الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

مونولوج عابر عن ثورات الربيع العربي ..


 
مونولوج  عابر عن ثورات الربيع العربي ..

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب ..

 

سأتحدث في هذه المقالة حديثا نابعا من الذاكرة وما تمخضت به عبر متابعة أحداث الربيع العربي  الذي يكمل عامه الثاني في بعض الدول العربية .. وأخصص بالحديث " مصر " و" تونس " لأن بذرة الربيع كانت سباقة فيهما ولأن شجرة الثورة بدأت تتشكل في الوقت نفسه تقريبا ..

كما هو معروف استلم السلطة في كل من " تونس " و" مصر " إسلاميون ؛ فقد تولى حزب النهضة سلطة الحكم في تونس وتولى حزب الحرية والعدالة سلطة الحكم في مصر ، وقد نصبت كلا السلطتين بشرعية انتخابية من قبل شعوبها وإن انقسمت هذه النسبة ما بين مؤيدين ومعارضين وما بين محايدين ..

وفي الوقت الراهن بمتابعة مجريات الأحداث في كل من " مصر " و " تونس " نرى أن هناك مظاهرات جارية في شارعهما بل هناك اعتصامات واسعة ومطالب شعبية ؛ أما في " تونس " نتيجة ما تمخضت عنه سياسات حزب النهضة الإسلامية .. وأما في " مصر " ففتيل الاشتعال من المعارضين جاء على خلفية رفضهم للإعلان غير الدستوري الذي أقرّه الرئيس ؛ إذن شعوب الربيع في كل من " تونس " و" مصر " ما يزالان يفتقدان الأمان والسلام في أوطانهم .. وهذا بدوره جعلنا نجري أشبه ما يكون بتحاور نفسي مع بعض أفكار متلاطمة في عقولنا أو ما يسمى بــ" المونولوج " ..

ما يحدث في " مصر"  و " تونس " حاليا من تشابك واعتصامات يحيلنا إلى مسألة " السلطة" التي يريدها الشعب ومسألة "الشعب" الذي تريده السلطات..

ما يحدث في " مصر" و" تونس " هو العودة إلى الدائرة الأولى " السلطة" التي فشلت في اختيار أسلوب المناسب للشعب بكافة أطيافه..

إذن هل يصلح هذا التفسير بأن " السلطة " نجحت فقط في سلب عواطف الشعب بكلامها المعسول عن العيش والحرية والكرامة الإنسانية والنسبة الهائلة من البسطاء المعدمين الحالمين صدقوا ذلك ونامت مع أحلام وردية ..!

وهذا بدوره يمخض عن سؤال بدهي يتوافق والأحداث الجارية : اللوم يقع على من ..؟! هل على " السلطة" التي لحست العقول البسيطة بآمال عريضة أم على "الشعب" الدراويش الذي فاق من حلمه على صدمة واقع مشابه وعلى مبدأ " لدغ من الجحر مرتين " ..؟!

لا تنسوا ارتفاع نسبة التخوين وانقسام الفرق بعدما كان معظم الشعب فريقا واحدا تجاه معارض واضح والذي لا يمكن إسقاطه من الحسبة وهنا الخطب ؛ فهل هو سقط واقعا أم رمزا ..!

بعدما كان الصراع على إسقاط الطاغية تفشى صراع آخر وهو إسقاط فريق الطاغية مع طاغية منتخب الذي شارك في إسقاط الأول وكل معارضة تصنع طاغيتها..!

الطاغية الحقيقي لم يسقط وهو من يصنع البلبلة حاليا وعلى من حل محله أن يكسب ثقة الشعب كي ينال شرعيتهم ولن ينالها دون حسن نية يبذلها واقعيا..!

وعلى حشد المعارضين أن يضعوا أمام أعينهم كفة " الوطن" وليس مصالحهم الشخصية والسياسية البحتة ؛ فهناك شعب بسيط يريد أن يحيا باستحقاق وضجر من قائمة الوعود ..!

الواقع متغير وكل سلطة تغلب مصلحتها على حساب شعوبها فلن تفلح وتكون مرهونة بالسقوط عاجلا أم آجلا .. غدت السلطات هي أيضا مراقبة من قبل شعوبها ؛ فهذا العصر يثبت لنا أنه ليس من السهل أن تكون رئيسا لسلطة ؛ فالوعي الشعبي أصبح يقظا ويمارس دوره الفعال في المحاسبة والمطالبة بحقوقه ..!

وسائل التواصل الاجتماعية هي المنافس الأكبر التي تنغّص على كل سلطة مستبدة في إخضاع شعوبها وفق وسائل عتيقة عفى عليها الزمن .. الوعي عدو الأكبر للطغاة ؛ فقط السلطة الحكيمة والعادلة والمسؤولة تحرص دائما على بث الوعي الفعال في روح شعوبها لمزيد من التطور والنماء والرقي ..

وعلى نحو تخصيص يمكن أن نقول بأن المرحلة الحاسمة في " مصر " ستتشكل فعليا على من يفوز في الانتخابات البرلمانية القادمة المقرر إجراؤها في فبراير المقبل .. فلو حقق الإسلاميون فوزاً آخر في تلك الانتخابات ، فإن هذا الفوز قد يعزز قوتهم ، في حين أن فوز المعارضة يمكن أن يحول دون ذلك ..

أما في " تونس " فعلى الحكومة المؤقتة أن تسعى سيرا حثيثا لطمئنة فئة الشباب وكسب ثقتهم من خلال توسيع الاستثمار الاقتصادي وبالتالي توفير فرص عمل كي تمهد الطريق أمام الحكومة التي ستنتخب خلال الصيف المقبل ..

الواقع العربي اليوم يعبّر عن رؤية مهمة جدا تسري على جميع دول الوطن العربي بأن ثقة الشعوب بحكوماتها ما تزال متأرجحة ويستدعيها وقت حتى تمنح ثقتها المنشودة في زمن سقط فيه سلطة الحزب الواحد و الفكر الواحد والصوت الواحد ..!

 

ليلى البلوشي

السبت، 22 ديسمبر، 2012

حديث خاص مع " آذر نفيسي " ..


 
 
حديث خاص مع " آذر نفيسي " *..

 

نشر في صحيفة البلد ..

 

في البدء كانت كلمة ..

تعجز ذاكرتي عن اقتناص لحظة البداية ربما لأنها كانت أصغر من أن تستوعب تلك الهمهمات الكبيرة التي كان يمررها الكبار فيما بينهم .. خصوصا في ليالي الشتاء حيث تتصاعد حزم الأبخرة من الأفواه بطريقة توحي عن دفء الأحاديث التي تأتلق في ختامها على هيئة غيوم متمزقة كما كنت أتخيلها تماما ..

