الاثنين، 24 سبتمبر 2012

نساء هلأ لوين ..!


 
نساء هلأ لوين ..!

 

جريدة : الرؤية / العرب

يروي " علي الوردي " موقفا مرّ به حين كان في أمريكا .. فيصف المشهد بقوله : " كنت في أمريكا فنشب نزاع عنيف بين المسلمين عن " علي " و" عمر " – رضي الله عنهما – وكانت الأعصاب متوترة والضغائن منبوشة ، فسألني الأمريكي عن عمر وعلي هل يتنافسان الآن على الرئاسة عندكم كما تنافس ترومين وديوي عندنا ..؟ فقلت : إنهم كانوا في الحجاز قبل 1300 سنة والنزاع الحالي حول أيهما أحق بالخلافة .. فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد أن يستلقي على قفاه وضحكت معه ضحكا فيه معنى البكاء وشر البلية ما يضحك .."

هذا هو الوضع المضحك المبكي في آن .. ! كل يوم يزداد هذا العالم اشتعالا .. كل يوم نسمع عن ضحايا ومجازر وبشر متعاركين وهم جيران وأصحاب بناية واحدة والباب للباب .. ترى ما يُفقيء القلب مرارة وما يورث المشاعر وجعا مرا .. وتتساءل ما سبب كل هذا ..؟ وأين التسامح الديني الذي كنا فيه ..؟ وهل الدين هو السبب أم المتاجرين به ..؟ من الرابح ومن الخاسر ..؟

الرابح دون شك أصحاب الجشع والثروة والمصالح و كراسي السياسة ، بينما الخاسر واضح وضوح الشمس هو الإنسان العادي الذي جعل عقله ألعوبة في يد طرف لا يهمه سوى مصالحه وكل طرف نار والبشر هم عيدان ثقابهم ..؟!

نعود إلى الوراء أعوام .. قبل أن نولد في زمن آبائنا فتبهرنا حكايات التعايش البشري في العالم الإسلامي بين سنة وشيعة كانوا إخوة وأصدقاء وجيران ويبرهنا أكثر التسامح الراقي بين من هم مسلمين ومن هم مسيحيين ... القرآن بجانب الانجيل والمسجد بقرب الكنيسة والحياة كل يوم أجمل وأهدأ وكل متعايش مع الاختلاف في منتهى التسامح والطمأنينة سائدة في عالمنا العربي ..

بينما الغرب الذي كان مضغوطا لعقود في التعصب والعنصرية حيث البشر طبقات ، وهناك من هو أكثر إنسانية من الآخر ، وهناك من هو وضيع في منزلة الحيوان تجاوز مراحل تاريخه الأسود كي يبني نفسه ، وكي يرتقي ، وكي يشمل هذا الرقي كافة أفراد المجتمع دون تفرقة أو مس حريات الفرد وأصوله وانتمائه .. ومن هنا انطلق الغرب بكل قوة نحو الحداثة ولكننا بقينا .. بقي العرب بل تراجعوا آلاف سنين ضوئية نحو التخلف وضيق الأفق والعدائية والشك والسفك والدم بضمير بارد ..!

المأساة الحقيقية اليوم هي أن ثمة أناس يعتقدون أن هناك انتماء واحدا مسيطرا يفوق كل الانتماءات الأخرى وفي كل الظروف حتى بلغ مرحلة جعلها " هوية " .. هذا الانتماء للوطن بالنسبة لبعضهم والدين بالنسبة لآخرين .. محاولة تذويب الانتماءات المختلفة في انتماء واحد شامل هو ما وّلد تلك الصراعات المتدامية في أوطاننا العربية ؛ وبلغ هذا الصراع حده لدرجة تعاظم شعور التهديد وبضياع الانتماء الديني .. ويبقى السؤال الأهم : كيف نعود كما كنا أكثر تعايشا وأعمق اطمئنانا وأشمل محبة ..؟!

