‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما يغري الغيمة من حكاياتهم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما يغري الغيمة من حكاياتهم. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 سبتمبر 2010

اكتب حلمك قصة



اكتب حلمك قصة / فاصل السباعي

كنت جالسا في شرفة المقهى المطلة على الشارع ، لمحت بين المارة رجلا نبيل السمت ، خيل إلي أنه من أصحابي القدامى .
فجأة اعترضه أحدهم ، وأخذ يجاذبه الحديث ، ولكن الحديث ، الذي تخللته البسمات ، سرعان ما انقلب إلى تجهم وعبوس أبداهما الآخر ، فأذعن له من خيل إلي أنه صاحبي ، وارتد عن طريقه ، ومضى أمامه ، وذاك في إثره على مبعد خطوة أو خطوتين ..
وما هي إلا لحظة حتى انضم إلى المرفق ثان وثالث ، فتوقف صاحبي ، والتفت إليهم يحاورهم ... فإذا الحوار ينقلب إلى مشادة رأيتها غير متكافئة ..!
دخل في روعي ، وأنا أشهد من شرفة المقهى ، أن بريئا قد وقع في محنة ، فاستثيرت نخوتي على نحو متعاظم ، وزين لي أن أفعل من أجله شيئا ..
نزلت إليهم ..
كان الصاحب القديم قد أسس لهم قياده ، هو ذا يمشي أمامهم طائعا ، وهم يحيطون به ، من وراء ، على شكل " قوس " ..
اقتحمت القوس ، لأهمس في أذن صاحبي : ما بالك ؟
أجابني ، دون أن تختلج في محياه خالجة : يريدون أن يقتادوني إلى السجن ..! فتراجعت نحو ثلاثة : بأي حق تقتادونه إلى السجن ..؟
أهاب بي أحدهم : امض في طريقك ، نحن من رجال الأمن ..!
أجفلت بادئ الأمر ، ولكن حذرا استفاق في صدري ، نبهت الصاحب : يقولون إنهم من رجال الأمن ... هل طالبتهم بأن يطلعوك على بطاقاتهم الرسمية ..؟
قهقه عاليا : وكيف يكونون من رجال الأمن ، وأنا نفسي رجل الأمن ..؟!
وإذ سمع الثلاثة ذلك لاذوا بالفرار ..!
شعرت بنشوة الظفر :
ما دمت رجل أمن ، أيها الصاحب ، فلم لم تصرح لهم بذلك من البداية ؟ وأدركت أنه هو الذي كان ينصب لهم شركا ..
أعلن : ولكني لست من رجال الأمن ..!
وفي غمرة ما اعتراني من ذهول ، ألوى علي يسألني منتهرا : وأنت من تكون يا رجل ..؟
فتبدد ظني بأنه صاحب لي قديم ، واندفعت أقول : أنا ....... رجل أمن ..!
فأمرني متجهم الوجه : أرني بطاقتك الرسمية ..!
ومن عجب أني ما كدت أدخل يدي في جيب سترتي ، حتى رأيته يرتد إلى الوراء ، مطلقا ساقيه للريح ..!
ومضيت ، في مواجهة الشرفة الوسيعة ، أمشي مختالا ..
فجأة اعترضني رجل غريب ، شديد البنية : ما حملك على اعتراضهم ..؟
كان يشاهد ، إذن ، من الشرفة كل شيء ..
استهنت به ، وقد دخل في وهمي أني من رجال الأمن حقا : وما خطبك ، يا هذا ..؟
أسألك : من أنت ..؟
أنا .... رجل أمن ..!
هلا أطلعتني على بطاقتك الرسمية ..؟
أدخلت يدي ، ثابت الجنان ، في جيب سترتي ، وأنا أتوقع من الغريب أن يلوذ بالفرار ..
ولكنه ظل يحدجني بنظرة بددت وهمي العظيم ، ولما لم يكن بد من أن تخرج يدي بيضاء ، فقد أدركت أني وقعت ضحية لنخوتي الفضولية ..
أمرني : هيا سر معي ..
سألته بلهجة بعيدة عن الاستهانة : هل تسمح بأن تطلعني على بطاقتك الرسمية ، أيها السيد ..؟
ولكنه لم يحفل بطلبي ، بل تأبط ساعدي ، وعانق بكفه القاسية كفي ، لاويا معصمي حتى أحسسته يتقصف ، مضى بي ، وقد داخلني شك في أن يكون رجل أمن حقيقيا ، وإلا لم َ لم يبرر لي بطاقته الرسمية ..؟!
وكنت ما أزال أمام المقهى ، رفعت عيني إلى الشرفة ، التي غصت الآن بالرواد ، وهم جميعا يتطلعون إلي ..
أعليت صوتي مناديا : يا أهل النخوة ، خلصوني ..!
فانطلقت من صفوفهم ضحكات عالية ..
إني في محنة .... فخلصوني ..
وتعالت ضحكاتهم الصاخبة ، حتى سدت آذان السماء ، فبدوا لي كأنهم نظارة في شرفة مسرح ، يتابعون ، متلذذين ، آخر مشهد من مسرحية هزلية ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاضل السباعي :

ولد في حلب ، عام 1929م ، درس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة ، وعمل محاميا بحلب ومدرسا ، بدأ بنظم الشعر ثم تحول إلى القصة منذ منتصف الخمسينات ، وكتب أيضا المقالة والنقد وقصصا عن اللغة الفرنسية والانجليزية والألمانية والروسية ولغات أخرى .. عضو مؤسس في اتحاد كتاب العرب 1969م ، وأسس دار أشبيليا للنشر والتوزيع ..
له مؤلفات كثيرة منها : أزهر الحزن / الألم على نار هادئة / اعترافات ناس طيبين ..

الأربعاء، 21 يوليو 2010

دفتر الأبله



دفتر الأبله / هاكوب بارونيان


- ألم تقدم الفحص يا بني .


- نعم قدمته يا أبي .

- ألم يهد إليك أستاذك كتابا يوم توزيع الشهادات .

- كلا يا أبي .


- ولماذا ؟


- لأنني أنا أيضا لم أعط أستاذي شيئا في عيد رأس السنة يا أبي .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هاكوب بارونيان :


من كتاب القرن التاسع عشر ، رائد الأدب الأرمني الساخر ، كان كاتبا تركيا بامتياز ، وقد كتب في مقدمة عمله الشهير " دفتر الأبله " : ( أيها السادة سأسخر ولست بحاجة إلى لحن أو بيانو كي أسخر )


هذه القصة القصيرة جدا مأخوذة من كتابه " دفتر الأبله " وهي عبارة عن قصص قصيرة جدا وحوادث يومية قصيرة يرويها بارونيان على شكل يوميات يعرض فيها وقائع الحياة وسياستها على طريقة السخرية محاولة الإصلاح من خلالها .

الاثنين، 10 مايو 2010

القارة الثالثة والأخيرة


القارة الثالثة والأخيرة

للقاصة الهندية " جومبا لاهيري "
ترجمة : هالة صلاح الدين حسين ..

رحلتُ عن الهند عام 1964 حاملاً معي شهادة التجارة وفي حوزتي ما عادل في تلك الأيام عشرة دولارات، أبحرتُ لمدة ثلاثة أسابيع على متن الإس إس روما, سفينة شحن إيطالية, في قمرة بجوار محرك السفينة، اجتازت البحر العربي ثم البحر الأحمر تلاه الأبيض المتوسط إلى أن آل بها الأمر إلى إنجلترا، عشت في لندن بشارع فينسبيري بارك في منزل شغله بالكامل عزاب مفلسون وفدوا مثلي من البنغال, كانوا دستة على أقل تقدير وأحياناً أكثر،كافحنا جميعاً كي نتعلم ونوطد أقدامنا خارج أوطاننا.

حضرتُ محاضرات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن واشتغلتُ بمكتبة الجامعة حتى أوفر معاشي. أقمنا ثلاثة أفراد أو أربعة بالحجرة واشتركنا في استعمال مرحاض واحد بارد كالجليد وتناوبنا طهو قدوراً من البيض بالكاري أكلناه بأيدينا على مائدة غطيناها بورق الجرائد. وعلاوة على وظائفنا اضطلعنا ببعض المسؤوليات. فقد كنا نتسكع في العطلات الأسبوعية حفاة الأقدام مرتدين منامات سراويلها بأربطة, كنا نحتسي الشاي وندخن سجائر ماركة روثمانز أو ننطلق لمشاهدة مباراة كريكيت بملعب لوردز. وفي بعض العطلات الأسبوعية كان المنزل يكتظ أيضاً بالمزيد من البنغاليين الذين قدّمنا لهم أنفسنا عند الخضري أو بالمترو, فكنا نعد المزيد من البيض بالكاري ونستمع لأغاني موكيش* بمسجل مغناطيسي ماركة جروندج وننقع أطباقنا المتسخة في حوض الاستحمام، ومن حين وآخر ينتقل أحدهم من المنزل ليعيش مع امرأة قررتْ أسرته في كلكتا أن يتزوجها. عندما بلغتُ السادسة والثلاثين عام 1969, تم ترتيب زواجي. وفي نفس الفترة تقريباً عُرضتْ عليّ وظيفة بساعات عمل كاملة في أمريكا وذلك بقسم معالجة المعلومات في مكتبة تتبع معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا. كان المرتب سخياً بما يكفي لإعالة زوجة وقد شرفني أن توظفني جامعة مشهورة عالمياً وهكذا نلت حق الإقامة والعمل في أمريكا وأعددت حالي للسفر إلى بقعة أبعد.

كنت قد جنيت بحلول ذلك الوقت الكافي من الأموال للسفر بالطائرة،طرت أولاً إلى كلكتا لحضور حفل زفافي ثم ذهبتُ بعدها بأسبوع إلى بوسطن لأباشر عملي الجديد. طالعتُ خلال الرحلة "دليل الطالب إلى أمريكا الشمالية," إذ على الرغم أني كنت قد تخطيت مرحلة التلمذة, كان عليّ مع ذلك التقيد بميزانية محدودة. علمتُ أن الأمريكيين يقودون سياراتهم على الجانب الأيمن من الطريق وليس الأيسر وأنهم يطلقون على المصعد elevator"" وليس "left" ويقولون عن الهاتف المشغول إنه "busy" وليس "engaged". "إن سرعة الحياة بأمريكا الشمالية تختلف عن تلك التي تجدها ببريطانيا كما سيتكشف لك قريباً," أنهى إليّ الدليل. "يستولي على الجميع إحساس بأن عليهم بلوغ القمة, فلا تتوقع الكياسة الإنجليزية." بينما راحت الطائرة تهبط فوق ميناء بوسطن, أعلن الطيار عن حالة الطقس والوقت وأن الرئيس نيكسون أعلن يومها عطلة رسمية: فقد حط أمريكيان على القمر. هلل العديد من الراكبين. "بارك الله في أمريكا!" انطلق صياح أحدهم. التقطتْ عيناي سيدة تصلي عبر الممر.

أمضيت ليلتي الأولى في بيت من بيوت الشباب التابعة لجمعية الشبان المسيحيين بمنطقة سنترال سكوير في مدينة كامبردج, وهو سكن رخيص أوصى به الدليل وقام على بُعد بضعة أقدام من معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا، اشتملتْ الحجرة على سرير صغير الحجم ومكتب وصليب خشبي صغير معلق على أحد الحوائط. نبّهتْ لافتة مثبتة بالباب على أن الطهو ممنوع منعاً باتاً. أشرفتْ نافذة عارية من الستائر على جادة ماسيتشوسيتس. كانت أبواق السيارات تدوي, الواحد تلو الآخر, دوياً حاداً مطولاً. أنذرتْ صفارات الإنذار والأنوار المتقطعة بحالات طوارئ لا عد لها ولا حصر وهدرتْ سلسلة من الحافلات المارة طوال الليل فيما ارتفعتْ أصوات أبوابها وهي تُفتح وتُغلق في هسهسة قوية. كانت الضوضاء دائماً وأبداً مشتتة لذهني وأحياناً ما كانت تخنقني. شعرتُ بها تتوغل في أضلعي, تماماً كما شعرتُ بالأزيز المهتاج لمحرك سفينة الإس إس روما. إلا أن المكان قد خلا من سطح سفينة أفر إليه ومن محيط لامع تهتز له روحي طرباً ومن نسيم ينعش وجهي ومن مخلوق أتحدث معه. بلغتُ حداً من الإنهاك حال دون أن أتمشى بممرات بيت الشباب الكئيبة بملابس النوم. فجلستُ بدلاً من ذلك إلى المكتب مسدداً نظرات محدقة خارج النافذة. في الصباح أقبلتُ إلى محل عملي بمكتبة ’دوي‘, مبنى بني فاتح كما الحصن بطريق ميموريال درايف. فتحتُ كذلك حساباً في المصرف واستأجرتُ صندوقاً بمكتب البريد وابتعت سلطانية بلاستيك وملعقة. مررت على متجر كبير يدعى النقاء الأسمى وقطعتُ الممرات جيئة وذهاباً لأقارن الأسعار بتلك الموجودة بإنجلترا. في النهاية اشتريت علبة لبن وعلبة من رقائق الذرة فكانت هذه أول وجبة أتناولها بأمريكا. حتى العمل الروتيني البسيط المتمثل في شراء اللبن كان جديداً عليّ؛ ففي لندن يتم توصيل اللبن كل صباح حتى الباب.

خلال أسبوع كنت قد تأقلمتُ تقريباً مع الوضع، كنت آكل رقائق الذرة باللبن صباحاً وليلاً لكني اشتريت بعض الموز على سبيل التنوع فأعملتُ حرف ملعقتي فيه لتشريحه بالسلطانية. خلفتُ علبة اللبن بالجانب الظليل من عتبة النافذة مثلما رأيت مقيمين آخرين يفعلون بالمنزل. وفي الأمسيات كنت أشغل وقتي بمطالعة جريدة البوسطن جلوب بالطابق الأسفل في حجرة فسيحة الأركان نوافذها من الزجاج الملون. كنت أقرأ كل مقالة وكل إعلان حتى تتكون لديّ ألفة بالأشياء. وعندما يحل التعب بعينيّ, كنت آوي إلى الفراش. بيد أني لم أهنأ بنومي. فقد اضطررت كل ليلة إلى فتح النافذة على مصراعيها؛ إذ كانت المنفذ الوحيد للهواء داخل الغرفة الخانقة غير أني لم أطق الضوضاء. كنت أتمدد على السرير ضاغطاً على أذنيّ بأصابعي لكن عند استغراقي في النوم تسقط يداي فتوقظني ضوضاء المرور ثانية. كان ريش الحمام ينساق إلى عتبة النافذة وفي إحدى الأمسيات كنت أصب اللبن على رقائق الذرة فوجدته حامضاً. رغم تلك الظروف عقدتُ النية على المكوث ببيت الشباب لمدة ستة أسابيع إلى أن يجهز جواز سفر زوجتي وتصريح إقامتها. فبمجرد وفودها, كان عليّ أن أستأجر شقة ملائمة. فكنت أتفحص من وقت لآخر الإعلانات المبوبة بالجريدة أو أعرج على مكتب الإسكان بالمعهد خلال استراحة الغذاء لأرى المتاح. وبهذه الطريقة اكتشفتُ حجرة يمكن شغلها فوراً بمنزل كائن في شارع هادئ, ذكرتْ القائمة أنها ستكلف ثمانية دولارات في الأسبوع. اتصلتُ بالرقم من تليفون عمومي وأنا أفرز العملات التي لم أعتدها بعد, إذ كانت أصغر من الشلن وأخف منه وأثقل من البايسا

* وألمع منها.
"مَن يتكلم؟" سألت السيدة بصوت تتخلله جرأة وجلبة.
"نعم, مساء الخير يا سيدتي. أنا أتصل بخصوص الحجرة المعروضة للإيجار."
"هارفارد أم تِك؟"
"معذرة؟"
"هل أنت من هارفارد أم من تِك؟"
استنتجتُ أن تِك تشير إلى معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا فأجبتها, "أعمل بمكتبة دوي," ثم أردفتُ كالمتردد, "في تِك."
"أنا لا أؤجر غرفاً سوى للأولاد من هارفارد أو تِك!"
"حسناً يا سيدتي."
أعطتني عنواناً وميعاداً في السابعة مسائها. انطلقتُ قبل الموعد بثلاثين دقيقة مودعاً دليلي في جيبي وقد انتعش نَفَسي بغسول الفم ’ليستيرين‘. انعطفتُ في شارع تظلله الأشجار ويتعامد مع جادة ماسيتشوسيتس. كنت أرتدي رغم الحر معطفاً ورباط عنق معتبراً الحدث كأي مقابلة رسمية؛ لم أسكن قط في بيت لم يكن مالكه هندياً. تراءى المنزل – وقد اكتنفه سياج من الأسلاك المتشابكة – بلون أبيض ضارب إلى الصفرة خلا الزخارف الخشبية ذات اللون البني الغامق, والتصقتْ كتلة متداخلة من شجيرات الفرسيتية بمقدمة المنزل وجانبيه. عندما ضغطتُ على جرس الباب, صاحت السيدة التي حادثتها على الهاتف مما بدا لي الجانب الآخر بالضبط من الباب, "دقيقة واحدة من فضلك!"
مرت عدة دقائق قبل أن ينفتح الباب عن عجوز هزيلة طاعنة، سُويتْ على قمة رأسها كتلة من الشعر ثلجي البياض أشبه بالكيس الصغير. دلفتُ إلى المنزل في حين جلستْ هي على مقعد خشبي موضوع عند قرار سلم ضيق مكسو بسجادة. حالما استقر بها المقام على المقعد الملفوف في رقعة من الضوء, ارتقت إليّ ببصرها المحدق مانحة إياي غاية اهتمامها. كانت تلبس تنورة طويلة سوداء امتدت كالخيمة المتيبسة على الأرضية وقميصاً أبيض منشياً كُشكشت حواشيه عند الحلق وطرفيّ الردنين. كانت يداها مطويتين معاً في حجرها وإن تبدت أصابعها الطويلة الشاحبة ذات المفاصل المتورمة والأظافر القوية الصفراء. سحقتْ الشيخوخة ملامحها لدرجة أنها لاحت تقريباً كالرجل بعينيها الحادتين المنكمشتين وتجاعيدها الجلية المحفورة على جانبيّ أنفها. أوشكتْ شفتاها المتشققتان الممتقعتان على الاختفاء وتلاشى تماماً كل أثر لحواجبها. ومع ذلك فقد لاحت عنيفة الطباع.

