم من أنني طلبت مقابلته أكثر من عشر مرات ولكنه أبى واستكبر وهذا من حقه .. حيث أنه لا يشعر بأي رقيب او حسيب سيوقفه عند حده .."

ويسرد معتقل آخر بكل أسى تجربته المريرة في الفترة التي قضاها خلف أسوار الاعتقال : " طلب مني الوقوف وأن أرفع يدي إلى الجدار وأن أخلع نظارتي واضعها على الطاولة ، تسمرت واقفا هناك ودخل بعدها شخص مقنع ووضع كيسا أسودا على وجهي حتى ركبتي ، ووضع القيد على يدي من الخلف ، في تلك اللحظه أدركت أني سأنقطع عن العالم وأنني ذاهب إلى الانفرادي ، قادني بعدها السجان إلى شاحنة ووضعني وأنا مكمم الرأس مقيد اليدين في الخلف ، وبجانبي أحدهم ، وفك أحد القيود وربطه داخل صندوق الشاحنة ، من هناك يبدأ صوت الموسيقى الصاخب ، والأغاني الرديئة ، كان ذلك اليوم آخر يوم أرى فيه الشمس "

هذه التفاصيل الإعتقالية شبيهة بأساليب الأمريكيين حين كانوا يعتقلون المتهمين ويسوقونهم في شاحنات إلى معتقل غوانتاناموا بالضبط ؛ فمن كان سيصدق أن تنتهك سلطاتنا أساليب أمريكا ووحشيتها مع مساجين غوانتانامو ثم يطبقونها بالوحشية نفسها مع شعوبهم من وراء الكواليس!

يتابع المعتقل حكايته : " في الزنزانة التي يبلغ طوله مترين في متر ، فراش مرمي  على الأرض ، وبطانيه وبجانب الباب الحديدي جرس لمناداة السجانين ، يظن الكثيرون أن زنزانة الإنفرادي عبارة عن قضبان حديدية مثلما في السينما والأفلام ، لكنها في الحقيقة مغلقة من كل النواحي ، تفقد الإنسان توازنه ، تجعله مختلا مضطربا ، في الإنفرادي يشد أذنيك رنين المفاتيح في الخارج ، تتمنى أن ترى أي علامة من علامات الحياة ، تشتاق الألوان ، الحياة ، تشتاق العالم الآخر بحسناته وسيئاته ، بفضائله وبقذاراته ، هناك في تلك الزنزانة الصغيرة تتمنى أن يزورك كائن حي ، حتى لو كان صرصورا ، في تلك الزنزانة تكون ببساطة رقما آخر لسجين تعيس ، شاء حظه العاثر أن يعود هناك مرة أخرى .. سقف هذه الزنزانة وضعت الإضاءة التي تبقى مضيئة طوال الليل والنهار ، وبجانبها السماعة التي تبث تلك الأغاني المزعجة الكريهة"

كل هذا وأوجع يعيشها المعتقل في سجون أوطاننا ؛ فلا حقوق ولا احترام ولا انسانية سواء أكان رجل أو امرأة يمعنون في إذلالهم ويجد السجان لذة مازوشية في تعذيب السجين وكأنهم مبرمجين على العنف خاصة إذا ما كان سجين رأي ؛ فأي سلطة تمارسها هذه الجوقة مع جسد حي بالعبث والتشويه وحين يكون الجسد لإنسان أعزل ومسالم؟ وماذا نسمي من يضع إنسانا مقيدا أوعاجزا أمامه ثم ينهال عليه ضربا وتجريحا وتقطيعا ليس مباراة للفوز بل زنزانة؟!

مما لا شك فيه أن منفّذ التعذيب يتم شحنه بفكر معين وعواطف معينة وأحقاد خاصة يشعر بأنه يؤدي خدمة خاصة للسلطة التي يحترمها أو يهابها دون أن يأبه بقانونية ما يقترفه!