كان " والدي " – رحمه الله - مع جوقة من أصدقائه الذين غادر معظمهم الآن عالمنا ، يتحلقون في معظم المساءات ولا حديث سوى عنكم ، وفي بعض الليالي وكما اعتدنا دائما بعد العشاء يتفرغ تماما في جلسة استرخائية مريحة وهو يدير مسجلة صغيرة بحجم كف اليد حمراء اللون كأظافر " آذين " وصدى المذيع يكسر رتابة ليالي الشتاء الطويلة في أجواء البيت .. كانت هذه العادة مقدسة والمسجلة بقيت ترافقه في كل أسفاره التي قام بها في وجهات سفره .. وما اذكره الآن جيدا هي لفظة " خميني " التي ما فتئ المذيع يكررها مرة بعد مرة في كل فسحة خبرية جديدة ؛ وقتئذ كانت لفظة " خميني " مرتبطة بإيران بشكل حاد حتى أننا كنا نعتقد أن إيران لم تكن موجودة قبله ..!

كان الكبار يرددون بأن " خميني " نجح أخيرا في تلبيس نساء طهران بعد أن تبدت عوراتهن كاشفة في زمن مضى ..!

مذ أن تواطأت مع سرد روايتك وأنا أحاول أن أخرج ذاكرتي من رأسي وأقعدها على المقعد في مواجهتي ؛ كي نسترجع معا تلك الأحاديث الدافئة التي كنت سمعتها عن إيران وأنا بعد طفلة صغيرة دون سن المدرسة .. وإن كانت طالبتك " نسرين " قد أدانت لك بدراسة بحثية عن " غاتسبي العظيم " فأنا بدوري شعرت بأنني مدينة لك بهذا الحديث بعد قراءة الرواية .. وإن شئت تسميتها " ثرثرة " ..

قبل أن ابدأ بك .. كنت قد قرأت لـ " فرح بهلوي " مذكراتها كانت بلسان امرأة عاشقة لزوجها تحدثت عنه إنسانيا أكثر عن كونه ملكا وتلك المحبة طفقت بها حتى أنها لم تذكر عن الثورة سوى القليل وبصوت محايد على نقيضك أنت وطالباتك .. حيث ثمة مكاشفة أعمق وأعنف قسوة رغم أن " فرح " خسرت كل شيء بسبب الثورة إلا أنها كانت أكثركن ضبطا لمشاعرها ؛ ربما السر يعود إلى إيمانها العميق بأن الإيرانيين بعد كل ما حدث لا يمكن أن ينكروا تاريخهم في عهد الشاه ، فهو مهدّ التوازن على أرض إيران لكن المشكلة أن مكانه كان خطأ بل جاء في التوقيت الخطأ في وقت كان الإيرانيون يتذمرون من سياسية والده " رضا شاه " الذي كان قد فرض قانون منع الحجاب نهائيا عن المرأة وهو ما سبب حفيظة الملالي ، ثم كان " الشاه " الذي منح الحجاب حرية شخصية لمن ترغب أو لا ترغب ليأتي بعد ذلك " خميني " فيوجب قانونه الخاص في فرض الحجاب على كل امرأة إيرانية والامتناع يعني إدانة كبرى في وجه الثورة الإسلامية .. وكم من جرائم ارتكبت باسم " الحجاب " في طهران ..!

 

أنت أستاذة أدب ماهرة .. تجيدين نحت حروفك .. ونهجك في " صفك الخاص " اختراع مذهل لمناقشة الأدب خارج نطاق جدران الجامعة مع طالباتك أعني بناتك كما تشتهين تسميتهن .. أمر يدعو ليس إلى انبهار فقط بل إلى التفاؤل ؛ فقليلون أولئك الذين يخلصون للأدب كفن وكقضية ..

تعرفين .. أفضل وسيلة لمناقشة الأدب هي وسيلتك المثلى .. أعني " صفك الخاص " مع زمرة من المخلصين بعيدا عن المهرجانات الأدبية الملفقة بالأضواء .. بعيدا عن التملق ؛ لأن الكاتب في تلك الأجواء لا يمكن أن يضع ادعاءاته جانبا ، بل في أحيان كثيرة يضطر إلى أن يستعير إحدى أقنعة " مسرح نو " الياباني كي يضعها على وجهه ..!

 

ثمة أمر أثار دهشتي بطريقة ما  هو أمر " هروبك " عفوك لقسوة هذه اللفظة ..! لن أناقش قضية " هروبك الأكبر " وهي مغادرة طهران نهائيا ، لكن سأتحدث عن وسيلتك لصد أولئك الملالي بالكف عن العمل بالتدريس في جامعاتهم رغم أنك كنت طهرانية حتى النخاع .. ورغم أن عشق التدريس كان يطفح من دمك طفحا والامتنان للسيدة " رضوان " التي روضّت نوعا ما رأسك المليء بالعناد .. وكما اعترفت في سطور كتابك قد أحدثت خللا في توازنك وكانت حجة السيدة " رضوان " في محلها حينما قالت لك : " ألم يكن من الأفضل تقديم يد المساعدة للشباب بدل أن تفوتهم الفرصة لمعارضة النظام بشكل واضح وصريح ؟ " وكان ثماره بعدئذ " صفك الخاص " وبناتك ..

لكن الأمور لن تبقى كما هي من واقعي الشخصي كنت قد تخرجت من جامعة ذات نزعة إسلامية وكانت تتفنن في فرض قوانينها الصارمة حول اللباس المحتشم وثمة ضوابط وعقوبات تسفر عن أي مخالفة .. وجيلا بعد جيل تماشى الوضع على ما هو عليه ، في البداية كنت محبطة جدا وفكرت مرارا في ترك الجامعة كما فعلن الكثيرات ؛ ففي الوقت الذي كن صديقاتي الأخريات يتمتعن بحقوقهن في جامعات أخرى كان علي أنا أن أجد نفسي داخل مجتمع لا يختلف كثيرا عن المدرسة التي حصلت منها على شهادتي الثانوية .. لكن دائما ثمة ثغرة في القوانين التي يضعها بشر ناقصون .. صوتي الداخلي وقتئذ نبذ بقاء الوضع على ما هو عليه ؛ لهذا كان يحلو لي كثيرا أن أكسر قوانين الجامعة وأفرض قوانيني مكانها فتأتي إحدى المشرفات الشريرات وهي تحدق إلى تنورتي التي تراها الضيقة بأعينها الضيقة أو زاهية الألوان بينما صوتها يعنّف : عيب والله عيب ..!  عيب في وسط جامعة مغلقة وخالية من طلابها الذكور فقد كان لهم قسمهم الخاص المفصول عنا ..! هذا العيب تحديدا لم أكن استسيغه البته ..!