"اغلق الباب!" قالت بصوت آمر. صرختْ رغم أني وقفتُ على بعد خطوات قليلة فحسب. "ثبت السلسلة واضغط بإحكام على زر المقبض ذلك! هذا أول ما ستفعله حين تدخل, هل كلامي واضح؟"
أغلقتُ الباب كما أملت عليّ ثم تمعنتُ بناظريّ في المنزل. ثمة إلى جانب المقعد مائدة مستديرة صغيرة توارت أرجلها كلية, كساقيّ السيدة, بمفرش من الدانتيلة. حملتْ المائدة مصباحاً ومذياع ترانزيستور ومحفظة جلدية بإبزيم فضي وهاتفاً. استند إلى أحد الجوانب عكاز خشبي غليظ. وعلى يميني وقعتْ ردهة اصطفت بها خزانات الكتب وحفلتْ بقطع أثاث بالية قوائمها مخدوشة. انصرف بصري إلى ركن الردهة حيث ألفيت بيانو ذا أوتار أفقية وقد أنزل غطاؤه وتراكمت عليه الأوراق. غاب كرسي البيانو؛ فبدا أنه الكرسي الذي تجلس عليه السيدة. ومن موضع ما بالمنزل دقت الساعة السابعة.
"أنت دقيق في مواعيدك!" أعلنتْ السيدة "أتوقع أن تظل على هذا النحو عند دفع الإيجار!"

"معي خطاب يا سيدتي." بجيب سترتي خطاب من معهد التكنولوجيا يؤكد أني موظف لديهم, جلبتُه حتى أثبت أني كنت بحق من تِك.
تفرستْ في الخطاب ثم سلمتْه إليّ بعناية قابضة عليه بأصابعها كما لو كان طبقاً تكدس بالطعام. لم تكن ترتدي نظارات فتساءلتُ إن كانت قد قرأت منه كلمة واحدة. "كان الولد الأخير دائم التأخير! فهو ما يزال مديناً لي بثمانية دولارات! لم يعد أولاد هارفارد كما كانوا في السابق! لا يستقبل هذا المنزل غير هارفارد وتِك! كيف حال تِك يا ولد؟"
"على ما يرام."
"تفحصتَ القفل؟"
"أجل يا سيدتي."
فكت أصابعها المتشابكة ثم ضربتْ براحتها الحيز المجاور لها على المقعد آمرة إياي أن أقعد. لاذت بالصمت لوهلة ثم أنبأتني بكلمات منغمة وكأنها وحدها العليمة بهذه المعرفة:
"هناك علم أمريكي على القمر!"
"أجل يا سيدتي।" لم أكن قد تفكرتُ كثيراً حتى ذلك الحين في موضوع إرسال سفينة فضاء إلى القمر. لا ريب أن الحدث قد تصدر الصحيفة في العديد من المقالات. قرأتُ أن رواد الفضاء حطوا على شواطئ بحر السكينة
* فكانوا بذلك أبعد مَن سافر في تاريخ الحضارة. سبروا سطح القمر لبضع ساعات. جمعوا صخوراً في جيوبهم ووصفوا البيئة المحيطة بهم (كان موقعاً مهجوراً مذهلاً على حد قول أحد الرواد). خاطبوا الرئيس عبر الهاتف ثم غرسوا علماً بتربة القمر. هلل الجميع للرحلة باعتبارها أروع إنجازات الإنسان على الإطلاق.
جأرتْ السيدة, "علم على القمر يا ولد! سمعتُ الخبر في المذياع! أليس ذلك مدهشاً؟"
"أجل يا سيدتي."
بيد أنها لم تقنع بردي فأمرتني, "قل ’مدهش‛!"
استحوذ عليّ الارتباك وألّم بي قدر من الإهانة لهذا الطلب। استرجعتْ ذاكرتي كيفية تعلمي لجداول الضرب في صغري عندما كنت أكرر بعد المدرس وأنا متربع الساقين على أرضية مدرستي ذات الحجرة الواحدة بمنطقة توليجانج. استحضرتُ أيضاً حفل زفافي حين رددتُ بعد الكاهن آيات لانهائية باللغة السنسكريتية, آيات فهمتُها بالكاد إلا أنها ربطتني بزوجتي. لم أنبس ببنت شفة.

"قل ’مدهش‛!" جأرتْ السيدة مرة أخرى.
"مدهش," تمتمتُ. كان عليّ أن أعيد الكلمة ثانية بأعلى صوت لتتمكن من سماعي. رغبتُ عن رفع صوتي أمام عجوز مسنة لكن لم يظهر عليها شعور بالإهانة. ولو أن ردي أحدث في نفسها أي أثر, فقد سَرها لأن أمرها التالي كان:
"رح شاهد الغرفة!"
نهضتُ من المقعد وارتقيت السلم الضيق। ألفيت خمسة أبواب, غرفتان على كل جانب من رواق ضيق هو الآخر فيما قبعتْ الغرفة الخامسة بالنهاية المقابلة. لم أجد سوى باب واحد مفتوح. حوت الغرفة سريراً لفرد واحد يمتد تحت سقف مائل وسجادة بنية بيضوية الشكل وحوضاً ماسورته مكشوفة وخزانة بأدراج. أفضى أحد الأبواب إلى دولاب وآخر إلى غرفة بها مرحاض وحوض استحمام. كانت النافذة مفتوحة؛ فاهتزت الستائر بفعل النسيم. أزحتها لأعاين المنظر: أرسلتُ طرفي إلى فناء خلفي صغير به بضع أشجار من الفاكهة وحبل غسيل فارغ. حاز المكان على رضاي.

عندما رجعتُ أدراجي إلى البهو, التقطتْ السيدة محفظتها الجلدية من المائدة وفتحتْ الإبزيم ثم نقبتْ بأصابعها حتى أخرجتْ مفتاحاً يتصل بطوق سلكي رفيع. أعلمتني بأن هناك مطبخاً بمؤخرة المنزل يمكن الوصول إليه عبر الردهة ورحبتْ بأن أستخدم الموقد طالما سأدعه كما وجدتُه. سوف تمدني بالملاءات والفوط إلا أني مسؤول عن الحفاظ على نظافتها. كان موعد دفع الإيجار صبيحة الجمعة ومكانه على الرف فوق مفاتيح البيانو. "وغير مسموح باستقبال السيدات!"
"أنا رجل متزوج يا سيدتي." كانت تلك أول مرة أجاهر فيها بهذه الحقيقة لأي أحد.
إلا أنها لم تسمعني. "غير مسموح باستقبال السيدات!" أصرت. قدّمتْ لي نفسها بوصفها السيدة كروفت.

كانت زوجتي تدعى مالا। رتب الزواج أخي الأكبر وزوجته. لم أنظر إلى المسألة بعين الاعتراض كما لم تنطو نفسي على حماسة لها. فقد كانت واجباً متوقعاً مني مثلما هو متوقع من كل رجل. كانت ابنة أحد المدرسين بمنطقة بيليجاتا. قيل لي إنها تستطيع الطبخ والنسج والتطريز ورسم المناظر الطبيعية وإلقاء شعر طاغور, غير أن هذه المواهب لم تعوض عن بشرتها السمراء لذا كان وجهها سبباً في رفض سلسلة من الرجال لها. كانت قد أدركت السابعة والعشرين وهي سن طفق معها والداها يخافان ألا تتزوج قط لذلك كانا على استعداد لأن يرسلا طفلتهما الوحيدة إلى آخر الدنيا كي ينقذاها من العنوس.

اشتركنا في الفراش خمس ليالي. وفي كل ليلة من تلك الليالي, بعد أن تضع مرطب بشرتها وتضفر شعرها, كانت تشيح عني لتأخذ في البكاء؛ فقد كانت مشتاقة لوالديها. ومع أني كنت سأرحل عن البلاد خلال عدة أيام, قضت التقاليد بأنها الآن جزء من أهل بيتي وعليه سوف تعيش خلال الستة أسابيع المقبلة مع أخي وزوجته كي تطبخ وتنظف وتقدم الشاي والحلوى للضيوف. لم يبدر مني شيء لمواساتها. استلقيت على جانبي من الفراش لأقرأ دليلي على ضوء الكشاف. أحياناً ما كنت أفكر في الحجرة الصغيرة القائمة على الجانب الآخر من الحائط, الحجرة التي كانت تخص أمي. أصبحتْ الآن تقريباً خالية؛ فالسرير الخشبي الضيق الذي نامت عليه يوماً تكوم بالصناديق وأغطية السرير القديمة. منذ قرابة ست سنوات قبل أن أغادر إلى لندن, شاهدتُها تقضي نحبها على ذلك السرير, وجدتُها تلعب ببرازها في أيامها الأخيرة. قبل أن نحرق جثمانها, استخدمتُ دبوس شعر لتنظيف كل أظافرها. لم يسع أخي تحمل الأمر فتوليت أنا دور الابن الأكبر لامساً اللهب حتى هيكلها كي أطلق روحها المعذبة إلى الفردوس.

انتقلتُ في الصباح التالي إلى منزل السيدة كروفت. عندما فتحتُ الباب, رأيتها جالسة على كرسي البيانو على نفس الجانب الذي قعدتْ عليه الأمسية السابقة. كانت تلبس نفس التنورة السوداء ونفس القميص الأبيض المنشي وقد ضمت يديها معاً بنفس الطريقة في حجرها. ظهرتْ على نفس الوضع بصورة كبيرة حتى إني تساءلت إن كانت قد قضت الليلة بأكملها على المقعد. وضعتُ حقيبتي بالطابق العلوي ثم توجهتُ إلى العمل. حينما قدِمتُ إلى البيت راجعاً من الجامعة مسائها, كانت لا تزال هناك.
"اجلس يا ولد!" ضربتْ راحتها الحيز المجاور لها.
جلستُ على حرف المقعد. كان معي كيس بقالة – المزيد من اللبن ورقائق الذرة والموز ذلك لأن معاينتي للمطبخ – في وقت سابق يومئذ – كشفتْ عن عدم وجود أية قدور أو أوعية إضافية. لم أجد بالثلاجة غير حلتين احتويتا على بعض مرق البرتقال وغلاية نحاس على الموقد.
"مساء الخير يا سيدتي."
سألتني إن كنت قد تحققت من إغلاق القفل فقلت لها إني فعلت.
لبثتْ ساكتة هنيهة ثم ما أدري إلا وقد أعلنتْ بنفس الدرجة من الإنكار والسعادة التي شملتها الليلة الفائتة, "هناك علم أمريكي على القمر يا ولد!"
"أجل يا سيدتي."
"علم على القمر! أليس ذلك مدهشاً؟"
أومأتُ برأسي وتوجستُ خيفة مما عرفتُ أنه آت. "أجل يا سيدتي."
"قل ’مدهش‛!"
أمسكتُ هذه المرة وخطفتُ نظرتين يمنة ويسرة خشية وجود مَن يسمعني اتفاقاً وإن علمتُ تماماً بخلو المنزل. غمرني إحساس بالبلاهة غير أن طلبها كان هيناً. "مدهش!" صحت.
بات هذا الحال خلال أيام في حكم المعتاد. لمّا كنت أنصرف إلى المكتبة في الأصباح, كانت السيدة كروفت مختبئة في حجرتها على الجانب الآخر من السلم أو جالسة على المقعد, غافلة عن وجودي, تستمع إلى الأخبار أو الموسيقى الكلاسيكية في المذياع. لكن عندما أعاود كل مساء, يجري نفس ما جرى: تضرب المقعد وتأمرني بالجلوس لتجاهر بأن هناك علماً على القمر وأن هذا مدهش. فكنت أردد أنا الآخر أنه مدهش ثم نلزم الصمت. على قدر ما كانت الجلسة محرجة ورغم شعوري وقتذاك بأنها ستتصل إلى ما لانهاية, لم يستمر اللقاء الليلي غير حوالي عشر دقائق؛ فقد كان من المحتم أن يغلبها النوم, فيسقط رأسها بغتة على صدرها تاركة لي حرية الانسحاب إلى غرفتي. لكن ما من شك أن القمر بحلول ذلك الوقت قد خلا من أي علم يقف عليه. فقد طالعتُ في الجريدة أن رواد الفضاء أبصروه يقع قبل أن يطيروا نحو الأرض لكن ما طاوعني قلبي على إخبارها.

في صباح يوم الجمعة عندما آن موعد دفع إيجار أول أسبوع, مضيت نحو البيانو بالردهة لأضع أموالي على الرف. كانت مفاتيح البيانو باهتة حائلة اللون. عندما ضغطتُ على أحدها, لم يصدر أي صوت على الإطلاق. كنت قد وضعت نقوداً بقيمة ثمانية دولارات في ظرف وكتبتُ عليه اسم السيدة كروفت. لم يكن من عاداتي ترك النقود بلا علامة أو اهتمام. استطعت من مكاني أن أشاهد بالصالة جانب من تنورتها المتخذة شكل الخيمة. بدا لي من غير الضروري أن أجعلها تنهض لتسير كل تلك المسافة إلى البيانو. لم أبصرها قط تمشى وقد افترضتُ من العكاز المرتكز على المائدة المستديرة أنها كانت تسير بمشقة. عندما اقتربتُ من المقعد, رفعتْ نظرتها الشاخصة نحوي سائلة:
"ماذا تريد؟"
"الإيجار يا سيدتي."
"على الرف فوق مفاتيح البيانو!"
"معي هنا." مددت الظرف نحوها غير أن أصابعها المطوية معاً في حجرها لم تتزحزح. انحنيت قليلاً مخفضاً الظرف إلى أن تأرجح في الهواء فوق يديها مباشرة. مضت لحظة ثم قبَلتْه بإيماءة من رأسها.
عندما وصلتُ إلى البيت ليلتئذ, لم تضرب المقعد لكني جلست جوارها بحكم العادة. سألتني إن كنت قد تفقدت القفل بيد أنها لم تشر بكلمة إلى علم القمر. بدلاً من ذلك قالت:
"كنتَ في منتهى الطيبة!"
"عفواً يا سيدتي؟"
"في منتهى الطيبة!"
كانت لا تزال ممسكة بالظرف بين يديها.

تناهت إليّ دقة على بابي يوم الأحد. قدّمتْ عجوز نفسها: كانت هيلين ابنة السيدة كروفت. تقدمتْ إلى داخل الحجرة وتطلعتْ إلى كل جدار من الجدران كما لو كانت تبحث عن أي أثر للتغيير. لمحتْ القمصان المعلقة بالدولاب وأربطة العنق تتدلى على مقابض الباب وعلبة رقائق الذرة فوق خزانة الأدراج وما اتسخ بالحوض من سلطانية وملعقة. كانت قصيرة القامة سميكة الخصر, شعرها فضي قصير للغاية وأحمر شفاهها وردي زاه. كانت تلبس فستاناً صيفياً بلا أكمام وعقداً من الخرز البلاستيكي الأبيض ونظارة متصلة بسلسلة تتعلق كالأرجوحة على صدرها. ارتسمتْ عروق كحلية على ربلتيّ ساقيها وكأنهما خريطة وارتخى أعلى ذراعيها مثل لب باذنجان مشوي. أبلغتني أنها تقطن بأرلينجتون, بلدة شمال جادة ماسيتشوسيتس. "أحضر مرة في الأسبوع لأجلب البقالة لأمي. ألم تطردك بعد؟"
"الحال على ما يرام يا سيدتي।"

"ركض بعض الأولاد من هنا وهم يصرخون لكني أخالها معجبة بك. أنت أول ساكن على الإطلاق تشير إليه بالأستاذ."
رنت إليّ فلاحظتْ قدميّ الحافيتين. (لم أزل غير مرتاح لارتداء الحذاء داخل المنزل فكنت دوماً أخلعه قبل دخول غرفتي.) "هل أنت حديث العهد ببوسطن؟"
"حديث العهد بأمريكا يا سيدتي."
"مِن أين؟" وهي ترفع حاجبيها.
"أنا مِن كالكتا بالهند."
"صحيح؟ كان لدينا شخص برازيلي من نحو السنة. ستلفي كامبردج مدينة عالمية جداً."
أومأتُ برأسي ثم رحت أتساءل عن المدة التي ستطولها المحادثة. لكن في تلك اللحظة صك أذنينا صوت السيدة كروفت المكهرب وهو يرتفع على الدرج.
"انزلي حالاً!"
"ماذا هناك؟" ردت هيلين صائحة.
"في التو!"
لبستُ حذائي فيما أرسلتْ هيلين تنهيدة.
لحقتُ بهيلين على السلالم. لم يظهر عليها الاستعجال واشتكت مرة من ركبتها المعتلة. "هل كنتِ تسيرين من غير عكازك؟" هتفتْ هيلين. "تعلمين أن المفروض ألا تسيري بدون ذلك العكاز." كَفّت ثم اتكأتْ بيدها على الدرابزين ملتفتة إليّ. "هي تنزلق أحياناً."
لأول مرة تراءت لي السيدة كروفت عرضة للأذى. تخايلتْ لعينيّ وقد تسطح ظهرها على الأرضية أمام المقعد, تتفرس في السقف وقدماها تشيران إلى اتجاهين مختلفين. إلا أننا عندما انتهينا إلى أسفل الدرج, كانت جالسة هناك كالعهد بها ويداها مطويتان معاً في حجرها. وُضع كيسان من البقالة عند قدميها. لم تضرب المقعد أو تسألنا الجلوس. كان الغضب يتطاير من عينيها المحملقتين.
"ما الخطب يا أمي؟"
"عيب!"
"ما هو العيب؟"
"عيب أن تتجاذب سيدة محترمة وأستاذ ليس زوجها حديثاً خاصاً بدون رفيق ثالث!"
دفعتْ هيلين بأنها في الثامنة والستين أي في عمر أمي بيد أن السيدة كروفت أبت إلا أن تتكلم هيلين معي بالطابق الأسفل في الردهة. أردفتْ أنه من العيب أيضاً أن تكشف سيدة محترمة في مقام هيلين عن سنها وأن تلبس فستاناً يعلو فوق الكاحل كل تلك المسافة.
"لعلمِك يا أمي, نحن في عام 1969. ماذا ستفعلين لو غادرتِ المنزل بالفعل في يوم ما ووقعتْ عيناك على فتاة ترتدي تنورة فوق الركبة؟"
قالت السيدة كروفت كالمزدرية। "سأجعلهم يلقون القبض عليها."

