الاثنين، 17 سبتمبر، 2012

سجون أضيق من حنجرة ومقابر أوسع من وطن ..!


 
سجون أضيق من حنجرة ومقابر أوسع من وطن ..!

 

نشر في جريدتي الرؤية / العرب

كلنا يعرف " أندريس بريفيك " الذي نفّذ هجوما مزدوجا في 22 يوليو2011م الماضي تسبب في تفجير مجمع حكومي في أوسلو أسفر عن مقتل 8 أشخاص ثم توجه إلى جزيرة أوتويا وقام بقتل 69 شخصا في مخيم للشباب تابع لحزب العمال الحاكم وذلك بإطلاق النار عليهم مستخدما سلاحا أتوماتيكيا فحكم عليه بــ 21 عاما وهي أقسى عقوبة تصدر في النرويج .. توقعت وأعتقد أن كثيرين شاركوني في توقعي أن أجد أمامي " بريفيك " بعد أن قضى مدة في السجن قبل إصدار الحكم عليه ، توقعت أن أشاهده عبر التلفاز في حالة مزرية وجه مليء بالكدمات وجسد هزيل وعينان منفختان من الضرب والسهر والإهانة ، ولكن ما رأيته خالف كل توقعاتي! فقد وقف " بريفيك " أمام التلفاز في هيئة مرتبة وووجه يشي بالاسترخاء والراحة وجسد عريض موفور الصحة وقد زاد وزنه بضع كيلوجرامات بشكل واضح!

سمعنا الكثير عن السجون الغربية ولعل أكثرها عنفا ووحشية هو معتقل " غوانتانامو " ولكن أكثرها إنسانية ورحمة هي السجون السويدية ؛ ففي العام الماضي من خلال برنامج خواطر 7 الشهير الذي يقدمه " أحمد الشقيري " خصص فيه حلقة مؤثرة عن السجون السويدية التي قام بزيارتها وعرض وسائل المتوفرة فيها والتي تظهر مدى اهتمام القانون السويدي بالسجين ، فهم يعدون السجين إنسانا له حقوق ؛ لهذا سجونهم مجهزة بقاعات رياضية وأجهزة حاسوب وخطوط الانترنت ؛ والمعروف أن السجون السويدية مجهزة بسرير فردي بطول 200 سم وعرض 80 بالإضافة إلى خزانة ثياب وخزانة كتب التي يستعيرها السجين من مكتبة السجن وصحفه التي يمكن له شراءها ويحتفظ بها وطاولة مكتب صغير وتلفزيون ، أصف لكم هذا الواقع السويدي وأنا أكتم حسرة مريرة في قلبي وحسراتي تضاعفت حين عرفت أخيرا أن وزير العدل السويدي " توماس بود ستروم " حريص على تفعيل قانون جديد يمكّن السجناء المنضبطين الذين لا يرتكبون أي أعمال مخالفة للقانون أثناء فترة سجنهم من قضاء نصف فترة عقوبتهم في السجن والنصف الآخر في المنزل وفوق هذا معروف أن السجون السويدية تسمح لسجنائها بالعمل أو الدراسة خارج أسوار السجن خلال فترة النهار لكن القانون الجديد يعزم منحهم حرية أكبر!

" منحهم حرية أكبر " كل تلك الحقوق التي يحصل عليها مسجون سويدي في سجنه لا يحصل عليه المواطن العربي غير المسجون في وطنه .. !

" منحهم حرية أكبر " هو سجن يحترم الإنسان ويقدر إنسانية الإنسان ويؤمن أن من يتعامل معه ليس مجرم ولا خطير بل هو إنسان ارتكب خطأ وسيصحح ولا يعني ذلك نهاية العالم!

كما تبحرت كثيرا في تجارب المساجين وأحوال السجون في عالمنا العربي ومدى أساليب القمع والتعذيب والسعي الحثيث لحيونة الإنسان أي جعله حيوانا وتعذيبه على أساس أنه أحط من أن يكون بشريا .. كنت اقرأ كل هذا بغصة مريرة عن عقول همجية تعاقب بني جنسها بتلك الطرق الوحشية الخالية من أي أثر إنساني ، لكني وبكل حق لم أتصور يوما أن ما كنا نشاهده أو نقرأه من تجارب الكتاب والمساجين يمكن أن نرى مثيلها في سجوننا الخليجية .. دولنا الخليجية والتي يقال عنها أنها دول حضارية ومرفهة وتعرف الإنسان وقيمته!

