الأحد، 11 نوفمبر، 2012

فكرة الصنائع الثلاث ..


 
 
فكرة الصنائع الثلاث ..

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب

 

" فكرة الصنائع الثلاث " كيف ومتى بدأت هذه الفكرة وماذا تعني ..؟

عرفت الفكرة من خلال فيلم شاهدته منذ فترة نسيت ذاكرتي اسم الفيلم الذي بدا قديما نوعا ما ولكن الفكرة عرفت جيدا كيف تخطط لبقاءها في ذاكرة متراكمة .. بدأ الفيلم بمشهد يضم طلابا في الصف السابع مع معلم دوّن عدة عبارات على السبورة ووقف ليواجهة الطلاب بسؤال كبير : ماذا يريد منكم العالم ..؟

التلاميذ الصغار فاجأهم حجم السؤال ولم يسبق أن فكروا في علاقتهم مع العالم ؛ فالعالم بالنسبة لهم مجرد أماكن كالمدرسة والبيت والمركز التجاري كما أضافت إحدى الصغيرات ..

اختار المعلم تلميذا كان يفكر في مغزى السؤال وكان يدعى " تريفر " نبّه المعلم " تريفر " بالسؤال نفسه : ماذا يريد منك العالم يا " تريفر " .. ؟

وقف " تريفر " الصبي ذو الشعر الأشقر الذهبي والعينين الزرقاوتين وقال للأستاذ بتحد واضح : ماذا يريد مني العالم .. لا شيء ..

نالت إجابته المتحدّية رضى المعلم .. فأكدها بصوت مرتفع على مسمع بقية التلاميذ : معك كل الحق يا " تريفر " حقا العالم لا يريد منكم أنتم شيئا ؛ أنتم أطفال لا حق لكم في الإنتخابات أو التصويت .. هذا العالم لا يطلب منكم شيئا ولا يتوقع منكم في هذا المرحلة شيئا بل إنه يحق له أن يملي عليكم ما يريد .. كما يحق لي أنا أن أحبسكم في هذه الغرفة ولا اسمح لكم الذهاب إلى الحمام .. فأنتم لستم أحرارا بعد ولكن سوف تكبرون وتحصلون على حريتكم ، فكيف يتعامل معكم العالم بل كيف أنتم ستتعاطون مع هذا العالم حين تكونون أحرارا ..؟!

حوار فلسفي وجودي خاض المعلم مع تلاميذه ليؤهلهم لمرحلة أهم هو كيف يخطط الإنسان لحياته في عالم متلاطم ومضطرب وغير مستقر البته .. لهذا عزم المعلم أن يخضع هذا التأهيل لتطبيق واقعي يقوم به التلاميذ ومن خلال العبارات التي دونها على السبورة طلب من التلاميذ تنفيذ محتواها غير أن التلاميذ معظمهم ذهبوا إلى استحالة ما يطلبه منهم المعلم من فرض مدرسي ولكن المعلم أشار إلى كلمة " ممكن " ففي هذا العالم من " الممكن " أن نحاول كي نحقق ولو جزءا مما نريد الوصول إليه ..

عزم الطلاب على إيجاد فكرة تدعم التجربة التي خضعها لهم المعلم ؛ غير أن الطفل " تريفر " فكر بطريقة مختلفة حيث إنه اختار أن يقدم خدمة لرجل متشرد فقدم له مدخراته كي يشتري لنفسه ملابسا ويحصل وفقها على وظيفة يعيل نفسه من خلالها وطلب منه " تريفر " أن يقدم بالمقابل معروفا لثلاث أشخاص آخرين وهكذا بدأت الفكرة ولم تنته ..

" فكرة الصنائع الثلاث " هو أن تقدم معروفا لإنسان وعليه أن يقوم بردها لثلاث أشخاص آخرين .. كيفما كانوا وأينما كانوا في هذا العالم .. بشرا يعرفهم أو لا يعرفهم وحدها الظروف والقدر يحتّمان ذلك ..

" فكرة الصنائع الثلاث " لا يمكن أن يحملها في فكره إنسان لا يؤمن بجمال العالم .. وأن هذا العالم مهما بلغت بشاعته وقسوته وشره فهناك ما يستحق أن يبذل من أجله وما يستحق حقا أن يعاش ..

فكرة مثالية في عالم يخلو من المثالية ولكن طريقة إبتكارها وتنفيذها يستحقان الإشادة والإعجاب المفرط دون شك ومحاولة تنفيذها ؛ ففكرة  الصبي " تريفر " قائمة على تقديم معروف لإنسان يرى أن العالم مكان مشبع بالمرارة والقسوة والبشاعة وحين نقدم له يد العون تتبخر فكرة وحشية العالم لتستحيل إلى فكرة أكثر قبولا وإنسانية وهذا الإنسان بدوره سوف يعزم ويشعر بواجبه في تقديم معروف لثلاث أشخاص آخرين وهكذا دواليك نساهم ولو قليلا في تنقية وجه الحياة العكر ونغدو ولو جزئيا بشرا أكثر إنسانية وأكثر محبة وأكثر تواصلا وأكثر سلاما دون شك ..