ما كان من هيلين إلا أن هزت رأسها والتقطتْ واحداً من كيسيّ البقالة. التقطتُ أنا الآخر وتبعتُها عبر الردهة وإلى المطبخ. امتلأتْ الأكياس بعلب حساء فتحتْها هيلين الواحدة بعد الأخرى بأن أدارت ذراع الفتاحة بضع مرات. رمت الحساء القديم في الحوض وشطفتْ الحلتين تحت الصنبور ثم ملأتْهما بحساء العلب المفتوحة حديثاً وأرجعتْهما بالثلاجة. "كانت لا تزال بمقدورها فتح العلب بنفسها منذ سنوات قلائل," قالت هيلين. "إنها تكره قيامي بهذا الآن إلا أن البيانو قد قضى على يديها." ارتدت نظارتها فلمحتْ الخزانة وتبينتْ أكياس الشاي خاصتي. "هل تحب أن نحتسي فنجانين من الشاي؟"
ملأتُ الغلاية الموضوعة على الموقد. "أستميحك عذراً يا سيدتي. البيانو؟"
"اعتادت أن تعطي دروساً لمدة أربعين عاماً. هكذا تأتّى لها أن تربينا بعد وفاة والدي. وضعتْ هيلين يديها على وركيها وجعلت تنعم النظر في الثلاجة المفتوحة. مدت يدها إلى آخرها وسحبت قضيباً ملفوفاً من الزبد, قطبتْ جبينها على أثره ثم ألقته في الزبالة. "يكفي ذلك," قالت ثم أودعتْ علب الحساء المغلقة في الخزانة. اتخذتُ مجلسي إلى المائدة وراقبتُ هيلين وهي تغسل الأطباق المتسخة وتربط كيس الزبالة وتصب ماء مغلياً في فنجانين. ناولتني أحدهما بدون إضافة لبن وجلستْ إلى المائدة.
"عفواً يا سيدتي, لكن هل هذا بالكافي؟"
حست هيلين حسوة من شايها فخلف أحمر الشفاه بقعة وردية تبتسم على حافة الفنجان. "ما هو الكافي؟"
"الحساء الذي في القدور. هل هو طعام كاف للسيدة كروفت؟"
"هي لن تأكل غيره. فقد انقطعتْ عن تناول الأغذية الصلبة بعد أن بلغتْ المائة. كان ذلك, مم, منذ ثلاث سنوات."
داهمني الخَدَر. كنت قد افترضت أن السيدة كروفت في الثمانين من عمرها, علها كانت في التسعين. لم أعرف قط شخصاً عاش لما بعد قرن من الزمان. أمّا أن يكون هذا الشخص أرملة عاشت وحدها, فهي حقيقة خدّرتْ عقلي أكثر وأكثر. لقد دفع الترمل أمي إلى الجنون. عمل أبي ككاتب بمكتب البريد العام في كلكتا وقد وافته المنية من جراء التهاب في الدماغ عندما كنت في السادسة عشر. أبت أمي أن تتكيف مع الحياة دونه؛ وغاصت في أعماق عالم من الظلمات, فلم نستطع, لا أنا ولا أخي ولا مَن اهتم من الأقارب ولا عيادات الطب العقلي بجادة راش بيهاري أن ننقذها. كان أكثر ما أدمى قلبي أن أراها على هذا القدر من الغفلة, أن أسمعها تتجشأ بعد الوجبات أو تطلق ريحاً أمام الضيوف بلا أقل إحراج. بعد أن عاجل أبي الأجل, هجر أخي التعليم. ومن أجل أن يفي بلوازم البيت, أنشأ يعمل بمصنع غزل نبات الجوتة حتى انتهى به الأمر إلى إدارته. وهكذا كانت مهمتي أن أجلس جوار قدميّ أمي وأذاكر لدخول الامتحانات فيما كانت هي تعد وتكرر عد الأساور بذراعها وكأنها خرز لتعليم الأطفال العد. حاولنا أن نشملها بالرقابة. هامت مرة نصف عارية إلى محطة الترام قبل أن نتمكن من إرجاعها ثانية.
"أنا على استعداد لأن أدفئ حساء السيدة كروفت في الأمسيات," اقترحتُ. "لن يشق عليّ أبداً."
نظرتْ هيلين إلى ساعتها ثم نهضتْ وصبت ما تبقى من شايها في الحوض. "لو كنتُ مكانك, ما فعلتُ. فمثل هذا الفعل سيصيبها في مقتل."

عندما انصرفتْ هيلين ذاك المساء وأمسيت والسيدة كروفت بمفردنا مجدداً, بدأ القلق يتطرق إليّ. أما وقد علمتُ الآن أنها طاعنة في السن, اعتراني القلق من أن ينزل بها شيء في منتصف الليل أو عند خروجي أثناء النهار. فبرغم قوة صوتها وعلى ما تبدو عليه من غطرسة, كنت أعلم أن حتى الخدش أو الكحة بإمكانهما قتل إنسان في تلك السن؛ كنت أعلم أن كل يوم تحياه لهو بمثابة معجزة. لم يبد على هيلين الاكتراث. كانت تجيء وتروح جالبة الحساء للسيدة كروفت الأحد بعد الآخر.
انصرمت على هذا النحو الستة أسابيع بذلك الصيف. كنت آتي إلى البيت كل مساء, عقب انتهاء ساعات عملي بالمكتبة, لأمضي بضع دقائق على مقعد البيانو مع السيدة كروفت. وفي بعض الأمسيات كنت أقعد بجانبها بعد استغراقها في النوم بوقت طويل وما زالت الرهبة تغشاني لما قضته من سنوات عديدة على هذه الأرض. أحياناً ما كنت أحاول تصور العالم الذي وُلدتْ فيه عام 1866 – فنزع بي الخيال إلى عالم حفل بسيدات ترتدين تنورات سوداء طويلة وترددن الأحاديث المحتشمة بالردهة. حينما رنوت لحظتها إلى يديها بمفاصلهما المتورمة وهما مطويتان معاً في حجرها, ارتسمتا في مخيلتي ناعمتين نحيلتين تضربان على مفاتيح البيانو. كنت أهبط من حين لآخر إلى الطابق السفلي قبل أن أنام لأتأكد من أنها تجلس مستقيمة على المقعد أو أنها سالمة بحجرة نومها. وفي أيام الجمعة كنت أضع الإيجار بين يديها. كانت هذه الإيماءات البسيطة هي أقصى ما وسعني فعله من أجلها. فأنا لم أكن ابنها, وعدا تلك الدولارات الثمانية لم أدن لها بشيء.

تجهز جواز سفر مالا وتصريح إقامتها بنهاية شهر أغسطس. استلمتُ برقية بتفاصيل رحلتها؛ إذ خلا منزل أخي بكلكتا من الهاتف. كذلك تلقيت في تلك الفترة تقريباً خطاباً منها كتبتْه بعد أيام قليلة من افتراقنا. لم تبادرني بتحية رسمية؛ مخاطبتي باسمي المجرد افترضتْ حميمية لم نكن قد اكتشفناها بعد. تضمن بضعة سطور لا غير. "أكتب بالإنجليزية استعداداً للرحلة. لشد وحدتي هنا. هل الجو شديد البرودة هناك. هل يسقط الثلج. تحياتي, مالا."
لم تهتز مشاعري لكلماتها. فنحن لم نمض معاً سوى حفنة من الأيام. ومع ذلك فقد وصل بيننا رابط؛ لمدة ستة أسابيع ارتدت هي سواراً حديدياً بمعصمها ووضعتْ مسحوقاً قرمزياً على مفرق شعرها لتُعلم العالم بأنها عروس. خلال تلك الأسابيع الستة رنوت إلى مجيئها كرنوي إلى شهر آت أو فصل من الفصول – شيء حتمي ولكن لا معنى له حينذاك. لم أقض معها إلا أقل القليل من الوقت حتى إني لم أستطع استحضار وجهها بالكامل عندما تظهر لذاكرتي تفاصيله أحياناً.
بعد بضعة أيام من استلامي الخطاب, بينما كنت أسير إلى العمل في الصباح, علق بصري بسيدة هندية في جادة ماسيتشوسيتس। كانت تلبس ساري تنجر تقريباً نهايته الطليقة على الرصيف وتدفع عربة بها طفل. وإلى جانبها سارت سيدة أمريكية تمسك بسلسلة تنتهي إلى كلب صغير أسمر اللون. ثم ما هي إلا وقد جعل الكلب يطلق نباحه. شاهدتُ السيدة الهندية وقد دهاها الإجفال فتوقفتْ في طريقها بينما قفز الكلب قابضاً بأسنانه على طرف الساري. وبختْ الأمريكية الكلب وبدت وكأنما تعتذر ثم حثت الخطى بعيداً تاركة الهندية تعدل ساريها وتهدئ من روع طفلها الباكي. لم تبصرني في موقفي هناك وفي آخر الأمر واصلتْ المشي في سبيلها. أدركتُ صباحها أن مثل ذلك الحادث المؤسف سرعان ما سيندرج في إطار اهتماماتي. فقد كان واجباً عليّ أن أعتني بمالا, أن أرحب بها وأعمل على حمايتها. سوف يتوجب عليّ أن أبتاع لها أول حذاء للمشي فوق الثلج وأول معطف للشتاء. سوف يتوجب عليّ أن أطلعها على الطرق التي تتجنبها وعلى كيفية سير حركة المرور, أن أخبرها أن ترتدي الساري بما يحول دون أن تنجر النهاية الطليقة على الرصيف. تذكرتُ بشيء من السخط أن خمسة أميال فصلتْها عن والديها حمَلتها على الانتحاب.

كنت, على عكس مالا, قد ألفت كل شيء بحلول هذا الوقت: درَجتُ على رقائق الذرة واللبن وعلى زيارات هيلين وعلى الجلوس على المقعد مع السيدة كروفت. شيء وحيد لم أعتده, مالا. قمت رغم ذلك بما ينبغي عليّ فعله. قصدتُ مكتب الإسكان بالمعهد فوقعتُ على شقة مفروشة على بعد عدة مبان, بها سرير يتسع لفردين ومطبخ خاص وحمام, بأربعين دولاراً في الأسبوع. وفي الجمعة الأخيرة سلّمتُ إلى السيدة كروفت مظروفاً به ما يساوي ثمانية دولارات ثم أنزلتُ حقيبتي وأنهيت إليها أني سوف أنتقل. أودعتْ مفتاحي في محفظتها. كان آخر طلباتها أن أناولها العكاز المستند إلى المائدة حتى تستطيع أن تمشي إلى الباب لتغلقه ورائي. "إلى اللقاء إذن," قالت ثم انسحبتْ داخل المنزل. لم أتوقع أي توديع عاطفي لكن انتابتني خيبة أمل مع ذلك. لم أكن سوى ساكن, رجل دفع لها القليل من النقود ليدخل بيتها ويخرج منه لمدة ستة أسابيع. مقارنة بقرن من الزمان, كانت تلك الفترة طرفة عين.

تعرفتُ على مالا فوراً بالمطار. لم ينجر طرف ساريها الطليق على الأرض إنما تهدل على رأسها علامة على حياء العروس, بالضبط كتهدله على رأس أمي حتى يوم وفاة أبي. تكدس ذراعاها الرفيعان البنيان بالأساور الذهبية ورُسمتْ دائرة حمراء صغيرة على جبهتها وتخضبتْ أطراف قدميها بحنة حمراء مزخرفة. لم أطوقها بذراعيّّ أو ألثم وجنتها بقبلة أو أتناول يدها. بدلاً من هذا وذاك, سألتها بالبنغالية التي كنت أتكلمها للمرة الأولى في أمريكا ما إذا كانت جوعانة.
ساورها التردد ثم أومأتْ بالإيجاب.
قلت لها إني أعددت بالبيت بعض البيض بالكاري. "ماذا أعطوك لتأكليه بالطائرة؟"
"لم آكل شيئاً."
"كل تلك المسافة من كلكتا؟"
"كان بالقائمة حساء ذيل الثور."
"لكن مؤكد كانت هناك أنواع أخرى."
"فكرة أكل ذيل الثور أفقدتني شهيتي."
عندما صرنا إلى البيت, فتحتْ مالا واحدة من حقائبها وأهدتني كنزتين من الصوف الأزرق الزاهي شغلتْهما خلال فترة انفصالنا, واحدة برقبة على شكل حرف V والأخرى مكسوة بأربطة. قستهما فكانتا ضيقتين عند الإبطين. أحضرتْ لي أيضاً منامتين جديدتين سرواليهما برباطين وخطاباً من أخي وعلبة من الشاي المحلول زُرع ببلدة دارجيلينج. لم أجلب لها أية هدايا عدا البيض بالكاري. اتخذنا مجلسينا إلى مائدة عارية نحملق إلى طبقينا. أكلنا بأيدينا, شيء آخر لم أقم به في أمريكا.
"المنزل لطيف," قالت. "وكذا البيض بالكاري." قبضتْ يدها اليسرى على طرف الساري لِصق صدرها لئلا ينزلق عن رأسها.
"لا أعرف وصفات كثيرة."
أومأتْ برأسها وهي تنزع قشرة كل ثمرة بطاطس قبل تناولها. انزلق الساري ذات مرة نحو كتفيها فضبطتْه من فورها.
"لا داع لأن تغطي رأسك," قلت. "لا مانع عندي. فالأمر ليس مهماً هنا."
أبقت رأسها مغطاة على أية حال.
كنت في انتظار أن أعتاد عليها, على وجودها بجانبي وإلى مائدتي وعلى سريري, إلا أن أسبوعاً قد مر ولا زلنا غريبين. لم آلف بعد أن آتي إلى شقة تفوح منها رائحة الأرز المطهو على البخار, لم آلف نظافة حوض الحمام الدائمة وفرشاتا الأسنان تتمددان جنباً إلى جنب ولا قطعة الصابون ماركة بيرز الكامنة في صحن الصابون. لم أعتد شذا زيت جوز الهند الذي تدلك به فروة رأسها كل ليلتين أو ما بعثتْه أساورها من صوت رقيق وهي تتجول بالشقة. دائماً ما كانت تستيقظ قبلي كل صباح. عندما دلفتُ إلى المطبخ في الصباح الأول, كانت قد سخنت ما تبقى من طعام الأمس ووضعت طبقاً بحرفه ملء ملعقة ملح ظناً منها أني سأفطر أرزاً كعادة معظم الأزواج البنغاليين. قلت لها إن رقائق الذرة ستكفي. وفي الصباح التالي عندما دخلتُ المطبخ, كانت قد سكبت بالفعل رقائق الذرة بسلطانيتي. وفي صبيحة أحد الأيام سارت معي إلى معهد التكنولوجيا حيث طفت معها في جولة قصيرة بحرم المعهد. قبل أن أغادر إلى العمل في الصباح التالي, طلبتْ مني بضعة دولارات. تخليت عنها على مضض لكني كنت أعلم أن هذا أيضاً أصبح أمراً طبيعياً الآن. حينما عاودتُ إلى البيت من العمل, ألفيت مقشرة بطاطس بدرج المطبخ ومفرشاً يكسو المائدة ودجاجاً بالكاري على الموقد مطهواً بثوم وزنجبيل طازجين. طالعتُ الجريدة بعد العشاء فيما جلستْ مالا إلى مائدة المطبخ لتنسج لنفسها سترة بالمزيد من الصوف الأزرق أو لتخط الرسائل إلى أفراد عائلتها.
يوم الجمعة أبديت اقتراحاً بالخروج. حطت مالا شغل الإبرة واختفتْ في الحمام. ما أن ظهرتْ حتى عضني الندم على الاقتراح؛ فقد ارتدت سارياً حريرياً والمزيد من الأساور ولفت شعرها فوق رأسها بعد أن فرَقته فرقاً جانبياً أشبع غرورها. تهيأتْ كالماضية إلى حفلة أو على أقل تقدير إلى السينما غير أني لم أنو الذهاب إلى تلك المقاصد. ران على الأمسية جو منعش. تمشينا بحذاء عدة مبان بجادة ماسيتشوسيتس, نتطلع إلى نوافذ المطاعم والمحلات. ثم وبدون تفكير قدتها إلى الشارع الهادئ الذي سرت به وحدي في العديد من الليالي.
"هذا هو المكان الذي عشت فيه قبل حضورك," قلت متوقفاً عند سياج الأسلاك المتشابكة بمنزل السيدة كروفت.
"في مثل ذلك المنزل الكبير؟"
"كنتُ أسكن في غرفة صغيرة بالطابق العلوي بخلفية المنزل."
"مَن غيرك عاش هناك؟"
"سيدة عجوز للغاية."
"مع أسرتها؟"
"وحدها."
"لكن مَن يرعاها؟"
فتحتُ البوابة. "هي ترعى نفسها أغلب الوقت."
تُرى هل ستتذكرني السيدة كروفت؛ ألديها يا ترى ساكن جديد يجالسها كل مساء. عندما قرعتُ الجرس, توقعتُ الانتظار طويلاً كما حدث يوم لقائنا الأول عندما لم يكن معي مفتاح. إلا أن الباب انفتح هذه المرة في الحال تقريباً, فتحتْه هيلين. لم تكن السيدة كروفت جالسة على المقعد كما اختفى المقعد نفسه.
"أهلاً بك," رحبتْ هيلين في حين كشفتْ شفتاها الورديتان الزاهيتان عن ابتسامة موجهة لمالا. "أمي بالردهة. هل ستبقى لبرهة؟"
"كما تشائين يا سيدتي."
"إذاً أظنني سأسرع إلى المتجر إن لم يكن عندك مانع. حصل لها حادث بسيط ولا نستطيع أن نتركها بمفردها هذه الأيام ولا حتى دقيقة واحدة."
أغلقتُ الباب وراء هيلين ومشيت نحو الردهة. كانت السيدة كروفت ممددة على ظهرها وقد استراح رأسها على وسادة بلون الخوخ وانبسط لحاف أبيض رقيق على جسمها. كانت يداها مطويتين معاً على صدرها. عندما التقت عيناها بي, أشارت إلى الأريكة وأمرتني أن أقعد. اتخذتُ مكاني كما قالت إلا أن مالا اتجهتْ نحو البيانو بخطى متمهلة وجلستْ على المقعد الموضوع الآن في محله.
"كسرتُ وركي!" أعلنتْ السيدة كروفت وكأنها البارحة.
"ياه يا سيدتي."
"وقعتُ من على المقعد!"
"ألف سلامة يا سيدتي."
"جرى هذا في منتصف الليل! هل تعلم ما الذي فعلتُه يا ولد؟"
هززت رأسي.
"اتصلتُ بالشرطة!"
صوبتْ نظرات شاخصة تجاه السقف وابتسمتْ ابتسامة عريضة إنما رصينة تحسر عن صف مزدحم من الأسنان الرمادية الطويلة. "ماذا ستقول رداً على ذلك يا ولد؟"
على ما خامرني من ذهول, كنت أعلم ما عليّ ترديده. فصِحت بلا أدنى تردد, "مدهش!"
علت ضحكة مالا حينئذ. زخر صوتها بالطيبة وأشرقتْ عيناها بالسرور. لم يسبق لي البتة سماع ضحكتها من قبل, كانت عالية بما يكفي لأن تتناهى إلى السيدة كروفت أيضاً. فالتفتت إزاء مالا ترمقها بنظرات غضبى.
"مَن هذه يا ولد؟"
"إنها زوجتي يا سيدتي."
ضغطتْ السيدة كروفت رأسها على إحدى زوايا الوسادة لتحوز على رؤية أفضل. "هل تستطيعين العزف على البيانو؟"
"لا يا سيدتي," أجابتها مالا.
"إذن قفي!"
نهضتْ مالا على قدميها وهي تضبط طرف الساري فوق رأسها ممسكة به أمام صدرها, وللمرة الأولى منذ مجيئها داخلني التعاطف معها. اجتررت ذكريات أيامي الأولى بلندن, كيف تعلمتُ أن أركب المترو إلى شارع راسل سكوير, كيف ركبتُ السلالم الكهربائية للمرة الأولى. كنت عاجز عن إدراك أن الرجل عندما يصرخ "جرنان", كان يقصد "الجريدة," عجزتُ لمدة عام كامل عن أن أفك مغاليق مقولة الكمسري "احذر الفجوة" عند دخول القطار كل محطة. كما هو حالي, ارتحلتْ مالا بعيداً عن بيتها دون أن تعلم أين ستذهب أو ماذا ستلاقى من أجل سبب واحد وحيد هو أن تصير زوجتي. ورغم ما بدا بالفكرة من غرابة, علمتُ في قرارة نفسي أن موتها ذات يوم سوف يؤثر فيّ والأكثر غرابة علمي أن موتي سيؤثر فيها. وددت أن أشرح هذا بطريقة ما للسيدة كروفت التي لم تفتأ تدقق في مالا من قمة رأسها حتى أخمص قدميها بنظرات ندت عن عيون مزدرية ساكنة. تساءلتُ إن كانت السيدة كروفت قد رأت من قبل امرأة ترتدي ساري وترتسم نقطة على جبينها وتتكدس الأساور برسغيها. تُرى ما الذي ستعترض عليه. تساءلتُ إن كان بمقدورها أن تلحظ الحنة الحمراء التي لم تزل زاهية بقدميّ مالا اللتين لم يحجبهما سوى الطرف السفلي للساري. أخيراً صرحتْ السيدة كروفت بنفس الدرجة من الإنكار والابتهاج اللتين عرفتهما حق المعرفة:
"إنها سيدة كاملة!"
أنا الآن الذي ضحكت, إذ فرت مني ضحكة خافتة لم تصل للسيدة كروفت. بيد أنها نمت إلى مسامع مالا ولأول مرة تبادلنا النظرات وجرى الابتسام على ثغرينا.

