الثلاثاء، 24 يونيو، 2014

كم هو تعيس هذا الفلسطيني .. كم هو سعيد ..!

كم هو تعيس هذا فلسطيني .. كم هو سعيد ..!

جريدة الرؤية العمانية

في وقت استقر فيه كل من " حنّه " و" ميخائيل " في بيتهم المسلوب من الفلسطينيين في القدس وأصبحوا فيه مواطنين وملاك أرض بين ليلة وضحاها وجد كل من " حسن " و" داليا " وغيرهم من الغلابة أنفسهم مطرودين خارج أرضهم ، وبيوتهم ، وأشجار الزيتون التي غرسوها بدماء قلوبهم محبة وارتواء ليغادروها ، ليرحلوا مجبورين ، مطرودين كل ما يمت واقعهم بصله وتاريخهم إلى واقع أليم غدوا فيه مهاجرين ، منفيين ، لاجئين ..!
في وقت خسرت فيه عائلة " حسن " و" داليا " ابنهما الرضيع " اسماعيل " حين قام بخطفه الإسرائيلي المدعو " موشي " ليقدمه بضمير ميت إلى زوجته " يولانتا " التي حرمت من نعمة الأمومة ، ليبدد هذا الطفل الرضيع المخطوف من عائلة فلسطينية الرتابة عن حياتهم البليدة وليحل الدمار في قلب أم " اسماعيل " والدة الطفل المخطوف ..!
في وقت عاش فيه والد " ميخائيل " اليهودي بشيخوخة كريمة في ديار سلبها أجداده من مواطنين أصليين في الوقت نفسه يقضي والد " حسن " نحبه برصاصة إسرائيلية ؛ لأنه تسلل متخفيا إلى بيته ، وتحت شجرة الزيتون التي غرسها في شبابه نام نومته الأخيرة مقتولا .. شهيدا ..!
كل ما سبق هي شخصيات روائية ، كل ما سبق هي شخصيات من روايتين مختلفتين ، فــ" حنّه " و" ميخائيل " ووالدهم من رواية " حنا وميخائيل " للروائي اليهودي " عاموس عوز " و" موشي " و" يولانتا " وكل " من " حسن " و " داليا " و" اسماعيل " باسمه الفلسطيني أو " دافيد  " حين خطفته العائلة اليهودية من رواية " بينما ينام العالم " للروائية الفلسطينية " " سوزان أبو الهوى " ..
كم من تنازلات قدمها هذا الفلسطيني ..؟ كم من أحلام خسرها .. ؟ كم من نكبة مرت عليه ..؟ نكبة الأرض والوطن والأبناء ، نكبة الروح والتشرد والجوع والأسر وخراب الديار ، هذا الفلسطيني الذي أصبحت أشياء بسيطة تسعد قلبه المثقل بركام الأوجاع هو نفسه الذي حين يجتاز حاجز يشعر بالسعادة ، وحين يعود التيار الكهربائي يشعر بالسعادة ، وحين يملأ سيارته بالبنزين يشعر بالسعادة ، وحين يشحن هاتفه بالرصيد يشعر بالسعادة وحين ينزل الراتب يشعر بالسعادة إلى لا آخره ـ. هذا الفلسطيني الذي يشعر بالسعادة لأمور هي حق من حقوقه أولا كإنسان وثانيا كمواطن في بلده ، ولكن حين قام الآخرون بسلب وطنه وسط خرس العالم .. هذا الفلسطيني الذي تصالح مع واقعه المر كي يتحمل مرارة كل ما خسره .. لهذا عزم أن يتجاوز خرس العالم بصناعة سعادته ..!
كقارئة حين قرأت الروايتين ، الرواية اليهودية والرواية الفلسطينية شعرت بغصة عميقة في قلبي ، غصة إنسان يرى كم أن هذا العالم غير منصف ، كم أن هذا العالم البشع يلتهم حقوقك بسهولة تامة ، كم أن نكرانك لمغتصبيك هي حرب خاسرة ، هي حرب مكلفة ، هي حرب تخرج منها مقتولا ؛ فهذا العالم الكبير على مصالحه والصغير على مصالحك لن يمد يده لك ، ولن ينصفك ، ولن يأبه بك ، أو بقضيتك ، على الرغم من أنه يتحدث باسمك وباسم أهلك وأرضك وقضيتك أمام الحشد ، الصوت نفسه والنبرة نفسها تتغير بمجرد ما يكون أمامك في العتمة بعيدا عن الحشد والأضواء .. وتلقي بالعروبة التي تغنى بها أجدادك طوال تلك القرون السالفة خلف ظهرك ، فالزمن العقرب علمك معنى أن تكون متوحدا تنافح عن أرضك وعرضك وحدك وبأساليب قد تنبذها ، ولكنها الطريقة الوحيدة نحو الخلاص ، نحو حرية ما ، نحو إنسانية ما ، نحو حياة ما في وسط معترك مظلم كتلك القلوب التي تخلت عنك ..!
كم هو تعيس هذا الفلسطيني .. كم هو سعيد ..!