لنجرب ذلك على مستوى واقعنا ؛ هناك بشر كثيرون يحتاجون إلى مد يد العون .. إلى إعادة قولبة العالم الموحش في خبايا أرواحهم .. لنجرب نحن ويبدأ كل من نفسه مع من حوله ؛ فالأفكار المبدعة والمثرية تغدو مع الزمن خالدة ويبقى أثرها لزمن طويل ويمكن مع تحدي الإستمرارية أن يتحول إلى معتقد جميل يتوارثه الأجيال ؛ فكما تتفشى المعتقدات البالية أيضا للمعتقدات الجيدة أن تبقى ..

فالسعادة فكرة والحزن فكرة والإحساس بالآخر أيضا فكرة يمكن تحويلها إلى فعل إنساني فاعل وخلاق ..

لنجّرب ونؤمن أن العالم بخير وأن هناك من يستحق حقا أن نمنحه ضخة حياة ..!

 
ليلى البلوشي

الأحد، 4 نوفمبر، 2012

العصابة الوردية في الهند ..!





العصابة الوردية في الهند ..!

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب

 

الهند .. بلد العجائب والغرائب .. بلد البهارات واستعراضات الأفاعي .. البلد قال عنه "مارتن توين " إثر زيارته للهند في القرن التاسع عشر : " هذه هي الهند حقا ، أرض الأحلام والغرائب والثراء الفاحش والفقر المدقع ، للجن والعمالقة ومصابيح علاء الدين ، والنمور والأفيال  "..

تحظى الهند حاليا على الصعيد العالمي بمكانة عالمية معروفة نتيجة التطورات الهائلة في مجال الإقتصادي وهي قد وصلت لمرحلة تنافسية مع اقتصاديات العالم الحديث في الدول العالمية ..

في الهند .. كل شيء قابل للتطور وقابل للتقدم وقابل لرفع مستواه ولكن مكانة المرأة على ما يبدو ما تزال على الصعيد الاجتماعي تعاني الضغوط نفسها ويلاحقها شبح الإهانات والضرب والتنكيل بها وحقوقها عند فئات من المجتمع ، ولعل أوضح مثال هو آخر تقرير صحفي نشرته إحدى الصحف المعروفة عن تعرض نساء الهند للضرب والقتل .. تقرير أشار إلى أن الهند من أكثر الدول إساءة إلى المرأة ..!

حيث نشر التقرير عدة جرائم اعتداء ولعل أكثرها عنفا هي تعرض فتاة شابة في إحدى الحانات لهجوم من عصابة مؤلفة من 18 رجلاً، قاموا بجرها على الطريق من شعرها، وحاولوا تعريتها من ملابسها وهم يبتسمون أمام الكاميرا التي كانت تصور كل ما فعلوه وكانت الساعة نحو التاسعة والنصف مساء في أحد أكثر شوارع غواهاتي ازدحاما ، وبعد مرور 20 دقيقة على عملية الاعتداء لم يكلف أحد نفسه عناء الاتصال بالشرطة رغم أنه أمر يسير إذ إن معظم الموجودين يحملون هواتف نقالة، وكانوا يستخدمونها لتصوير مشهد الاعتداء على المرأة ، حيث كان الشبان يقومون بنزع ملابس الفتاة والاعتداء عليها بينما نحيبها يرجو من أي شخص في الشارع تقديم المساعدة لها ، وظهر ذلك من خلال كاميرا أحد مصوري قناة تلفزيونية كان موجوداً والتقط الصور التي أظهرت استمتاع المشاهدين في الشارع..!

والطامة الكبرى أن الصور حين تم نشرها عبر قناة إخبارية تحركت الشرطة قليلا تجاه القضية دون أن تكلف نفسها السؤال عن المعتدين والقبض عليهم ..!

ولكن سكان غواهاتي – حيث جرت الواقعة - قد قرروا في ذلك الوقت أن يحلوا المشكلة بأيديهم، فقاموا بنشر يافطة كبيرة على الشارع الرئيس في البلدة ، تحمل أسماء جميع المشتبه فيهم بالتعرض للفتاة ، وبعد مرور ستة أيام على ذلك أمر رئيس حكومة ولاية اسام ، التي توجد فيها مدينة غواهاتي ، الشرطة باعتقال المشتبه فيهم الرئيسيين، والتقى مع الضحية، وقدم لها 50 ألف روبية (58 جنيهاً استرلينياً) ..!