يطيب لي أن أعتقد أن تلك اللحظة بردهة السيدة كروفت هي اللحظة التي أخذتْ فيها المسافة بيني وبين مالا تنحسر. ورغم أننا لم نكن غارقين في الحب بعد, يحلو لي أن أعد الشهور التالية نوعاً من شهر العسل. فقد استكشفنا المدينة معاً والتقينا بآخرين من البنغال ظل بعضهم أصدقاءنا حتى اليوم. اكتشفنا أن رجلاً يدعى بيل يبيع السمك الطازج بشارع بروسبيكت وأن متجراً بشارع هارفارد سكوير اسمه كاردولو يبيع أوراق نبات الغار وتابل كبش القرنفل. كنا نتمشى في الأمسيات حتى نهر تشارلز, نتفرج على المراكب الشراعية وهي تنجرف عبر المياه أو نتناول كيزان المثلجات بشارع هارفارد يارد. اشترينا آلة تصوير لنسجل حياتنا معاً فالتقت لها الصور وهي تتخذ وضعيتها أمام مبنى البرودينشل حتى ترسلها لوالديها. وفي الليل نتبادل القبلات الخجلة في البدء لكن ما نلبث أن نتجرأ فاكتشفنا المتعة والعزاء بين أحضان بعضنا. حكيت لها عن رحلتي على الإس إس روما وشارع فينسبيري بارك وبيت الشباب وما أنفقتُه من أمسيات على المقعد مع السيدة كروفت. عندما كنت أروي لها قصصاً عن أمي, كانت تشرع في البكاء. إلا أن مالا هي التي قدمتْ لي يد المواساة لمّا صادفتُ في إحدى الأمسيات بجريدة الجلوب نعي السيدة كروفت. لم تكن قد خطرتْ لي ببال منذ عدة أشهر – فبحلول ذلك الوقت كانت تلك الأسابيع الصيفية الستة بمثابة فترة فاصلة بعيدة محلها الماضي – بيد أني عندما علمتُ بنبأ رحيلها, اكتسحني شديد الذهول حتى إن مالا عندما رفعتْ عينيها عن شغل الإبرة, ألفتني أحدق في الجدار في حال عجزتُ معه عن الكلام. كانت السيدة كروفت أول مَن بكيت في أمريكا لأن حياتها كانت أول حياة أضمرتُ لها إكباراً؛ برحتْ أخيراً هذه الدنيا, هرمة ووحيدة, ولن تعاودها قط.
أما بالنسبة لحياتي, فأنا لم أشرد بعيداً. أقطن ومالا ببلدة تبعد عن بوسطن قرابة عشرين ميلاً, في شارع تصطف على جانبيه الأشجار شأنه شأن شارع السيدة كروفت, في منزل نمتلكه, به غرفة للضيوف وحديقة توفر علينا شراء الطماطم بالصيف. نلنا الآن الجنسية الأمريكية فأصبح بإمكاننا قبض الضمان الاجتماعي لمّا يحين أوانه. ومع أننا نزور كلكتا كل بضعة أعوام, فقد عزمنا على قضاء بقية حياتنا هنا. أعمل بمكتبة صغيرة في إحدى الكليات. رُزقنا ابناً يدْرس بجامعة هارفارد. لم تعد مالا تهدل طرف الساري على رأسها أو تنتحب ليلاً شوقاً لوالديها إلا أنها تبكي بين الحين والآخر لبعاد ابنها. وهكذا صرنا نقود السيارة حتى كامبردج لنعوده أو لنُحضره إلى البيت لإمضاء نهاية الأسبوع كي يتسنى له تناول الأرز معنا بيديه وتحدث البنغالية, عادات أحياناً ما نخشى ألا يفعلها بعد رحيلنا عن الدنيا.
متى نقوم بتلك الرحلة, أسلك على الدوام جادة ماسيتشوسيتس رغم زحام المرور। أتعرف بالكاد على المباني الآن, لكن في كل مرة أتواجد فيها هناك أستعيد على الفور تلك الأسابيع الستة وكأنها منذ بضعة أيام وحسب. أبطئ من سرعتي لأشير إلى شارع السيدة كروفت قائلاً لابني, هنا كان أول منزل أقمت به في أمريكا حيث عشت مع سيدة زاد عمرها عن المائة بثلاث سنوات. "أتذكر؟" سألتْ مالا مبتسمة وقد راودها ذهول لم أسلم منه أنا الآخر لمضي فترة من الفترات على الإطلاق كنا فيها غريبين. لطالما عبّر ابني عن دهشته, ليس لعمر السيدة كروفت إنما لقلة مبلغ الإيجار, وهي حقيقة لم يمكنه تصورها, تقريباً كما لم تستطع السيدة المولودة عام 1866 تخيل وجود علم على القمر. أقرأ في عينيّ ابني الطموح الذي قذف بي في البداية عبر العالم. سوف يتخرج خلال بضع سنوات ليشق طريقه الخاص وحيداً وبلا حماية. إلا أني أذكّر نفسي بأن له أباً لا يزال على قيد الحياة وأماً تنعم بالسعادة والقوة. وكلما تثبط الحياة همته, أخبره أن لو في وسعي البقاء على قيد الحياة بثلاث قارات, إذن فلا عقبات تستعصي على التذليل. بينما قضى رواد الفضاء, الأبطال على الدوام, مجرد ساعات على القمر, مكثتُ أنا في هذا العالم الجديد زهاء ثلاثين سنة. أعلم أن إنجازي عادي للغاية. فأنا لست الرجل الأوحد الذي نشد حظه بعيداً عن وطنه ولا مراء أني لست الأول. ومع ذلك تمر عليّ أوقات تتملكني فيها الحيرة لكل ميل ارتحلتُه ولكل وجبة تناولتُها ولكل شخص عرفتُه ولكل حجرة نمت فيها. وعلى رغم ما شاب حياتي من اعتيادية, ثمة أوقات أعجز فيها عن تخيلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موكيش: مغني هندي ولد عام 1923
* البايسا: عملة هندية
* بحر السكينة: إحدى البقاع الداكنة مترامية الأطراف على سطح القمر


" جومبا لاهيري " :

كاتبة أمريكية هندية الأصل ، ولدت في لندن في الحادي عشر من شهر يوليو من العام 1967 م ، ونشأت في ولاية " رود آيلند " الأمريكية ، حيث انتقلت عائلتها عندما كانت هي في الثالثة من عمرها ، وحاليا تعيش في نيويورك مع زوجها وطفليها ..
حصلت " جومبا " على عدد من درجات الماجستير من جامعة بوسطن ، وخلال سنوات دراستها في جامعتها عكفت على كتابة مجموعة من القصص القصيرة تتناول شؤون الحياة اليومية لمجموعة هنود مهاجرين أو هنود بشكل عام .. لها رواية " ترجمان الأوجاع " الحائزة على جائزة " بوليتزر للأدب عام 2000 م " ولها رواية بعنوان " السمي " وفي عام 2007م تحول إلى فيلم سينمائي أخرجته المخرجة الهندية " ميرا نير " ، وصدرت مجموعتها القصصية " أرض غير مألوفة " في عام 2008م ..


* القصة من مجموعتها القصصية " ترجمان الأوجاع " ، كان بودي نشر قصة جديدة لها غير المنشورة سابقا من المجموعة ، ولكن الشروط تحتم على عدم نشر أي مادة من مواد الكتاب ، والقصة أعلاه نشرت في مجلة البوتقة عام 2006م ..

الخميس، 1 أبريل 2010

أنا وساحر بانكوك


أنا وساحر بانكوك

مريم الساعدي

حسنا، لازلت لا أستوعب هذه الأمور. لم أذهب إليه بالطبع. كنت أتطلع فقط لذلك أحيانا من باب الفضول، لكن لم يحصل وأن فكرت بالذهاب فعلا. هو صادفني، كنت خارجه من المستشفى الأمريكي، هكذا نسميه هنا في الامارات، هناك في بانكوك يسمونه بومونغراد، أو شئ من هذا القبيل، تعودنا دوما تغيير الأسماء الصعبة لأخرى نستطيع نطقها، فهو مجرد اسم في النهاية، مجرد علامة. لذلك قد تجد في أهلنا من اسمه جراده، فراشه، حمامه، ضبابه، جربوع، ضب، عنبه، موزه، زيتون، الخ الخ الخ، يعني أي شئ يخطر ببال الواحد حين يُبشر بالمولود الجديد، الاسم مجرد علامة وعلى المعيل الانتقال للمرحلة التالية للتسمية، مرحلة ايجاد الكلأ والمرعى في صحراء قاحلة أيام البداوة والقحط- بالطبع الآن اختلف الوضع، صار وقت كافي لانتقاء الأسماء رغم ذلك قد تجد من يسمي ولده المسكين على اسم جده المستعجل في ذلك الحين- الإشكالية أن الاخرين لا يستوعبون هذه الفكرة، يظنون عدم اهتمامنا بنطق الأسماء الأجنبية بشكل صحيح نوع من التعالي أو الاستهزاء بكرامة الانسان وحقوقه الطبيعية بسبب الطفرة النفطية. حصل هذا معي مره، حين نطقت اسم الطالبة الألمانية في الفصل كيفما اتُفق، احمرت الطالبة البولندية، احمرت واصفرت، وأرغت وأزبدت، اتهمتني أو كادت باللاإنسانية واللاإحترامية واللااهتمامية واللاسامية، فقط لأني لم أبذل جهدا لنطق اسم رفيقتها الألمانية بشكل صحيح. واستغربت ردة فعلها لأنهن جميعا ينطق اسمي طوال الوقت "ميغيام"، وكأني نوع من أنواع البلغم الملوث بالسل، ولم أفكر يوما في الاحتجاج أو حتى عناء تصحيحه لهن ، لأنه بالنسبة لي مجرد اسم والعبرة بالنية وافترضت دوما أن النية سليمة والأهم الإنتقال للموضوع الذي من أجله نطقن اسمي بدل تضييع الوقت في تصحيح الإسم. عموما تكفلت الألمانية بالرد عني حين علقت بأنها لا تنطق اسمي بشكل صحيح أيضا، وهذا يجعلنا متعادلتان. أردت خلع حذائي وضرب البولندية على رأسها، ثم تراجعت، فأنا شخص حضاري رؤوف ومتمدن، ثم هي من بلد مسكين، يكافح إحساسه الخاص بالدونية.
حسنا، كنت أقول ماذا؟ آه نعم، المستشفى الأمريكي في بانكوك، لا أعرف لماذا اتفقنا ضمنيا على تسميته بالأمريكي. ربما لأنه نظيف ومرتب جدا، ويؤدي عمله بكل دقه وسرعة، وهكذا يجب أن تكون مواصفات من يحكم العالم. بغض النظر عن الواقع، وأضع تحت هذه العبارة خط لاؤكد أني أدرك أن النظرية شئ وأن الواقع ليس بالضروة نفس الشئ، حتى لا يهب في وجهي أعداء الامبريالية الرأسمالية البيزنطية. وهذا ليس تخوف سريالي، فعلا هناك أشخاص ينتقون من معنى الكلام أرذله ويقررون الرد عليه واقحامك فيما لا ناقة لك فيه ولا جمل ولا حتى صرصور. حصل الأمر مؤخرا، حين دخلت في نقاش حامي الوطيس - أدركت لاحقا أنه كذلك- مع كاتب عربي اتهم الشيطان الأكبر وحلفاءه بأنهم السبب في كل مآسي العرب، دون أن يشعر بأي حاجة للإشارة بإصبع الاتهام ولو إلى أي عربي واحد أي عربي على الإطلاق!.
في بانكوك، بانكوك هذه صارت وجهتنا الطبية، كل مرض يشخصه أطباؤنا يتم تشخيصه بالعكس في بانكوك. فكم من سرطانات اتضح أنها مجرد أكياس دهنيه وأنسجة ما، وكم من عمليات كانت ستقطع أعضاء الجسد اتضح أن العلاج في حبة دواء أو قطرة ماء. أو هذا ما يتداوله الناس.
اقترب الأخ الساحر وقال: أريد التحدث معك، قلت: نعم؟ وبعد كيت وكات قال: هناك امرأه ما ( طبعا، فتش عن المرأه) إمرأه، تكبدت عناء اختلاس خصلات من شعري ولفها في شئ ما ودفنها في ليلة ظلماء في إحدى المقابر..ايييه االلهم عافنا، تبدو الحكاية مرعبة وأنا أكتبها الآن، كنت أستخف به في حينها!!
المهم هي تريد أن تؤذيني ومن المفترض أن يقوم عملها ذاك بهذه المهمة. يعني آلام في الجسد هنا وهناك، كسل، خمول ( آه الأن فهمت سر كسلي الأزلي، أنا مسحوره، لست كسولة ، ياما في الكسل مظاليم!). أخبرني أيضا أني سأعيش طويلا، لما يقارب الثمانين عاما أو أكثر. جعلني هذا أسترخي، أستطيع كتابة روايتي لاحقا. كتب باولو كويلهو روايته الرائعه "الخيميائي " بعد الأربعين، فرانك ماكوورت كتب تحفته "رماد أنجيلا" بعد الستين. أمامي ، أكثر من أربعين عاما.
أعطاني مواصفات هذه الحقودة الغادرة، ثم تحت إلحاحي أعطاني حرف إسمها الأول، ثم بعد مداولات ومناوشات ووعود بالكتمان قوية، أعطاني اسمها.
اها، لا أعرف غيرها بهذا الاسم.
ويبدو هذا الفعل لائق بها. لطالما أبدت مؤشرات. الآن، أسترجع الشريط بيننا من البداية في ذاكرتي، يبدو هذا الفعل المشين نتيجة طبيعية لمعطيات العلاقة القائمة على الصراحة والمواجهة من طرفي وعلى الصمت والتمسكن البارد من طرفها.
طلب مني وعدا ألا أخبر أحدا. بالطبع أعطيته إياه مع بعض العملة التايلندية.
أخبرت أمي، والأسره، والصديقات، وبعض الأصدقاء على المسنجر.
حسنا، أردت الاستئناس بآرائهم.
الأسره: لم يأخذ أحد الأمر على محمل الجد، ما يفسر ربما وقوعهم جميعا تحت مفعول السحر المخدر للحواس . الصديقات: البعض أشار إلي اللجوء لمشايخ الدين، والبعض أصر أن ألجأ لساحر لفك السحر، فما يفل الحديد إلا الحديد. أصدقاء المسنجر: وجدوها حكاية مسلية فيما يبدو، وفرصه للتقرب للجانب الإنساني مني، الجانب الخرافي الجبان.
حسنا الآن، كيف علي التصرف؟
صرت أفتح التلفزيون على إحدى قنوات القرآن وأنا نائمة، يظل القرآن يصدح في الغرفة فأشعر بالاطمئنان وأنام، اكتشفت لاحقا أن القناة تتحول إلى الموسيقى بعد فترة من الوقت!!. يال الهول!!
لم يمض كثير وقت حتى نسيت الموضوع.
وفي الحقيقة نشرته على الملئ استهزاءا به. وصار موضوع تندر عام " انتبهي قد تحولك إلى ضفدعه" قالت أختي، "لا بأس، إن كان سيأتي أمير وسيم لانقاذي" ، أمير ينقذ ضفدعه!، لازالت فسحة الأمل في اتساع مضطرد.
لكن حصلت أشياء لاحقا جعلتني أستعيد التفكير فيه وأخذه بجدية أكبر.
السرير يهتز فجأه وأنا نائمة لأستيقظ مفزوعة وأتحول إلى دجاجة منتوفة الريش من شدة الخوف. أتسلل لأنام في غرفة أختى الصغرى، على الأرض لضيق سريرها. بلا لحاف، فقط غطاء رأس أحاول أن أجعله يتسع لكل المساحة المهولة من أخمص القدم إلى قمة الرأس. لو كنا أفغانيات لكان التشادور مفيد جدا في هذه الحالة. حتما حماهن من مخاوف كثيرة، وأفكر أن غطاء المرأه يتسع كلما اتسعت مخاوفها!
وأيضا من العلامات الأخرى لمفعول السحر، مشاكل المعدة والجهاز الهضمي. أخبرني هو بذلك ، الساحر، أقصد عالم الفلك كما أسمى نفسه. أنا أسميته ساحر، لأنها كلمة واحدة فقط. بالطبع يمكن أن أسميه فلكي، ولكن أخشى أن تسقط اللام عند الطباعة والنشر وتصير فكّي فيضيع المعنى. من المؤسف أن معاني كثيره كبيرة قد ضاعت دوما بسبب أخطاء مطبعية صغيرة. عموما، كنت أعاني من اضطرابات الجهاز الهضمي مؤخرا، أرجعتها دوما لتخبيصي في الأكل، بيتزا بعد وجبات الريجيم الثلاث المفترض توزيعهن على مدار اليوم، لكن لضيق الوقت، واتساع البطن، يتحولن لوجبه واحده. ثم مشروبات غازيه ، بيبسي، كوكا كولا، ميرندا حمرا، أحببت دوما الميرندا الحمرا والفيمتو وعصير الرمان والبطيخ وكل شئ أحمر، ثم ميرندا برتقالية، قطعة حلوى، كعك ربما، حبات شوكلاته متلاحقه، ثم مكسرات مالحه بعد الحلو، طبعا! فأنا أكتب, والكاتب شخص عصابي، شخص يجب أن يتوتر في كل شئ، ويدخن بشراهه، وبما أنني لا أدخن، كان يجب أن أفعل شئ آخر بشراهة، الشراهة هي دليل التوتر، التوتر دليل التفكير، التفكير دليل الكتابة، الكتابة دليل الحياة. حسنا، كل واقع آخر محض خرافة.
الآن كل شئ أبتلعه يأتيني قافلا ، عائدا أدراجه من حيث دخل، لتصيبني حموضه وإحساس بحرقان في القلب. أحرق الله قلب كل ساحر ومن يلجأ إليه. قولوا آمين.
قلتم؟ أفترض ذلك. لن يضيركم لو فعلتم. حتى أولئك الظانين أنه محض هراء، قولوا آمين. بالمجان!.
حسنا، لم أستطع النوم في غرفة أختي. تصر على تشغيل المكيف، وأنا لا أحبه. أشعر بأني دجاجة في ثلاجة. يعني دجاجة خارج الثلاجة لا بأس. لكن مجمده؟ يصير الأمر .. مهين للغاية. كرهت دوما فكرة الاستلقاء بعجز، لذلك لم أذهب لمستشفى قط، أن تتمدد على سرير ما ومن المفترض أن لا تتحرك لأن أحد آخر أعلم منك عليه العبث بجسدك ليعرف علته. هزلت! ، أبدا، لن أستسلم مثل عنز استراليه في اتجاهها للمسلخ.
معروف عن الغنم الاستراليات استسلامهن لسكين الذبح. لذلك نحن أبدا لا نأكل لحمهن. أنا لم أر هذا الأمر بنفسي، لكن أمي أخبرتني التفاصيل، هي تحب شراء ذبائح العيد والمناسبات واللامناسبات بنفسها، تنتقي الأصايل، بنات القبايل، العربيات، أولئك النحيفات المليئات بالشعر دون اللحم، الملتصق عظامهن بجلدهن، دليل حسن الحسب والنسب والمجاعة. بعكس الأجنبيات المربرات المتغذيات على أطايب الأعشاب الخضراء الريانة، الجميلات مظهرا الفاسدات مخبرا.
قالت أمي " تساق الغنمة منهن، بكل هدوء، بل وتتقدم هي السائق لتسبقه إلى المذبح، يستلمها القصاب، وتتمدد من نفسها بكل أدب ورشاقة، تستلقي على أرضية المذبح، وكأنها سائحة تتشمس على شاطئ بحر، تعدل من وضع رقبتها، لتناسب وضعية السكين، وتُذبح بكل حضاره".!
فيما تكون العنزة العربية لا تزال ترفس وتركل وتقاوم مثل محارب شرس، عند مدخل المذبح.
لا يرضى الأصيل بالضيم. لذلك لا يدخل اللحم الاسترالي بيتنا. فنحن من أنصار الكرامة!