و حين كانت تتعب مني ترسلني إلى رئيستها فكنت انتصب في هيئتها وأنا مخالفة فأتملص بحجج واهية بأن تنانيري الواسعة في المغسلة أو أنها احترقت دفعة واحدة ولم يبق لي سواها .. كنا نتملص من قواعدهم الصارمة بمآرب ساخرة فجة ولازلت أذكر تأثير الدفعة التي كنت جزءا منها في قلب الجامعة رأسا على عقب .. ليس فقط في تخطي الخطوط الحمراء الوهمية التي كانت جزءا أساسيا في تمردنا بل أيضا في ضخّ الجامعة بأفكار جنونية التي ساهمت في رفع من مستواها العلمي كثيرا وهذا وحده كان كفيلا إلى أن يعيد عميد الجامعة النظر في معظم القوانين التي سنّها علينا ليقول لنا في النهاية بصوت مذعن تماما : قلن لي ، ما هي الأمور التي تردن منا تغييرها بشأن أنظمة الجامعة .. وفي ذاك الوقت كنت موقنة بنظرية " آرثر شوبنهاور " حينما قال : " الحقيقة الكاملة تمر ثلاث مراحل ، أولا : ستبعث على السخرية ، ثانيا : ستعارض بقوة ، ثالثا : ستقبل باعتبارها فرضت نفسها " ..

صوت التمرد كان متوحدا في داخلنا هو وحده الذي سفّه الآخرين وقوانينهم ، ولعل هذا ما كان ينقصكم ، أعلم لا مجال في المقارنة ما بين المجتمعين لكن كان عليكم المثابرة في العمل وخلق التحدي المتوحد .. ولماذا اذهب بعيدا فـمواطنتك " شيرين عبادي "* حين فصلت من مهنة القضاء لم تذعن بسهولة ، بل اتجهت إلى ممارسة المحاماة وقد دافعت بشراسة كبيرة عن حقوق النساء في طهران لدرجة استحقاقها جائزة نوبل عن جهودها في هذا المجال .. عادة نكون مضطرين في البداية أن نذعن لهم في وقت نكون فيه أشبه بقطعان ماشية متجمهرين في زريبة واحدة إلى أن يتبدى الاختلاف من تلقاء نفسه فارضا مطالبه .. اعتقد أن طالبتك " آذين " كانت من هذا النمط هي التي كانت تتحدى الثورة بوضع أحمر شفاه صارخ اللون أو تخبئ أظافرها المطلية بأحمر الطماطمي تحت قفازين رغم أن انكشاف أمرها كان من الممكن أن يزجها خلف قضبان حديدية مع عقوبات متوحشة ولعل أبرزها الاغتصاب ..!

 هذا ما يحدث .. نساؤنا هنا في الخليج تحديدا يقارعن الأنظمة بالعمل يواصلن النهار بالليل .. إنه نوع من الهروب اللذيذ في نظرهن أفضل من الانشغال بالاستبداد المخنوق على أنفاسهن في أحيان كثيرة .. أجل إنهن يستنزفن أرواحهن .. كثيرات استنزفن فعلا .. 

طرق الاستبداد متفاوتة لكن كلها تلتقي بطريقة ما .. أحيانا علينا أن لا نلقي لها بالا كبيرا .. دعيني أخبرك بسياسية ابنة أختي فهي دائما تردد بهدوء حكيم إذا ما جلسنا في مكان عام وثمة هناك من يتحرشون بنا بنظراتهم : " دعيهم هم سيتعبون في النهاية وليس نحن " ..! لعل الأمور أحيانا تفسر بهذا المنطق .. على الأقل هو أمر يدعونا إلى التصالح .. هذا ينطبق على " مهشيد " تماما فهي تصالحت مع الثورة وتقلباتها الطارئة مقابل حبها لبلدها .. حب مخلص فاق الحدود لدرجة أن عيشها خارج طهران كان من الممكن أن يردمها ميتا كسمكة خارج الماء ..

على خلاف الجميع ربما عندما يستبد بي أمر ما .. معضلة .. أزمة .. لا أولي أمري للهرب .. أصلا لا أجيده ولا أحاول قطعا أن أؤدي دور النعامة المثالي في اللامبالاة .. لكنني وببساطة مطلقة أخفف من وطأة ما ألم ّ بي بوسيلة ما .. وكان آخر ما ابتكرت هو " قص شعري " كما اعترف  لك تماما .. لا أدري لماذا وكيف ابتكرت هذه الوسيلة ..؟! لكنني عندما أفعلها وأقف أمام المرآة أجد إنسانة أخرى بقصة شعر جديدة والمعضلة التي أنا فيها لن تتعرف على هذه المرأة الأخرى .. ولا أعرف كيف حينئذ تنطلي الحيلة على عقلي الباطني هذا الإحساس بالتغيير يوقظ في داخلي انفعالات جديدة .. ببساطة يتلبسني شعور آخر بولادة جديدة في كل شيء .. لكن يحدث في بعض الأحيان أن أهجس بخاطر ما يقول لي : ستكونين صلعاء في زمن ما يا ذكية ؛ فما العمل حينئذ ..؟!

إنه خاطر هزلي بالتأكيد لكنني وقتئذ سأبتكر طريقة أخرى احتال فيها ليس فقط على عقلي الباطني بل العالم كله ..!

واعتقد أن هذا ما يحدث الآن في طهران ؛ فكل امرأة هناك تبتكر طريقتها لدحض خيبات الواقع المريرة كي تستيقظ كل صباح امرأة أخرى جديدة ليس فقط في كيانها الإنساني بل ماضيها ومستقبلها .. ألم تسألي نفسك لماذا بقي " ساحرك "  في طهران ممارسا ما شغف به من ممنوعات ضمن قواعد الثورة ..؟! لأنه كان قد ابتكر حياته ضمن حدوده الخاص الذي لم يكن يسمح لأي كائن ما فضّ سريته ، لقد كان يكفيه التمشي على أرض موطنه كعاشق وفيّ رغم كل شيء ..

دعيني اعترف : شيء مني بقي في صفحات كتابك .. لعلي كنت إحداهن .. إحدى طالباتك الافتراضيات أو كساحرك الذي أجزم أنه يشبه الممثل الأمريكي " جورج كلوني " .. وقد كاشفته برغبتك : " أريد أن أنجز كتابا أشكر فيه الجمهورية الإسلامية على كل الأشياء التي علمتني ؛ فقد علمتني أن أعشق " جيمس " و" أوستن " والآيس كريم والحرية .." يبدو أننا دائما ندين للآخرين ..لأولئك الذين أمطرونا بباقات من الأشواك في زمن ما فلولاهم ما كنا بهذا الافتنان ..!

" أحيانا نعتمد على الآخرين كمرآة ليقولوا لنا من نكون " استعرت هذه العبارة من بطلة الفيلم الأمريكي الذي أشاهده ضمنيا وأنا اكتب حديثي هذا إليك ..

