الاثنين، 31 مايو، 2010

غابرييل غارسيا ماركيز .. هكذا يودع العظماء الحياة



غابرييل غارسيا ماركيز ..هكذا يودع العظماء الحياة *

اجعلواهذا الشخص نصب ذاكرتكم فقد رفض جائزة نوبل ؛ لانها منحت في السابق لشمعون بيرز ورابين .

اعتزل الروائي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز الحياة العامة لأسباب صحية بسبب معاناته من مرض خبيث ... ويبدو أن صحته تتدهور حالياً ومن على فراش المرض أرسل رسالة وداع إلى أصدقائه ، ولقد انتشرت تلك الرسالة بسرعة ، وذلك بفضل الأنترنت ... فوصلت إلى ملايين الأصدقاء والمحبين عبر العالم ...
أنصحكم بقراءتها لأن هذا النص القصير الذي كتبه ألمع كتاب أمريكا اللاتينية ، مؤثر جداً وغني بالعبر والدروس ... تنص الرسالة :

* لو شاء الله أن ينسى إنني دمية وأن يهبني شيئاً من حياة أخرى ، فإنني سوف أستثمرها بكل قواي ، ربما لن أقول كل ما أفكر به لكنني حتماً سأفكر في كل ما سأقوله ...

* سأمنح الأشياء قيمتها ، لا لما تمثله ، بل لما تعنيه ...

* سأنام قليلاً ، وأحلم كثيراً ، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور ...

* سوف أسير فيما يتوقف الآخرون ، وسأصحو فيما الكلّ نيام ...

* لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى ، فسأرتدي ملابس بسيطة واستلقي على الأرض ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الروح أيضاً ...

* سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا ، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق ...

* للطفل سوف أعطي الأجنحة ، لكنني سأدعه يتعلّم التحليق وحده ...

* وللكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان ...

* لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر ... تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن تسلقه ...

* تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد على أصبع أبيه للمرّة الأولى فذلك يعني انه أمسك بها إلى الأبد ...

* تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف ...

* تعلمت منكم أشياء كثيرة ... لكن ، قلة منها ستفيدني ، لأنها عندما ستوضب في حقيبتي أكون أودع الحياة ...

* قل دائماً ما تشعر به وافعل ما تفكّر فيه ...

* لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك ...

* لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها ، لقلت " أحبك" ولتجاهلت ، بخجل ، انك تعرفين ذلك ...

* هناك دوماً يوم الغد ، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل ، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير ، أحب أن أقول كم أحبك ، وأنني لن أنساك أبداً ...

* لأن الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن ... ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم ... فلا تنتظر أكثر ، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة ، أو عناق ، أو قبلة ، أو أنك كنت مشغولاً ... كي ترسل لهم أمنية أخيرة ...

* حافظ بقربك على من تحب ، أهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم ، أحببهم واعتني بهم ، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك ، سامحني ، من فضلك ، شكراً ، وكل كلمات الحب التي تعرفها ...

* لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار ، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها ، وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك ...
* هذه الرسالة وصلت بريدي ..

الأحد، 30 مايو، 2010

نصائح إلى شخص مميز 2


نصائح إلى شخص مميز ّ (2)


" حذار الكراهية


فما أن تفتح فمها حتى ترمي نفسك خارجا


لكي تلتهم ساقك كالجذام )


آن ساكستون

الثلاثاء، 25 مايو، 2010

نصائح إلى شخص مميز " 1 "


نصائح إلى شخص مميز ّ "1"

" حذار الحب

ما لم يكن حقيقيا وكل ما فيك ينبئك بذلك

حتى أصابع رجليك

فسيكتنفك كمومياء

ولن يسمع أحد صراخك

ولن تنتهي من الركض "


- آن ساكستون - من قصيدتها نصائح إلى شخص مميز ّ

من ديوانها " وقت المياه ، وقت الأشجار "