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 10 يونيو، 2014

تلميذتي العراقية ورواية طشاري ..!

تلميذتي العراقية ورواية طشاري ..!

صحيفة التقرير السعودية
كنا في الدقيقة الأخيرة من نهاية الحصة حين دنت مني تلميذتي العراقية في الصف السادس وهي تمد كراس التعبير المنزلي حيث تكتب معظم التلميذات ما يحلو لهن وما يطرأ ببالهن من خواطر ومقالات وقصص قائلة لي بصوت يشوبه الحزن : معلمة ممكن تقوّمين لي ما كتبته ..؟
وضعت الكراس أمامي ورحت أجري خلف سطور كانت تقول : " في سنة 2003م .. كانت في دولة العراق الأمان والحياة السعيدة ، كنا لا نفرق بين الشيعي والسني والمسيحي والكردي والتركماني .. وكنا إخوانا نساعد بعضنا البعض على الحلوة والمرة ونتقاسم الطعام مع بعضنا ولا نفرق بين غني وفقير .. وفي يوم من الأيام وكان يوما مؤلما وحزينا كنا نائمين ودخل العدو الأمريكي إلى العراق برا وجوا وبحرا ونزلت علينا الصواريخ كالمطر وبدأ الصراخ والبكاء وبدأ الدمار لبلدنا الحبيب وبدأ الناس بالهجرة من مكان إلى آخر وكنا نختلف عن تلك العوائل التي تهجرت حيث سكنت مع عائلتي في مدرسة وانضمت إلينا سبع عوائل أخرى وكنا نساند بعضنا البعض ونطمئن على بعضنا البعض وفجأة سمعنا في الأخبار عن عاصمتنا الحبيبة استسلمت واستقر فيها العدو وبدأنا نسمع أخبار القتل والسرقة والتشرد وحال البلد يسوء يوما عن يوم وبدأ العراقيون بالهجرة من بلد إلى آخر ولم يتبدل وضع العراق ونسأل الله عزوجل أن يحمي العراق من كل شر ويحمي كل بلد فيها حروب والحمد لله على كل حال " ..
وأول ما انتهيت من التعبير الذي كتبته تلميذتي العراقية طاشت ذاكرتي إلى الروائية العراقية " إنعام كجه جي " تحديدا إلى روايتها " طشاري " ماذا لو قرأت بطلتها الدكتورة " وردية " ما كتبته تلميذة في الحادية عشرة من عمرها والتي اختصرت في بضع سطور حال العراقي مذ عام 2003م ..؟
" إنعام كجه جي " التي فردت في روايتها حال العراقي في مراحل زمنية مختلفة طفقت مع الزمن كرة ثلجية تدحرج مزيدا من ويلات الحروب والتشرد وتلك الغربة التي تعاظمت في داخل العراقي ليس في خارج بلده حين يكون مهاجرا بل في داخل بلده العراق " حتى الشرطة اختفوا من الشوارع والمفارق ثم عادوا بأزياء أخرى بعضهم ملثم وبعضهم مسلح وبعضهم ملتح والباقي يبدو وكأنه في ورطة وجودية .. المدينة كلها في ورطة وجودية ولا أحد يعرف لمن يأمن وممن يخاف والشوارع مقسمة حسب الطوائف ..؟"
والغربة تتجذر أكثر حتى بين النساء وعلى طريقة لباسهن بحيث طمست كل الملامح في قالب واحد : " تلمح بينهن شابة حاسرة الرأس فتعرف أنها مسيحية أو شيوعية ، لقد تغيرت أزياء نساء المدينة وصار الحجاب على كل الرؤوس ونافست العباءة التقليدية " ..
ولعل أعمق تجليات الغربة بين العراقيين حين سقطت الهوية الوطنية للبلد العراق إلى هوية دينية نابعة من طائفية عمياء التي غدت تسوّغ كل شيء حتى زهق الأرواح والنهب والسلب : " تقطعت الروابط منذ أن اجتاح الشاشات عراقيون لا يشبهون العراقيين . نهّابون وقطاّعو الرؤوس وعملاء يعلقون على صدورهم أنواط شبهاتهم .. الأقوى بينهم هو الأكثر حظوة لدى المحتل .. طائفيون يسألونك عن مذهبك قبل السلام عليكم " ..!
لكن الشيء الوحيد والمتوحد الذي جمع كل العراقيين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم هو الشعور بـــ" الخوف " : " وحده الخوف لازمني كما لازمهم رغم أنف المسافات " ..
الخوف الذي يعيش فيه العراقي في داخل بلده وخارجه ، في داخل بلده حين تكون كل خطوة له أو لأحبابه ملغمة بالموت ، وفي الخارج حين يكون الصوت هو طوق النجاة الوحيد كي يطمئنوا على أحبابهم من موت وشيك ، من ميتات تكون مدبرة أكثر من كونها طبيعية في بلد الصراعات كالعراق : " كان الموت كثيرا بحيث لا يتوقف المرء أمام الميتات العادية ولا يجد الوقت للحزن " ..!
وهو الحزن نفسه الذي سكن في قلب تلميذتي وبطلة الرواية " ورديّة " وكل عراقي وعراقية في هذا العالم .. الحزن الذي شهده الكبير وحمل أعبائه عبر أعوام الهجرة والغربة والشقاء الصغير ..!
الحزن الذي عرف جيدا كيف يتناسل من جيل إلى جيل بأنانية الحرب واستبدادها ..!
ليلى البلوشي