وليت المسألة تنتهي بخروج المعتقل من غابة التعذيب ومن علب الوحشية ، بل إنه عند خروجه تطارده أجهزة التلصص والتي تخترق حتى أدق تفاصيل حياته الشخصية كرقم الهاتف والبريد الالكتروني ومواقع التواصل الإجتماعية وكل ما له صلة بالسجين .. هذا السجين عند خروجه يكون مكبّل بقيود إفتراضية محكمة لا تحترم الحرية الشخصية وتنزل الإنسان إلى مرتبة عدو للبشرية!

ولكن ما لا يدركه هؤلاء أن هذه الملاحقات ، وهذا التشكيك ، وهذه التربية السوقية والتعذيبية والتذليلية التي يعانيها السجين لن تساهم سوى في مزيد من التمرد في المجتمع ؛ والتمرد سيكون مشحونا بمطالب حقوقية ولا اعتقد أن حكومات اليوم نسوا أن المبعث الأساسي لشرارة الثورة المصرية سجين كان يدعى " خالد سعيد " الذي اعتقل دون وجه حق وضرب وأهين وعذّب حتى الموت ؛ ولكن صرخته لم تتلاشى سدى بل فجّرت أكبر ثورة في مصر وأسقطت الحكومة وغيرت التاريخ!

ولا اعتقد فاتهم أيضا أن رئيس كل من دولتي " تونس" و"مصر" طالما دخلا سجون رأي وطوردا ونكّل بهما ولكن في النهاية أصبح كل منهما رئيس دولة ..

 
ليلى البلوشي

الاثنين، 10 سبتمبر، 2012

الأقليات واختلال العالم ..! 4


 
 
الأقليات واختلال العالم ..! 4

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب

 

عالم اليوم غارق في التحديات الهائلة ، وكل دولة تسير بخطى حثيثة على إثبات خصوصيتها ما يعزز في اعتقادها مكانتها بين الأمم وتهيء لها الخلود ..

في هذا الجزء الأخير من سلسلة مناقشة أفكار الكاتب " أمين معلوف " في كتابه المهم " اختلال العالم " سوف نفغر الضوء هذه المرة على مسألة الأقليات وما تواجهه في هذا العالم في وقتنا الحالي وفق رؤية مؤلف اختلال العالم ..

يرى " معلوف "  أن العالم العربي يعاني من فقر في وعيه الخلقي ؛ بينما الغرب لديهم وعي خلقي ولكنهم حوّلوه إلى أداة للسيطرة ..! مما لا شك في وقت من الزمن كانت العالم العربي أكثر تطبيقا لمبدأ " التسامح " حيث لم تطفو عقد الأقليات إلى السطح وكانت غالبا العلاقات ما بين المسيحي والمسلم تمضي على خير ما يرام و أواصر أكثر قربا كانت تجمع ما بين السنة والشيعة .. في حين عرف العالم الغربي عبر التاريخ بمجازر وحشية تم تطبيقها بدافع العنصرية والأقلية ..

بينما اليوم يشهد الزمن على بروز قضايا الأقلية إلى السطح بدرجة تشكل أزمات على مستوى الوطن والوطنية وما تحتمله من تأويلات الانتماء الحقيقي والخوض في دائرة الشك والتهم ..

يتحدث " معلوف " عن أقليات مختلفة منها الأقليات المسيحية في دول العالم العربي والتي كما يرى أن وضعها لم يكن مثاليا يوما ولكنها كانت تتواصل للحفاظ على البقاء في ظل جميع الأنظمة ولكن لم يسبق لها منذ فجر الإسلام أن شعرت بالتهميش كما اليوم ..

أما الطوائف اليهودية في العالم العربي ، فإن انقراضها بات أمرا واقعيا ولم يعد هناك سوى بضعة ناجين .. وقد نشرت وسائل الأعلام كما قرأت منذ فترة قريبة أن ما يقارب 130 يهودياً يعيشون في اليمن.. «بينهم 50 يهودياً تقريبا يعيشون في العاصمة صنعاء، حيث تعمل السلطات هناك على حمايتهم، بينما يعيش الباقون في محافظة عمران» في إشارة منها لإعلان خبر مغادرة عائلة الزنداني إلى إسرائيل والاستقرار هناك حاملين جثته بعد مقتله .. 