وكان " ساحرك " مرآتك .. انبهرتُ به ككيان انساني لا يمكن أن أصدق سوى أنه افتراضي ؛ لأن أمثال " ساحرك " نادرون جدا وغالبا هم افتراضيون من ابتكار خيالاتنا التي تعوز إلى أمثالهم .. في لحظات احتياج صادقة نراهم أمامنا .. نحاورهم .. نفضفض لهم عما يدور في عوالمنا الداخلية المكهربة .. نسمح لهم بالتسكع فينا ؛ كي يمدّونا بسعة من الأمان المفقود ونحن بدورنا نغدق عليهم بالمحبة والولاء .. لأنهم يقولون لنا ما نريده نحن بالضبط ..!

 

قد ابعث لك بهذه الرسالة .. ابعثها لك هناك في منفاك حيث أنت وبيجان ونيغار ودارا .. في منفاك .. حيث ثمة حقيقة فاغرة لا يمكن نكرانها مطلقا هي أن المسافات ليست وحدها تبدل الأشياء بل الزمان .. فبقدر ما ننأى زمانيا فإن المسافة الجغرافية لا تعمل إلا على مضاعفة الأبعاد الزماني .. هل يحدث عندما تهجسين في العودة أن يضيء عقلك حجته من كلمات قد تغنت بها " فروغ فرخ زاده " في زمن تمردها وعصيانها قائلة بخيبة: " الطريق بلغ نهايته ، وقد وصلت من الدرب مشعّثةً مغبرّة عطشى والدرب لم يوصلني إلى النبع ، واأسفاه كانت مدينتي قبراً لآمالي " ..؟

لكن الحقيقة الأهم غير قابلة للدحض أن منفاك الصغير هو من جعلك تنبشين " لوليتا في طهران " سبب وحده يكفي لصلاة امتنان وشكر ..

 

بعد قراءة روايتك أصبحت انظر إلى كل امرأة إيرانية بشكل مغاير وحدث أن قابلت إحداهن من وقت قريب في محل لبيع الأحذية .. كانت جميلة جدا ولم يدهشني ذلك فنساء إيران سرد التاريخ عن حكايات جمالهن .. كانت تضع على رأسها حجابا حاسرا للخلف يظهر شعرها المصبوغ بلون جريء وترتدي بلوزة مزركشة بخرزات ملونة مع بنطال جينز ضيق .. كان مكياج وجهها صاخبا وأظافرها مطلية .. تحاورنا قليلا وعندما استفسرتها عن آخر أوضاع المرأة في طهران ابتسمت ببراءة ونصحتني بمشاهدة فيلم جديد للمخرجة " رخشان بني اعتماد " *بعنوان " نحن نصف الشعب الإيراني " ثم ودعنا بعضنا .. همست لصديقتي التي كانت برفقتي : لو ظهرت هذه الفتاة الفاتنة في طهران بهذا الشكل لربما قد أعدمت ..!

 

حان وقت نومي .. الساعة تشير بحسب توقيت دولة الإمارات إلى الثانية والنصف تماما .. ويبدو أن عدوى تأريخ الأحداث انتقل إلي ّلتثمين بعض اللحظات التي نعيشها مرة واحدة في العمر .. وقد كان هذا الحديث بالنسبة لي لحظة فرح نادرة ..

أنه كما يشير هاتفي النقال : يوم الأربعاء الموافق من 22 / 12 / 2010م ..

إننا على أعقاب سنة جديدة وهذا وحده يستلزم أمنيات جديدة كولادة شرنقة .. ماذا أتمنى ..؟

ربما أن التقيك .. قد يحدث أن تتصادف أقدامنا على رصيف واحد ولو كان هذا العام كريما معي فإنني أريده أن يكون في طهران .. لكن ليس أي طهران .. بل طهران المدينة المعافى بالفن والفكر والثقافة والأدب والتراث الإنساني .. الطهران التي تحلمين وتتوقين لها ..

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

·   آذر نفيسي : كاتبة إيرانية ، أستاذة في جامعة جونز هوبكنز ، حائزة على زمالة من جامعة أوكسفورد ، عملت في إيران كأستاذة للأدب الانكليزي في جامعة طهران وغيرها من جامعات إيران ، لها رواية " أن تقرأ لوليتا في طهران " سيرة في كتاب .. منشورات الجمل .

 

·        شيرين عبادي : أول امرأة مسلمة تحصل على جائزة نوبل للسلام ، وهي أول امرأة تعمل في وظيفة القضاء في إيران لكن الثورة الإسلامية فصلتها عن وظيفتها التي كانت في نظرهم من حق الرجل فقط ، ولكنها عملت بعد ذلك محامية مدافعة عن حقوق النساء في إيران وعن كل المضطهدين على يد الثورة الإسلامية .. وهي حاليا قابعة في إحدى سجون طهران ..

 

·   رخشان بني اعتماد : مخرجة إيرانية الأكثر جدلا في طهران ، أنتجت عدة أفلام لامست خلالها أوضاع المرأة الإيرانية بشكل خاص والمرأة بشكل عام ، وحازت عدة جوائز ..

 

ليلى البلوشي

الاثنين، 17 ديسمبر، 2012

مثقف نخبوي وأميّ ابن شارع ..!


 
 
مثقف نخبوي وأميّ ابن شارع ..!
 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب اللندنية

 

كتب الروائي المصري " علاء الأسواني " تغريدة في حسابه على تويتر ردا فيها على إلغاء غير الدستوري الذي أعلنه الرئيس المصري " محمد مرسي " مفضيا إلى إعلان دستور جديد عبر إجراء إستفتاء .. فعلق الروائي المصري مكتوبا : " لو وافقنا الإخوان على الإستفتاء بشرطين أولا أن يستبعدوا الناخبون الأميّون وثانيا عقوبة الحبس لمن يشتري الأصوات بالزيت والسكر هل يقبلون أو لا ..؟"

عبارة الروائي " علاء الأسواني " رسمت علامات تعجب مذيلة بإستفهام في عقلي وعقول من مرت بهم التغريدة ؛ فالأميّون كأنهم ليسوا ضمن قائمة الشعب المصري ..؟!

اتذكر في وقت سابق كتبت مقالة عن دور المثقف في المجتمع ؛ مثقف الثورات الذي له دور أساسي وفعال في نشر الوعي واسميت المقالة يومئذ والتي جاءت على ثلاث أجزاء : " طريق المثقف إنتفاضة عمالية " ..

ومما قلت مكتوبة : " الثقافة والتثقيف ليسا مقصورين على من لديه مخزون ثقافي ، فهو لا يشمل فقط الكاتب أو الشاعر أو الباحث أو الصحفي أو الأكاديمي أو الفنان ؛ ولا من لديه شهادة عالية يتخذها عكازه لتثبيت شخصه ..!

 بل يفيض هذا المفهوم فئات أخرى لا يقل تأثيرها في المجتمع عن أولئك المثقفين كـ الإعلامي ومقدم البرامج والمغني والممثل ، المعلم ، المحامي ، أعني هنا بالنخبة المتعلمة ..