الخميس، 20 مايو، 2010

سلطنة عمان والعزلة السياسية


سلطــــنة عــــمان والعزلة الســـياسية / للكاتب السعودي عبدالله بن ناصر الخريف

قلما نجد سلطنة عمان حاضرة في ” المشكلات” السياسية والتي تعصف بالعالم الإسلامي والعربي، وخصوصاً في العشرين سنة الأخيرة والتي شهدت أحداثاً هزت الدول العربية بشكل تام، وهي حربي الخليج الأولى والثانية، وحرب العراق الأخيرة، وانتفاضة فلسطين، واجتياح لبنان، واحتلال الجولان، ودك افغانستان، وقصف السودان، وغيرها من المظاهر الدموية والعسكرية التي شهدتها المنطقة العربية .
عزيزي القارئ تتأمل قليلاً وتبحث عن وجود عمان في أي مشكلة من هذه المشكلات، وستعجب بأن سلطنة عمان لا تدخل في أي قضية، وذلك يأتي وفق سياسة السلطان قابوس، الذي يرى بأن عمان ” يجب” ألا تتدخل في القضايا الدولية ” التي لا تعنيها” ।وهذه سياسة طبقها السلطان قابوس حينما تولى سدة الحكم في عمان فالسلطان قابوس يرى دائماً بأن عمان تحتفظ بعلاقاتها المميزة مع الدول المجاورة، وفي جامعة الدول العربية، وعلى المستوى الإسلامي والدولي، إذ لم تكن لعمان مشكلات مع أي دولة، ما عدى ما يمكنه تسميته خلاف على الحدود وأنتهى في وقته.وعوضت العزلة السياسية بالاهتمام في المجتمع العماني، فقد قام سلطان قابوس حينما تولى الحكم بتصحيح الأوضاع الداخلية، ولعل بعض كبار السن يتذكرون بأن عمال النظافة قديماً كانوا من الجنسية العمانية!! ، صدق أو لا تصدق … ولكن أوضاعهم تغيرت للأحسن بشكل كبير، إذ تم توفير الوظائف لهم، وفسح المجال للشركات والقطاعات الخاصة للمشاركة في تنمية السلطنة، مما وفر المئات من الوظائف، بالإضافة إلى مشروع سلطان قابوس العظيم في توظيف العمانيين مكان العمالة الأجنبية، مع التقليل من هذه العمالة في حال وجود بديل عماني كفء ، وغيرها من وسائل التطوير المعيشي التي ساهمت في التحسن لمستوى المواطن العماني ، وإن لم يصل لدرجة الرفاهية .وحتى القطاع السياحي لم تلتفت له الدولة بشكل كبير، إذ أن الشعب السعودي اكتشف ” صلالة” كمنطقة سياحية ذات أجواء خلابة في الصيف، ولكن المسافرين هناك يعانون من الباعوض ، وقلة المناطق السياحية ” بل ندرتها” ، فلا تزال أرضها ” بكراً” وتنتظر الاستثمارات المتوقعة في مجال الفندقة والمراكز الترفيهية، والتي لن تدر ذهباً إلا في مواسم السياحة ، إذ أن سكان عمان بأجمعهم مع الأجانب بالكاد يصلون إلى 3 ملايين نسمة ! ( بينما الأحصائيات الأخيرة في الرياض تقول بأننا سنقارب من 5 ملايين نسمة ॥ في العاصمة فقط ! ) ، ولذلك فعدد الثلاثة ملايين وجزء منهم يعيش متوسط الحال، لن تكون مغرية لرجال الأعمال والمستثمرين ما لم يجدوا دعماً من الدولة।ويبدو أن العزلة السياسية أصابت حتى الأفراد العمانيين، فلا نجد لهم ظهور واضح في وسائل الإعلام، أو كشخصيات تجارية واقتصادية بارزة، أو حتى كسياح ومتنزهين، فأذكر أنني شاهدت سائحاً عمانياً يتجول بهدوء ودون ضجيج أو لفت انتباه كما يفعل بعض السياح الخليجيين! ، فمن المعروف أن هناك ” مناكفات” بين الشباب السعودي ونظرائه الكويتيين والقطريين والاماراتيين والبحرينيين ، إذ يأتي الاستعراض وإثبات الترف والغنى ، ولكنك لا تجد بينهم عماني ، حتى وإن كان غنياً مترفاً، وهذا أمر يحسب للشعب العماني والثقافة والتربية التي ينهلونها من صغرهم.ولم تلفت عمان النظر لها مؤخراً إلا بعد عاصفة قونو التي ضربت سواحلها ولفتت وسائل الإعلام لها ، حتى أن هذا الموضوع أثارني حينما قرأت في البي بي سي العربية ، عبارة تقول: الإعصار يضرب الدولة الصامتة !! ، ووقتها تحدثوا عن عمان في فلم قصير … ولهذا نجد عمان قد كسبت الاحترام الدولي نظراً لأنها من دول عدم الإنحياز وليس لها علاقة ودعم لأي منظمة مهما كانت، ولذلك يحضرون في القمم العربية والخليجية ويطرحون مواضيعهم بكل هدوء ويغادرون بكل احترام.لم نجد لعمان جعجعة في قضية لبنان، أو تنديد بما يحدث في السجون العراقية، أو اعتراض على ” تقليعات” إيران ، فلا تجد لهم موقف سلبي إلا في قضية فلسطين ( الي ما يبيلها نشدة شيخ )كثير من الدول التي لا ناقة لها ولا جمل في الموضوع تحاول أن تظهر للعالم بآراء أحياناً تكون محسوبة ضدها ، أو كحركة سياسية لدعم أي توجه غير سوي ، وأضرب ذلك برد السعودية على تجاوزات إيران ضد البحرين ( الرسالة التي وصلت للجميع: تحذير لإيران كون السعودية تلك الدولة العظيمة ستقف مع البحرين ، أما التي مرت من تحت الطاولة ولا يفهمها إلا النخبة: البحرين ضعيفة، السعودية تتدخل في الشؤون البحرينية، لا أحد يشك خيط بإبرة إلا بمشروة السعودية ، ترانا السعوديين أقوياء، السعودية تحاول تفرض نفسها كـ قائدة للخليج … ) وهذه الأقوال التي تصدر من بعض وسائل الإعلام وبعض الحاسدين على العلاقات المتميزة بين السعودية والبحرين ( وللعلم فهذا شيء طبيعي في السياسة لأنك أصبحت تحت الضوء ) .عمان تركت كل هذا الكلام والتأويلات، وتفرغت لمتابعة قضاياها الداخلية، وهذا ما يفسر أن السلطان قابوس صحته لا تزال جيدة – ما شاء الله – ، لأن الحروب والمشاكل تأخذ الكثير من التفكير فتنهك المرء – ولكن الله على كل شيء قدير
॥ ولا تدري نفس بأي أرض تموت – .من وجهة نظري .. سلطنة عمان كسبت التحدي الصعب في منطقة الشرق الأوسط التي تعج بالاضطرابات والتشكيك في النوايا ، فلم تدخل في حروب أهلية بعد تخلصها من الاحتلال ، وتفرغت لشؤونها الداخلية وأغلقت الباب خلفها وكأن خالد الشيخ يغني من المذياع: وش عليا من الناس وش على الناس مني …برافو عليك يا عمان !


السبت، 15 مايو، 2010

رمسيس


ألف فرعون يطاردني وأنا بلا موسى ..!

الاثنين، 10 مايو، 2010

القارة الثالثة والأخيرة


القارة الثالثة والأخيرة

للقاصة الهندية " جومبا لاهيري "
ترجمة : هالة صلاح الدين حسين ..

رحلتُ عن الهند عام 1964 حاملاً معي شهادة التجارة وفي حوزتي ما عادل في تلك الأيام عشرة دولارات، أبحرتُ لمدة ثلاثة أسابيع على متن الإس إس روما, سفينة شحن إيطالية, في قمرة بجوار محرك السفينة، اجتازت البحر العربي ثم البحر الأحمر تلاه الأبيض المتوسط إلى أن آل بها الأمر إلى إنجلترا، عشت في لندن بشارع فينسبيري بارك في منزل شغله بالكامل عزاب مفلسون وفدوا مثلي من البنغال, كانوا دستة على أقل تقدير وأحياناً أكثر،كافحنا جميعاً كي نتعلم ونوطد أقدامنا خارج أوطاننا.