يعرض " معلوف " حالة إقلية اندهش شخصيا من بقائها في العراق حتى اليوم وهم معدودين ؛ ففي عام 2007م عرف بوجودها في العراق وهذه الأقلية تدعى بـــ" جماعة المانديين " أو الصابئة وهي طائفة صغيرة ومتكتمة ومتواضعة إلى حد يجعل وجودها غير معروف لمن هم خارج العراق ..

ويرجع وجود هذه الطائفة التي عاشت في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي وكانت لهم طقوس خاصة في ممارسة عقيدتهم وهم مع تضائل عددهم ملتزمين بتلك الطقوس وطريقة ممارستها حتى اليوم رغم مرور أربعة عشر قرنا .. ولكن منذ عام 2007م اتضح أن هذه الطائفة تعاني من خطر الانقراض فهم كسائر العراقيين مفاعيل الجنون القاتل الذي ينتاب هذه البلاد وفي غمرة هذا الانفلات غير المسبوق للتزمت الديني لم يعد حتى الوازع القرآني قادرا على حمايتهم ، بل نتيجة الترويع اعتنقت عائلات منهم الإسلام مكرهة والسكين على نحرها كما أنهم طردوا من وظائفهم وهجروا من بيوتهم ونهبت متاجرهم حتى كتب أحد ممثليهم يقول : " سبق لنا أن مررنا بألف محنة لكن هذه قد تكون وبيلة نحن مهددون بالزوال في وقت قريب " ..!

لنفق هنا ولنتأمل قليلا فما يعانيه " المانديين " في العراق لا يختلف عما يعانيه مسلمي " بورما " في ميانمار على يد جماعات بوذية والتي صدمت العالم بمعاملتهم المشينة والوحشية للأقلية المسلمة في بلد واحد بل يضعنا أمام صدمة فطوال سنوات ونحن نسمع ونقرأ عن الديانة البوذية ومدى مبادئ التسامح والهدوء والتأمل العقلاني الذي تتصف به وما تمارسه اليوم يناقض تلك الواجهة التاريخية التي عرفت بها طوال تلك القرون ..!

فهل السعي إلى إثبات الهوية الدينية يكفي أن يكون مبررا لقتل الأقليات في كل وطن ..؟! ماذا عن المواطنة وشروطها وأحقيتها لكل إنسان في كل بلد ..؟! أسئلة تشعر الإنسان بالعجز التام والحيرة الصارخة بالإحباط ..!

ويذهب " معلوف " إلى أن مصير الأقليات بالنسبة إلى كل مجتمع وبالنسبة إلى الإنسانية جمعاء ليس ملفا كسائر الملفات ، وإنما هو بالإضافة إلى مصير النساء أحد أصدق المؤشرات على التقدم الخلقي أو على التقهقر ، وإن عالما يتحسن فيه يوميا احترام التنوع البشري حيث يمكن لكل شخص أن يتكلم اللغة التي أختارها وأن يمارس معتقداته بسلام ويؤكد أصوله بهدوء دون أن يتعرض للعداوة ولا للاحتقار من جانب السلطات كما من جانب الناس إن عالما كهذا هو عالم يتقدم ويرتفع ..  وبالمقابل إذا تغلبت التشنجات الهووية كما هي الحال اليوم في الغالبية الكبرى من البلدان في شمال الكرة الأرضية كما في جنوبها حيث يجد الإنسان صعوبة متزايدة كل يوم في أن يكون هو نفسه بصفاء وأن يتكلم لغته بحرية ويمارس إيمانه بحرية ، فكيف يمكن إذن أن نتكلم عن تقهقر ..؟!