وآخرون وتأثيرهم الإنساني لا يقل أهمية عن النخب المتعلمة في حبها الوطني الممتد وهم العاملون : كالفلاح والعامل البسيط والخباز والحداد إلى ما لا نهاية ، وهؤلاء لديهم ما يسمى بثقافة " الواقع " أو ما يوازي ثقافة " المجتمع " ..

كما أني يومئذ استعنت بعبارة في مقطع من مقالة معنونة بـ " نحو فن بروليتاري " لـ " مايد غولد " كتبها عام 1929 م في صحيفته الراديكالية " الجماهير الجديدة " قال فيه وقتئذ : " لم يعد الفن أمرا نخبويا متعجرفا أو جبانا ، فهو يعلم الفلاحين كيف يستخدمون الجرارات ، ويمنح الأناشيد للمقاتلين الشباب ، ويصمم القماش الذي يرتديه العاملات في المصانع ، ويكتب المسرحيات الهزلية لمسرح المصنع ، وله فوق ذلك مائة مهمة أخرى ، الفن المفيد مثله مثل الخبز " ..

نعود لتغريدة الروائي المصري والتي تقصي الإنسان الأميّ البسيط عن أن يكون فاعلا في مجتمعه ؛ تقصيه وكأنه إنسان حقوقه منقوصة في وطنه ؛ فمنعهم من الإستفتاء على الدستور علما أن نسبة الأمية في مصر تصل إلى 40% في حين نسبة المتعلمين 50% تقريبا .. أي أن المنع لو طبق هذا يعني أن نصف الشعب المصري سيسقط حقه من المشاركة في بناء منظومة الوطن ، وفي المطالبة بعد ذلك بحقوقه السياسية والإقتصادية والدينية والإجتماعية وهلم جرا ..! وليس هذا من العدل بشيء ؛ فما موقع مطالب الثورة هنا والتي جاءت تطالب بعيش وحرية وعدالة إجتماعية ..؟! وهل هذه المطالب للمتعلمين فقط ..؟!

إذا كان إعلان الرئيس المصري " محمد مرسي " للدستور جعل الشعب ينقسم إلى قسمين .. إلى موافقين وإلى معترضين إلى " نعم للدستور " وإلى " لا للدستور " فأستطيع القول بأن عبارة المثقف النخبوي بدورها تدور في دائرة الانقسام نفسها بل تفرض عقدة الثنائيات ما بين " متعلمين " و " أميّين " ..!

حاجة الطبقة الأمية وبساطتها لا يعني استغلال ظروفها حسبما مصلحة كل جهة أو طرف أو حزب أو مؤسسة ولا يعني تقويض كرامتهم بل من واجب المثقف خاصة النخبوي أن يسعى حثيثا إلى توعيتهم لا أن يكون عنصرا أو سببا في إقصائهم ..!

الطبقة الأمية هم أحوج الناس إلى كتّاب واعين يعنون بمصالحهم وحقوقهم الإنسانية .. هم أحوج الحاجة إلى من يقف على آلامهم ويكتب واقعهم وينقلها كما هي محاولا أن يلفت نظر الوطن والعالم إليهم ..

مسألة إقصاء الأميين في المشاطرة في قضايا الوطن مهما بلغت الحجج والمزاعم لن يساهم سوى في إنشاء جدار وهمي برليني ما بين طبقة الأميين والمثقفين ؛ والتي تفاءل العالم العربي تحديدا في السنوات الأخيرة وبفضل وسائل التواصل الاجتماعية في كسر هذا الجدار الوهمي وفي إخراج الكاتب النخبوي - خاصة - من قوقعة برجه العاجي ؛ فيخاطب ويتحاور ويناقش مع قرائه الذين يتابعون ما يكتبه .. ومع أولئك الذين يكتب لهم وعنهم " الأميين " والبسطاء الذين لا يملكون من أدوات الكتابة وفنونها ما يعينهم على التعبير عن أنفسهم كما الكاتب المتمرس في وصف ونقل ظروفهم للعالم الأجمع ..!

بمجرد ما تتعاظم أسوار ما بين المثقف والأميّ سوف ينأى المثقف عن فهم الأميّ وواقعه كما ينأى الأميّ عن فهم المثقف ورسالته في الحياة ..

الأميّ هو ابن الشارع أي ابن الواقع الذي يعايش بالتجربة والتطبيق ويكون جزءا أساسيا بل بطلا في مسلسل يحكي الواقع كما هو بلا ميكأب أو فوتوشوب ..!

وطوال تلك القرون وإلى يومنا هذا أصبح الجميع يتحدث باسم حقوق الإنسان ويتزعم المنابر حجة الدفاع عنهم وعن حقوقهم حتى أن الثورات قامت باسمهم وهم من أجج أوارها ؛ فالجميع يدرك مدى تأثيرهم الفعال والمهم في كل خطوة لبناء وطن متكامل الحقوق والحريات .. وهذا الواقع ليس ببعيد عن عبارة أقرّ بها الفنان المصري " محمد صبحي " وهو المعروف بأفلامه ومسلسلاته التي تتناول شأن الإنسان المصري البسيط بمحتلف أحواله وظروفه مشيرا في أحد حواراته : " أنا كرجل تشتمل تركيبتي على رجل الشارع ورجل السياسة ورجل الفن ، وهذه التركيبة تتشكل منها كل فرد ؛ ولكن بطبيعة الحال بنسب إنما النسبة الأكثر هي رجل الشارع ؛ لأن السياسي إذا كذب يسقطه الشعب ، ورجل الفن إذا كشف أسدل الستارة لكن المتلقي في الجانبين والحالين هو رجل الشارع وفي الحالتين ، فإن إسقاط السياسي وسقوط الفنان بيد هذا الرجل .. أي رجل الشارع .."

فمن هم " الشعب " الذي عناه الفنان المصري " محمد صبحي " يا " علاء الأسواني " ، الروائي . الكاتب . الطبيب . المثقف النخبوي .؟!

 

ليلى البلوشي

السبت، 15 ديسمبر، 2012

تحصين العاشق ..!




تحصين العاشق ..!


نشر في البلد ..