ولم أكن أتوقع أن أمرا مثيلا يجري في أوطاننا ؛ حيث المواطن السجين ما هو سوى مجرم حتى قبل إدانته والحكم عليه يعامل كالمجرمين بل يسعون حثيثا لتشويه سمعته في كل المحافل وكان لسجناء الرأي الحصة الأكبر من التنكيل والعنف ؛ فهل تستدعي تويتة من 140 حرفا أو عبارة فيسبوكية قصيرة كل هذا العنف والتخويف والوحشية .. بل كيف لسلطات تخشى من عبارة يكتبها افتراضي في تويتر أن تحمي وطنا بأكمله من أعداء واقعيين!

ففي الآونة الأخيرة هالنا ما قرأناه وما سمعناه وما كتبه البعض كإعتراف عن تجربة شخصية كسجين قضى فترة حكمه وآخرين على حافة انتظار حكم صادر! بل حتى طرق استدعائهم خلت عن أي أسلوب حضاري بالتعامل مع إنسان في دولة حضارية وذلك من خلال أساليب أقرب ما تكون لصوصية باختطافه من الشارع أو من المقاهي أو من السوق أو حتى عبر الاتصال بذويهم مع علمهم بأرقام المعتقلين وذلك إمعانا في ترويع الأهل!

يقول أحد المساجين الذي يذكرني بتفاصيل معتقلي غوانتانامو أو سجن أبو غريب : " لقد تعرضت لأقسى أساليب التعذيب ، تركوني في زنزانتي من الساعه الثانيه صباحاً عند استلامي للسحور وحتى الرابعه والنصف عصراً بدون دورة مياه وبدون فرش وبدون أبسط الواجبات الآدميه حتى أنني - أجلكم الله - اضطررت الى أن أتبول في الأواني التي اتسحر بها وبها ما بها من قذارة حارة الدماء رأيته هناك ، وذاك الملازم القوي يأمر بإدخالي الزنزانه وبمعاقبتي وهو في بيته بالرغم من أنني طلبت مقابلته أكثر من عشر مرات ولكنه أبى واستكبر وهذا من حقه .. حيث أنه لا يشعر بأي رقيب او حسيب سيوقفه عند حده .."

ويسرد معتقل آخر بكل أسى تجربته المريرة في الفترة التي قضاها خلف أسوار الاعتقال : " طلب مني الوقوف وأن أرفع يدي إلى الجدار وأن أخلع نظارتي واضعها على الطاولة ، تسمرت واقفا هناك ودخل بعدها شخص مقنع ووضع كيسا أسودا على وجهي حتى ركبتي ، ووضع القيد على يدي من الخلف ، في تلك اللحظه أدركت أني سأنقطع عن العالم وأنني ذاهب إلى الانفرادي ، قادني بعدها السجان إلى شاحنة ووضعني وأنا مكمم الرأس مقيد اليدين في الخلف ، وبجانبي أحدهم ، وفك أحد القيود وربطه داخل صندوق الشاحنة ، من هناك يبدأ صوت الموسيقى الصاخب ، والأغاني الرديئة ، كان ذلك اليوم آخر يوم أرى فيه الشمس "

هذه التفاصيل الإعتقالية شبيهة بأساليب الأمريكيين حين كانوا يعتقلون المتهمين ويسوقونهم في شاحنات إلى معتقل غوانتاناموا بالضبط ؛ فمن كان سيصدق أن تنتهك سلطاتنا أساليب أمريكا ووحشيتها مع مساجين غوانتانامو ثم يطبقونها بالوحشية نفسها مع شعوبهم من وراء الكواليس!

يتابع المعتقل حكايته : " في الزنزانة التي يبلغ طوله مترين في متر ، فراش مرمي  على الأرض ، وبطانيه وبجانب الباب الحديدي جرس لمناداة السجانين ، يظن الكثيرون أن زنزانة الإنفرادي عبارة عن قضبان حديدية مثلما في السينما والأفلام ، لكنها في الحقيقة مغلقة من كل النواحي ، تفقد الإنسان توازنه ، تجعله مختلا مضطربا ، في الإنفرادي يشد أذنيك رنين المفاتيح في الخارج ، تتمنى أن ترى أي علامة من علامات الحياة ، تشتاق الألوان ، الحياة ، تشتاق العالم الآخر بحسناته وسيئاته ، بفضائله وبقذاراته ، هناك في تلك الزنزانة الصغيرة تتمنى أن يزورك كائن حي ، حتى لو كان صرصورا ، في تلك الزنزانة تكون ببساطة رقما آخر لسجين تعيس ، شاء حظه العاثر أن يعود هناك مرة أخرى .. سقف هذه الزنزانة وضعت الإضاءة التي تبقى مضيئة طوال الليل والنهار ، وبجانبها السماعة التي تبث تلك الأغاني المزعجة الكريهة"