فلسفة المشي ..

فلسفة المشي

" عندما أحسُّ بحزن أبدأ بالمشي "

                   - جلال الدين الرومي -

        * * *

      أشارت دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة مشي المرء تدل على استقراره النفسي واتزانه العاطفي ، أو على اضطرابهما .. وعلى إحساسه بالحزن أو السعادة ، فالحزين يمشي ببطء وكأن قدميه تغوصان في وحل كثيف ويجر ساقيه جرا ، منحيا بظهره إلى الأمام ..
أما المتزن نفسيا والسعيد فإنه يمشي بخطوات ثابتة ، وينقل قدميه على الأرض بخفة وكأنه يطير .. وقد قيل إن واثق الخطو يمشي ملكا ..
وللمشي فوائد جمّة لذلك ينصح الأطباء النفسيون أن تكون للمرء حصة من المشي اليومي الصحيح المعتدل ، لا تقل عن ثلث ساعة يوميا ؛ لأن جسم الإنسان المتحرك يكون منسجما مع الذهن واستعادة التوازن النفسي والهرموني وتنشيط أنسجة الجسم المختلفة .. ويعتقد البعض أن للمشي جوانب جمالية وله تأثير على مستوى العلاقات الإنسانية .. 
وفي معرض هذا الحديث تعود بي كراكيب الذاكرة الطفولية إلى حادث مرّ بي وأنا صغيرة ،  فقد كنت أكشط الأرض الرملية بقدمي إلى المدرسة التي كانت قريبة من بيتنا وأنا منكسة الرأس وعيناي في الأسفل دون أن أكلّف نفسي عناء رفعه أو تحريك فضوله للاضطلاع على العالم الخارجي المحيط بي من حولي ، وكانت أمي ترقبني كل يوم وأنا اقطع الطريق في موعديّ ذهابي وإيابي وهي مرابطة قرب النافذة التي تطل على طريق المدرسة ، وفي إحدى تلك الأيام في ساعة الشمس الحارقة تحديدا كنت كعادتي خارجة من المدرسة أجر قدميّ جراَّ من ثقل الحقيبة المدرسية على ظهري الهزيل الذي احدودب من ثقلها ، فلم يكن في أيامنا حقائب تجر بعجلات كما الجيل الحالي الحاملين على كفوف الراحة ، بينما رأسي غائص في الأسفل اتجه نحو المنحنى تقودني خطواتي في طريقها المعتاد كما في كل يوم وفي الساعة عينها ، فإذا بسيارة مسرعة على حين فجأة تجتاز كشبح طريق المنحنى وكان بيني ومسافة السيارة أقل من ربع خطوة وكنت سأفرم تحت عجلاتها لولا صوت أمي الفزع تسلل إليّ من النافذة وهي تصرخ عليّ منبهة : سيارة .. سيارة  ..!
ولا أدري كيف قدماي تحركتا بي إلى الوراء من هول الصدمة ..؟
 وتسمرت يومها مكاني ليس خوفا من الحادث الذي كان سيودي بي ، بل حصتي من التأنيب الذي سآكله من أمي التي كثيرا ما نبهتني على طريقة مشيي الغريبة ، وهي تدلق تذمرها كل مرة في وجهي : هل ضاع منك شيء ما على الأرض وتبحثين عنه ..؟!
 وإلى اليوم أتساءل : ما تفسير المشي بخطوات انحنائية ورأس منكس في الأسفل على مستوى النفسي خاصة وأن هذه العادة ما تزال تلازمني حتى الآن ..؟!


ليلى البلوشي

الاثنين، 2 يونيو، 2014

ما أجمل الشر ّ ..!

ما أجمل الشرّ ..!

جريدة الرؤية العمانية

قال الكاتب " مصطفى صادق الرافعي " في الصفحة الأخيرة من كتابه " أوراق الورد " كنصيحة مهمة غلفها للرجال : " حين تقابل امرأة جميلة ، لا تقل : ما أجملها ..! ولكن قل : ما أجمل الشرّ ..! "
وقال من قبله : إن النساء شرّ خلق لنا ... فنعوذ بالله من شرّ الشياطين
ولؤم الرجال تجاه كل امرأة جميلة لا ينتهي بل وله أشكاله وشكوكه ومواقفه المختلفة ، ومن ذلك تزوج أحد الحكماء من أقبح امرأة في المدينة ولم يصدق ذلك أحد فسأله الناس : ما خطبك ..؟ فأجاب : ثمة منطق في ذلك ؛ لأنها المرأة الوحيدة التي استطيع الفرار منها في أي لحظة ..
في الواقع من الصعب ألا تهرب وهي المرأة الوحيدة التي استطيع أن أثق بها في المدينة ، فالأشخاص الجميلون لا يستأهلون الثقة ، لأنهم يقعون في الحب بسهولة لانجذاب العديد من الأشخاص بهم ..!
يمكنني أن أثق بهذه المرأة لأنها صادقة معي ، فلا داعي للقلق عليها إذ يمكنني أن أغادر البلدة طيلة شهر دون أي خوف فامرأتي ستبقى لي ..!
وهذا اللؤم لا يختلف عن عبارة كتبها الكاتب " إدواردو غاليانو " على سبيل السخرية لكل من ينتقص من كيان يدعى امرأة : " لم يكن هناك نقص في الخطيبات ، ففي منازل الفقراء ، كانت هناك دائما فتاة زائدة " ..!
اللؤم نفسه يتراجع في روح وفكر كل رجل يحترم المرأة لكيانها وذاتها ، ومن ذلك حكاية الصوفي يدعى " نصر الدين " كان هذا الصوفي يتجاذب أطراف الحديث مع صديق له وسأله هذا الصديق : هل فكرت يوما في الزواج ..؟
فرد : نعم ، فكرت فيه ، وعندما كنت في مقتبل العمر قررت أن أصل إلى المرأة الكاملة ، فعبرت الصحاري والفيافي ووصلت إلى دمشق والتقيت امرأة جميلة ومن أهل الخير ولكنها لم تكن تعرف شيئا عن أمور الدنيا ..
تنهد الصوفي " نصر الدين وواصل : مضيت في رحلتي حتى بلغت أصفهان والتقيت امرأة عالمة بأمور الدين والدنيا ولم تكن جميلة ، فقررت المضي للقاهرة حيث تناولت العشاء في دار امرأة أخرى جميلة ورعة وخبيرة ..
وسأله الصديق : ولماذا لم تتزوجها ..؟ رد الصوفي : آه ، يا صديقي ..! كانت بدورها تبحث عن الرجل الكامل ولم تجده في شخصي ..!
حكاية الصوفي تبرهن لنا بأن المرأة هي أيضا كيان إنساني دائم البحث عن الكمال كالجنس الآخر تماما ، وأنها مثله تماما لها أحلامها وتطلعاتها في هذه الحياة ، وهو أمر لم يستوعبه كثير من الرجال في مجتمعات ذكورية ، تلك المجتمعات نفسها التي آمنت بشكل قطعي في قرن من القرون السالفة بأن " الهستيريا " مرض عضوي خاص يصيب النساء فقط ، وكم بلغت دهشتهم حدتها حين اكتشفوا أن ذكورهم يصابون أيضا بلوثات هستيرية كالنساء تماما ..!
كما لم يستوعب البعض منهم حتى وقتنا الراهن بأن ناقص الرجل مع ناقص المرأة هو ما يشكل البناء الإنساني المتكامل منهما ..