" ثمة أمر أهم منك ومني ، إنه أنت وأنا "

                          - بابلو نيرودا لعشيقته السرية " ماتيلدي يوروتيا " -
* * *
رواية " الحب في زمن الكوليرا " حاولت مرارا وأنا ما بين كرّ وفرّ على عتبة هذه الرواية أتوسل قراءتها بشتى صنوف الإغراء ، لكن محاولاتي حظيت بالفشل ، هي الرواية الأولى لماركيز استعص علي التبحر في عوالمها .. لماذا ..؟! هذا ما عجزت عن تفسيره ..!
لكن بالمقابل بدا لي أنه لا فرار من هذه الرواية ؛ لأن القدر قدمه لي في صورة فيلم .. وأيقنت أنها فكرة لا بأس بها ، في أن أتابع فيلما عن رواية لم أقرأ عنها ، رغم ما يشاع عن التلاعب بالأحداث لصالح الفيلم على حساب الرواية نفسها ..
في الفيلم كانت صورة العاشق مؤلمة جدا وهو يحمل على كاهله حب السنين ، لكنه في الختام انتصر لحبه الذي خلده صدقه وإخلاصه الكبيرين ..
فيما كنت أطالع هذا الفيلم ، انبعثت تنهدات عاشق آخر على نحو جارح من رواية " ثلج الربيع " ليوكيو ميشيما على لسان بطله " كيواكي " وهو يقطر دما حتى آخر رمق فيه لحبيبته " ساتوكو " .. هو الكتاب الذي كنت أعكف على قراءته في الفترة عينها ..
لفت نظري عبارة تناهت من لسان والد العاشق .. كان يرددها كثيرا قبل موته .. حين أقر بأن أكثر شيء ندمه في حياته هو عدم موته عاشقا في سبيل الحب ..!
بطل رواية " الحب في زمن الكوليرا " انتصر حبه رغم مضي سنوات مديدة فخلّد حبه الذي غدا عجوزا .. وبطل رواية " ثلج الربيع " أيضا خلّده الحب ولكن بالموت في سبيله ليدفع  ربيع شبابه ضريبة لذلك ..!
مما لا شك أن الحب ذينك العاشقين هو دليل مفرط على الثمن النفيس الذي سيبذله المحب في سبيل وصم حبه بصمة الخلود دون أن تترك أمامه خيارات شتى .. بل هما خياران وإن تكللا بثالث .. فالمعنى لا يغدو في أن يحمل في صميمه إحدى الخيارين الأساسيين في كهنوت الحب الخالد .. وهما بمعناهما العميق والكبير : " الموت والحياة " وجهين متضادين، متنافرين، متناقضين على نحو مرير وقاطع ..
ولأن الحب هو بذاته المعني بالحديث المسهب في هذه المقالة ، فإنه من الكبرياء والدلال والغرور وفرط الاحساس من أن يمنح خلوده لأي عابر فضولي أو شحاذ رغبة .. !
وتلك التوصية المحبة التي يمنحها الحب لكل عاشقين حديثي العهد ، غضي المشاعر ،  لم تتكابد عليهما مشقة الممنوحة من سيدة القلوب ، لا يعدو في كونه سوى رباطا على فناء ما يدعى بخلود الحب ؛ لأن الخلود في الحب لا سبيل إليه سوى لعاشقين كان القدر لهما بالمرصاد بكافة ويلات الخنوع والفراق ودرب مسدود وخيارات ضيقة .. فإما الموت في بهجة العمر بغصة حب شنق سلفا .. وإما المجاهدة المريرة عبر سنوات عديدة في سبيل شيء اسمه الحب ..
الحب .. لا يمنح خلوده سوى لمستحقيه ولهذا كانت أسطورة روميو وجوليت .. ابن الملوح والعامرية .. ما يزالان يتأججان إثارة في ذاكرة التاريخ ، حتى تساءل الكثيرين عن مدى واقع وجود هذه الشخصيات في حقيقة العالم ..!
تلك هي الصورة الأولى للخلود في أذهان الكثيرين ولطالما تواردت أفكار ووجهات وفلسفات عنها لكن ما أريد الوصول إليه هنا هو "تحصين العاشقين " ..
الحب الذي ينأى بنفسه عن وصال المحبين فتتعاكف عليه الأعوام وهو ما يزال في مضجعه ؛ لأن القدر لم يأذن له أن يلم أطراف تلك القلوب المكسورة وهي مهشمة في شظايا البعد واللوعة والفراق ..
ويمكن القول أن شخصية الآنسة " ساييكي " في رواية الياباني هاروكي موراكامي " كافكا على الشاطئ " تجسيد حقيقي لفلسفة " تحصين العاشق " فهذه المرأة التي تعدت الخمسين جسديا في روحها تتحرك فتاة ذات الخمسة عشر ربيعا .. تلك الفتاة التي أحبت رجلا في ذاك السن وحينما رحل عنها ميتا .. بقيت ذكراه حية .. قوية جدا وغائرة لدرجة أن الفتاة الخامسة عشر لم تغادرها رغم العقود التي مرت ..!

وماذا عن حكاية الحب الصاخبة التي تواثقت بين " هنري ميللر " و" أناييس نن " كانت علاقتهما قوية واستثنائية ، في إحدى الرسائل يعترف قلب ميللر قائلا لها : " أناييس ، ليتك تكونين معي على مدى أربع وعشرين ساعة، تراقبين كل إيماءاتي، تأكلين معي، تعملين معي، هذه الأمور لا يمكن أنْ تحدث. عندما أكون بعيداً عنك أفكر فيك باستمرار، فذلك يُلوِّن كل ما أقول وأفعل. ليتكِ تعرفين كم أنا مُخلص لك! ليس فقط جسدياً، بل وعقلياً، وأخلاقياً، وروحياً. لا شيء يُغويني هنا، لا شيء على الإطلاق. إنني منيع ضد نيويورك، وضد أصدقائي القُدامى، وضد الماضي، ضد كل شيء. للمرة الأولى في حياتي أنا منغمس تماماً في كائن آخر، فيك. في استطاعتي أنْ أتخلّى عن كل شيء من دون أنْ أخشى الإرهاق أو الضياع .."
مشاعر الحب الحقيقية تعني التورط والالتزام ، كما أثبت الفيلسوف " أوشو " مبديا نظريته  : " المشاعر الحقيقية تعني التورط والالتزام ، إنها تعني تفهم وتحسس مشاعر الآخر وليس التعاطف معه ؛ إنها أفعال ، عندما تشعر بشيء حقيقي في قلبك ، يحولك هذا الشعور فجأة ويصبح فعلا ، هذا هو المقياس ، مشاعرك تصبح أفعالا ، وإذا بقي شعورك شعورا ولم يصبح فعلا ، يجب أن تدرك أنه شعور مزيف ، وهكذا فأنت تخدع نفسك أو تخادع الآخرين .."
يتبدى لنا هنا ملمح عميق ، هاجس هذياني لا نجسه سوى في قلب خلقه الله للإخلاص ولا شيء غير ذلك ..
هذا الإخلاص بعينه هو ما يدفع حامله إلى تحصين نفسه عن قلوب الآخرين .. عن وصالهم .. عن السماح لأي كائن كان أن يدنو من صومعته ؛ لأن أدنى مخالفة لمسمى الإخلاص يعني الخيانة بالمعنى الدقيق والكلي ..
خيانة المحب .. الطرف الأهم في صفقة الإخلاص الأبدي .. ذاك الهتك المستعصي سيجد نفسه محاطا بصيانة العاشق ..
حب الآخر يصونه عن حب الآخرين .. حب الآخر يشمع قلبه بلاصق قوي .. يجعله يرفع شعار " أنا لست لي " ..
لأن ذاك المكان بكل سعة من سويعاته الممتدة وكل شاغر من شواغره الفضفاضة هو ملك للآخر العاشق الغائب الحاضر.. وهو لا ولن يكون إلا بأحقية وثيقة " تحصين العاشق " ..