كل هذا وأوجع يعيشها المعتقل في سجون أوطاننا ؛ فلا حقوق ولا احترام ولا انسانية سواء أكان رجل أو امرأة يمعنون في إذلالهم ويجد السجان لذة مازوشية في تعذيب السجين وكأنهم مبرمجين على العنف خاصة إذا ما كان سجين رأي ؛ فأي سلطة تمارسها هذه الجوقة مع جسد حي بالعبث والتشويه وحين يكون الجسد لإنسان أعزل ومسالم؟ وماذا نسمي من يضع إنسانا مقيدا أوعاجزا أمامه ثم ينهال عليه ضربا وتجريحا وتقطيعا ليس مباراة للفوز بل زنزانة؟!

مما لا شك فيه أن منفّذ التعذيب يتم شحنه بفكر معين وعواطف معينة وأحقاد خاصة يشعر بأنه يؤدي خدمة خاصة للسلطة التي يحترمها أو يهابها دون أن يأبه بقانونية ما يقترفه!

وليت المسألة تنتهي بخروج المعتقل من غابة التعذيب ومن علب الوحشية ، بل إنه عند خروجه تطارده أجهزة التلصص والتي تخترق حتى أدق تفاصيل حياته الشخصية كرقم الهاتف والبريد الالكتروني ومواقع التواصل الإجتماعية وكل ما له صلة بالسجين .. هذا السجين عند خروجه يكون مكبّل بقيود إفتراضية محكمة لا تحترم الحرية الشخصية وتنزل الإنسان إلى مرتبة عدو للبشرية!

ولكن ما لا يدركه هؤلاء أن هذه الملاحقات ، وهذا التشكيك ، وهذه التربية السوقية والتعذيبية والتذليلية التي يعانيها السجين لن تساهم سوى في مزيد من التمرد في المجتمع ؛ والتمرد سيكون مشحونا بمطالب حقوقية ولا اعتقد أن حكومات اليوم نسوا أن المبعث الأساسي لشرارة الثورة المصرية سجين كان يدعى " خالد سعيد " الذي اعتقل دون وجه حق وضرب وأهين وعذّب حتى الموت ؛ ولكن صرخته لم تتلاشى سدى بل فجّرت أكبر ثورة في مصر وأسقطت الحكومة وغيرت التاريخ!

ولا اعتقد فاتهم أيضا أن رئيس كل من دولتي " تونس" و"مصر" طالما دخلا سجون رأي وطوردا ونكّل بهما ولكن في النهاية أصبح كل منهما رئيس دولة ..

 
ليلى البلوشي

هناك تعليقان (2):

  1. شكرا الأديبة ليلى ..مقارنة عميقة وقراءة متأنية وفهم واسع لإستحقاقات حقوق الآنسان.إهتمامك بالطفل ليس منطلقا من فراغ.
    شكرا الأديبة ليلى ..مقارنة عميقة وقراءة متأنية وفهم واسع لإستحقاقات حقوق الآنسان.إهتمامك بالطفل ليس منطلقا من فراغ.

    ردحذف
  2. مقال رائع وان كنت اختلف معاك فى المقارنات مع مصر .. لا وجه بين تجاوزات تحدث فى دول خليجية و بين ظلم ممنهج أصبح يمثل نموذج فى حد ذاته عندنا فى مصر. أنا عايش فى الخليج و بلا شك حتى ثقافة التعامل مع المواطن من الشرطة لا تقارن بمصر. المجتمع الخليجى قبلى و أنت تعرفى ان هنا القبيلة اقوى من الطائفة الدينية. و على ذلك التلويح بحلول ثورية فى البلاد دى زى ما نقول فى مصر.. سكة الى يروح ما يرجعش ! الاصلاح السلمى هو الحل الوحيد هنا ... حفظ الله بلادنا جميعا ..

    ردحذف