يرى " معلوف " أن من الطبيعي أن تتحرك مشاعر الضحايا ومن المقلق أن تكون الوحيدة التي تتحرك مشاعرها ، فمشكلة الأقليات ليست فقط مشكلة لهذه الأقليات بل هو مصير بضعة ملايين من الناس وعلة وجود حضارتها وغائبتها ..

 

ليلى البلوشي

 

الثلاثاء، 4 سبتمبر، 2012

القومية واختلال العالم ..!3



 
 
القومية واختلال العالم ..! 3

 

نشر في جريدتي الرؤية / العرب

 

بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي كشرّ وجه العالم عن دولة أخرى تسعى إلى إحكام قبضتها على جميع الدول وهيمنة نفسها وهي أمريكا كما وضحنا في المقالة السابقة ؛ وقد مُني العرب بخيبات تاريخية كثيرة ومتراكمة  خلّف عن نفسيات محبطة وأخذوا بيأس يترقبون الفرج بصمت مريب وبائس هو آخر ؛ وفي مثل هذه الظروف انفقأ الفرج بالنسبة لهم في شخص رجل جاء حاملا معه ليس خطابه القومي فحسب بل أحلام وطموحات وآمال كل عربي في ذلك الوقت ..

هذا الرجل هو " جمال عبدالناصر " جاء وجاءت القومية معه ويُعد صعوده أهم حدث في تاريخ العرب منذ قرون .. فالعالم العربي في بداية الخمسينات كان خارجا للتو من العصر الاستعماري وكان المغرب لا يزال تحت السلطة الفرنسية وإمارات الخليج خاضعة للتاج البريطاني وإذا كانت بضعة بلدان قد نالت استقلالها ، فإن الاستقلال كان شكليا صرفا وعلى رأسها مصر التي كانت تحت حكم الملك فاروق والذي عرف بالملك الطفل ؛ لأنه كان أشبه ما يكون بلعبة في يد الإنجليز وهذا ما سبب غضبا وهياجا صارما من الشعب عليه ونتيجة أسلوب عيشه وفساد محيطه وتساهله مع الانجليز وانهزام جيشه المخزي أمام اسرائيل عام 1984 م كل تلك الأسباب الجامعة هي من هيأت الانقلاب العسكري الذي قاده الزعيم " جمال عبد الناصر " ونجح فيه برضى جماهيري مصري وعربي واضح ؛ فهو وضع حدا للنظام السابق واستكمل الاستقلال بالتخلص من النفوذ الانجليزي كما أنه وعد جماهيره العربية بإستعادة فلسطين من اليهود ومن أصبح معبود الجماهير العربية وبرق نجمه عاليا خاصة عام 1956م عندما نشبت أزمة السويس ؛ لأنه أقدم على تحدي الدول الاستعمارية الأوروبية وخرج من هذا التحدي ظافرا ..

مما لا شك مرحلة جمال عبد الناصر كانت حازمة ؛ فلقد دقت أزمة السويس ناقوس وفاة العصر الاستعماري وبات العالم يعيش في عصر آخر مع دول أخرى وقواعد لعبة أخرى .. وبما أن عبدالناصر كان الكاشف لهذا التحول ولأنه خرج رابحا من تلك المبارزة فقد تحول بين ليلة وضحاها إلى وجه كبير على المسرح العالمي وبالنسبة إلى العرب أحد أبطال تاريخهم الكبار ..

ولكن عصر عبدالناصر لم يكن عصرا ذهبيا ، والكاتب " أمين معلوف" يوضح ذلك فالزعيم المصري مما لاشك أصبح أسطورة يحتذى ويسير على نهجه كثير من الزعماء ولعل على رأسهم العقيد " قذافي " الذي كان منطلقا بالقومية في أول فترة حكمه ولكن سرعان ما حاد عن طريقه وهلك نتيجة ذلك على يد شعبه .. أما الرئيس المصري " عبدالناصر " من يخرج بلاده وفق " معلوف " من التخلف ولم يحسن إقامة مؤسسات سياسية عصرية ومشاريعه الإتحادية مع الدول الأخرى منيت بالفشل وتوج كل هذا بهزيمة عسكرية مدوية أمام إسرائيل ورغم كل ذلك ورغم تذبذب مراحل نجاح وفشل "جمال عبدالناصر " ظل انطباع عند العرب في مرحلته أنهم صنعوا تاريخا ولم يكونوا مجرد كومبارس عاجزين وتافهين ومحتقرين ووجدوا في " عبدالناصر " زعيما يحمل ثقل خيباتهم المريرة طوال تلك الأعوام وطالما أنه كسب شرعية من الجماهير المصرية والعربية ، فإن كل التقصيرات التي نجمت في عصره لم تؤخذ بالحسبان ؛ فهو وقف في وجه الاستعمار الأوروبي في أزمة السويس وأعاد جزءا من الكرامة العربية بوجهة نظرهم ..

ولعل الأهم من ذلك هو رفضه الخضوع للإستعمار الأوروبي بشكل عام وهو ما تساهل معه الحكم السابق الملك " فاروق " وذلك بعينه أفقدته الشرعية ..

المرحلة الفارقة مابين عهد " عبدالناصر " إلى اليوم هي أن الشعب العربي تعّود على التغيير من قبل السلطات أي انقلابات يقوم بها حزب ما ثم يعيدون زمام الأمور باستلام الحكم ولكن هذه الأمر يكاد يفنى بمفهوم اليوم ؛ فالشعوب العربية دخلت مرحلة مختلفة جدا وقديما كانت الشعوب همها أن تنقذ نفسها وأوطانها من سيطرة قوات الاستعمار وهذا ما تم بالفعل ولك مع مرور الأعوام غدت السيطرة الاستعمارية تغزو عوالم الوطن العربي بطريقة مختلفة حيث كانوا يتحكمون من الخارج من بعيد حيث هم في دولهم وعبر سلطات الحكومات والتي كان همها أن تحافظ على عرشها وتورثه لأبنائها وهذا بالتحديد أدخل العالم العربي لثورات الربيع العربي ومن خلال " البوعزيزي " شهد العالم العربي عصرا جديدا لمفهوم المقاومة والقومية ؛ فبعد أن كانت مختصرة لحزب وسلطة وحكومة أصبحت اليوم بيد الشعب .. الشعوب كافة هي من تقرر مصيرها وتخرج إلى الساحات والشوارع ترفع شعارات كرامتها وتهتف بعلو همتها مطالبة بإسقاط أنظمة الفساد والطغيان والخضوع للغرب .. مستندة على مباديء الحرية والعدل والكرامة وهلم جرا ..

ولم تعد الحرية ومطامحها مختصرة في شخص واحد يكون رمزا ولا في زعامة متوحدة بل أصبحت بيد الشعب ومنه وإليه ..

ولعل أهم سبب لنهوض الشعوب العربية هي فقدان حكوماتها لشرعيتها في نظر شعوبها ؛ فغياب الشرعية بالنسبة إلى كل مجتمع بشري هو شكل من أشكال انعدام الوزن الذي يخلخل كل السلوكيات فمتى كانت أية سلطة ، أية مؤسسة ، أية شخصية لا تستطيع أن تحوز صدقية معنوية حقيقية كما ذهب " معلوف " ..

وأصبح اليوم لسان الشعب يردد مع الشاعر " توفيق زياد " قوله شاعرا : " هل يعرف بعض الزعماء / إن الثورة لا يصنعها هم / في غرف العمليات / بل يصنعها / الشعب المتحد .. الوعي - بالدم / في الشارع والساحات..؟ "

 

ليلى البلوشي

الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

رجاء : اقرأ هذا الكتاب ؛ كي لا تُخدع ..!