حضرتُ محاضرات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن واشتغلتُ بمكتبة الجامعة حتى أوفر معاشي. أقمنا ثلاثة أفراد أو أربعة بالحجرة واشتركنا في استعمال مرحاض واحد بارد كالجليد وتناوبنا طهو قدوراً من البيض بالكاري أكلناه بأيدينا على مائدة غطيناها بورق الجرائد. وعلاوة على وظائفنا اضطلعنا ببعض المسؤوليات. فقد كنا نتسكع في العطلات الأسبوعية حفاة الأقدام مرتدين منامات سراويلها بأربطة, كنا نحتسي الشاي وندخن سجائر ماركة روثمانز أو ننطلق لمشاهدة مباراة كريكيت بملعب لوردز. وفي بعض العطلات الأسبوعية كان المنزل يكتظ أيضاً بالمزيد من البنغاليين الذين قدّمنا لهم أنفسنا عند الخضري أو بالمترو, فكنا نعد المزيد من البيض بالكاري ونستمع لأغاني موكيش* بمسجل مغناطيسي ماركة جروندج وننقع أطباقنا المتسخة في حوض الاستحمام، ومن حين وآخر ينتقل أحدهم من المنزل ليعيش مع امرأة قررتْ أسرته في كلكتا أن يتزوجها. عندما بلغتُ السادسة والثلاثين عام 1969, تم ترتيب زواجي. وفي نفس الفترة تقريباً عُرضتْ عليّ وظيفة بساعات عمل كاملة في أمريكا وذلك بقسم معالجة المعلومات في مكتبة تتبع معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا. كان المرتب سخياً بما يكفي لإعالة زوجة وقد شرفني أن توظفني جامعة مشهورة عالمياً وهكذا نلت حق الإقامة والعمل في أمريكا وأعددت حالي للسفر إلى بقعة أبعد.

كنت قد جنيت بحلول ذلك الوقت الكافي من الأموال للسفر بالطائرة،طرت أولاً إلى كلكتا لحضور حفل زفافي ثم ذهبتُ بعدها بأسبوع إلى بوسطن لأباشر عملي الجديد. طالعتُ خلال الرحلة "دليل الطالب إلى أمريكا الشمالية," إذ على الرغم أني كنت قد تخطيت مرحلة التلمذة, كان عليّ مع ذلك التقيد بميزانية محدودة. علمتُ أن الأمريكيين يقودون سياراتهم على الجانب الأيمن من الطريق وليس الأيسر وأنهم يطلقون على المصعد elevator"" وليس "left" ويقولون عن الهاتف المشغول إنه "busy" وليس "engaged". "إن سرعة الحياة بأمريكا الشمالية تختلف عن تلك التي تجدها ببريطانيا كما سيتكشف لك قريباً," أنهى إليّ الدليل. "يستولي على الجميع إحساس بأن عليهم بلوغ القمة, فلا تتوقع الكياسة الإنجليزية." بينما راحت الطائرة تهبط فوق ميناء بوسطن, أعلن الطيار عن حالة الطقس والوقت وأن الرئيس نيكسون أعلن يومها عطلة رسمية: فقد حط أمريكيان على القمر. هلل العديد من الراكبين. "بارك الله في أمريكا!" انطلق صياح أحدهم. التقطتْ عيناي سيدة تصلي عبر الممر.

أمضيت ليلتي الأولى في بيت من بيوت الشباب التابعة لجمعية الشبان المسيحيين بمنطقة سنترال سكوير في مدينة كامبردج, وهو سكن رخيص أوصى به الدليل وقام على بُعد بضعة أقدام من معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا، اشتملتْ الحجرة على سرير صغير الحجم ومكتب وصليب خشبي صغير معلق على أحد الحوائط. نبّهتْ لافتة مثبتة بالباب على أن الطهو ممنوع منعاً باتاً. أشرفتْ نافذة عارية من الستائر على جادة ماسيتشوسيتس. كانت أبواق السيارات تدوي, الواحد تلو الآخر, دوياً حاداً مطولاً. أنذرتْ صفارات الإنذار والأنوار المتقطعة بحالات طوارئ لا عد لها ولا حصر وهدرتْ سلسلة من الحافلات المارة طوال الليل فيما ارتفعتْ أصوات أبوابها وهي تُفتح وتُغلق في هسهسة قوية. كانت الضوضاء دائماً وأبداً مشتتة لذهني وأحياناً ما كانت تخنقني. شعرتُ بها تتوغل في أضلعي, تماماً كما شعرتُ بالأزيز المهتاج لمحرك سفينة الإس إس روما. إلا أن المكان قد خلا من سطح سفينة أفر إليه ومن محيط لامع تهتز له روحي طرباً ومن نسيم ينعش وجهي ومن مخلوق أتحدث معه. بلغتُ حداً من الإنهاك حال دون أن أتمشى بممرات بيت الشباب الكئيبة بملابس النوم. فجلستُ بدلاً من ذلك إلى المكتب مسدداً نظرات محدقة خارج النافذة. في الصباح أقبلتُ إلى محل عملي بمكتبة ’دوي‘, مبنى بني فاتح كما الحصن بطريق ميموريال درايف. فتحتُ كذلك حساباً في المصرف واستأجرتُ صندوقاً بمكتب البريد وابتعت سلطانية بلاستيك وملعقة. مررت على متجر كبير يدعى النقاء الأسمى وقطعتُ الممرات جيئة وذهاباً لأقارن الأسعار بتلك الموجودة بإنجلترا. في النهاية اشتريت علبة لبن وعلبة من رقائق الذرة فكانت هذه أول وجبة أتناولها بأمريكا. حتى العمل الروتيني البسيط المتمثل في شراء اللبن كان جديداً عليّ؛ ففي لندن يتم توصيل اللبن كل صباح حتى الباب.

