الثلاثاء، 3 نوفمبر 2015

كلنا نصدّقك يا " يانكوفيتش " ..!

كلنا نصدِّقك يا " يانكوفيتش " ..!

لقد ظل " يانكوفيتش " الشرطي الصربي العجوز إحدى شخصيات قصة الكاتب العراقي " حسن بلاسم " التي حملت عنوان " شاحنة برلين " يحكي لأقسام الشرطة الصربية و لكل الناس عن الفظائع التي رآها بأمّ عينيه لشبان عراقيين هاربين في شاحنة وجدها متروكة كجثة كبيرة في عزلة الغابات ، بعد أن فرّ سائقها إلى حيث لا يعلم أحد ، حتى أن زوجته ، أقرب الناس إلى قلبه عدت ذلك ضربا من الخيال ..!
ففي صيف عام 2009م كما يسرد القاص " حسن بلاسم " عن بطل يعمل في بار في اسطنبول ، لغته ركيكة غير أن البار كان يؤُّمه ألمان كانت أيضا لغتهم رديئة ، في تلك السنوات الوحشية في الغربة هربا من بلد متطاحن أراد هذا الشاب أن يصل إلى وجهة لا تفقده هويته ولا كرامته أو إنسانيته ؛ لذا قام بجمع مبلغ من المال ، كي يفرّ إلى أرض أخرى ، قد تكون أكثر أماناً و أوفر حظًّا ، لكن طرق التهريب كانت مختلفة و معظهما غير مأمونة ، يضطر فيه معظم الهاربين إلى المغامرة مهما بلغت النتائج وخيمة ، فهم هاربون من الموت و الفقر والعدم والجلاد ماذا بقي أمامهم سوى السعي الحثيث للخروج من مأزق هذه الحياة إلى حياة أكثر قيمة و معنى بالنسبة لهم ..؟!
 كانت أرخص طرق الهروب هي المشي في الغابات مع المهرب حتى يقوده إلى دولة حدودية تكون المنفذ ، بينما كانت أكثر طرق الهروب رعبا وغير مأمونة إطلاقا هي الهروب على متن شاحنة و في عتمتها يختلي الهارب مع أكثر من خمسين فردا ربما ، كانت فكرة الهروب عن طريق شاحنة آخر اقتراحاته لا سيما وعقله مسكون بهواجس مرعبة عن " شاحنة برلين " تحديدا كما رواها رجل أفغاني له باع طويل في حكايات المهربين ، هو بنفسه كان هاربا ، سكن في اسطنبول عشرة أعوام بطريقة غير قانونية ، عمل في التزوير و بيع المخدرات ..
 حكى " الأفغاني " عن مجزرة شاحنة برلين ، عن خمسة و ثلاثين شابا عراقيا ، شبان حالمون اتفقوا مع مهرب تركي لينقلهم بشاحنة مغلقة لتصدير الفواكه المعلبة من إسطنبول حتى برلين ، وحين دفع كل واحد منهم مبلغ أربعة آلاف دولار تمت الصفقة خاصة وأنهم سمعوا عن نزاهته في نقل الهاربين كما أنه رجل حج ثلاث مرات بل كان يدعى " الحاج إبراهيم " ، و أصبح هؤلاء الشباب الهارب بأحلامهم على متن شاحنة فواكه المعلبة ، كانت ثمة قوانين ، فالتغوط كان في النهار فقط ، أما التبول فكان مسموحا به في أثناء الليل في قناني الماء الفارغة ، ممنوع حمل الهواتف الخليوية أثناء الرحلة ، و ممنوع الصراخ والعراك ، بل يجب أن يكون تنفسهم على قدر كبير من الهدوء ، فالطرق خطرة و المراقبة مضنية ..
مر اليوم الأول بسلام ، كذلك اليوم الثاني ، كان يتخلل طريق الشاحنة وقوف للتنفس و التهوية عن الروح و شراء طعام و قناني الماء على وجه السرعة أو قضاء الحاجات في ستر الأحراش ، كلف السائق شابان ليتكفلا تنظيم هذه الأمور ..
كانت الشاحنة تمضي في طريقها بحذر كبير و كانت تحرسها سيارات في بعض الطرق ، ولكن في يوم شعر الشبان بأن الشاحنة استدارت و أخذت تقطع طريقها بسرعة جنونية ، لقد كان موقفا مرعبا للجميع ، فهم مكتظين في عتمة صندوق الشاحنة ولا علم لهم عما يجري خارجها ، هل كانت الشاحنة في طريقها إلى أرض الفرار حيث أحلامهم الضخمة بانتظارهم أم أنها تعود أدراجها خائبة ..؟