رجاء : اقرأ هذا الكتاب ؛ كي لا تُخدع ..! *

 

 

  أقرّ بأنانيتي طوال تلك الأعوام ، أعوام عمر هذا الكتاب الذي يدعى " هندسة الكلام " ؛ كان معي .. احتفظت به كما يحتفظ الإنسان بمخزون ثمين لا يرغب في مشاركة الآخرين فيه ..! لكنني أيضا مع وقوع تهمة " التوحد " للاحتفاظ بهذا الكتاب كملكية فردية ؛ أقر ّبالأسباب التي قتلت حمية الإيثار في نفسي لتتزاحم في سبب واحد هو أن عقلي قصر عن فهمه واستيعاب أسرار بلاغته ، واليوم في عرضي له لا ادعي مطلقا فهمي الشامل لشخصية هذا " الكتاب " الذي ينزع بحميمية خاصة ولغة وبلاغة متفردة ، بل سيرة لا يمكن أن تتكرر في زمن غدا الابتكار فيه صفة " نادرة " كوجود " إنسانية " نادرة ..

ولا يمكنني الحديث عن الكتاب دون سيرة صاحبه ، إن ذاكرتي التي أفاخر دائما بوفائها تلح علي ؛ فالمؤلف الدكتور " إبراهيم الغنيم " هو الرجل الذي نهلت منه في الجامعة الأدب والبلاغة ، وبعد الجامعة أصول البرمجة اللغوية العصبية في إحدى دورات التدريبية التي طفق على تنظيمها في معظم أنحاء دول العالم ومازال ، فطموحه لم يكتف بسعته في آفاق الأدب والبلاغة بل تخطاها إلى علوم البرمجة والنفسيات ، وثمة مقولة كان قد وافقني عليها زملائي وزميلاتي في الجامعة في وقت مضى حينما نعتنا هذا الدكتور بـنعات متعددة  " الغامض " و " الفيلسوف " و " غريب الأطوار " ، لأنه جاءنا بعقلية لم يتعود عليها العرب وسأورد مثالا واحدا ليشاركني القراء الدهشة التي قد أرعشتنا في زمن مضى ، في إحدى الاختبارات – وكانت اختباراته تتسّم بالغرابة – وضعنا أمام ورقة بيضاء وسؤال واحد يحمل رتبة " معّقد " بجدارة ، وكما الحال فشل معظمنا في اقتناص الجواب الذي كان عقل الدكتور يعنيه .. وبعد تصحيحه للأوراق قال لنا ببساطة : " لو أن أحدكم كتب في ورقة الاختبار : لا اعرف الإجابة على هذا السؤال ، لكنت وضعت له الدرجة النهائية في الاختبار بحفاوة " ..!
ومن هنا أدركت أهمية قول " لا " بما يُرضي قناعاتي  وأن أمثولة " الصدق " في التعبير عن أنفسنا أبسط مما نتصور ..!

فإلي كتاب " هندسة الكلام " ، صفحة الغلاف تقول :

-       مرجعك مدى الحياة لكشف خفايا كلام الناس : لكي لا تخدع .

-       المساعد الأمين لأساليب الاتصال الراقية : لكي تكون في القمة .

-       خذ حريتك .. ابدأ من أي صفحة وسجل خواطرك .

-       على سلم التطور استمتع مع : هندسة الكلام للدكتور إبراهيم الغنيم .

ثم يضع المؤلف تعريف هندسة الكلام بأنه : " يفهم مقاصد الآخرين ، ويصّرف الكلام لإسعاد الآخرين " ..

بعد هذا التعريف الموجز ، يجد القارئ نفسه في داخل الكتاب ، وأمثلة في هندسات الكلام جاءت في 164 صفحة من القطع المتوسط ، جمعها المؤلف من خلال مصادره الخاصة هما " الملاحظة " و" الخبرة " ..

 

من أمثلة هندسة الكلام في الكتاب *:

  


الكبت

 

O المشتري : بكم هذا المعطف ؟

البائع ( بصوت خافت جدا ) : بثلاثمئة وخمسين .