خلال أسبوع كنت قد تأقلمتُ تقريباً مع الوضع، كنت آكل رقائق الذرة باللبن صباحاً وليلاً لكني اشتريت بعض الموز على سبيل التنوع فأعملتُ حرف ملعقتي فيه لتشريحه بالسلطانية. خلفتُ علبة اللبن بالجانب الظليل من عتبة النافذة مثلما رأيت مقيمين آخرين يفعلون بالمنزل. وفي الأمسيات كنت أشغل وقتي بمطالعة جريدة البوسطن جلوب بالطابق الأسفل في حجرة فسيحة الأركان نوافذها من الزجاج الملون. كنت أقرأ كل مقالة وكل إعلان حتى تتكون لديّ ألفة بالأشياء. وعندما يحل التعب بعينيّ, كنت آوي إلى الفراش. بيد أني لم أهنأ بنومي. فقد اضطررت كل ليلة إلى فتح النافذة على مصراعيها؛ إذ كانت المنفذ الوحيد للهواء داخل الغرفة الخانقة غير أني لم أطق الضوضاء. كنت أتمدد على السرير ضاغطاً على أذنيّ بأصابعي لكن عند استغراقي في النوم تسقط يداي فتوقظني ضوضاء المرور ثانية. كان ريش الحمام ينساق إلى عتبة النافذة وفي إحدى الأمسيات كنت أصب اللبن على رقائق الذرة فوجدته حامضاً. رغم تلك الظروف عقدتُ النية على المكوث ببيت الشباب لمدة ستة أسابيع إلى أن يجهز جواز سفر زوجتي وتصريح إقامتها. فبمجرد وفودها, كان عليّ أن أستأجر شقة ملائمة. فكنت أتفحص من وقت لآخر الإعلانات المبوبة بالجريدة أو أعرج على مكتب الإسكان بالمعهد خلال استراحة الغذاء لأرى المتاح. وبهذه الطريقة اكتشفتُ حجرة يمكن شغلها فوراً بمنزل كائن في شارع هادئ, ذكرتْ القائمة أنها ستكلف ثمانية دولارات في الأسبوع. اتصلتُ بالرقم من تليفون عمومي وأنا أفرز العملات التي لم أعتدها بعد, إذ كانت أصغر من الشلن وأخف منه وأثقل من البايسا

* وألمع منها.
"مَن يتكلم؟" سألت السيدة بصوت تتخلله جرأة وجلبة.
"نعم, مساء الخير يا سيدتي. أنا أتصل بخصوص الحجرة المعروضة للإيجار."
"هارفارد أم تِك؟"
"معذرة؟"
"هل أنت من هارفارد أم من تِك؟"
استنتجتُ أن تِك تشير إلى معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا فأجبتها, "أعمل بمكتبة دوي," ثم أردفتُ كالمتردد, "في تِك."
"أنا لا أؤجر غرفاً سوى للأولاد من هارفارد أو تِك!"
"حسناً يا سيدتي."
أعطتني عنواناً وميعاداً في السابعة مسائها. انطلقتُ قبل الموعد بثلاثين دقيقة مودعاً دليلي في جيبي وقد انتعش نَفَسي بغسول الفم ’ليستيرين‘. انعطفتُ في شارع تظلله الأشجار ويتعامد مع جادة ماسيتشوسيتس. كنت أرتدي رغم الحر معطفاً ورباط عنق معتبراً الحدث كأي مقابلة رسمية؛ لم أسكن قط في بيت لم يكن مالكه هندياً. تراءى المنزل – وقد اكتنفه سياج من الأسلاك المتشابكة – بلون أبيض ضارب إلى الصفرة خلا الزخارف الخشبية ذات اللون البني الغامق, والتصقتْ كتلة متداخلة من شجيرات الفرسيتية بمقدمة المنزل وجانبيه. عندما ضغطتُ على جرس الباب, صاحت السيدة التي حادثتها على الهاتف مما بدا لي الجانب الآخر بالضبط من الباب, "دقيقة واحدة من فضلك!"
مرت عدة دقائق قبل أن ينفتح الباب عن عجوز هزيلة طاعنة، سُويتْ على قمة رأسها كتلة من الشعر ثلجي البياض أشبه بالكيس الصغير. دلفتُ إلى المنزل في حين جلستْ هي على مقعد خشبي موضوع عند قرار سلم ضيق مكسو بسجادة. حالما استقر بها المقام على المقعد الملفوف في رقعة من الضوء, ارتقت إليّ ببصرها المحدق مانحة إياي غاية اهتمامها. كانت تلبس تنورة طويلة سوداء امتدت كالخيمة المتيبسة على الأرضية وقميصاً أبيض منشياً كُشكشت حواشيه عند الحلق وطرفيّ الردنين. كانت يداها مطويتين معاً في حجرها وإن تبدت أصابعها الطويلة الشاحبة ذات المفاصل المتورمة والأظافر القوية الصفراء. سحقتْ الشيخوخة ملامحها لدرجة أنها لاحت تقريباً كالرجل بعينيها الحادتين المنكمشتين وتجاعيدها الجلية المحفورة على جانبيّ أنفها. أوشكتْ شفتاها المتشققتان الممتقعتان على الاختفاء وتلاشى تماماً كل أثر لحواجبها. ومع ذلك فقد لاحت عنيفة الطباع.

"اغلق الباب!" قالت بصوت آمر. صرختْ رغم أني وقفتُ على بعد خطوات قليلة فحسب. "ثبت السلسلة واضغط بإحكام على زر المقبض ذلك! هذا أول ما ستفعله حين تدخل, هل كلامي واضح؟"
أغلقتُ الباب كما أملت عليّ ثم تمعنتُ بناظريّ في المنزل. ثمة إلى جانب المقعد مائدة مستديرة صغيرة توارت أرجلها كلية, كساقيّ السيدة, بمفرش من الدانتيلة. حملتْ المائدة مصباحاً ومذياع ترانزيستور ومحفظة جلدية بإبزيم فضي وهاتفاً. استند إلى أحد الجوانب عكاز خشبي غليظ. وعلى يميني وقعتْ ردهة اصطفت بها خزانات الكتب وحفلتْ بقطع أثاث بالية قوائمها مخدوشة. انصرف بصري إلى ركن الردهة حيث ألفيت بيانو ذا أوتار أفقية وقد أنزل غطاؤه وتراكمت عليه الأوراق. غاب كرسي البيانو؛ فبدا أنه الكرسي الذي تجلس عليه السيدة. ومن موضع ما بالمنزل دقت الساعة السابعة.
"أنت دقيق في مواعيدك!" أعلنتْ السيدة "أتوقع أن تظل على هذا النحو عند دفع الإيجار!"

"معي خطاب يا سيدتي." بجيب سترتي خطاب من معهد التكنولوجيا يؤكد أني موظف لديهم, جلبتُه حتى أثبت أني كنت بحق من تِك.
تفرستْ في الخطاب ثم سلمتْه إليّ بعناية قابضة عليه بأصابعها كما لو كان طبقاً تكدس بالطعام. لم تكن ترتدي نظارات فتساءلتُ إن كانت قد قرأت منه كلمة واحدة. "كان الولد الأخير دائم التأخير! فهو ما يزال مديناً لي بثمانية دولارات! لم يعد أولاد هارفارد كما كانوا في السابق! لا يستقبل هذا المنزل غير هارفارد وتِك! كيف حال تِك يا ولد؟"
"على ما يرام."
"تفحصتَ القفل؟"
"أجل يا سيدتي."
فكت أصابعها المتشابكة ثم ضربتْ براحتها الحيز المجاور لها على المقعد آمرة إياي أن أقعد. لاذت بالصمت لوهلة ثم أنبأتني بكلمات منغمة وكأنها وحدها العليمة بهذه المعرفة:
"هناك علم أمريكي على القمر!"
"أجل يا سيدتي।" لم أكن قد تفكرتُ كثيراً حتى ذلك الحين في موضوع إرسال سفينة فضاء إلى القمر. لا ريب أن الحدث قد تصدر الصحيفة في العديد من المقالات. قرأتُ أن رواد الفضاء حطوا على شواطئ بحر السكينة
* فكانوا بذلك أبعد مَن سافر في تاريخ الحضارة. سبروا سطح القمر لبضع ساعات. جمعوا صخوراً في جيوبهم ووصفوا البيئة المحيطة بهم (كان موقعاً مهجوراً مذهلاً على حد قول أحد الرواد). خاطبوا الرئيس عبر الهاتف ثم غرسوا علماً بتربة القمر. هلل الجميع للرحلة باعتبارها أروع إنجازات الإنسان على الإطلاق.
جأرتْ السيدة, "علم على القمر يا ولد! سمعتُ الخبر في المذياع! أليس ذلك مدهشاً؟"
"أجل يا سيدتي."
بيد أنها لم تقنع بردي فأمرتني, "قل ’مدهش‛!"
استحوذ عليّ الارتباك وألّم بي قدر من الإهانة لهذا الطلب। استرجعتْ ذاكرتي كيفية تعلمي لجداول الضرب في صغري عندما كنت أكرر بعد المدرس وأنا متربع الساقين على أرضية مدرستي ذات الحجرة الواحدة بمنطقة توليجانج. استحضرتُ أيضاً حفل زفافي حين رددتُ بعد الكاهن آيات لانهائية باللغة السنسكريتية, آيات فهمتُها بالكاد إلا أنها ربطتني بزوجتي. لم أنبس ببنت شفة.

"قل ’مدهش‛!" جأرتْ السيدة مرة أخرى.
"مدهش," تمتمتُ. كان عليّ أن أعيد الكلمة ثانية بأعلى صوت لتتمكن من سماعي. رغبتُ عن رفع صوتي أمام عجوز مسنة لكن لم يظهر عليها شعور بالإهانة. ولو أن ردي أحدث في نفسها أي أثر, فقد سَرها لأن أمرها التالي كان:
"رح شاهد الغرفة!"
نهضتُ من المقعد وارتقيت السلم الضيق। ألفيت خمسة أبواب, غرفتان على كل جانب من رواق ضيق هو الآخر فيما قبعتْ الغرفة الخامسة بالنهاية المقابلة. لم أجد سوى باب واحد مفتوح. حوت الغرفة سريراً لفرد واحد يمتد تحت سقف مائل وسجادة بنية بيضوية الشكل وحوضاً ماسورته مكشوفة وخزانة بأدراج. أفضى أحد الأبواب إلى دولاب وآخر إلى غرفة بها مرحاض وحوض استحمام. كانت النافذة مفتوحة؛ فاهتزت الستائر بفعل النسيم. أزحتها لأعاين المنظر: أرسلتُ طرفي إلى فناء خلفي صغير به بضع أشجار من الفاكهة وحبل غسيل فارغ. حاز المكان على رضاي.

عندما رجعتُ أدراجي إلى البهو, التقطتْ السيدة محفظتها الجلدية من المائدة وفتحتْ الإبزيم ثم نقبتْ بأصابعها حتى أخرجتْ مفتاحاً يتصل بطوق سلكي رفيع. أعلمتني بأن هناك مطبخاً بمؤخرة المنزل يمكن الوصول إليه عبر الردهة ورحبتْ بأن أستخدم الموقد طالما سأدعه كما وجدتُه. سوف تمدني بالملاءات والفوط إلا أني مسؤول عن الحفاظ على نظافتها. كان موعد دفع الإيجار صبيحة الجمعة ومكانه على الرف فوق مفاتيح البيانو. "وغير مسموح باستقبال السيدات!"
"أنا رجل متزوج يا سيدتي." كانت تلك أول مرة أجاهر فيها بهذه الحقيقة لأي أحد.
إلا أنها لم تسمعني. "غير مسموح باستقبال السيدات!" أصرت. قدّمتْ لي نفسها بوصفها السيدة كروفت.

كانت زوجتي تدعى مالا। رتب الزواج أخي الأكبر وزوجته. لم أنظر إلى المسألة بعين الاعتراض كما لم تنطو نفسي على حماسة لها. فقد كانت واجباً متوقعاً مني مثلما هو متوقع من كل رجل. كانت ابنة أحد المدرسين بمنطقة بيليجاتا. قيل لي إنها تستطيع الطبخ والنسج والتطريز ورسم المناظر الطبيعية وإلقاء شعر طاغور, غير أن هذه المواهب لم تعوض عن بشرتها السمراء لذا كان وجهها سبباً في رفض سلسلة من الرجال لها. كانت قد أدركت السابعة والعشرين وهي سن طفق معها والداها يخافان ألا تتزوج قط لذلك كانا على استعداد لأن يرسلا طفلتهما الوحيدة إلى آخر الدنيا كي ينقذاها من العنوس.

اشتركنا في الفراش خمس ليالي. وفي كل ليلة من تلك الليالي, بعد أن تضع مرطب بشرتها وتضفر شعرها, كانت تشيح عني لتأخذ في البكاء؛ فقد كانت مشتاقة لوالديها. ومع أني كنت سأرحل عن البلاد خلال عدة أيام, قضت التقاليد بأنها الآن جزء من أهل بيتي وعليه سوف تعيش خلال الستة أسابيع المقبلة مع أخي وزوجته كي تطبخ وتنظف وتقدم الشاي والحلوى للضيوف. لم يبدر مني شيء لمواساتها. استلقيت على جانبي من الفراش لأقرأ دليلي على ضوء الكشاف. أحياناً ما كنت أفكر في الحجرة الصغيرة القائمة على الجانب الآخر من الحائط, الحجرة التي كانت تخص أمي. أصبحتْ الآن تقريباً خالية؛ فالسرير الخشبي الضيق الذي نامت عليه يوماً تكوم بالصناديق وأغطية السرير القديمة. منذ قرابة ست سنوات قبل أن أغادر إلى لندن, شاهدتُها تقضي نحبها على ذلك السرير, وجدتُها تلعب ببرازها في أيامها الأخيرة. قبل أن نحرق جثمانها, استخدمتُ دبوس شعر لتنظيف كل أظافرها. لم يسع أخي تحمل الأمر فتوليت أنا دور الابن الأكبر لامساً اللهب حتى هيكلها كي أطلق روحها المعذبة إلى الفردوس.

انتقلتُ في الصباح التالي إلى منزل السيدة كروفت. عندما فتحتُ الباب, رأيتها جالسة على كرسي البيانو على نفس الجانب الذي قعدتْ عليه الأمسية السابقة. كانت تلبس نفس التنورة السوداء ونفس القميص الأبيض المنشي وقد ضمت يديها معاً بنفس الطريقة في حجرها. ظهرتْ على نفس الوضع بصورة كبيرة حتى إني تساءلت إن كانت قد قضت الليلة بأكملها على المقعد. وضعتُ حقيبتي بالطابق العلوي ثم توجهتُ إلى العمل. حينما قدِمتُ إلى البيت راجعاً من الجامعة مسائها, كانت لا تزال هناك.
"اجلس يا ولد!" ضربتْ راحتها الحيز المجاور لها.
جلستُ على حرف المقعد. كان معي كيس بقالة – المزيد من اللبن ورقائق الذرة والموز ذلك لأن معاينتي للمطبخ – في وقت سابق يومئذ – كشفتْ عن عدم وجود أية قدور أو أوعية إضافية. لم أجد بالثلاجة غير حلتين احتويتا على بعض مرق البرتقال وغلاية نحاس على الموقد.
"مساء الخير يا سيدتي."
سألتني إن كنت قد تحققت من إغلاق القفل فقلت لها إني فعلت.
لبثتْ ساكتة هنيهة ثم ما أدري إلا وقد أعلنتْ بنفس الدرجة من الإنكار والسعادة التي شملتها الليلة الفائتة, "هناك علم أمريكي على القمر يا ولد!"
"أجل يا سيدتي."
"علم على القمر! أليس ذلك مدهشاً؟"
أومأتُ برأسي وتوجستُ خيفة مما عرفتُ أنه آت. "أجل يا سيدتي."
"قل ’مدهش‛!"
أمسكتُ هذه المرة وخطفتُ نظرتين يمنة ويسرة خشية وجود مَن يسمعني اتفاقاً وإن علمتُ تماماً بخلو المنزل. غمرني إحساس بالبلاهة غير أن طلبها كان هيناً. "مدهش!" صحت.
بات هذا الحال خلال أيام في حكم المعتاد. لمّا كنت أنصرف إلى المكتبة في الأصباح, كانت السيدة كروفت مختبئة في حجرتها على الجانب الآخر من السلم أو جالسة على المقعد, غافلة عن وجودي, تستمع إلى الأخبار أو الموسيقى الكلاسيكية في المذياع. لكن عندما أعاود كل مساء, يجري نفس ما جرى: تضرب المقعد وتأمرني بالجلوس لتجاهر بأن هناك علماً على القمر وأن هذا مدهش. فكنت أردد أنا الآخر أنه مدهش ثم نلزم الصمت. على قدر ما كانت الجلسة محرجة ورغم شعوري وقتذاك بأنها ستتصل إلى ما لانهاية, لم يستمر اللقاء الليلي غير حوالي عشر دقائق؛ فقد كان من المحتم أن يغلبها النوم, فيسقط رأسها بغتة على صدرها تاركة لي حرية الانسحاب إلى غرفتي. لكن ما من شك أن القمر بحلول ذلك الوقت قد خلا من أي علم يقف عليه. فقد طالعتُ في الجريدة أن رواد الفضاء أبصروه يقع قبل أن يطيروا نحو الأرض لكن ما طاوعني قلبي على إخبارها.

في صباح يوم الجمعة عندما آن موعد دفع إيجار أول أسبوع, مضيت نحو البيانو بالردهة لأضع أموالي على الرف. كانت مفاتيح البيانو باهتة حائلة اللون. عندما ضغطتُ على أحدها, لم يصدر أي صوت على الإطلاق. كنت قد وضعت نقوداً بقيمة ثمانية دولارات في ظرف وكتبتُ عليه اسم السيدة كروفت. لم يكن من عاداتي ترك النقود بلا علامة أو اهتمام. استطعت من مكاني أن أشاهد بالصالة جانب من تنورتها المتخذة شكل الخيمة. بدا لي من غير الضروري أن أجعلها تنهض لتسير كل تلك المسافة إلى البيانو. لم أبصرها قط تمشى وقد افترضتُ من العكاز المرتكز على المائدة المستديرة أنها كانت تسير بمشقة. عندما اقتربتُ من المقعد, رفعتْ نظرتها الشاخصة نحوي سائلة:
"ماذا تريد؟"
"الإيجار يا سيدتي."
"على الرف فوق مفاتيح البيانو!"
"معي هنا." مددت الظرف نحوها غير أن أصابعها المطوية معاً في حجرها لم تتزحزح. انحنيت قليلاً مخفضاً الظرف إلى أن تأرجح في الهواء فوق يديها مباشرة. مضت لحظة ثم قبَلتْه بإيماءة من رأسها.
عندما وصلتُ إلى البيت ليلتئذ, لم تضرب المقعد لكني جلست جوارها بحكم العادة. سألتني إن كنت قد تفقدت القفل بيد أنها لم تشر بكلمة إلى علم القمر. بدلاً من ذلك قالت:
"كنتَ في منتهى الطيبة!"
"عفواً يا سيدتي؟"
"في منتهى الطيبة!"
كانت لا تزال ممسكة بالظرف بين يديها.

تناهت إليّ دقة على بابي يوم الأحد. قدّمتْ عجوز نفسها: كانت هيلين ابنة السيدة كروفت. تقدمتْ إلى داخل الحجرة وتطلعتْ إلى كل جدار من الجدران كما لو كانت تبحث عن أي أثر للتغيير. لمحتْ القمصان المعلقة بالدولاب وأربطة العنق تتدلى على مقابض الباب وعلبة رقائق الذرة فوق خزانة الأدراج وما اتسخ بالحوض من سلطانية وملعقة. كانت قصيرة القامة سميكة الخصر, شعرها فضي قصير للغاية وأحمر شفاهها وردي زاه. كانت تلبس فستاناً صيفياً بلا أكمام وعقداً من الخرز البلاستيكي الأبيض ونظارة متصلة بسلسلة تتعلق كالأرجوحة على صدرها. ارتسمتْ عروق كحلية على ربلتيّ ساقيها وكأنهما خريطة وارتخى أعلى ذراعيها مثل لب باذنجان مشوي. أبلغتني أنها تقطن بأرلينجتون, بلدة شمال جادة ماسيتشوسيتس. "أحضر مرة في الأسبوع لأجلب البقالة لأمي. ألم تطردك بعد؟"
"الحال على ما يرام يا سيدتي।"

"ركض بعض الأولاد من هنا وهم يصرخون لكني أخالها معجبة بك. أنت أول ساكن على الإطلاق تشير إليه بالأستاذ."
رنت إليّ فلاحظتْ قدميّ الحافيتين. (لم أزل غير مرتاح لارتداء الحذاء داخل المنزل فكنت دوماً أخلعه قبل دخول غرفتي.) "هل أنت حديث العهد ببوسطن؟"
"حديث العهد بأمريكا يا سيدتي."
"مِن أين؟" وهي ترفع حاجبيها.
"أنا مِن كالكتا بالهند."
"صحيح؟ كان لدينا شخص برازيلي من نحو السنة. ستلفي كامبردج مدينة عالمية جداً."
أومأتُ برأسي ثم رحت أتساءل عن المدة التي ستطولها المحادثة. لكن في تلك اللحظة صك أذنينا صوت السيدة كروفت المكهرب وهو يرتفع على الدرج.
"انزلي حالاً!"
"ماذا هناك؟" ردت هيلين صائحة.
"في التو!"
لبستُ حذائي فيما أرسلتْ هيلين تنهيدة.
لحقتُ بهيلين على السلالم. لم يظهر عليها الاستعجال واشتكت مرة من ركبتها المعتلة. "هل كنتِ تسيرين من غير عكازك؟" هتفتْ هيلين. "تعلمين أن المفروض ألا تسيري بدون ذلك العكاز." كَفّت ثم اتكأتْ بيدها على الدرابزين ملتفتة إليّ. "هي تنزلق أحياناً."
لأول مرة تراءت لي السيدة كروفت عرضة للأذى. تخايلتْ لعينيّ وقد تسطح ظهرها على الأرضية أمام المقعد, تتفرس في السقف وقدماها تشيران إلى اتجاهين مختلفين. إلا أننا عندما انتهينا إلى أسفل الدرج, كانت جالسة هناك كالعهد بها ويداها مطويتان معاً في حجرها. وُضع كيسان من البقالة عند قدميها. لم تضرب المقعد أو تسألنا الجلوس. كان الغضب يتطاير من عينيها المحملقتين.
"ما الخطب يا أمي؟"
"عيب!"
"ما هو العيب؟"
"عيب أن تتجاذب سيدة محترمة وأستاذ ليس زوجها حديثاً خاصاً بدون رفيق ثالث!"
دفعتْ هيلين بأنها في الثامنة والستين أي في عمر أمي بيد أن السيدة كروفت أبت إلا أن تتكلم هيلين معي بالطابق الأسفل في الردهة. أردفتْ أنه من العيب أيضاً أن تكشف سيدة محترمة في مقام هيلين عن سنها وأن تلبس فستاناً يعلو فوق الكاحل كل تلك المسافة.
"لعلمِك يا أمي, نحن في عام 1969. ماذا ستفعلين لو غادرتِ المنزل بالفعل في يوم ما ووقعتْ عيناك على فتاة ترتدي تنورة فوق الركبة؟"
قالت السيدة كروفت كالمزدرية। "سأجعلهم يلقون القبض عليها."

