الاثنين، 17 ديسمبر، 2012

مثقف نخبوي وأميّ ابن شارع ..!


 
 
مثقف نخبوي وأميّ ابن شارع ..!
 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب اللندنية

 

كتب الروائي المصري " علاء الأسواني " تغريدة في حسابه على تويتر ردا فيها على إلغاء غير الدستوري الذي أعلنه الرئيس المصري " محمد مرسي " مفضيا إلى إعلان دستور جديد عبر إجراء إستفتاء .. فعلق الروائي المصري مكتوبا : " لو وافقنا الإخوان على الإستفتاء بشرطين أولا أن يستبعدوا الناخبون الأميّون وثانيا عقوبة الحبس لمن يشتري الأصوات بالزيت والسكر هل يقبلون أو لا ..؟"

عبارة الروائي " علاء الأسواني " رسمت علامات تعجب مذيلة بإستفهام في عقلي وعقول من مرت بهم التغريدة ؛ فالأميّون كأنهم ليسوا ضمن قائمة الشعب المصري ..؟!

اتذكر في وقت سابق كتبت مقالة عن دور المثقف في المجتمع ؛ مثقف الثورات الذي له دور أساسي وفعال في نشر الوعي واسميت المقالة يومئذ والتي جاءت على ثلاث أجزاء : " طريق المثقف إنتفاضة عمالية " ..

ومما قلت مكتوبة : " الثقافة والتثقيف ليسا مقصورين على من لديه مخزون ثقافي ، فهو لا يشمل فقط الكاتب أو الشاعر أو الباحث أو الصحفي أو الأكاديمي أو الفنان ؛ ولا من لديه شهادة عالية يتخذها عكازه لتثبيت شخصه ..!

 بل يفيض هذا المفهوم فئات أخرى لا يقل تأثيرها في المجتمع عن أولئك المثقفين كـ الإعلامي ومقدم البرامج والمغني والممثل ، المعلم ، المحامي ، أعني هنا بالنخبة المتعلمة ..

وآخرون وتأثيرهم الإنساني لا يقل أهمية عن النخب المتعلمة في حبها الوطني الممتد وهم العاملون : كالفلاح والعامل البسيط والخباز والحداد إلى ما لا نهاية ، وهؤلاء لديهم ما يسمى بثقافة " الواقع " أو ما يوازي ثقافة " المجتمع " ..

كما أني يومئذ استعنت بعبارة في مقطع من مقالة معنونة بـ " نحو فن بروليتاري " لـ " مايد غولد " كتبها عام 1929 م في صحيفته الراديكالية " الجماهير الجديدة " قال فيه وقتئذ : " لم يعد الفن أمرا نخبويا متعجرفا أو جبانا ، فهو يعلم الفلاحين كيف يستخدمون الجرارات ، ويمنح الأناشيد للمقاتلين الشباب ، ويصمم القماش الذي يرتديه العاملات في المصانع ، ويكتب المسرحيات الهزلية لمسرح المصنع ، وله فوق ذلك مائة مهمة أخرى ، الفن المفيد مثله مثل الخبز " ..

نعود لتغريدة الروائي المصري والتي تقصي الإنسان الأميّ البسيط عن أن يكون فاعلا في مجتمعه ؛ تقصيه وكأنه إنسان حقوقه منقوصة في وطنه ؛ فمنعهم من الإستفتاء على الدستور علما أن نسبة الأمية في مصر تصل إلى 40% في حين نسبة المتعلمين 50% تقريبا .. أي أن المنع لو طبق هذا يعني أن نصف الشعب المصري سيسقط حقه من المشاركة في بناء منظومة الوطن ، وفي المطالبة بعد ذلك بحقوقه السياسية والإقتصادية والدينية والإجتماعية وهلم جرا ..! وليس هذا من العدل بشيء ؛ فما موقع مطالب الثورة هنا والتي جاءت تطالب بعيش وحرية وعدالة إجتماعية ..؟! وهل هذه المطالب للمتعلمين فقط ..؟!

إذا كان إعلان الرئيس المصري " محمد مرسي " للدستور جعل الشعب ينقسم إلى قسمين .. إلى موافقين وإلى معترضين إلى " نعم للدستور " وإلى " لا للدستور " فأستطيع القول بأن عبارة المثقف النخبوي بدورها تدور في دائرة الانقسام نفسها بل تفرض عقدة الثنائيات ما بين " متعلمين " و " أميّين " ..!

حاجة الطبقة الأمية وبساطتها لا يعني استغلال ظروفها حسبما مصلحة كل جهة أو طرف أو حزب أو مؤسسة ولا يعني تقويض كرامتهم بل من واجب المثقف خاصة النخبوي أن يسعى حثيثا إلى توعيتهم لا أن يكون عنصرا أو سببا في إقصائهم ..!