في زمن لا يؤمن سوى بـ " أناه " ؛ فكم من عاشق يقول للآخر البعيد القريب : يا أنا ..؟!

يحكى أن " جان كوكتو " عشق المطربة الفرنسية الشهيرة " أديث بياف " ويحدث أن حاورا مرة عن أسبقية أحدهما إلى الموت قبل الآخر وأصرّ كل واحد منهما أنه هو السباق إلى الفناء الأبدي ولكن القدر أخذ " أديث بياف " .. وكان " جان كوكتو " قد اعترف قبل موتها : " إذا ماتت أديث بياف فسوف يموت نصفي ، بل ثلاثة أرباعي ، بل أنا جزء منها ، وموتها موت لي "
وبعد موتها خابر حديث تليفوني من إذاعة باريس الأديب كوكتو يطلبون إليه أن يقول كلمة عن صديقة عمره .. فوعدهم كوكتو .. ولما ذهبوا إليه وجدوه قد مات ..!



ليلى البلوشي

الثلاثاء، 11 ديسمبر، 2012

" مانسا موسى " ملك كان يرتحل بالذهب ويعود بكنوز الكتب ..



" مانسا موسى " ملك كان يرتحل بالذهب ويعود بكنوز الكتب ..

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب اللندنية

في خبر غريب من نوعه نشره موقع  يعنى بتصنيف أثرياء العالم عبر التاريخ ليحتل ملك أفريقي مسلم من مالي يدعى " مانسا موسى " هذا الرجل الأسطورة حيزا ضمن قائمته الثرية ؛ فمن يقف على قصة حياته وثرائه الباذخ وكرمه المفرط في دولة اليوم تعد من أفقر دول العالم يصاب بمس الفخر والخيبة في آن ..!
أما منبع الفخر في كون هذا الملك الأفريقي المسلم المولود عام 1280 من القرن 14 الميلادي من أغنى أغنياء العالم على مر العصور، إذ بلغت ثروته 400 مليار دولار أميركي، وفقاً لقائمة "أغنى 25 شخص عبر التاريخ" ..
كان حاجي كانجا " مانسا موسى " من أعظم زعماء امبراطورية مالي، ومن أشهر زعماء أفريقيا والإسلام في القرون الوسطى .. خلف السلطان أبو بكر الثاني عام 1312م. . كان عالما ورعا إلى جانب حنكته السياسية ، في عهده ازدهرت جامعة سانكوري كمركز للعلم في أفريقيا ، وسع دولته لتضم مناجم الذهب في غينيا بالجنوب، وفي عهده أصبحت عاصمته تمبكتو محط القوافل التجارية عبر الصحراء بالشمال.. ليس هذا فقط بل إنه نشر الإسلام في كافة أنحاء إمبراطوريته، وسافر إلى مكة لقضاء فريضة الحج في بعثة تضم آلاف الناس ومئات الجمال المحملة بالذهب والهدايا.. وزع في طريقه إليها آلافاً مؤلفة من سبائك الذهب، خاصة في القاهرة فتسبب في أزمة هبوط أسعار الذهب.. وعند عودته أحضر معه عددًا من العلماء بينهم مهندس معماري أسهم في بناء مسجدي جاو وتمبكتو القائمين إلى يومنا هذا..
كانت مالي منجما للذهب ، غنية جدا بالثروات ،  فكان طوال رحلته يمنح كل بلاد يمر بها سبائكا من الذهب واستمر في منح عطاياه وهداياه حتى وصل إلى مكة المكرمة وأدى فريضة الحج فيها ثم رجع بالجمال ، ولكنها لم تكن فارغة بل محمّلة بالكتب .. كان يرحل محملا بالذهب ويرجع إلى دياره بكنوز الكتب ..
ولم يكتف بتحميل الكتب وبل يصحب معها بعض الطلبة والمهندسين المعماريين ليحولوا مدينته إلى مساجد ومدارس ومكتبات ، استغرقت هذه الرحلة عاما كاملا وأصبحت مالي – تيمبكتو.. وهي البلدة الغنية بالذهب في مالي مركزا تجاريا وثقافيا ودينيا..
بعد وفاة " مانسا موسى " عام 1331 .. لم يحسن ورثته إدارة ثروته وأنفقوا جزءاً كبيرا منها في الحروب الأهلية والجيوش الغازية ، وفقاً لما ذكره موقع الإندبندنت" البريطاني ..
والآن مالي هي من أفقر الشعوب الافريقية ولكنها تحتوي على كنز ثمين يحاول العلماء العثور عليه  وهي الكتب التي جاء بها مانسا واحتفظ ببعضها أهل القرية إلى الآن في أغلفة من الجلد أو في الكهوف وفي صناديق تحت الأرض..
ليس هذا فقط بل ذكر الموقع الذي صنف أثرياء التاريخ أن عائلة "روتشيلد Rothschild" والتي احتلت المركز الثاني و يعتبر أحفادها من أغنى الأشخاص على هذا الكوكب ، بدأت العائلة في تكوين ثروتها بعملها في المجال المصرفي في أواخر القرن 18 وتقدر ثروتها اليوم بـ 350 مليار دولار وزعت على مئات الأحفاد الذين هم من كبار رجال الأعمال في أيامنا هذه .. ويعرف أنها عائلة يهودية ..
عائلة روتشيلد الصهيونية التي بنت ثروتها بتمويل الحروب وخاصه الحرب العالمية الثانية وهي تمتلك وتموّل إسرائيل و80 % من أراضي فلسطين تملكها عائلة روتشيلد اليهودية الصهيونية حيث هم من أكبر الممولين للنشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين، ودعم الهجرة اليهودية إليها وذلك بتمويلها وحمايتها سواء سياسياً أو عسكرياً .. كيف لا وهي تبنت فكرة إقامة عائلة يهودية في فلسطين ..!
بين ملك مسلم كان أغنى أغنياء العالم انتهت إمبراطوريته إلى بلد يغرق في فقر مدقع وبين إمبراطورية صهيونية عرفت جيدا كيف تحافظ على ثرواتها حتى اليوم –مما لا شك - أنها مقارنة تفقع المرارة وتثير الخيبة المُرّة ..!
ليلى البلوشي

الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

الطريق إلى الدولة الحديثة معبّد باللون الأحمر ..!



الطريق إلى الدولة الحديثة معّبد باللون الأحمر ..!