 

Ω يتكلم بصوت خافت جدا على غير عادته ؛ ليغطي مشاعر الحرص على الربح ، وليقلل قيمة المعطف في نفس المشتري .

 

 لنغمة الصوت دلالة أخرى توخذ في الحسبان .

 

تعزيز الثقة    
 
   
 

O الأم غاضبة : هيفاء .. لماذا تركت الصحون على المائدة حتى الآن ؟

هيفاء : آسفة . والله يا أماه كنت ناسية .

 

Ω ضعفت ثقة الأم بابنتها فغضبت الأم معتقدة أن هيفاء تركت الصحون متهاونة .

 

 تتيح اللغة أدوات من أجل تقوية ثقة المتكلم في نفس المخاطب .

 

 

الاحتراس
 



O أنا بنفسي قابلت أكثر من غواص متدرب كاد يهلك في ذلك المكان ، لذا فإنه – من وجهة نظري – لا بد من إغلاق هذه المنطقة مؤقتا .

 

  أخذ المتكلم احتياطه لرد التأويل أو سوء الفهم المتوقع من السامع .

 

 الاحتراس وسيلة حماية ممتازة لكي لا يقع المتكلم نتيجة سوء فهم .

 

 

والكتاب إلى جانب تلك الهندسات الدقيقة في لغة الكلام ، والتي تنقذنا من محاولة خداع الآخرين لنا أثناء كلامهم ، إضافة إلى أنها تمدنا بأسرار دفة الحديث ببراعة ، حشد أمثلة جاءت كفسحة بين كل هندسة وأخرى لمزيد من الاستنارة في طلاسم الحواس .. على سبيل المثال :

 

Ò كان أحدهم يصلي وقد خلع عباءته وعلقها ، فجاء صديقه بطباشير ورسم على العباءة وجه حمار ، فلما عاد صاحبها ورأى الصورة قال في الحال : من منكم مسح وجهه بعباءتي ؟

 

Ò كان رجل يدعّي الطب فيقول للمريض : انتبه ، إياك أن يخطر على بالك القرد لمدة ثلاثة أيام ، فيذهب المريض فيخطر على باله القرد الذي حذر من المتطيب ، فيظن أن العلاج لم ينفع لذلك .

 

Ò سأل رجل رجلا عن عمره قائلا : كم سنك ؟ فقال : اثنان وثلاثون ، ستة عشر من أعلى ومثلها من أسفل ، فقال : لم أرد هذا ، أردت : كم لك من السنين ؟ قال : ما لي منها شيء ، كلها لله . فقال : هذا حسن ، ما سنك ؟ قال : عظم . قال : ابن كم أنت ؟ قال : ابن اثنين ، أبي وأمي . قال : أقصد : كم أتى عليك ؟ قال : لو أتى علي شيء لقتلني . قال : أرشدني كيف أقول : قال : قل : كم مضى من عمرك ؟

وفي آخر صفحة من داخل الكتاب يقول المؤلف : " عزيزي القارئ / عزيزتي القارئة : تستطيعون البداية في الكتاب من أي صفحة .. شكرا لكم " .

 

ولا يفوتنا القول بأن مؤلف هندسة الكلام ، في كل هندساته السابقات خصص سطورا سوداء منقطعة بعد كل هندسة كلامية مذكورة ؛ كي يسجل القارئ خواطره الخاصة ..

 

ولا أملك بعد كل ما ذكره مؤلف " هندسة الكلام " سوى أن أضيف صوتي إلى صوته : هندسة الكلام مرجعك مدى الحياة لكشف خفايا كلام الناس ؛ لكي لا تُخدع ..

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هندسة الكلام ، الدكتور إبراهيم الغنيم ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى 2004م ، مصادر الكتاب : الملاحظة والخبرة ..

* الكتاب زاخم بالأمثلة ، وتلك الأمثلة أعلاه اخترتها بناء على ذوقي الشخصي ..

 

 

 
ليلى البلوشي