الطبقة الأمية هم أحوج الناس إلى كتّاب واعين يعنون بمصالحهم وحقوقهم الإنسانية .. هم أحوج الحاجة إلى من يقف على آلامهم ويكتب واقعهم وينقلها كما هي محاولا أن يلفت نظر الوطن والعالم إليهم ..

مسألة إقصاء الأميين في المشاطرة في قضايا الوطن مهما بلغت الحجج والمزاعم لن يساهم سوى في إنشاء جدار وهمي برليني ما بين طبقة الأميين والمثقفين ؛ والتي تفاءل العالم العربي تحديدا في السنوات الأخيرة وبفضل وسائل التواصل الاجتماعية في كسر هذا الجدار الوهمي وفي إخراج الكاتب النخبوي - خاصة - من قوقعة برجه العاجي ؛ فيخاطب ويتحاور ويناقش مع قرائه الذين يتابعون ما يكتبه .. ومع أولئك الذين يكتب لهم وعنهم " الأميين " والبسطاء الذين لا يملكون من أدوات الكتابة وفنونها ما يعينهم على التعبير عن أنفسهم كما الكاتب المتمرس في وصف ونقل ظروفهم للعالم الأجمع ..!

بمجرد ما تتعاظم أسوار ما بين المثقف والأميّ سوف ينأى المثقف عن فهم الأميّ وواقعه كما ينأى الأميّ عن فهم المثقف ورسالته في الحياة ..

الأميّ هو ابن الشارع أي ابن الواقع الذي يعايش بالتجربة والتطبيق ويكون جزءا أساسيا بل بطلا في مسلسل يحكي الواقع كما هو بلا ميكأب أو فوتوشوب ..!

وطوال تلك القرون وإلى يومنا هذا أصبح الجميع يتحدث باسم حقوق الإنسان ويتزعم المنابر حجة الدفاع عنهم وعن حقوقهم حتى أن الثورات قامت باسمهم وهم من أجج أوارها ؛ فالجميع يدرك مدى تأثيرهم الفعال والمهم في كل خطوة لبناء وطن متكامل الحقوق والحريات .. وهذا الواقع ليس ببعيد عن عبارة أقرّ بها الفنان المصري " محمد صبحي " وهو المعروف بأفلامه ومسلسلاته التي تتناول شأن الإنسان المصري البسيط بمحتلف أحواله وظروفه مشيرا في أحد حواراته : " أنا كرجل تشتمل تركيبتي على رجل الشارع ورجل السياسة ورجل الفن ، وهذه التركيبة تتشكل منها كل فرد ؛ ولكن بطبيعة الحال بنسب إنما النسبة الأكثر هي رجل الشارع ؛ لأن السياسي إذا كذب يسقطه الشعب ، ورجل الفن إذا كشف أسدل الستارة لكن المتلقي في الجانبين والحالين هو رجل الشارع وفي الحالتين ، فإن إسقاط السياسي وسقوط الفنان بيد هذا الرجل .. أي رجل الشارع .."

فمن هم " الشعب " الذي عناه الفنان المصري " محمد صبحي " يا " علاء الأسواني " ، الروائي . الكاتب . الطبيب . المثقف النخبوي .؟!

 

ليلى البلوشي

هناك تعليقان (2):

  1. مقال جميل ويعكس واقع الانقسام والتناقض الذي يعيشه بعض المثقفين العرب في التعاطي مع الاحداث الجارية في دولهم ودول المنطقة .. بالرغم من أن المثقف في العادة يكون لديه القدرة أكثر من غيره على قراءة الاحداث والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تجري في مجتمعه بحكم قربه وملامسته للمجتمع إلا أن محاولة البعض لعب دور المحلل السياسي وعكس توجهاته الفكرية على مجريات الاوضاع السياسية يجعلهم يقعون في تناقض واضح يفقدهم مصداقيتهم الثقافية... وهذا لا يعني أنه لا يجب عليهم اتخاذ أي موقف ولكن عليهم أن يعوا أن الشؤون الأخرى غير الثقافية تحتاج لمهارات يجب أن يمتلكوها أولا قبل الخوض فيها.

    هذا مجرد رأي ... ودمتي بود يا ليلى

    ردحذف
  2. هل علينا أن نثق في صندوق الإنتخابات لقيادة المجتمع أي مجتمع؟؟. ..
    إنه نفس الصندوق الذي جاء بجورج بوش ..
    وأختلف مع علاء الأسواني لأني أثق بأن هناك أميون أكثر حكمة منه ودراية بخبايا الأمور .

    ردحذف