وها أنا مجددا ، في خضم كل الحكايات، أنسى أصل الحكاية.
حكاية السحر والساحر .. والنفوس المريضة ووجوب التحصن والاستعداد للمواجهة . أشعر بالتعب وبالرغبة في النوم وليمسخوني سحلية لو يشاؤون.
أتجه إلى الثلاجة ، أشرب دواء الحموضة، أسقط على الأريكة، أنام من الإعياء، مثل جندي احتياط عاد جريحا من حرب لم يشترك فيها و لم تعد كل الحروب تعني له أي شئ. أي شئ البتة.
أعتقد أني في الأصل غنمة استرالية!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مريم الساعدي :

قاصة من الإمارات ، لها مجموعتان قصصيتان هما :
( مريم والحظ السعيد ) الصادرة عن هيئة أبوظبي للثقافة ، ضمن مشروع " قلم " .
( أبدو ذكية ) الصادرة عن دار العالم العربي بدعم من مؤسسة محمد بن راشدآل مكتوم ضمن مشروع " أكتب " .

الأحد، 28 فبراير 2010

أعراس وقطع رأس


أعراس وقطع رأس

حنيف قريشي/ترجمة: رولا فتال عبيد

جمعت معداتي وهاأناذا بانتظارهم. لن يتأخروا، فهم لا يتأخرون.
أنت لا تعرفني شخصياً. وجودي لم يخطر على بالك .لكني أراهن أنك قد رأيت عملي من قبل أو بعضه على أقل تقدير، لقد تم بثه في أنحاء العالم وعلى معظم القنوات الإخبارية . بإمكانك أن تجده الآن على الإنترنت إذا أردت ذلك وإن كنت تستطيع احتمال النظر إليه.
لا تتوقع أن تلاحظ أسلوبي أو بصمتي الفنية أو شيئاً ما من هذا القبيل فأنا أصور رؤساً مقطوعة وهذا شيء عادي في هذه المدينة التي دمرتها الحرب، مرتع طفولتي.
كشاب عاشق للسينما، لم يكن طموحي في يوم من الأيام تصوير أشياء كهذه.كما لم تكن من أمنياتي أيضاً أن أصور أعراساً رغم ندرتها هذه الأيام حالها حال احتفالات التخرج والحفلات .لطالما تمنيت أنا وأصدقائي أن نصنع أفلاماً حقيقية، بممثلين من لحم ودم وحوار ونكت وموسيقا كما كنا نفعل ونحن طلبة. الآن لم يعد أي شيء من ذلك ممكناً.
كل يوم نكبر فيه نشعر بأننا نستهلك. نحن فنانون قبل كل شيء والحكايات لا تزال هناك بانتظار أن تروى. لكن (صناعة الموت) طغت على كل شيء.
لقد وقع علينا الاختيار لنقوم بتلك الوظيفة، وليس بإمكاننا سوى القبول، لا نستطيع الادعاء بأننا نقوم بزيارة لأقربائنا أو بأننا نعمل في غرفة المونتاج. بإشارة عاجلة يطلبوننا وفي ساعات مختلفة، عادةً ما تكون في الليل، دقائق قليلة وبعدها يكونون في الخارج ومعهم أسلحتهم يضعوننا في سياراتهم ويغطون رؤوسنا.لاوبما أنه لا يوحد سوى واحد منا يعمل في مثل هذا الوقت، فإن السفاحين يساعدوننا في حمل المعدات. وبما أنه يجب علينا أن نضبط الصوت والصورة وأن نشغل الكاميرا ونقوم بتحضير إضاءة المشهد، فقد طلبت منهم أن يحضر معي أحد المساعدين، فما كان منهم إلا قدموا شركائهم السفاحين الغلظاء ولم يكن لديهم أدنى فكرة عن أي شيء ولا يستطيع مسح عدسة دون أن إحداث مشكلة.
أعرف ثلاثة أشخاص آخرين يقومون بنفس المهمة.ونحن نناقش ذلك فيما بيننا ولكن لايمكن أن يخطر على بالنا أن نتحدث بهذا الأمر لأي شخص آخر وإلا فسوف تزهق أرواحنا أمام الكاميرا .
حتى وقت قريب صور أقرب صديق لي رؤساً مقطوعة رغم أنه ليس بمخرج فهو مجرد كاتب، صدقوني. ليس لدي أي تعليق عليه غير أنني لا أثق به وبيده الكاميرا. فهو ليس متمكناً من طريقة عمل تلك المعدات. ككيفية وضعها وتشغيلها ثم بعد ذلك إدخال المواد المصورة إلى الكمبيوتر ومنها إلى الانترنيت. إنها مهارة بكل وضوح.
كان هو من أتى بفكرة ابتكار بطاقات تعارف كتب عليها " أعراس وقطع راس ". عندما توجد الكهرباء، فإننا نلتقي في شقته لمشاهدة أفلام الفيديو. وعندما نفترق يقول لنا مازحاً " لاتدفن رأسك في الرمل يا صديقي. لا تفقد رأسك الآن. ارفع ذقنك!"
من عدة أسابيع مضت بدا عليه الاضطراب الشديد. فعلى الرغم من أن الكاميرات التي تم الاستيلاء عليها من الصحفيين الأجانب كانت من نوعية جيدة إلا أنه وهو يقوم بإضاءة المشهد احترقت إحدى اللمبات في الكشاف الوحيد الذي كان لديه ولم يستطع استبدالها بأخرى، في هذه الأثناء تم إحضار الضحية. صديقي حاول ابلاغ الرجال "العتمة شديدة ولن تظهر الصورة وبالتالي فلن يكون بإمكانكم أن تعيدوا اللقطة مرة أخرى" ولكنه لم يفلح في حثهم على الانتظار، كانوا على عجلة من أمرهم و قد بدؤا يقطعون الرقبة. من شدة ذعره أغمي عليه ولحسن الحظ كانت الكاميرا تعمل فظهرت اللقطة لكن بإضاءة ضعيفة طبعاً، فماذا كانوا يتوقعون ؟! أعجبتني أسميتها لينتشيان.أما هم فقد انهالوا عليه بالضرب عند الرأس المقطوع ولم يطلبوه مرة أخرى بعد ذلك.
كان محظوظاً. ولكن أتراه سيجن، فقد قام في السر بالاحتفاظ بنسخ من صور الرؤس المقطوعة والآن يلعب بهم على الكمبيوتر، يقطعهم ويعيد منتجتهم مرة أخرى، يجعلهم يتراقصون على موسيقى الأوبرا، الجاز أو الأغاني الكوميدية. يبدو انها الطريقة الوحيدة التي يستطيع أن يمارس بها حريته.
قد تندهش لو علمت أننا نتقاضى أجوراً، يعطوننا دوماً شيئاً يسمى "بدل أتعاب" وقد تندهش أيضاً لوعلمت أنهم يلقون بالنكت كأن يقولوا مثلاً "سوف تحصلون على جائزة في المرة القادمة. يا الشباب ألا تحبون الجوائز والتماثيل وأشياء كهذه؟
مهمة كريهة، الطريق الطويل إلى هناك وأنت تحمل الكاميرا والحامل على حجرك، رائحة الحقيبة، الأسلحة، وتتسائل إن كنت أنت الضحية هذه المرة. عادة تقطع الطريق وأنت تشعر بالغثيان ثم تجد نفسك في المبنى ثم في الغرفة، تعد الأجهزة وتسمع أشياء من غرف أخرى تجعلك تتسائل إذا كانت فكرة الوجود على الأرض فكرة جيدة.
أعرف أنك لا تريد تفاصيل كثيرة ولكن القيام بقطع رأس أحد الأشخاص عمل بمنتهى الخطورة إذا لم تكن جزاراً.وهؤلاء الشباب ليسوا مؤهلين لذلك إنهم فقط متحمسون، هذا ما يحبون القيام به. حتى تأخذ لقطة جيدة فمن الأفضل أن تنظر بشكل مباشر في عيني الضحية قبل أن يتم تغطيتهما. في النهاية يحمل الشباب الرأس المقطوع والدماء تنفر منه وهنا ربما تحتاج لأن تستخدم كاميرا محمولة حتى تستطيع التقاط كل شيء. عليك أن تضبط المشهد ضمن الكادر بعناية فائقة فليس من صالحك أن يضيع منك أي تفصيل ( في الواقع يجب أن يكون لديك حامل يتحرك رأسه بحرية وسرعة وهذا شيء أمتلكه ولن أعيره أبداً لأحد).
يحتفلون ويطلقون الرصاص في الهواء أثناء قيامك بإعادة الشريط لإلقاء النظر عليه. بعد ذلك يضعون الجسد في كيس ويلقون به في مكان ما قبل أن يأخذوك بالسيارة إلى مكان آخر حيث ستقوم بإدخال هذه المواد في الكمبيوتر ومن ثم بثها.
كثيراً ما أتسائل عن وقع كل ذلك علي. أفكر بمصوري الحرب الذين يقولون إنهم لينئوا بأنفسهم عن الواقع المؤلم والموت نحن أبرياء. لكن هؤلاء الشباب اختاروا أن يقوموا بهذا العمل لأنهم يؤمنون به.
يوماً ما أحب ان أصنع فيلماً حقيقياً ربما سيبدأ بقطع رأس يحكي الحكاية التي تقود لذلك. إنها الحياة التي تثير اهتمامي. أما الأشياء التي أقوم بها الآن فستستمر لبعض الوقت. بعض الأحيان أتساءل إن كنت سأصاب بالجنون، أم أنني لن أحظى بهذا أيضاً.
من الأفضل لي أن أذهب الآن। هناك أحد ما أمام الباب.


*كتب حنيف قريشي قصة "أعراس وقطع رأس" عام 2006 وحوِّلت إلى فيلم قصير من إنتاج القناة الرابعة في بريطانيا। وفي عام 2007 حصلت على الجائزة الوطنية للقصة القصيرة التي تقيمها البي بي سي।
المترجمة كاتبة ومخرجة مسرحية من سورية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حنيف قريشي :

ينتمي حنيف قريشي إلى عائلة من المهاجرين الباكستانيين. ولد في 1954، في مقاطعة «كنت» جنوبي إنكلترا لأب باكستاني وأم إنكليزية. درس الفلسفة في جامعة لندن. بدأ الكتابة وهو لا يزال في سن المراهقة. كتب سيناريوات أفلام ومسرحيات وقصصاً قصيرة، هذ فضلاً عن الرواية. عرف الشهرة باكراً بعدما رُشِّح فيلم «مغسلتي الجميلة» في العام 1984 لجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو، وكتبه قريشي. كذلك، نال فيلم «الحميمية» المأخوذ عن رواية بالاسم ذاته له، جائزة «الدب الذهبي» في مهرجان برلين. وعلى رغم إصداره روايات منها: «الألبوم الأسود»، «الجسد»، و «هدية غابرييل» وسواها، إلاّ أن الرواية التي نالت الشهرة والرواج، أكثر من غيرها، هي «بوذا الضواحي» 1990، وفيها يتحدث عن أحوال المهاجرين، وعن الهوية، والتعددية الثقافية، وبدت الرواية توثيقاً لتجربة شخصية. ترجمت أعماله، التي تصدر عادة عن دار «فابر آند فابر» إلى اللغة العربية وكان لدار «ورد» السورية الدور الأبرز في هذا المجال.

الجمعة، 29 يناير 2010

الرابحة


الرابحة

عزة رشاد

وحدك لم تتغيري "أيتها الماكرة"، بينما أكلتنا الكهولة، سعاد سمنت وترهل جسمها بعد أن امتلأت بطنها وأفرغت حمولتها أربع مرات، نصفهم أولاد ونصفهم بنات، هذا بخلاف آلام الظهر والمفاصل التي اقتنصت ضحكتها القديمة المميزة، أما هند فعودها النحيل لم يتغير لكن الهموم والتجاعيد تجعل من يراها يعطيها عشر سنوات فوق عمرها، وأنا، والحمدلله على كل شيء، أخذت بعضاً من هند وبعضاً من سعاد، فالمرء على دين خليله كما تعلمين।

أنتِ الوحيدة التي مازلتِ جميلة وشابة، بشعرك الأسود الطويل تعقدينه "ذيل الحصان" بشريط وردي، وعينيك الواسعتين المندهشتين، وساقيك الطويلتين المنفلتتين من تحت المريول الكاكي، كما شهدتك ساحة المدرسة، وأنتِ لم تبلغي بعد عامك السادس...
ستة أكف متشابكة في أغنية البنات الطفولية:
إحنا التلاتة.......... سكر نباتة
تظهرين أمامنا وحيدة ومرتبكة، في أول يوم لك بالمدرسة، تدورين حول نفسك:
دوخيني يا لمونة دوخيني...
أفك تشابك يدي من يد سعاد وتلتقط كل منا إحدى كفيك الصغيرتين ونعدل غنوتنا:
إحنا الأربعة أجمل أربعة

نقطع عود العسلية إلى أربع قطع متساوية، ونقسم حبات الحرنكش على أربعة، ونمرر الدومة المعسلة علينا، كل واحدة قضمة، ونفرش فوق حصى الحوش وشاح هند لنعمل غديوة في فسحة المدرسة بتشاركنا سندوتشات الجبن القريش والحلبة المحوجة والبطاطس المحمرة والحلاوة الطحينية.
لكننا، بعد فترة قصيرة، سنقذفك بنفس الحصى ونجرسك بالصياح
يا فاطرة رمضانيا خاسرة دينك
كلبتنا السودة هتقطع مصارينك

حدث هذا بعد أن ضبطتك هند تقضمين الرغيف الساخن وهو خارج من الفرن قبيل المغرب في أول يوم بحياتنا، نصومه كاملاً احتجاجا على اتهام الكبار لنا "أبناء أولى ابتدائي" بالضعف وقلة الاحتمال تجاه البأس الذي يحتاجه صوم الشهر الكريم.
تثورين على اتهامنا وتبررين فعلتك الجبارة بعبارة خرجت من فمك صادقة تماما، فأخمدت ثورتنا، لكنها جعلت أمي تنحني من الضحك والعجب حينما ذكرتها لها:
ـ أنا ذقته. بس مابلعتهوش
تثورين على سخريتنا وتتعاين على لعبتنا وغنوتنا وتفكين كفيك وتبتعدين. تدورين في خيلائك البعيد وفي الوسعاية الممتدة تحت البيت:
دوخيني يا لمونة دوخيني....
وتدارين تقصيرك في حفظ القرآن في كتّاب الشيخ إبراهيم بعبارة تفسطنا من الضحك وتكف يده عنك:
ـ الذنب مش ذنبي। ده ذنب مخي. هوة اللي مابيعرفش يحفظ.