 ظل هذا الأمر شاغل الشباب الخائف ، كان نقاشهم في البدء هادئا ملؤه المخاوف وعدم اليقين حتى أن بعضهم كان يقرأ القرآن الكريم ليعم السلام في أرواحهم المرعوبة ، غير أن مع مرور الوقت أصبح الجدال عاليا ، و صوت الخوف مرتفعا حين توقفت الشاحنة فجأة وهي في طرقها إلى منعرجات ترابية ، كان توقفها مفاجئا لــ خمسة وثلاثين شابا عراقيا الذين ظلوا طوال ثلاث ساعات ينتظرون الخبر اليقين ، لكن انتظارهم تبدد ، و تحول الجدال إلى طرق على باب الشاحنة محكم الإغلاق ، في وسط تلك العتمة الصارخة كان الجميع في حال لا تسر ، بدوا كوحوش وهم يخبئون طعامهم وهم يجادلون ليس بأصواتهم فحسب بل بأيديهم و أرجلهم ، وسط هذه الفوضى الرهيبة كانت روائهم تفوح ، أكثر الروائح البشرية نتانة و عفونة ، رائحة لا يطيقها حيوان فكيف بآدميين ، كانت تتراكم كل لحظة تمر مثل طبقات كالحجر ..!
أخذت الشاحنة تهتز بعنف في مكانها و انداح الصراخ والرعب ، أصوات استغاثة مثل حمم بركانية كانت تطيش ، كانت صوت استغاثاتهم زلزالا في قلب الشاحنة المظلمة ..!
بعد أربعة أيام عثرت الشرطة الصربية على الشاحنة عند أطراف مدينة حدودية تحيط بها الغابات من كل الجهات ، و حين فتحوا الباب الخلفي للشاحنة نط شاب ملطخ بالدماء من داخلها و ركض كالممسوس صوب الغابة ، في الشاحنة كان هناك أربع و ثلاثون جثة متكدسة على بعضها ، كما كانت مليئة بالخراء والبول والدم ، والأكباد الممزقة ، والعيون المقلوعة تماما كما لو أن ذئابا جائعة نهشتها ..!
و لم يصدق أحد " يانكوفيتش " الشرطي الصربي العجوز ، بل كانوا يسخرون منه ، القصة مستحيلة بالنسبة لهم ، لكن أنا أكيدة ، أكيدة تماما أن كل من في العالم اليوم ليس فحسب أقسام الشرطة الصربية أو زوجته يصدقون تماما ما حكاه " يانكوفيتش " في ذاك النهار عن " شاحنة برلين " ..
لكنني سأعترف يا " يانكوفيتش " بأني لو لم اقرأ هذه القصة في هذا التوقيت بالذات لما صدقتك أيضا ، فمنذ أعوام حين كتب الكاتب الفلسطيني الشهيد " غسان كنفاني " رواية " رجال في الشمس " وقتها كانت هذه الرواية في حيز الخيال ، خيال كل عربي تحديدا حتى الفلسطيني نفسه ، وكان " كنفاني " وقتها يجس مرارة الجرح الفلسطيني الشريد في كل بقعة من العالم ، ووقتها أيضا لعلنا لم ندرك أن حكايته نبوءة ، نبوءة حقيقية مرعبة عن واقعنا العربي القادم ..!
أما قصة " شاحنة برلين " التي عشت تفاصيل رعبها يا " يانكوفيتش " هي عن الواقع العراقي الذي لا يقل مرارة عن الواقع الفلسطيني ، وكنا أيضا سنعدّها عن العراق و حسب طوال تلك الأعوام ، لكنها الآن في عام 2015 م هي أيضا صرخة عن الواقع السوري الذي فرّ أكثر من نصف شعبه إلى براري مجهولة بطرق لا يعلمها سوى الله ، و كان آخرها في شاحنة دواجن حيث استيقظ الواقع العربي على نبأ مرعب شبيه في القصص والروايات التي سبقت وقرأناها واعتبرناها مجرد خيال مبالغ من فكر الكُتّاب الهاربين إلى ملاجئ المنفى ، لكن الواقع العربي الآفل أثبت أن واقعها أكثر رعبا من القصص نفسها ومن الروايات التي تروى حكاية رعبها ..!
وكل هذا الصراخ المهول و العالم بشقيه العربي و الغربي ما يزال متفرج صامت ؛ ربما هي نبوءة أخرى لانتهاء هذه الأوجاع الرهيبة كما ذهب " وليم جيمس " : " هكذا ينتهي العالم ، لا برجّة عنيفة ، و إنما بنواح خافت " ..!
ليلى البلوشي

هناك 5 تعليقات: