الأحد، 19 ديسمبر، 2010

القاصة الشابة ليلى البلوشي في حوار مع ملحق ( شباب عمان )



القاصة الشابة ليلى البلوشية لـ ( شباب عمان )

الكتابة بكافة أشكالها تجريب ومتعة مطلقة مع حس مسؤول

حاورها : ناصر أبو عون

ليلى البلوشية قاصة عمانية شابة روحا وقلما تخصصت في الكتابة عن النفس الإنسانية : نموذج للمبدع المنفتح على العالم يكتب ليحيا ويحيا ليؤرخ للفكر الإنساني – قاصة تتنفس الوطن في كل عرف تكتبه – تنشر فكرها حبرا على صفحات الصحف الخليجية والعربية ومن أولى العمانيات اللاتي انطلقن بالإبداع العماني في الفضاء الالكتروني – تواصلنا معها الكترونيا ودار الحوار التالي :

1- بداية يمكننا أن نعرج على تجربتك بشكل عام في عوالم النص الإبداعي .. أين تجد ليلى البلوشي نفسها في القصة أم التدوين الإلكتروني أم الكتابة المقالية والنقدية ؟

أنا إنسانة قبل كل شيء ، والانسان كتلة من المشاعر والأحاسيس وحيث تقودني مشاعري الإنسانية أقف بالتزام ، بمعنى الكتابة بكافة أشكالها هي بالنسبة لي تجريب قبل كل شيء ومتعة مطلقة مع حس مسؤول ، أحيانا يتملكني شعور غريب هو أنني كاتبة وحيثما يثقل علي هذا المفهوم أشعر بحجم المسؤولية التي تقع على كاهلي ، أشعر أن مشاعري وأحاسيسي ليست ملكي إنها للآخرين ، مفهوم " الآخرين " بالتحديد بدأ يأخذ أهميته في داخلي ، يكبر ، هنا تبدأ الهموم الداخلية للكاتب تذوب ، تضمحل ، تتلاشى في ذات الآخرين ..
والكاتب عادة يتراوح بين انفعالين ينبثقان من أعماقه في وقت من الأوقات هما " الخوف " و" الفرح " ؛ أما الخوف هو ذاك القلق الإبداعي ليس فقط من التوقف عن الكتابة بل العجز عن إنجاب الجديد ، والفرح هي تلك الحرية التي يتنفّسها في لحظات الانعتاق الذاتي عن كل شيء خصوصا مسؤولية الكتابة ..

في بداياتي كنت ذاتية بمعنى ما ، والروائي " عبدالرحمن منيف " أشار إلى ذاتية الكاتب في عمله الأول قائلا : " مادة السيرة الذاتية جاهزة وتعطي نفسها بسخاء ، فإن الإغراء الذي تتضمنه والذي يصل إلى بعض الأحيان حد الغواية ، يوقع الكثير من كتاب الرواية ، وخاصة في الرواية الأولى " ، لكن الهم الكتابي يكبر معنا ويطغى على خصوصياتنا ويتجاوزها عابرا إلى العموميات ، الحياة الممتلئة المحاطة بالكاتب هي التي تصنع منه واقعه الكتابي ، خاصة في الانطلاقة الأولى ، لكن بعد ذلك سرعان ما يكتفي الكاتب في الحديث عن ذاته ، ليتحرر منها إلى التحدث عن أشخاص وعوالم مختلفة ، بينما ذاته الخاصة يكون حضورها متذبذب في كل كتابة وكتابة ، وتغدو الشخصيات التي يكتب عنها الكاتب هم بمثابة أصدقاء يألفهم ويألفونه بمرور الأيام وكأنهم كانوا أقرباء أو رفقة ، تحقيق الإشباع الذاتي ضرورة ؛ لأنها وحدها تعيد للكاتب توازنه في الرؤية إلى العالم والأشخاص بالطريقة الصحيحة ، وتجربة الكاتب التركي " أورهان باموق " مقاربة تماما لحديثي هذا ؛ فهذا الكاتب في معظم أعماله الكتابية كان متواجدا بعضها بطريقة مقنعة خلف شخصية ما وبعضها الآخر تمثلها بلحمه ودمه ..
أما عن التدوين الالكتروني فاسمح لي بتبديل اللفظة إلى " انفتاح الكتروني " ، وهذا الانفتاح غدا بمثابة خشبة مسرح ، جمهوره من مشارق الأرض ومغاربها ؛ فهي تضع الكاتب على مشاهدات حية مع الآخرين ما يسمى بلغة تواصل وتحاور، بل وضعتني - شخصيا - في مواقف عديدة ، لعل من أكثرها طرافة حينما بعث لي مقدم إحدى القنوات التي تبث في دبي دعوة ؛ كي أشاركه في حلقة أسبوعية في برنامجه الذي يتحدث عن قضايا تواجهها المجتمع وجاءت استضافتي في حلقة من حلقاته ، الأمر برمته أدهشني فثمة مختصون أجدر مني بكثير يتناقشون في مثل تلك القضايا ، وحينما استفسرته عن سبب اختياره لي قال بأنه تصفح مدونتي وشعر بأنني مختصة في مثل هذه القضايا التي تعنى بالجوانب النفسية ..!
وكما في كل دعوة تصلني دائما أقدم لهم اعتذاري بلباقة ؛ لأنني بكل بساطة وأقولها على ملأ : لا أجد نفسي في الحوارات الشفهية ولا المقابلات الحية سواء مع التلفاز أو الإذاعة ..


2- كثير من الكاتبات يلجأن إلى القلم لسرد ما يحصل، مما يؤكد انهن خارج تيار الوعي النقدي الذي يوصي بالربط بين قضايا المرأة و الرجل بحركة الصيرورة التاريخية وتفاعل الإنسان مع حقائق الواقع المعاش و تبدلها في الزمان و المكان .. كيف ليلى البلوشي حاولت الانفلات من هذا الشرك الذي وقعت فيها كثير من كاتبات خليجيات وعمانيات يمتهن الكتابة التسجيلية ؟

لا أدري لم أشعر دائما بأن الكُتاب والكاتبات براء مما يكتبون ، والعلة في تناقض المجتمع الذي يتنفسون فيه ، أصبحنا نعيش في مجتمع ينجب في اليوم أكثر من ألف مفهوم ، وألف شكل إبداعي ، وألف تيار نقدي وهلم جرا .. ثم يقع كل ما ينجبه العالم من جديد على رأس الكاتب ..!
ساحة الكتابة الإبداعية لم تعد مساحتها مختصرة وضئيلة كسوق عكاظ القديم ، اليوم غدا الأدب شاسع المفهوم كبطن الحوت ، حتى ليشعر المرء بأن الأدب غدا موديل " عارض أزياء " والكتاب هم " مصممين " بينما النقاد هم " الحكم " على الأذواق والصرعات التي تظهر يوما بعد يوم بزخم غريب وغامض ومدهش ولاهث للغاية ..
كل يفصّل على مزاجه ، والكتابة كما يعرف مقترفيه مزاج ..
لكن الفارق أنه مزاج مسؤول في النهاية .. انظروا ماذا فعلت الكتابة مع الروائي الايطالي " روبيرتو سافيانو " ؛ المطارد حاليا من المافيا في كل بقعة من العالم ؛ فالكتابة كلفته راحته واستقراره ؛ لدرجة أنه لا يستطيع البقاء في مسكن واحد أكثر من أسبوع ولا التحرك من بقعة إلى أخرى مهما كانت ضئيلة المسافة دون حراسة مشددة ، والجرم نفسه اقترفته الكلمات مع الشاعر " والت ويتمان " حينما أصدر ديوانه الشعري " أوراق العشب " وطولب بجلده عقابا له ، ويومها قال : " توقعت الجحيم ونلته " ..!

الكاتب إنه ذاك الرجل الذي تاه بقاربه في النهر ، وكافح بما يفوق أضعاف طاقته الطبيعية في التجديف عكس التيار ؛ كيلا يسقط في الشلال ، وعلى حين فجأة لاحت له فكرة وطبقها ، جذف مع التيار ، بكل قوة نحو الشلال ، وصاح بأعلى صوته : الآن أنا حر ..!
وما أعظم الدور الذي تلعبه " الحرية " في حياة كل كاتب ؛ فهي أنشودتهم الأبدية التي لن تجد دربها إلى الأفول مطلقا مادام ثمة فرقعة روح في جسده المسجى ..!
والحرية أنواع ، منهم من يتوق إلى حرية شبيهة بحرية " لوركا " و" غيفارا " وهي حرية مخلدة في نظري ، ومنهم من يكتفي بتحرير ذاته الحبيسة في قمقم العالم الصغير الكابت على أنفاسه حتى الاختناق ، وهنا الحرية تغدو بمثابة أسطورة خاصة ..


3- دعينا نبدأ من مفهوم ( الإبداع ) كمنطقة مشتركة ننطلق منها إلى مساحات أرحب وصولا إلى قناعات حقيقية يمكن تأصيلها وترسيخها نقديا .. فالبعض يرى الإبداع ( تمرد ورفض وردة شبقها الهدم والبناء ) ، ولكنني أفضل المفهوم الذي يراه قراءة جديدة للعالم بالاختلاف والائتلاف.بل حرية تريد التموقع في الوجود وتجعل الكائن متحدا في الممكن المدهش الجميل .. كيف تنظر ليلى البلوشي إلى الإبداع بوجه عام ، وأدب المرأة بوجه خاص ؟

الإبداع بوجه عام أي بمفهوم شامل ومطلق هو ما يحاكي المشاعر الإنسانية ، فكل ما يكتب ثم يومض في داخلي ضوءا ما ، أهزوجة ما ، فرقعة ما كالألعاب النارية هو إبداع في نظري الشخصي ..
على سبيل المثال رائعة " نيتشه " وهو يتغنى بتلك العبارات :
" كأنه البحر قلبي شاسع
ووجهك فيه
مبللا بالشمس يبتسم "
الفيلسوف " نيتشه " هنا عبر بكلمات بسيطة جدا عما يجيش في داخله من مشاعر، لكن العبقرية تكمن في حسن ترتيب هذه الكلمات ، وهذا ما يسمى بالإبداع ..
فثمة في الكون كلمات كثيرة جدا وللازدياد يمكن الاستعانة بقاموس ، لكن اللغز الحقيقي يكمن في كيفية استخدام هذا الزخم ليغدو إبداعا بمفهومه الحقيقي ..
" الأدب المرأة " سأستعير عبارة من جدتي " غادة السمان " عن مفهوم أدب المرأة : " بالنسبة لي ، ليس مهما أن يكون ما تكتبه المرأة مشابها لما يكتبه الرجل ، فالمقياس في الأدب هو الوصول إلى الحالة الإبداعية بغض النظر عن الموضوع ، نسائيا كان ، أم إيديولوجيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو فكاهيا .....، فلماذا يصير ما تكتبه المرأة عن امرأة " أدبا نسائيا " ؟ فهي حرة في اختيار مادة كتابتها وأبطالها " امرأة " ، أو " رجلا " أو قطة " .." ..
أنا شخصيا انتهيت من كتابة قصة جديدة بطلها " ذبابة " ، ولكن لا أدري تحت أي مسمى يدرج بطل قصتي " الذبابة " .. ؟!


4- أعتقد أن خطيئة ( أدب المرأة ) هو عجزه عن الانطلاق من معنى (إن الأنوثة هي الطاقة الداخلية المتحركة من الداخل الى الخارج في نسيج البنية التحتية للمجتمع وخليته الوحيدة ) بل زاد الطين بلة بأخذ يبحث عن تكامل العلاقة بينها و بين الرجل، و يعالج الموضوع من أبهت و أسخف جوانبه .. كيف عالجت ليلى البلوشي هذه العلاقة عبر كتاباتها القصصية ؟

في نظري ثمة خطأ شائع وكبير جدا ، ويبدو أن العالم من حولنا درج عليه حتى أضحى واقعا ..!
أولا دعني أوضح المفهوم الفارق بين لفظتي : " المرأة / الأنثى " من دراسة أجرتها الكاتبة الفرنسية " سيمون دي بوفوار " وضحت الفارق بين المفهومين بشكل لافت للنظر مفسرة : " اللبس الحاصل في مفهوم الكتابة النسائية ما هو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى والكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة " ، فالصيغة الأولى تركز على أهمية خاصية لدى المرأة وهي " الأنوثة " وتلخص المرأة في صفتها الجنسية .
أما صيغة " المرأة والكتابة " فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي ، باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع .."
إذن مفهوم " أدب المرأة " في نظري هو سخرية لاذعة قذفها العالم في وجه المرأة ؛ ليظهر لنا البون الفاغر بين ما يكتبه الرجل باعتباره حقا طبيعيا من المجتمع وبين ما تكتبه المرأة باعتباره قسرا .. فالمجتمع هنا هو العدو الحقيقي فهو مع حرية الرجل مقابل قمع المرأة ؛ لهذا يسعى بدأب غريب إلى استحداث مفاهيم فاصلة غرضها تهميش الآخر وقمعه والتسلق عليه ..!

5- إن المرأة مصنع من الأحلام ! هي حارثة مثالية لأوهامها الصامتة ! متفوقة في علم حساب الذات لكنها متمكنة في الوقت نفسه من إحداث الثقوب و التلصص على العالم من خلالها .. كيف تمكنت ليلى البلوشي من اختراق مشيمة عالمها والانفلات خارج دائرة الجنوسة ؟

ليست المرأة وحدها مصنع من الأحلام ، حتى الرجل لديه زخم من الأحلام يتوق إلى قبضها فهو ليس صخرة أو شجرة ..!
لا أدري إن تمكنت فعلا من ذلك ، لكن ما أدريه بكافة حواسي التي املكها هي أنني اكتب ببساطة مطلقة جدا ، وبعفوية كبيرة جدا ، وتلكما " البساطة " و" العفوية " يحركهما انفعال مهم جدا في كتابتي هو " الصدق " ..

المبدع لا يستحق صفة الإبداع إلا لكونه مجموع انفعالات إنسانية صادقة لا تنطلق من عالمه وحده بل هي خليط معاناة الآخرين وهو جزء منها ، الجزء الأهم ، فالبشر المنكوبون لا وقت لديهم لنقل خيباتهم إلى العوالم الأخرى ، إنهم مشغولون بترقيع جراحاتهم ، والمبدع وحده هو حامل الشعلة ، تلك التي تبرق في السماوات كلها ، فجراحات الآخرين هي جراحاته ..

وأضيف إليهم صفة تأصلت بقوة مرعبة في أعماقي : المسؤولية ..

6- كيف تناولت ليلى البلوشي قضايا المرأة العربية في أعمالها ؟ تنويه أنا أعتقد أن الإبداع ظاهرة إنسانية لا علاقة لها بالجنوسة واصطلاح ما يسمى بالكتابة النسوية مصطلح عنصري وزائف وكثيرا تبريري للتعبير عن الاضطهاد الذكوري المصطنع في أغلب حالاته !!

في بداياتي ، في كتاباتي القديمة كانت المرأة العربية شاغلي ، لكنني حاليا اكتب بشكل عام ، لأنه ليس ثمة معاناة المرأة وحدها ، نحن نحيا في كوكب ليست المرأة وحدها المعذبة فيه بل الرجل والطفل والشيخ الكبير أي الأسرة بأكملها كمفهوم مجتمعي ، ففي البلدان التي نكبّت بزلازل أو فيضانات أو براكين لم تكن ضحيتها المرأة فقط بل شملت أسرّ كاملة ، ولا أبالغ إن قلت إن معاناة الرجل في بعض الحالات أعظم من معاناة المرأة نفسها ؛ لأن الرجل مطارد من المجتمع بمفاهيم عتيقة لصقت به كالسلحفاة التي تحمل بيتها على ظهرها ..! لعل من أهم تلك المفاهيم " الشهامة " و" القوة " و" المسؤولية " لتكتمل أسطورة الرجولة وكثير من الرجال للأسف تنقصهم هذه الصفات ، لكنهم يدّعونها من أجل ارضاء المجتمع من حواليهم لا أكثر ولا أقل ، وهذا يحدث فجوة عميقة في داخله ، تشقه إلى شخصيتين ، شخصيته الحقيقية وشخصيته المدّعية وهنا يظهر الخلل ، والرجل حين يفشل في إحداث تغيير على واقعه الخاص ؛ فإن تأثير هذا العجز يكون شاملا لجوانب حياته العامة ويتبدى في هيئة عار وخزي من نفسه الضعيفة هذا من جانب ، بينما من جانب آخر الضغط المستمر الذي ينكل به العامة من حوله نتيجة شعوره بالنقص ؛ لهذا للاضطهاد الذكوري أسبابه ..
بينما المرأة ليست مطاردة بالمطالبة ؛ لهذا فهي ليست مضطرة أبدا للإدعاء سواء أمام نفسها أو أمام الآخرين ..

على مدى تلك القرون جرى تطبيع الرجل في أن يكون صاحب كلمة واحدة لا عدة كلمات ..! بينما المرأة حينما تقول شيئا ثم تتراجع عنه تبرر فعلتها بنبرة هادئة : حرمة ورجعت في كلامها ، هل ثمة مشكلة ..؟!

وسأختم هذا السؤال بانطباع الفيلسوف " أوشو " عن المرأة والرجل في كتابه " الحدس أبعد من أي حس " قائلا : " المرأة أكثر اهتماما بمكان وجودها ، باللحظة الآنية ، وهذا ما يجعلها أكثر تناسقا وجمالا ، أما الرجل يحاول دائما أن يثبت شيئا ما ، ولذلك يضطر للقتال والتنافس بصورة دائمة " ..


7- إن مفهوم الأنسنة يتطلب تجاوز مرحلة النظر إلى الجسد باعتباره محوراً وحيداً للعلاقة بين الرجل والمرأة. هل نجحت ليلى البلوشي في بناء شخصيات روائية تتجاوز هذه الحالة إلى ما هو أكثر جوهرية وعمقاً وحقيقيةً تستعصي على التزييف باعتبار أن شخوص الرواية مرآة واقعنا العربي ؟

لم اكتب الرواية بعد ، لكن سأقول : لماذا نضيّق الأدب في التجنيس دائما ..؟! الأدب ليس فقط قضايا المرأة والرجل ، ثمة قضايا وطن ، واقتصاد متهالك ، وبشر منكوبون ، وأطفال شوارع ، وكرة أرضية معرّضة لهزات وبراكين .. إلى لا آخره ..
انظروا إلى أعمال " كونديرا " التي يتزعمها المعلومة لا الإنسان ..!
لابد أن نرمم رؤيتنا للأدب ككل ، خاصة المعنيين به فئة الكتّاب ، على الكاتب أن يكون متفرجا ، يختار مقعده من العالم ويتفرج كمحايد ليس على الآخرين فقط بل حتى على نفسه ، هذا التفرج يجعله في مقام " المتأمل " فلا يفوته شيء من داخله وخارج العالم ، كما حدث مع بطل رواية " ألبرتو مورافيا " في روايته " البصاص " فالبطل هنا يراقب غيره وفي الوقت نفسه يراقب نفسه ، أو الأصح يختلس النظر إلى نفسه عبر اختلاسه النظر إلى الآخر ..!
ولا تستفزكم لفظة " التفرج " أيها القراء ؛ لأن الكاتب المتلصص على تفاصيلكم هو متفرج ومتفرج عليه في النهاية ..!
ثمة روايات شاملة ، غاصت في قضايا كبيرة وسرية ومقدسة ، على سبيل المثال لا الحصر رواية " كافكا على الشاطئ " للياباني " هاروكي موراكامي " ورواية " أرجوحة النفس " لـ " هرتا موللر " ورواية " أطفال منتصف الليل " لـ " سلمان رشدي .. هذه الروايات الثلاث التي ذكرتها لكل منها حس تاريخي وإبداعي خاص ، وفي الوقت عينه تضع القارئ على دراية بما يجري مع الآخر في عالمه المكاني والزماني المختلف عنه .. هذا التنافر في العلاقات يعجبني كثيرا ..