نداري ضحكاتنا في ثنايا أكمامنا "كنا صغاراً وليغفر المولى لنا ولكِ"، بينما ينظر الشيخ إبراهيم لبراءة وجهكِ حائراً وعاجزا عن التصرف، وعصاه المرفوعة في وجهك ترتد إلى جانبه، ويده التي ضربت كل من أخطأت في كلمة أو حتى حرف واحد تنجحين في جعلها تقتصر عنك أيتها الماكرة. الشيخ إبراهيم الذي تجهم وجهه ولم يستطع أن يأخذ منك حقاً ولا باطلاً لن يسعفه لسانه قبيل انتهاء الدرس سوى بالصياح بعبارة واحدة:
ـ اللي مخه مابيعرفش يحفظ ما يورينيش وشه تاني.

ورحنا نكبر ويكبر معكِ عنادك، فتناكفين أبلة وداد مدرسة الفيزياء:
ـ مابأحبش الفيزياء. غصب عني
تنظر لكِ مندهشة وهي تفكر بعبارتك عاجزة عن الرد إلا بعد برهة طويلة وتدهشنا بصوتها المنخفض وغير الحاسم:
ـ مفيش في المدرسة حاجة اسمها بأحب وما بأحبش.
تربحين هذه الجولة أيضاً بمفاجأة غرمائك وإرباكهم فيعجزون عن النيل منك.
تسألك سعاد:
ـ مابتحبيش الفيزيا! طب بتحبي إيه؟
كان حلم سعاد تصبح طبيبة تداوي المرضى فيمطرونها بالأدعية الطيبة، وكان حلم هند أن تصبح معلمة تربي النشء على السلوك القويم، وكان حلمي أن أصبح داعية لدين الحق، يصل صوتي إلى كل حدب وصوب.
ـ وأنتِ؟
ـ نفسي أبقى.....

ـ نفسي أبقى.....
ـ ها؟
بعد أن تطلّعي روحنا تفاجئينا، وأنت تميلين فوق الجسر يمينا وياسرا، بتلك الإجابة العجيبة التي تميتنا من الضحك
ـ نفسي أبقى عروسة النيل
إجابة متعجلة أسعفتك بها رؤيتك للماء يجري تحت الجسر أم كان إلهاما من المولى عز وجل؟
ـ ومين قالك يا اختي إن النيل ناقصه عرايس!!
تغضبين من سخريتنا قليلاً ثم تتحينين الفرصة لمصالحتنا في اليوم التالي، لكن كله كوم وحكايتك مع أبلة رقية، مدرسة الثانوي، كوم:
ـ الجونلة دي لازم تطول شوية. حطي ف عينك حصوة ملح!
وفيما تلتف عيوننا حول ساقيك الممشوقتين تفاجئيننا بدوي حنجرتك المنفلت:
ـ الملح خلص من زمان. أعملك إيه؟
سعاد، التقية منذ طفولتها، عندما لاحظت نمو نهديها غطت جسدها كله بالعباءة الفضفاضة، وهند التي كان شعرها أجمل ما فيها غطته بخمار طويل، وأنا الغيورة على ديني راعيت أن أكون قدوة للأخريات فرفضت لبس البنطال والثياب القصيرة وحافظت على حجابي وهو لم يجب عليّ بعد، فيما أنتِ مستمتعة بهدهدة ذراعيكِ المكشوفتين :
ـ اللهم دمها نعمة واحفظها من الزوال.
أتأمل ذراعيك المكتنزتين البديعتين ثم ألتفت مبتعدة بعيني عنهما وأستغفر الله عنكِ وعني।

وتحتملين، في ذلك اليوم، من عصا أبلة رقية عشر ضربات، خمس على كل كف، دون أن تنزل دمعة من عينك، ثم تلوميننا في المرواح لأننا لم نقف معكِ ضدها، هذا لأنكِ لن تلاحظي الغضب الذي منحته عبارتك المستخفة لعينيها، لم تلاحظي انتفاضة عضلات وجهها وكم التوتر الذي عانته بسببك، أنتِ، الشريك المخالف كما كان يحلو لها أن تصفك مفسرة سلوكك المدهش بالرغبة التافهة في لفت الأنظار ليس إلا.
حكاية العصي العشر كانت ستصبح الموضوع الأكثر ذيوعاً بالمدرسة لعدة أيام تالية لولا أن غطت عليها حكايتك الأخرى.. عندما ركلتِ شاباً، كان متزعماً زميليه في معاكستنا في الطريق بسبب جونلتك القصيرة، ركلته ركلة أسفل بطنه جعلته يتلوى ويصرخ متألماً فيضطر زميليه لنقله للمستشفى ويغدو حديث البلدة كلها هو توبة الشبان عن معاكسة البنات بفضل البنت ذات الساقين الطويلتين وتربحين هذه المرة أيضاً، بفضل رب العباد الذي ينقذك كل مرة وبدلاً من أن تدركي خطورة بدعك ومغامراتك تسخرين من نصائحنا عن أمان البنت بالالتزام واجتناب الشبهات، وتتمادين في خرقك لكل مألوف فيزداد ترجيحي بصحة تصور أبلة رقية عن ولعك بلفت الأنظار الذي تؤكدينه بردك المستهتر عندما نحذرك من عاقبة سفورك وتبرجك:
ـ اللي يبان مني.. زكاة عني
عبارة لو قالتها غيرك لاستحقت في نظري القتل، غير أن الجيرة وصداقة الأهل وزمالة الفصل، وربما أسباباً أخرى، تجعلني أتمتم بالاستغفار لي ولكِ.

لكن الذنب هو ذنب الأبلة "شادية" موجهة الفنون التي حضرت معنا حفل المدرسة الثانوية..
أعددت نفسي لتلاوة آيات من الذكر الحكيم كافتتاحية للحفل، كما جمعت سعاد بعض الحكم والمواعظ ونبذة عن الإسعافات الأولية وتطوعت هند بعمل السندوتشات والكيك والشاي..
ـ وأنتِ؟
ـ مش عاملة حاجة
ثم تفاجئينا قبل نهاية الحفل، عندما أخذ الولد تامر، أخو زميلتنا هالة، يعزف على الأوكورديون، تفاجئينا بتلك الخطوات البهلوانية التي سايرت إيقاع الأوكورديون بشكل أثار بهجة أبلة شادية فقفزت نحوك مصفقة ومهللة، وراحت تلوم مديرة المدرسة:
ـ معقول تهملوا المواهب الأصيلة دي!؟
ينشال أبوكِ وينهبد : فرقة فنون شعبية؟ عايزة تبقي رقاصة يا بنت الحاج علي؟
تلوي سعاد شفتيها بأسى: يخلق من ضهر العالم فاسد !
تقفين على أطراف أصابعك وتدورين بطول الصالة وعرضها، تحسبين والدتك الطيبة ستقتنع بموهبتك المزعومة وتدعم موقفك أمام أبيك الحاج علي:
ـ موهبة إيه! وزفت إيه! عايزة تفضحينا في البلد؟
ترقيكِ والدتك وتدور تبخر البيت من الفجر حتى الضحى كى يبتعد عنه الشيطان الرجيم؟
أتذكر عبارة أبلة رقية، فأهمس لأبيك ألا يضخم الأمر كي لا تتشبثي به أكثر، باعتبارك الشريك المخالف، لكن أباك يعود ويلومنا مؤكدا أن موقفه غير الحاسم زادك ولعاً وتمسكاً بمبتغاكِ اللعين।

لم يهدأ للحاج علي بال حتى ذهب بنفسه إلى المدرسة ووبخ المديرة على الفكرة المبتدعة كما سمعنا أنه ذهب في ذلك حد تهديدها بتحرير محضر شرطة ضدها إذا لم تسحب اسمك من فرقة الفنون.
أما أنتِ فقد رفضتِ نصحنا وسخرتِ من تحذيراتنا:
ـ عايزة تعرضي جسمك للناس؟
ـ البنات بفرق الفنون والرقص عمرهم ما يوردوا على جنة
تصيحين بغيظ:
ـ إيش عرفك؟ خطفتي رجلك لغاية هناك وشفتي مين في الجنة؟ ومين في النار؟
نستغفر الله عنك ونتضرع له أن يغفر لكِ وأن يهديكي سواء السبيل.
لا أعرف كيف سارت الأمور بينك وبين الحاج علي، غير أن إذعانك للأمر الواقع كان جلياً في انكسارك واقتصارك عنا. نصلي وندعو لكِ بالهداية والغفران
ـ خليكم في حالكم أحسن
كل ما قلتيه وما فعلتيه لم ينجح في جعلنا نتخلى عنكِ، ولم يزعزع إصرارنا على هدايتك قط.
احنا الأربعة أجمل أربعة

غير أنني كنت، وليغفر المولى لي ولكِ، راغبة في قتلك عندما وشت بك خادمة سعاد..
ما الذي في الولد تامر، الذي يلبس قمصانا مزركشة ولا يبين بصوته هيبة الرجال، ما الذي فيه أو في غيره، يغريكي بارتكاب المعاصي!؟
ـ كنا بنتمشى ونتكلم عادي
ـ عادي!!! استغفري الله.
خفنا عليكِ، على رأس الحاج علي الذي تصرين على وضعه في الطين بدمٍ بارد، فاشتعلت عزائمنا على هدايتك... مهما كلفنا الأمر.
التقيناكِ قرب رأس الجسر....
كلمة من سعاد وصيحة من هند وتحذير مني، وأنت تتلقين سياطنا بوجه متجهم وتكتمين الكلمات داخلك، فقط، حسب ما تذكرت فيما بعد، كنتِ تسعين لانهاء الكلام بأسرع ما يمكن...

ـ غريق.. غريق
تلطم هند وجهها:
ـ احنا السبب. قسونا عليها
فضلنا نلومها ونؤنبها....
تبكي سعاد وهي تهدئها:
ـ قدّر الله وما شاء فعل.
في البداية تضرعت إلى الله ألا يعتبر فعلتكِ انتحاراً "من الكبائر" لأنها تعبر عن ندمك، والندم أول طريق التوبة كما يؤكد أنك لم تكوني في وعيك عندما قذفت بنفسك في النهر، ثم ظهر شاهد عيان... يروي أن سقوطك بالنهر لم يكن متعمداً بل حدث نتيجة ترنح وعدم اتزان، كما اعترف عم بسطاويسي مساعد الصيدلاني بأنه أعطاكِ مسكنا قوياً للآلام بسبب إصابة في ركبتك خفتِ أن تمنعك من حضور أول بروفات الفرقة الفنية ـ بكل إصرارٍ على استمراء المعصية ويا للعجب ـ في الصباح التالي، مؤكداً أنه أوصاكِ بسرعة العودة للبيت। لكننا التقيناكِ، واستوقفناكِ، حتى سرى بجسمك، فيما يبدو، فعل المخدر، فهويتِ، وأنتِ عند منتصف الجسر.

وسواء اخترتِ هذا المصير أم هو الذي اختاركِ فلن يمكنني إنكار أن شيئاً، لا أدري تحديداً ما هو، قد تغير بعد هذه الليلة...
المقاعد التي نجلس عليها منذ سنوات طويلة ناءت بحمولتها المرهقة، والمرايا صارت تخفي عنا لمعتها كأنها سئمت شحوبنا وتهفو لنضارة ملامح جديدة، ومن سيمتد بها العمر منا ستشهد ازدياد ثقل وجودها في أعين أبنائها. أنتِ وحدكِ ستبقين جميلة ومحبوبة إلى الأبد.
سعاد لم يؤهلها مجموعها بالثانوية لدخول كلية الطب، وهند صارت معلمة أبعد ما تكون عن تلك التي تمنت أن تكونها، وأنا لم أصبح داعية ولا أي شيء آخر، هذا أمر المولى عز وجل وله في ذلك حكم।

الجسر الذي هويتِ من فوقه أطلقوا عليه اسم: جسر الشهيدة ! والمزارعون الذين لاحظوا سخاء النهر بعد أن ابتلعك يقرأون لك الفاتحة في الذهاب والرواح ويطلقون عليكِ: عروس النيل. تماماً كما تمنيتِ، أنت وحدك التي ربحتي، وحققتي كل ما حلمتي به !!
ألست أنتِ التي تقمصتِ يدي الآن وجعلتيني أوقع "توقعين" لابنتي الصغيرة على استمارة الالتحاق بفرقة الفنون بالمدرسة، رغم معارضة أبيها، و॥ معارضتي... أيتها الماكرة।

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عزة رشاد :
كاتبة وشاعرة مصرية ، 1961م ، بكاروليوس طب وجراحة ، تخصص دبلوم أطفال .
من كتبها :
१ ـ ذاكرة التيه ، رواية دار ميريت 2003م .
२ ـ أحب نورة ..أكره نورهان ، مجموعة قصصية ، دار الشرقيات 2005م .