ويدرك معظم الهنود مدى قسوة الحياة التي يمكن أن تعيشها النسوة في هذا البلد الذي يعد أكبر ديمقراطية في العالم وحتى بعد مرور 46 عاماً على وصول انديرا غاندي إلى السلطة ، باعتبارها أول رئيس وزراء امرأة عام ،1966 لكن ما حدث هنا، والتقطته الكاميرات ، كان دليلاً على عدم احترام المرأة ، خصوصاً في ولاية اسام التي يعتقد فيها أن المرأة تنال أكبر قدر من الاحترام في الهند..

وقالت مذيعة أخبار في إحدى المحطات «لدينا نساء وصلن الى منصب رئيس الحكومة، ومع ذلك ونحن في عام 2012 فإن المرأة لدينا تعاني مرارة كبيرة عندما يتعلق الامر بسلامتها». وأردفت قائلة إن عدداً من الشخصيات المهمة في ولاية براديش، منعوا المرأة من امتلاك الهاتف النقال ، ومن اختيار زوجها ، أو أن تترك المنزل دون مرافق ، أو أن تكون حاسرة الرأس ..! وسرعان ما ختمت مذيعة الأخبار قولها : « إنها القصة ذاتها ، طالما أنه ليس هناك احترام للمرأة فإنه ليس هناك احترام لثقافتنا، أما بالنسبة للقانون فليس هناك من يكترث»..!

والمشكلة الكبرى هو عدم وجود قانون خاص ضد الإعتداء الجنسي على المرأة في الهند ، وليس ثمة قانون يردع الفرد المعتدي على المرأة سواء بالضرب أو القتل وغيرها ويبدو أن هذا هو ما يجعل الرجال في هذا المجتمع يتمادون في تعاملهم مع المرأة وغالبا تعامل كمتاع تباع وتشترى ويحكى أن رجلا قام بذبح ابنته لأنها أحبت رجلا مسلما فأراد بذبحها أن يجعلها مصدر تهديد وتخويف لبقية الفتيات في المجتمع ..!

في بعض القبائل يقوم الرجل بربط قدم امرأته بالجرس ؛ كي يسمع وهو نائم صوت الجرس على 24 ساعة فيتأكد أنها تعمل وليست بليدة بينما هو نائم ويشخر دون أن يعاونها أو يوفر لها مالا وطعاما ومستلزمات الحياة .!

وتشير إحصاءات المركز الدولي للأبحاث المتعلقة بالنساء إلى أن 45٪ من النساء الهنديات يتزوجن تحت سن الثامنة عشرة ، كما أن الأبحاث ذاتها أشارت إلى وفاة 56 ألف امرأة عام 2010 وأشارت إحصاءات الـ«يوينسيف» في عام 2012 الى أن 52٪ من الفتيات المراهقات في الهند، و57٪ من المراهقين الصبيان يعتقدون أن من المبرر أن يضرب الرجل زوجته.. وأشار مكتب السجلات الوطنية للجريمة في الهند إلى تزايد نسبة الجريمة ضد المرأة في الفترة ما بين 2010 الى ،2011 ومعظم هذه الحالات كانت تتعلق بنزاعات حول المهر..

تقول امرأة هندية :" نحن نعبد آلهة إناث ولكننا غير قادرات على حماية النساء .. " !

ويبدو أن كل تلك الأجواء في الهند ونتيجة لتفاقم جرائم الاعتداء على المرأة ولا جدوى القانون في مجابهتها هي التي كانت وراء ظهور عصابة من النساء الهنديات أطلق على أنفسهن " العصابة الوردية " ..

وهي عصابة أفرادها من نساء يقمن بملاحقة الرجال الذين يقومون بضرب النساء وأولئك الذين يسيئون معاملة زوجاتهم وضربهم بالعصا ..!

هذه الوسيلة قد تحمي بعض النساء لكنها قطعا لا تحل الأزمة التي تتفاقم في الهند عن سوء وضع المرأة فيها ، كما أنه أسلوب لا يساهم سوى في زعزعة العلاقة بين ما الرجل والمرأة وبث سياسات التهديد والخوف والقسوة ، فلابد أن تسود علاقات ودية وعلاقات محبة وسلام ما بين المرأة والرجل والمجتمع الذي يضمهما ؛ كي يكون مجتمعا متفاعلا متقدما في كافة مراحله وخطواته ..

قال " غاندي " مرة : " من بين جميع الشرور المسؤول عنها الرجل ليس هناك ما هو أحط وأشد إثارة للصدمة وأكثر وحشية من إساءة معاملة النصف الآخر للبشرية ، أي المرأة ..! "

يا ترى لو كان " غاندي " رجل السلام والمحبة حيّاً ماذا كان سيقول عن تردي أوضاع المرأة في الوقت الحاضر ..؟!

 

ليلى البلوشي