نشر في الرؤية / العرب

في الأعوام الأخيرة أصبح الحديث عن الدولة الحديثة وأسس قيامها وشروطها حديث العالم والكتب في حد سواء .. فما هي الدولة الحديثة بشروط ونظرة العالم اليوم ..؟
في كتاب " النظرية العامة للدولة الحديثة " يفصِّل المؤلف " محمد رعدون " الحديث عن الدولة ومفهومها مذ بداية ظهورها كمفهوم حتى وقتنا الحاضر ، فمفهوم الدولة في الأساطير القديمة كان عبارة عن " دولة " تحكمها الآلهة ، إله السماء " إنو " يصدر الأوامر وإله العاصفة " إنليل " ينفذ الأحكام الإلهية بالبشر ..
أما فكرة نمو الدولة فهي ثمرة من ثمرات الإصلاح الديني في أوروبا القرن السادس عشر وقد قادها " مارتن لوثر " الألماني و" جان كالفن " السويسري ولم يلبث أن تطور هذا الإصلاح الديني إلى ثورة ضد تكبيل العقل بقيود فرضتها الكنيسة وقتذاك ونتيجة لهذا الضغط الوعظي تطورت حركة التنوير إلى ثورة سياسية ضد استبداد الكنيسة بالسلطة ومن هنا برزت ما يسمى بـــ" العلمانية " والتي نادت بفصل الدين عن الدولة مما أنشأ صراع وتصادم ما بين سلطة الكنيسة والدولة حتى تدخلت الثورة الفرنسية بالعنف الثوري لتحسم الصراع لصالح العلمانية ..
وحين برز مفهوم الدولة اختلط على بعض الزعماء عبر التاريخ مفهوم الدولة وحدودها ؛ حيث ذهب البعض إلى اعتبار أن الدولة هي من حقه واحتكرها ضمن ممتلكاته الشخصية وليس بعيدا عن ذلك الملك لويس الرابع عشر الذي كان يقول : أنا الدولة ..! بينما لويس الخامس عشر كان يردد : أنا القانون ..! أي أن النظام العام كله ينبع منه وكل حقوق ومصالح الأمة متحدة مع حقوقه ومصالحه ..! أما ملك اليابان " الميكادو " فاعتبر نفسه إله الشمس الذي يحكم الكون كله ..!
ومع انبثاق مفهوم الديمقراطية تخلخلت المفاهيم المقدسة التي كان الزعماء والحكام يتفاخرون بها وتحطمت الأوهام الإلهية التي خدعوا عقول شعوبهم بها ..!
من هنا برزت مفاهيم أخرى لمفهوم الدولة تتماشى والعصر الديمقراطي ، فمفهوم الدولة عند " ريمون بولان " هي حضارة تفصح عن نفسها في مؤسسات ينظمها القانون .. أما عند " جورج بوردو" هي صاحبة السلطة الدائمة التي يتعاقب الحكام بصورة عرضية في ممارستها .. وعرفها " لاسكي " بأنها المجتمع الذي يعيش فيه مجموعة من البشر سويا ويعملون معا من أجل مصالحهم المشتركة ..
أما " ماركس " وتلاميذه فقد رأوا أن تحديد الدولة وتشكيلها ينجم عن تقسيم مادي وحتمية تاريخية تكون فيها المؤسسات السياسية انعكاسا لتقنيات الإنتاج وأساليبه إضافة إلى البنية الفوقية التي تضم الأخلاق والدين والقانون والفنون وهلم جرا ..
ويذهب المؤلف في شروحاته حيث يرى أن الدولة كانت مرتبطة بمفهوم الإقليم ، حيث دأب الحكام عبر التاريخ على تجميع الملكية الإقليمية وضمان توحيدها الداخلي من أجل ضمان توفر هذا الشرط .. ففي بداية تشكل الدول كان المقصود بمصطلح " تأهيل الإقليم " أشغال الري وبناء السدود وشق الطرق وغيرها من الأشغال التي كان المجتمع يعنى بها في طريقه نحو التحديث والمدنية والتطور ..
ومن ثم ألقى الضوء على الشروط البدهية لتشكيل دولة وهو" الشعب " والشعوب هم مجموعة من الأفراد الذين ينتمون إلى الدولة بعلاقة قانونية عرفها القانون الدولي بمسمى " الجنسية " مع العلم أن القانون العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلن في باريس عام 1948م أكد ونص أن لكل إنسان الحق بأن يتمتع بجنسيته وأنه لا يجوز نزع الجنسية من أي إنسان ..!
ولو ألقينا نظرة شاملة على دول الخليج والوطن العربي لأدركنا أنهم يخالفون هذا القانون النصي وأن ثمة دول بعينها قامت بسحب جنسيات مواطنيها من غير أي حق شرعي على رأسها " البحرين " من وقت قريب جدا ..! وهذا يثب بمدى الظلم الذي يعيش في كنفه الإنسان العربي ؛ وكأنه في غابة بلا حقوق ولا قوانين تصون إنسانيته وكرامته في وطن اعتبره البعض مزرعة وآخرون ملكية خاصة قابلة للإحتكار لثرواتهم وسيطرتهم وإستبدادهم ..!
يعرج المؤلف بعد ذلك على توضيح الفرق ما بين الدولة بوصفها كيانا سياسيا والأمة بوصفها كيانا قوميا .. أما السلطة هي أهم مكون من مكونات الدولة وهي التي تحول الشعب إلى دولة بإعتبار أنها تملك وسائل إكراه اللازمة لتنفيذ أوامرها وهي تستند في ذلك قطعا إلى قوتها المادية .. واليوم أهم ما يميز الدولة الحديثة هي احتكار القوة العسكرية تأكيدا لسلتطها العليا وذلك واضح للعيان ؛ حيث تقوم السلطات بقوتها العسكرية ضخ دماء شعوبها وقذف عتادها وأسلحتها ومتفجراتها عليها كي تبقى في سلطتها دون أن يهمها الإنسان وعدد الضحايا الساقطين بدمائهم .. دون أن يبالوا بخراب الوطن ولا أفواج اللاجئين الفارين مع خوفهم ورعبهم من سطوة نظام عسكري لا يهمه سوى مصلحته الخاصة .. كرسيه .. عرشه الدنيوي .. والأمثلة لا تعد ولا تحصى بطول خليجنا وعرض محيطنا العربي ..!
أما الدول العظمى فهي تنتج وتصنع الأسلحة لتتاجر بها بل وتسعى إلى إضرام الحروب بين الدول العربية خاصة ؛ كي تعيش على حسابها .. ولعل أقرب مثال واقعي هي أمريكا والتي لا يمكنها بعد أزمات الاقتصادية التي مرت بها أن تكف عن لعنة الحروب ..!
ما بين أمم تقصف وأمم تحيا على ثروات القصف ؛ شتان ما بين الأولى المقصوفة والثانية القاصفة  ..!

ليلى البلوشي