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009

بحيرة بحجم شجرة الباباي


بحيرة بحجم شجرة الباباي / للقاصة السودانية استيلا قايتانو

كل شيءٍ فيها كان يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع .. طولها الفارع ، ووقفتها المستقيمة رغم شيخوختها .لا ألمس في جدتي أي جماليات ، كنت أراها قبيحة جداً مثل الغوريلا ، شفتاها غليظتان ، رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب .. كان يزين شفتها السفلى ثقب هائل تسده بقطعةٍ من الخشب نحتتها لتكون صالحة لهذا الغرض . عندما تخرج تلك القطعة فإن لعابها يسيل عبره . أشهر شيءٍ قبيحٍ فيها أنفها الأفطس ، عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها كانت تقول دون أيّ جهدٍ في التفكير:- يكفي أنني اتنفس به ..كنت أرى الأفق عبر ثقب أذنها الهائل أيضاً .. الذي أخذ مساحةً كبيرةً من حلمة الأذن ، و هناك أيضاً ثقبَ في أنفها الأفطس ثم تبرز مساحةَ كبيرةَ من لثتها في الفك الأسفل نتيجة لقلع أربعة أسنان .. أما عيناها فكانتا حمراوتان تجثم فوقهما جفونَ منتفخة ..الشيء الذي عرفته عن جدتي أن لها مقدرة فائقة في تحمل الألم .. ذات يومٍ ذهبت تقضي حاجتها في العراء ، عندما عادت تحك كعبها الذي أخذ يتورم شيئاً فشيئاً دون أن يبدو عليها الألم ، سألتها في براءةٍ عما بها فقالت :يبدو أن أفعى لدغتني ، ثم أخذت مشرطاً وفصدت اللدغة كانها تفصد شخصاً آخر أو كان المشرط يصنع أخاديده المؤلمة في جسم غير جسمها ازددت اضطراباً و انا أرى دماً أسود يخرج من تلك الأخاديد .. ليصنع بركةً سوداء .. بركة بلون سمّ ودم ، ثم أخذت ترياقاً مثل حجرٍ أبيض اللون و سحقته بقسوة.. ثم أخذت تملأ تلك الأخاديد بالحجارة الصغيرة ذات الأثر الحارق في الجروح .. حدث كل ذلك و أنا أبحث عن أثرٍ للألم بين خلجاتها .. فجأة نظرت إليّ .. كنت منكمشةً فازددت انكماشاً .. خفت .. أردت الهرب .. و أنا أتذرع بأعذارٍ واهية لأنهض من قربها لأني أعرف عادتها ، إذا أخذت دواء .. أياً كان نوعه فإنها كانت ترغمني على أخذه خوفاً من انتقال العدوى إليّ ، فشلت في الهرب لأنها كانت قد أطبقت قبضتها الفولاذية على معصمي .. و بالمشرط صنعت خطين على ظهر يدي و كذا على قدمي ، لم تعطني حتى فرصةً للصراخ ، أحسست بألمٍ يتسلل عبر دمي ثم قطرات من الدم تنساب عبر الفتحات الثماني .. أخذت الترياق و دعكته بنفس القسوة .. كأنها تريد إدخال تلك القطع الصغيرة عبر أوردتي ، و قالت راطنة وهي تمارس قسوتها عليّ بصوتها الذي بالكاد يشبه صوت النساء :- هكذا حتى لا تجرؤ تلك الحبائل المتحركة على لدغك .. إذا رأتك إحداها فإنها لا تقوى على الحراك حتى تذهبي مبتعدة .و هذا ما يحدث دائماً عندما أكون و حدي أو معها .. و منذ ذلك اليوم لم تلدغ أفعى أياً منا رغم أنها كانت تتحرك في كل مكان، حتى في فناء بيتنا الواسع المليئ بالأشجار و الخضروات و شجرة الباباي ذات الأثداء الكثر و الكبيرة .كانت غرفتنا من القش ذات جدارٍ دائري وبابٍ قصير بحيث يركع من أراد الدخول فيها على ركبتيه ، و عندما تدخل تلاقيك ثلاثة مدرجات لتنزل إلي عمق الغرفة فترى سقفاً مخروطياً بعيداً ، فتصعب عليك المقارنة بين خارج وداخل الغرفة .. وهناك في نهاية البيت حظيرة تضم أكثر من ثلاثين بقرة ، فتزدحم في فتحتي أنفك روائح الروث و الفواكه والخضروات .. ورائحة جدتي ..كنا أنا وهي ، في كل هذا الصخب ، عائلةَ تتكون من جدة وحفيدة .. توفيت أمي و هي تلدني .. وتوفى أبي في رحلةِ صيدٍ عندما سحقته جاموسةَ هائجةَ بقرونها ، أما جدي فقد أعدم عندما قتل أحد الإنجليز ممزقاً نحره بالرمح لأن نظرات الإنجليزي لم ترق له .. بقيت مع جدتي منذ عمر يوم ، أرضعتني حتى العاشرة من عمري .. كان ثدياها مثل ثمرة الباباي في الضخامة و ما تحوي من لبنٍ طازجٍ ذي طعمٍ غير مفهوم و لكنه جميل ، كنت أرضع قبل الذهاب بالأبقار إلي المرعى ، و بعد أن أعود فلا أشتاق إلا لثمرة الباباي الموجودة على صدر جدتي .. كنت حينها في الثامنة من عمري ، حضرت ذات يومٍ و لم أجدها في البيت .. أدخلت الأبقار في الحظيرة و أنا أناديها مراتٍ و لكن لم تجب .. أعماني إدماني عن رؤية أي شيئ و ناديتها بأعلى صوتي فردت عليّ من بيت جارتنا التي كان يفصل بيننا وبينها جدارَ من البوص و الأخشاب :نعم .. هل حضرتِ يا ابنتي؟رأتني في حالةٍ عصبيةٍ و الدموع واقفةَ على جفوني و أنا أقول لها في صوتٍ مخنوقٍ بالعبرة و الغضب :أسرعي أريد أن أرضع.قلتها في صوتٍ حازمٍ و في غيظ ، فتأتي و تجلس على الحصير ، أتناول ثديها في نهمٍ و لهفةٍ غريبين ، متجاهلة تعليق جارتنا و هي تضحك علينا و تؤنب جدتي على كيفية نهمي على الرضاعة و أنا في هذا العمر المتأخر.لم تكن جدتي ترتدي أي شيئٍ سوى جزءٍ ضئيلٍ من الجلد مكون من قطعتين ، معلق بحبل جلدي لفته تحت السرة يتدلى من الأمام و من الخلف ساتراً عورتيها ، أنا حتى ذلك العمر كنت أتساءل لم تضع جدتي تلك الفروة في هذه المواضع .. لم لا تكون مثلي؟عندما بلغت العاشرة من عمري حدثت تغيرات أثرت على مجرى حياتي ، صنعت لي جدتي شريحتين من الجلد لأغطي المواضع التي تسترها هي .. و منعتني من الرضاعة .. كانت أياماً صعبة ، كنت لا أنام الليل أشعر بلهفةٍ عارمة لأرضع كما أشعر بنفس الرغبة لأتعرى ، عشت أساماً لأتخلص من هذه المشاعر المخجلة ، كنت أعود إليها كلما سنحت لي فرصة ، مثلاً عندما تسكر جدتي بذلك الخمر البلدي مع صديقاتها العجائز ، كانت لا تدري من الدنيا شيئاً و لكنها كانت تتعبني جداً ، خاصة بعد ذهاب صديقاتها من بعد صخب من الرقص والغناء الفاتر ، كانت تتكلم مع الموتى ، مثلاً كانت تقول لأمي : أنتِ يا ربيكا يا ابنتي .. لولا خوفك من الولادة و ربطك للولادة بالموت لما مت .. و أنت يا ماريو فقد قتلك التحدي رغم خوفك ، أما أنت يا زوجي العزيز فقد قتلك جهلك ، ثم تلتفت إليّ قائلة و قد التوى لسانها في الحديث و عيونها أكثر احمراراً و جفونها متورمة لدرجة الانفجار ، وهي تحرك تلك القطعة الخشبية التي أصبحت جزءاً من شفتها المترهلة أكثر مما ينبغي بلسانها المتحرك في قلق :- أتعلمين قصة موت جدك؟- لا ياجدتيرغم أنني كنت أعرف القصة و أحفظها عن ظهر قلب ، إلا أن ردي لا يعني لها شيئاً سواء كان بلا أو نعم ، لأنها كانت ستسردها في الحالتين .. ثقل لسانها و أخذت الكلمات تخرج ملتويةً و مقطوعة ، كنت أسمعها كأنها محشورة في قلةِ كبيرة فيخرج صوتها بعيداً .. قوياً .. ومشوشاً .لقد قتل جدك أحد الإنجليز في زمن الاستعمار فحكمت عليه المحكمة بالاعدام و هو لا يدري ذلك ، كُتب الحكم في ورقة .. و كان عليه أن يقطع مسافة كبيرة لتنفيذ الحكم في مكانِ آخر .. كان جدك الغبي سعيداً لأن الانجليز أعطوه ورقة و قالوا له إذهب سوف يلقاك أناس هناك .. أعطهم هذه الورقة .. حمل الرسالة وقد حشرها بين شقي عودِ من البوص حتى لا تتسخ .فصنع لنفسه رايةً صغيرة وهو لا يدري أنها راية موته ، و عندما وصل .. نُفذ الحكم فمات و الدهشة مرتسمة على و جهه الغبيَ ..ثم تضحك في هستيريا و تعيد القصة مرة أخرى بعد السؤال ذاته ، و بعد دهر من الكلمات و الجمل الملتوية .. ثم تباعد بين الجمل .. و تباعد بين الكلمات .. يليه تباعد بين الحروف .. ثم صمت و انفاس ثقيلة و شخير مزعج يضج في انحاء بيتنا الواسع بعد أن تبكي على موتاها بنفس هستيريا ضحكها حتى تنحدر الدموع على صدرها .كنت أفرح ويرقص قلبي طرباً ، لأني سأمارس أشيائي التي حرمت منها دون أن اواجه عيوناً حمراء أو صوتاً رجالياً يأمرني بالابتعاد .. أنزع ذلك الغطاء الجلدي الساخن و ألقيه في أبعد مكان ، أقترب من جدتي التي نامت ملقاة أطرافها في كل مكان .. حتى الشريحتان لا تفلحان في تغطية شيئ من جسمها الضخم الممدد على أرضية غرفتنا العميقة .. أتناول ثديها و أشرع في ممارسة رضاعتي في نهم محموم ، عندما امس حلمتها للوهلة الأولى أتذوق طعماً مالحاً ، طعم دموعها .. رغم قبحها لم اكن أتقزز منها فأنا احبها ، أستمر في تلك الحالة و أنا أسمع صوت الرعد بالخارج و أمطاراً غزيرة تضرب السقف المصنوع من القش في إصرارٍ ثائر ، أتجاهل كل هذا الصخب .. صخب الطبيعة المفاجئة ، لأعيش عالمي ، عالم يتكون من بحيرة في حجم ثمرة الباباي ، بحيرة غزتها الشيخوخة فنضبت و ترهلت حتى وصلت السرة.ذات يوم و أنا أسير خلفها في طريقنا لجلب الماء من النهر ، و نحن نتخذ شريطاً من الطريق الذي صنعته أقدام البشر بين الحشائش التي تغطي نصفنا الأسفل ، بلغت حينها الخامسة عشر من عمري ، كانت تضع قلةً كبيرةً سوداء على رأسها ممسكة بها بيدها اليسرى فيظهر شعر ابطها الأحمر الذي احترق بالعرق ، و أنا ارى الأفق عبر ثقب أذنها ، و أعد خطوط الشيخوخة التي أصبحت واضحة في مشيتها السريعة المتعثرة ، و ترهل بطنها و ثدييها الذان عندما يصطدمان بالبطن يصدران صوتاً كالتصفيق في حالتي المشي و الرقص ..كانت كغير عادتها هائمة صامتة ، كنت أحاول اللحاق بها بين حين و آخر بهرولة خفيفة ، فجأة توقفت لأنَ هناك أفعى ملونة ترفرف حولها فراشاتَ تحمل ذات الألوان الطفيفة ، اندهشت لذلك و قلت مازحة : منذ متى تقف جدتي لرؤيتها أفعى؟ قالت بعد أن تنهدت بعمقٍ ولأول مرة ألمح خوفاً مخلوطاً بالحزن قد جثم على أخاديد و جهها الكثيرة و العميقة ، قالت: هذه الأفعى نذير شؤم .. تابعنا سيرنا دون أن نتحدث ، قالت جدتي بعد أن فقدتُ الأمل في أن تتحدث :- أتعلمين أني رأيت جدك قبل أيام؟في الحلم؟- لا .. بل في الواقع ..و لكن ياجدتي .. جدي قد مات كيف ترينه مرة أخرى؟- رأيته في صورة تمساح .. ضحكتُ و لكنني سرعان ما صمتّ عندما رأيت الجدية على وجهها .وكيف عرفتِ أنه جدي؟- من تلك العرجة التي كان مشهوراً بها و صفات أخرى أعرفها أنا فقط عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلي أشياء أخرى تحمل الصفات التي كنا عليها ، نتحول و لكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول إلي تمساح ..و ماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟لا أدري إلي ماذا سأتحول ، و لكني أتمنى أن أتحول إلي نسر .و منذ ان ماتت جدتي و علاقتي بالنسور قوية ، كلما ألمح واحداً أتأمله في تحليقه عسى أن أجد بعض صفات جدتي ، ثدياً بحجم ثمرة الباباي .. عيوناً حمراء .. جفوناً منتفخة .. أو لبناً بطعم الملح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استيلا قايتانو :

ولدت ستيلا قايتانو عام 1978 في الخرطوم بالسودان ونشأت في أسرة بسيطة تكثر فيها الأميه وهي الوحيدة التي تعلمت ودخلت كلية الصيدله ولكن لها اهتمامات أدبية ، انضمت الى تنظيم سياسي سنة 2003 ومن أهم شعاراتها من "أجل وطن يسع الجميع" وتحاول إيجاد حلول من خلال تحليل المشكلة السودانية بواسطة جدلية المركز والهامش وهي ترمز الي توزيع الموارد بصورة متكافئة । تم التعرف علي الكاتبة من خلال كتاب دروب جديدة في عام 2002 والذي أصدره نادي القصة السوداني واشترك فيه كثير من الكتاُب الشباب ، هذا الكتاب يحكي عن مجموعة من القصص تناولت مواضيع مختلفة ، ومن أشهر قصص الكاتبة هي " بحيره بحجم شجرة الباباي " وتتحدث القصة عن علاقة بين جدة وحفيدتها وهذه العلاقه حميمة وقامت الجده برعاية الحفيده وإحتضانها حين مات أبواها وهي صغيرة وختمت القصة الاسطورية بتجسيد الكاتبة للإعتقاد بان الانسان الجنوبي لا يؤمن بالموت بل بالإنتقال من حياة الي حياة اخرى .من الأعمال الأخرى للكاتبة كل شي هنا يغلى وهي من جزأين في العامين2002 و2003 ، الغرض من هذه القصة تسليط الضوء على معاناة النازحين بأطراف المدينة وإصطدامهم بواقع لا يستوعبهم ولا يستوعب ثقافتهم . أغلب أبطال الكاتبة ستيلا هم نساء ، اذ تهتم لقضايا المرأة وتتعاطف معها لأنها أكثر الفئات تعرضاً للإنتهاك من مختلف تعددات المجتمع السوداني .



الخميس، 3 ديسمبر 2009

ود أمونه متبلا




ود أمونه متبلا

عِطْرُ البَخُورِ الحَبشي يملأ القطيه، تأتي أصوات المكان مخترقة القش والأقصاب عَبْر الظُلمة للداخل، واستطعنا أن نميز غِناءً جميلاً رقيقاً يتلمس سِكَكَه عبر الليل نحونا، قال ود أمونه:
دِيَّ بوشاي.
ثم واصل في حكي تفاصيل السجن، تحدث بتلقائية وبساطة، بهدوء ورقة لا تتوفر في شخص غيره، ألم قِشي تقاسمني الوسادة البيضاء المستطيلة على طول عرض السرير، تخلف ساقيها مع ساقي، وبين وقت وآخر تتعمد حَكّ أخمصَ قدمي بأحد أظافر رجليها، مُثيرة شَبَقَاً وحشياً تؤجله دائماً حكايات ود أمونه المدهشة في السجن، الليل كعادته في هذه الشهور دافئ مَرِح، عَنّتْ فِكرةٌ لألم قِشِي، عبرت عنها بنهوض مفاجئ من حضني قائلة:
حَأعمل ليكمُ جَبَنَة-
هكذا يعبر الناس عن حبهم واهتمامهم بالآخر في هذه الأمكنة، بأن: يعملوا لك جَبَنة.
قال ود أمونه مواصلاً حكاية العازه، لم تستطع عازه أن تقنع أمه لكي تتركه معها عندما تخرج من السجن، وأرسلت لها الوسطاء من سجانين ومسجونين، وحتى مأمور السجن نفسه، ولم يقنعها سوى ما حدث لود أمونه في ذلك المساء: كنت في طريقي إلى عنبر النُسوان بعد أن عاد من مشوار كلفه به الشاويش خارج السجن، وعندما وصل ود أمونه الممر المؤدي إلى الزنازين وهو الطريق الأقصر إلى الجزء الغربي من عنبر النُسوان حيث مقام أمه، إذا بيد ناعمة قوية تُمسك بذراعه، وأخرى توضع في فمه، كانت تفوح منها رائحة البصل والثوم مما جعله يتعرف بسهولة على الطباخ، ثم همس في أذنه
. ما تخاف، دا أنا-
ثم سُحبت الكف عن فمه، قال له ود أمونه
- عايز مني شنو؟
قال الطباخ
- إنت بكره ماشي مع عازه، طبعاً حيطلعوها من السجن، وإنت حتمشي معاها، وأنا جيت عشان أقول ليك مع السلامة، طالما إنت ما بادرت بالوداع، مُشْ عيب عليك يا ود أمونه، ما تقو لي مع السلامة؟
قال ود أمونه متضايقاً
. كويس، مع السلامة، يَلاّ فك يدي-
قال الطباخ محاولاً أن يكون رقيقاً ومهذباً
- لا.... ما كدا.. مع السلامة دي عندها طريقة تانية، وفي حفلة صغيرة أنا عاملها ليك في مخزن المطبخ برانا، أنا وأنت.. جِبت شمع وعندي ليك هدية، ملابس جديدة وجزمه وكرة وحلاوة وحاجات حتعجبك.
قال ود أمونه وهو يحاول نزع يده
. إذا ما فكيت يدي حأصرخ وأمي تسمع وحتجي تقتلك-
فأدخل الطباخ يده في جيبه وأخرجها قابضة على نقود لها رنين
قال له ود أمونه
. أخير ليك تفكني-
بيد الطباخ الممسكة بالنقود، أعاد النقود إلى جيبه وبسرعة ومهارة فتح زرار بنطاله وأخرجه، شيء لم يستطع ود أمونه تمييز معالِمه في الظلام، ولكن عندما دفع به الطباخ إلى بطن و أمونه، أحس به ود أمونه قوياً وطويلاً، قال الطباخ:
. الموضوع بسيط، وما بِيَاخُدْ دقيقة واحدة، وأنا أدْيّك أي حاجة عايزها-
وعندما مَدّ فَمَه الذي تفوح منه رائحة الصعوط مختلطة بسجائر البرنجي، محمولة على عبق عَرَق العيش، بحركة رشيقة خاطفة أمسك ود أمونه بشيء الطباخ، كان مظلماً، كبيراً وأملس، أدخل ما يكفي في فمه وبين أضراسه الحادة نفذ وصية أمه بحذافيرها، الشيء الذي جعل كل من في السجن والذين يجاورونه والذين تصادف مرورهم في تلك الليلة بتلك الأنحاء، يقفزون رعباً في الهواء من جراء صرخة الطباخ العنيفة البائسة التي لم يسمع أحد في حياته مثلها ولن تتكرر في مقبل الأيام، صرخة أطارت العصافير الصغيرة النائمة في أشجار النيم في وسط السجن، جعلت السمبريات العجوزات الساكنات بالسنطة عند بِركة المياه جنوب السجن، تضرب بأجنحتها في ذعر، كانت الصرخات التي ألحقها بالصرخة الأولى، أقل أهمية، لأن أحداً لم يسمعها سوى ود أمونه، كانت أكثر بؤساً ورعباً. ثم سقط.
بصقت رأس الذكر من خشمي، كان شيء مقرف.-
قالت لي أمي بعدما صلينا صلاة الصُبح في الساحة
- إنت حتمشي مع عازه إلى بيتهم، أنا تاني ما حأخاف عليك، إنت بس حافظ على أسنانك، حأديك قروش تشتري بيها مساويك.
رائحة قلي البُن الحبشي تملأ رئتي عبقاً لذيذاً، وصوت بُوشَاي الحُلو يغني، فيأتي به الهواء الدافئ من حي العُمدة إلى قطيه أدّي شَهياً، قالت ألم قِشي:
بعد دا كله.. الطباخ شغال لِسَعْ في السجن، سمين زي البغل.-
كنت أعرف هذا السجان، وقد سمعت بقصته هذه من قبل ولكني لم أعرف التفاصيل إلا الآن، ولم أحس ببشاعة الحدث و فداحته بهذا القدر، لقد كان هذا السجان يسكن في ذات القشلاق الذي كانت أسرتي تسكنه، فأبي يعمل بذات السجن،ويعرف الناس عنه غرابة السلوك، ولو انه لم يتحرش بأي من أطفال القشلاق، فلقد كان له رفقاء في عمره، لم أقل لهم أنني أعرفه، ولم أقل لألم قشي أن ما قالته عن استمرار عمله بالسجن و سمنته ليسا حقيقة، فلقد مات الطباخ بعد هذه الحادثة بسنة واحدة، لدغَه ثُعبانٌ في مخزن البقوليات بالسجن، لم أقل لهم أن هنالك صِلة قرابة تربطني به .
تحركت ألم قِشي وهي تحمل المِقلاة تطوف بالقُطيه مقربة إياها من أنوفنا، فنستنشق المزيد.
قال ود أمونه
- طلعت من السجن وأنا عمري عشر سنوات، لكن تقول راجل كبير، كنت بعرف كل شئ، ما تفوت عليّ كبيرة ولا صغيرة.
أضافت ألم قِشي في زهو
. ما شاء الله.. ود أمونه دا... أصلو ما تقول كان طفل في يوم من الأيام -
صبّت البُن في الفُنُدك وأخذت تدق بتنغيم اتبعته بغناء بلغة الحماسين.
قال لي ود أمونه معتذراً
معليش شغلتك بحكايات السجن والأمور الفارغة دي، أنا حأخليك شوية مع ألم قِشي وحنتلاقى، أنا قاعد في قطيه ما بعيدة من هنا.
بالغرفة سرير واحد ولكنه ضخم، يساوي سريرين كبيرين، مصنوع من السنط، له قوائم ضخمة ثقيلة، عليه مُلاءة بيضاء مطرزة بالكروشيه في شكل طاووسين كبيرين متقابلين بالفم، ويبدو النهج الحبشي واضحاً في فن الحياكة والتطريز،من حيث استخدام اللون الأصفر و الأحمر و الأخضر، كانت ألم قِشي كعادة الحبشيات تبدو في بشرة حمراء ناعمة وساقين طويلتين نحيفتين منتظمتين جميليتين، عليهما نقوش حناء باهتة ووشم على القدم غريب، بدأ لي كصليب أو خاتم سليمان، أو ربما وردة سحرية، على كلٍ، كان شهياً وطيباً وطازجاً.
لا أفهم كثيراً في ممارسة الجنس، في صباي، أنا وغيري من صبية الحي، في أيام مراهقتنا الأولى، أتينا الأغنام والدحوش وحتى العُجول ولم يكن ذلك ممتعاً، ولكنه مهماً حيث تبدو كبيراً وفحلاً أمام أصحابك وإلا لُقبت بـ المرا، وهذا لا يجوز في حق أحدنا، ولكن، تجربة شريرة حدثت لي قبل ذلك أي قبل البلوغ، كانت الأكثر إدهاشاً وأكثر بقاء في ذهني وربما مازالت توجه بوصلة الجنس في ظلماء نفسي، اعتادت خالتي التَاية أن ترسلني إلى المِطحنة عند الصباح الباكر، قبل الذهاب إلى المدرسة، لكي أوصل جردل العيش إلى هناك ثم أعود لأخذه في نهاية اليوم وأنا عائد من المدرسة، أي بعد أن يتم طحنه حيث تقوم بإعداده لصنع كِسرَة يوم غد، التي تبيعها في السوق الكبير، صاحبة المطحنة امرأة شابة ليس لديها أطفال، يعمل زوجها في سوق الخضار، وكعادته لا يعود إلا عند المغرب، وهي سيدة معروفة في مجتمع المراهقين بصورة جيدة وكل واحد منهم له معها قِصة، ربما أغرب من قصتها معي، ولكن ربما الشيء الذي يميز حكايتها معي؛ هي أنها كانت تضربني ضرباً مبرحاً، لا أدري لماذا في ذلك الوقت، ولكني فهمت فيما بعد بعض الشيء، عندما أعود لأخذ الطحين كانت تأخذني إلى داخل المنزل عبر باب داخلي للمطحنة، وهناك تخلع ملابسها وملابسي، في أول مرة شرحت لي وأرتني إياه، وخفت خوفاً حقيقياً عندما رأيته لأول مرة، كان لا يشبه كل التصورات التي رسمتها له و أصحابي، كن نظن أنه شيئاً جميلاً، جذاباً مثل الوردة، ولكن هذا الشيء الذي أمامي شيئاً آخر، إنه أشبه بفأر كبير على ظهره شعر أسود مرعب،له فم كبير وربما أسنان أيضاً، بل له رائحةٌ كريهة،لا أدري كيف خُدعنا به طوال تلك السنوات، فلم آلفه أبداً،ولكنها بخبرة المرأة المجربة التي تعرف كيف تُثير، أزالت مخاوفي، ثم عرفتُ كل شيء، أو ما ظننت أنه كل شيء، ولكنها كانت تطلب مني غير الإيلاج أن أقذف، بالأحرى كانت تأمرني قائلة:
. بُول … بُول..... بُول -
وأنا لا أعرف كيف أبُول هناك، وليس لدي بُول في مثانتي، فكنت أقول لها ذلك فتغضب فتضربني قائلة:
؟ بُول، بُول الرُجال، إنتَ مَاكْ راجل-
ولم أعرف بُول الرِجال هذا إلا بعد سنوات كثيرة، عندما جاءتني في الحلم هي ذاتها عارية، وبَحلق فيّ فأرُها المتوحِشُ، وضربتني عندما اشتد بها الشبق.
. بُووووووووول -
فبللت ملابسي بسائل دافئ، له رائحة اللالوب الذي كنت أكثر من أكله في تلك الأيام، خرج البُول في لذة و ألم مُدهشين। ثم لم أبل في سيدة بالفعل أبداً، حيث لم تتح لي فُرصة لذلك، أو أنني كنت خجولاً أمام النساء، ولم تصادفني من هي في جُرأة تلك المرأة، أو لست أدري ما هي حكايتي بالضبط، كل ما امتحنت به جسدي، كانت لمسات أخت صديقي الدافئة البريئة، إذن بعد خمسة وثلاثين عاماً والآن ، وجهاً لوجه مع امرأة، ولأول مرة في حياتي: امرأة فعلية مجربة وخبيرة وأنا رجل كبير في السن راشد وبالغ ولا خبرة لي في النساء، ولا أدري كيف فَهِمَتْ ألم قِشي ذلك، ولكنها قامت بكل شيء بنفسها، بدءاً من لِبسِ الواقي؛ انتهاءً بالبُول، بُول الرُجَال، كانت تسحبه من أعماقي بِجُنونٍ ولذةٍ لا يوصفان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالعزيز بركة ساكن :

من مواليد مدينة كسلا شرق السودان عام 1963م، وهو صاحب رواية (الطواحين) ، ورواية (رماد الماء) وله مجموعة قصصية بعنوان (على هامش الأرصفة) ، وأخرى بعنوان (امرأة من كمبو كديس)، حقق جائزة الـ بي بي سي أكثر من مرة عن قصته (دراما الأسير) ثم عن قصته (فيزياء اللون)..

ترجمت بعض أعماله إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية، كتب أيضا عددا من النصوص المسرحية، صدر له مؤخرا عن (مكتبة الشريف الأكاديمية) كتاب (البلاد الكبيرة) في (552) صفحة من القطع المتوسط، متضمنا روايتيه:

الطواحين و رماد الماء، بالإضافة إلى روايته (زوج امرأة الرصاص) التي تنشر لأول مرة، ضمن هذا الكتاب .
روايته الجديدة- لم تنشر بعد (الجنقو- مسامير الأرض) حققت جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الأخيرة
.

الثلاثاء، 24 نوفمبر 2009

الحذاء الضيّق



الحذاء الضيق

انتعلوا حذاء ضيقاً عند ذهابكم لطلب يد فتاة. ألبسوا حذاء ضيقاً بعض النمر عندما ستلتقون للمرة الأولى بمن سيصبح حماكم في المستقبل.تستطيعون الزواج من الفتاة التي تريدون عندما ترتدون حذاء ضيقاً. حتى لو رفضت تلك الفتاة فإن والديها سيجبرانها على ذلك وهذا مجرب لا محال.لقد تعلمت تلك الحقيقة قبل سنوات طويلة.عشق “سيرمت” فتاة حتى الجنون. وبسبب هذا العشق أهمل جميع أشغاله وأعماله. جميع أصدقائه كانوا يشفقون عليه وعلى حالته حتى أنني قلت له ذات مرة:- أتحبك الفتاة أيضاً؟

- وأي حب!!..

- إذن تزوجا.

- وكيف أتزوج يا أخي فأنا وحيد هنا في استنبول . أمي وأبي في أرظروم ولا أحد لي هنا. ومن سيطلب الفتاة من أمها؟.

- ياهوه..! تلك الأزمان ولت، اذهب مباشرة إلى والدها وقل له “توافقت واتفقت مع ابنتكم لذلك أرجوكم أن تمدوا لي يد المساعدة للزواج بها”.

- وأنا من أجل ذلك سأتزوج. والد الفتاة غني، وبغير هذه الوسيلة لا أستطيع ضمان حياتي. هيا لنذهب، والدا الفتاة في البيت اليوم.
- لا أستطيع يا عزيزي سرمت.

- ياهوه..! إنها خدمة أخوية. وبفضلها ستنقذ حياتي.وافقت لأنه كان على وشك البكاء. حذائي الذي انتعله مهترئ، أضحى مثل تمساح فاغر فمه، أيعقل أن نذهب إلى بيت الفتاة بهذا الحذاء. ولا نقود لدي لشراء حذاء جديد. طلبت سلفة من معلمي على الرغم من معرفتي ببخله وأنه يعتبر من أبخل من في ببيالي. قال لي يومها:

- هاه، تذكرت، عليك عشر ليرات هل سددتها؟أما مديرنا الإداري فهو رجل طيب، أنقذني وأعطاني خمس عشرة ليرة على أن يحسم المبلغ من راتبي. اتجهنا أنا وسرمت مباشرة إلى سوق الأحذية المحلية، هناك تباع أرخص الأحذية.تعتبر الأحذية ذات المقاسات دون السبعة والثلاثين، أحذية ولادية وتباع بأربع عشرة ليرة وسبعين قرشاً، وما فوق وحتى الستة وأربعين أحذية رجالية أغلى بعشر ليرات، مقاس قدمي ثمانية وثلاثين.إن هذه المفارقة تعتبر من أكثرها ظلماً في هذه الحياة. أيعقل أن أدفع عشر ليرات زيادة بسبب نمرة واحدة؟!.


عدا عن ذلك من غير المعقول أن يكون سعر الحذاء ثمانية وثلاثين بسعر الستة وأربعين. لم استطع شرح هذه المظلمة للبائع بأي شكل من الأشكال لذلك اتجهنا إلى المدير، أظهر تفهمه إلا أنه قال:

- ماذا نفعل إذا كانت الأنظمة السارية هكذا؟لم أستطع ضبط نفسي لذلك رحت ألقي كلمة قائلاً:

- سحقاً لجميع أنواع الظلم في العالم.
- اصمت وإلا فتحنا محضراً بذلك.جمعنا ولملمنا كل ما لدينا أنا وسرمت إلا أن ذاك لم يكف لشراء حذاء مقاسه ثمانية وثلاثين.قال لي سرمت
خذ سبعة وثلاثين.
- ضيق لا يناسب قدمي.
- تنتعله من أجل خاطري.

- ياهوه..! أي خاطر وماطر في الأحذية والأقدام؟قلت بيني وبين نفسي ماذا أفعل؟. من أجل خاطر الصداقة اشتريت الحذاء. أبرزت النوايا الحسنة لانتعال الحذاء، حقيقة حاول البائعان كثيراً مساعدتي، مسكين، سرمت، حبات العرق تنساب من جبينه، وأخيراً نجحا وربطا رباط الحذاء وقالا:

- هيا قم.قالا لي ذلك لأني كنت ملقى على الأرض. نهضت بعدما حملاني من تحت إبطي ، وحال نهوضي صرخت:- أغيثوني.أتمنى أن لا يحرم الله قدماً من حريتها، فحرية القدم لا تشبه حرية الصحافة ولا حرية الوجدان.
قال البائع:
- سيتوسع الحذاء عندما تسير عليه قليلاً.أي مسير فأنا لا أستطيع الحراك. خرجنا إلى الشارع وأنا أشعر أن شرايين مخي تنتفض لدرجة أن حبات العرق أخذت تنساب من أسفل ظهري، في هذه اللحظات قال لي سرمت:

- هل حضرت قصصك الساخرة التي سترويها لوالد الفتاة؟.ركبنا الترمواي.

- رجاء يا سرمت أزل هذه البلاء من قدمي.

- لا تخلعه سيتوسع بعد قليل.على ما يبدو أنه لن يتوسع ، وبسبب الألم قلت له:

- سأخلعها وعندما ننزل من الترمواي انتعلها ثانية.وأي حال وصلت إليها حتى أشفق على الركاب والمراقب والجابي، لذلك هبوا جميعاً لمساعدتي في خلعها، حاولوا كثيراً إلا أنهم فشلوا. أحد الركاب قال:

- لنقصهما وننقذه.قلت له:

- لا!!.كيف سيقصه وبألف يا ويلاه جمعنا ثمنه، لا سيما أن في أعماقي أملاً بتوسع الحذاء وانتعاله براحة.نزلنا من الترمواي وأنا أصرخ متألماً، أتأوه وأتأخأخ ولم أدر كيف مشينا.في الطريق سألني سرمت:

- هل حفظت القصص الساخرة التي سترويها، رجاء قل له ما تشاء وأضحكه، لأنه عندما يضحك سيلين وسيزوجني ابنته. رجاء أرو له نكات جحا ولا تنس قصصاً أخرى.عندما وصلنا إلى البيت لم أعرف كيف ألقيت بنفسي على الديوان وغطيت وجهي بيدي.

- سألنا والد الفتاة:

- ما سبب زيارتكما؟راح سرمت يستغيث بنظرات حتى كاد أن يبكي. أما أنا فلم أستطع التفوه بحرف واحد. كنت أتصبب عرق الموت، ووجهي محمراً كالشوندر. وكل قطعة من جسدي تلتهب من الحمى.لاحظ سرمت أن لا أمل مني بالمساعدة، لذلك انفكت عقدة لسانه وراح يثرثر ويروي الحكايات، بينما كنت أتصبب عرقاً.سألتني والدة الفتاة:

- لم لا تتحدث؟أجابها سرمت:

- إنه خجول جداً يا سيدي.يداي بين فخذي، وأنا أتقلب من الألم، أثناء ذلك أحضرت محبوبة سرمت القهوة. من ينظر في وجه الفتاة يهرب إلى آخر الدنيا، جازاك الله يا سرمت أمن أجل هذه الفتاة كل هذا.في النهاية نجح سرمت في رواية كل ما حفظ من قصص ساخرة كذلك نجح في إضحاك الرجل وزوجته حتى “طقت خواصرهما”، وجهي متغضن من الألم، وفي عيني أشعر بشرارة تشبه البرق.أخيراً عرض سرمت رغبته في الزواج من ابنتهم. أجابه والدها:

- لنفكر بالأمر.بينما قالت والدتها:

- خيراً إن شاء الله، إنها القسمة والنصيب.بعد ذلك سألني هل أنت أعزب؟عندها أجبتها مطأطئاً رأسي:

- نعم.كانت الكلمة الوحيدة التي تفوهت بها.بعد خروجنا من عندهم تركني سرمت غاضبا بعدما أنبني قائلاً:

- أي صديق أنت؟. يا خسارة.هكذا بقيت وحيداً وسط الزقاق، جلست على الرصيف، كنت سأمشي حافياً لو استطعت خلع حذائي. لكنه التصق بقدمي. فلم ينخلع وكأنه أصبح جزءاً من جسدي.لا أدري كيف وصلت إلى مركز الجريدة. وألقيت بنفسي على أريكتي متمدداً:

- أنقذوني يا أصدقاء!.حاولوا كثيراً دون جدوى:

- قطعوه، قطعوه.كل واحد منهم حمل سكيناً أو مشرطاً أو موس حلاقة.اقترح أحد الأصدقاء قائلاً:

- هذا اختصاص، لا بد من عمل جراحي.لقد التصق الحذاء بقدمي لدرجة أنهم قطعوه، ومع ذلك لم ينخلع، وأخيراً نجحوا بعدما قطعوه إرباً إرباً. وبذلك استطاعت قدميّ معانقة حريتهما. وأنتم تعرفون معنى ذلك.ثلاثة أيام لم أستطع المشي بتاتاً. وكل ما حدث تم بعد ذلك.سابقاً/ كنت أنتعل ثمانية وثلاثين لكن بعد ذلك، حتى الأربعين بات ضيقاً على قدمي، فقد كبرت قدماي بعدما عانقتا حريتهما، ألسنا هكذا نحن بني البشر عندما نتحرر من أي احتجاز ومهما طال أمده نتضخم ولا نستطيع الدخول من باب البيت.


بعد أربعة أيام قدم إلي والد الفتاة التي طلبها سرمت، وبعدما تحدثنا بموضوعات شتى قال لي:

- قررنا، أنا وزوجتي، تزويجك ابنتنا.ذهلت مما سمعت:

- لم؟ لم أفهم…
- لأننا أعجبنا بك كثيراً، لم نصادف طوال حياتنا شاباً خجولاً مثلك، لم نر شاباً ذا تربية عالية مثلك، يوم أتيت إلينا كنت تقطر عرقاً من شدة الخجل ووجهك مبقع حمرة، لم تتفوه بتاتاً وكنت مطأطئ الرأس، شرف لأي عائلة دخول صهر مؤدب إليها.

- وماذا عن صديقي.. ماذا سيحل به؟.

- أرجوك اتركه، فهو ثرثار أحمق، وقليل الحياة. تصرف بشكل غير عقلاني، حسب ظنه أنه كان يروي قصصاً ونكات . لا فتاة عندي كي أزوجه.راح الرجل يزورني مرة كل ثلاثة أيام ممتدحاً تربيتي وحيائي:

- أنا بحياتي.. مثلك مؤدب، ذو أخلاق عالية، وجهك يقطر حياء.. لا تدري أين تضع يديك..

- يا سيدي أنا لا أفكر بالزواج الآن.

- فكروا بالأمر.. سآتي ثانية ونتحدث في الموضوع.وهكذا أخذ الرجل يزورني كل يومين أو ثلاثة أيام ليتحدث ممتدحاً حيائي، تربيتي:

- لم أرد شاباً ذا تربية عالية، وأخلاق.. وجهك مبقع حياء.. لا تعرف أين تضع يدك..ذات يوم لم أستطع ضبط أعصابي، أخرجت من درج طاولتي قطع حذائي ذي السبعة والثلاثين ملفوفة بجريدة وألقيت بها أمامه وصرخت به:

-ها هي الأخلاق والتربية والخجل خذه وزوجه ابنتك!

تذكروا عندما تنوون الذهاب لطلب يد فتاة أن تنتعلوا حذاء ضيقاً..


_________________________________


عزيز نيسين (1915- 1995) :


اسمه الحقيقي محمد نصرت نيسين من مواليد تركيا عام 1915 في جزيرة قرب استانبول و استخدم اسم عزيز نيسن الذي عرف به فيما بعد كاسم مستعار كنوع من الحماية ضد مطاردات الأمن السياسي في تركيا و رغم ذلك فقد دخل السجون مرات عديدة يعتبر عزيز نيسن واحد من أفضل كتاب ما يعرف بالكوميديا السوداء في العالم أو ما تسمى بالقصص المضحكة المبكية و المضحك المبكي في حياته انه و برغم شهرته الواسعة في كل ارجاء العالم كمبدع فذ الا ان بلده الأم تركيا لم تعطه من حقه سوى القليل توفي عزيز نيسن في تموز عام 1995م


الجوائز التي نالها :


-جائزة السعفة الذهبية من إيطاليا عام 56، 1957
-جائزة القنفذ الذهبي من
بلغاريا
-جائزة التمساح الأولى من الاتحاد السوفيتي 1969م
-جائزة اللوتس الأولى من اتحاد كتاب
آسيا وأفريقيا 1975م
- الجائزة الأولى عام 1968م على كتابه (ثلاث مسرحيات أراجوزية)
- جائزة المجمع اللغوي التركي عام 1969م