هذا السؤال عاد بذاكرتي إلى فيلم ظريف يدعى " هلأ لوين " حرصت مخرجته اللبنانية " نادين لبكي " إلى غمس الفكاهة والطرافة فيه لتبسّط نقل الفكرة ولتسري في روح الاختلاف بمذاق المحبة والرغبة في التعايش السلمي ، هذا الفيلم أهم ما فيه نساؤه .. نساء من نوع مختلف .. نساء عجزن كل نظريات الفلسفة والفكر والمنطق من تفسير أساليبهم الواعية لتقويم القلوب .. قلوب أبناء ضيعة واحدة من مسلمين ومسيحيين دون تفرقة بينهم ، المسجد قرب الكنيسة ، هذه القرية البسيطة لا يصلها بث إذاعي أو تلفزيوني واحتفالا بالألفية يحضر أحد سكان القرية صحنا لاقطا وتتسرب الأخبار عن الحروب الطائفية الدائرة ومن ثم ينتقل إلى القرية هواء ذاك الاقتتال الطائفى .. تتطور الأمور بين أهل القرية الذين عاشوا معظم حياتهم على أخوة وحب وتسامح ، تبدأ في قريتهم انقسامات طائفية ؛ ولأن نساء القرية يدركن خطورة ذلك يحاولن بشتى الطرق المبتكرة إبعاد هذه الخلافات عن قريتهن كحرق الجرائد و تخريب الصحن اللاقط حتى إنهن يحضرن راقصات أوكرانيات لإلهاء رجالهن عن الاقتتال ، ثم يقمن بخبز الحلوى ودسّ الأدوية المخدّرة فيها في محاولة لسحب السلاح من القرية ودفنه ، يشعرن بأنهن حققن شيئاً وجاهدن لحل مشكلة ليست متجذرة في الضيعة المنعزلة فقط بل في كامل لبنان بل كامل الجسد العربي ..

الرجال يقتلون ويرفضون التعايش بحجة الحمية والغيرة الدينية وهلم جرا من الحجج التي كانت مبعثا لموت ملايين من البشر بدم بارد وبطولة استعراضية ؛ لأن كل حزب أو كل مذهب أو كل ديانة تغذي روح العداوة والبغضاء في النفوس حتى تمتلئ فتضخ ما فيها من كراهية عمياء دون السماح لفكرة عاقلة تخبرهم أو تنبههم عن فداحة غبائهم وفداحة ما يورثونه لأجيال قادمة أبناؤهم وأحفادهم ..

المرأة التي وصفتها معظم الديانات بالشرّ .. ومعظم العباقرة والفلاسفة بأنها شيطان هي من تسعى وبإمكاناتها البسيطة لردم فوهات العداوة والموت ووقف نزيف الدم ؛ كي يتعايشوا بسلام مع أزواجهم وأبنائهم وكي يسود السلام وتحيا الأرض ..

ما يعوز عالم اليوم بشر أكثر إنسانية وأكثف تحملا لمعنى المسؤولية وأعمق إيمانا بحقوق الآخرين ، ليس فقط في الحرية والعدالة والكرامة بل في احترام وجهات نظرهم وتقبل آرائهم مهما غدت عنهم مخالفة ومتباينة وجدلية وغامضة ومستهجنة وناقصة ومبتورة .. متى تفهم ومتى تعي عقولنا الضيقة مبدأ " حريتي وحرية الآخر " كفعل وفاعل ومفعول وليس كمبدأ جامد ، ثابت ، فارغ من معنى التنفيذ مع سبق الإصرار والترصد ..؟!

من ضمن أحداث الفيلم في مقهى آمال .. وآمال امرأة يؤدي دورها المخرجة والممثلة في آن " نادين لبكي " حين يتعارك رجال من مسلمين ومسيحيين ؛ لأن النفوس محتقنة على بعضهم تصرخ فيهم آمال بكل بقوة وكأن لسان حالها يثبت أن في قاع كل منا دكتاتور .. يسقط هذا الدكتاتور الداخلي بكل استبداده وحقده وغيرته وعنجهيته وأنانيته المنتفخة .. يسقط .. يسقط .. يسقط .. أن أكون إنسانا وكفى ..!

ويبدو أنه لن يوقف نزيف هذا العالم سوى نساء ؛ فواقع اليوم يثبت تعقلهن ووعيهن الأكمل بعد أن فقد الرجال العقل والحكمة لوقف النزيف الإنساني الدموي ، فكل منهم يناصر مصلحته وجشعه ما بين مكانتهم السياسية والدينية وكأننا في مباراة أي فريقين يجني أعلى نسبة من القتلى لصالح حزبه ..!

في ظل هذه الحروب برزت المرأة .. كائن الرحمة والسلام والوعي ؛ ولو لم تكن المرأة وطنا لعاش جميع الرجال لاجئين .. !

ولم يكذب أحد أشهر فلاسفة  العالم " سقراط " الذي عبّر بيقين ذات يوم : " عندما تثقف رجلاً تكون ثقفت فرداً واحداً وعندما تثقف امرأة فإنما ثقفت عائلة بأكملها .."

 

ليلى البلوشي

هناك 3 تعليقات:

  1. شكرا لكم ..دائما موفقين..))

    Räumung - Räumung

    ردحذف
  2. مع الاسف الصراع الطائفي والتعصب القبلي صار جزءا من شخصية الفرد العربي بات من الصعوبة الحد منها في المنطقة وفي العالم اجمع .
    مقال اكثر من رائع ...... تحياتي لكم

    ردحذف
  3. قراءة جميلة
    شكراليى البلوشي

    ردحذف