ما كان من هيلين إلا أن هزت رأسها والتقطتْ واحداً من كيسيّ البقالة. التقطتُ أنا الآخر وتبعتُها عبر الردهة وإلى المطبخ. امتلأتْ الأكياس بعلب حساء فتحتْها هيلين الواحدة بعد الأخرى بأن أدارت ذراع الفتاحة بضع مرات. رمت الحساء القديم في الحوض وشطفتْ الحلتين تحت الصنبور ثم ملأتْهما بحساء العلب المفتوحة حديثاً وأرجعتْهما بالثلاجة. "كانت لا تزال بمقدورها فتح العلب بنفسها منذ سنوات قلائل," قالت هيلين. "إنها تكره قيامي بهذا الآن إلا أن البيانو قد قضى على يديها." ارتدت نظارتها فلمحتْ الخزانة وتبينتْ أكياس الشاي خاصتي. "هل تحب أن نحتسي فنجانين من الشاي؟"
ملأتُ الغلاية الموضوعة على الموقد. "أستميحك عذراً يا سيدتي. البيانو؟"
"اعتادت أن تعطي دروساً لمدة أربعين عاماً. هكذا تأتّى لها أن تربينا بعد وفاة والدي. وضعتْ هيلين يديها على وركيها وجعلت تنعم النظر في الثلاجة المفتوحة. مدت يدها إلى آخرها وسحبت قضيباً ملفوفاً من الزبد, قطبتْ جبينها على أثره ثم ألقته في الزبالة. "يكفي ذلك," قالت ثم أودعتْ علب الحساء المغلقة في الخزانة. اتخذتُ مجلسي إلى المائدة وراقبتُ هيلين وهي تغسل الأطباق المتسخة وتربط كيس الزبالة وتصب ماء مغلياً في فنجانين. ناولتني أحدهما بدون إضافة لبن وجلستْ إلى المائدة.
"عفواً يا سيدتي, لكن هل هذا بالكافي؟"
حست هيلين حسوة من شايها فخلف أحمر الشفاه بقعة وردية تبتسم على حافة الفنجان. "ما هو الكافي؟"
"الحساء الذي في القدور. هل هو طعام كاف للسيدة كروفت؟"
"هي لن تأكل غيره. فقد انقطعتْ عن تناول الأغذية الصلبة بعد أن بلغتْ المائة. كان ذلك, مم, منذ ثلاث سنوات."
داهمني الخَدَر. كنت قد افترضت أن السيدة كروفت في الثمانين من عمرها, علها كانت في التسعين. لم أعرف قط شخصاً عاش لما بعد قرن من الزمان. أمّا أن يكون هذا الشخص أرملة عاشت وحدها, فهي حقيقة خدّرتْ عقلي أكثر وأكثر. لقد دفع الترمل أمي إلى الجنون. عمل أبي ككاتب بمكتب البريد العام في كلكتا وقد وافته المنية من جراء التهاب في الدماغ عندما كنت في السادسة عشر. أبت أمي أن تتكيف مع الحياة دونه؛ وغاصت في أعماق عالم من الظلمات, فلم نستطع, لا أنا ولا أخي ولا مَن اهتم من الأقارب ولا عيادات الطب العقلي بجادة راش بيهاري أن ننقذها. كان أكثر ما أدمى قلبي أن أراها على هذا القدر من الغفلة, أن أسمعها تتجشأ بعد الوجبات أو تطلق ريحاً أمام الضيوف بلا أقل إحراج. بعد أن عاجل أبي الأجل, هجر أخي التعليم. ومن أجل أن يفي بلوازم البيت, أنشأ يعمل بمصنع غزل نبات الجوتة حتى انتهى به الأمر إلى إدارته. وهكذا كانت مهمتي أن أجلس جوار قدميّ أمي وأذاكر لدخول الامتحانات فيما كانت هي تعد وتكرر عد الأساور بذراعها وكأنها خرز لتعليم الأطفال العد. حاولنا أن نشملها بالرقابة. هامت مرة نصف عارية إلى محطة الترام قبل أن نتمكن من إرجاعها ثانية.
"أنا على استعداد لأن أدفئ حساء السيدة كروفت في الأمسيات," اقترحتُ. "لن يشق عليّ أبداً."
نظرتْ هيلين إلى ساعتها ثم نهضتْ وصبت ما تبقى من شايها في الحوض. "لو كنتُ مكانك, ما فعلتُ. فمثل هذا الفعل سيصيبها في مقتل."

عندما انصرفتْ هيلين ذاك المساء وأمسيت والسيدة كروفت بمفردنا مجدداً, بدأ القلق يتطرق إليّ. أما وقد علمتُ الآن أنها طاعنة في السن, اعتراني القلق من أن ينزل بها شيء في منتصف الليل أو عند خروجي أثناء النهار. فبرغم قوة صوتها وعلى ما تبدو عليه من غطرسة, كنت أعلم أن حتى الخدش أو الكحة بإمكانهما قتل إنسان في تلك السن؛ كنت أعلم أن كل يوم تحياه لهو بمثابة معجزة. لم يبد على هيلين الاكتراث. كانت تجيء وتروح جالبة الحساء للسيدة كروفت الأحد بعد الآخر.
انصرمت على هذا النحو الستة أسابيع بذلك الصيف. كنت آتي إلى البيت كل مساء, عقب انتهاء ساعات عملي بالمكتبة, لأمضي بضع دقائق على مقعد البيانو مع السيدة كروفت. وفي بعض الأمسيات كنت أقعد بجانبها بعد استغراقها في النوم بوقت طويل وما زالت الرهبة تغشاني لما قضته من سنوات عديدة على هذه الأرض. أحياناً ما كنت أحاول تصور العالم الذي وُلدتْ فيه عام 1866 – فنزع بي الخيال إلى عالم حفل بسيدات ترتدين تنورات سوداء طويلة وترددن الأحاديث المحتشمة بالردهة. حينما رنوت لحظتها إلى يديها بمفاصلهما المتورمة وهما مطويتان معاً في حجرها, ارتسمتا في مخيلتي ناعمتين نحيلتين تضربان على مفاتيح البيانو. كنت أهبط من حين لآخر إلى الطابق السفلي قبل أن أنام لأتأكد من أنها تجلس مستقيمة على المقعد أو أنها سالمة بحجرة نومها. وفي أيام الجمعة كنت أضع الإيجار بين يديها. كانت هذه الإيماءات البسيطة هي أقصى ما وسعني فعله من أجلها. فأنا لم أكن ابنها, وعدا تلك الدولارات الثمانية لم أدن لها بشيء.

تجهز جواز سفر مالا وتصريح إقامتها بنهاية شهر أغسطس. استلمتُ برقية بتفاصيل رحلتها؛ إذ خلا منزل أخي بكلكتا من الهاتف. كذلك تلقيت في تلك الفترة تقريباً خطاباً منها كتبتْه بعد أيام قليلة من افتراقنا. لم تبادرني بتحية رسمية؛ مخاطبتي باسمي المجرد افترضتْ حميمية لم نكن قد اكتشفناها بعد. تضمن بضعة سطور لا غير. "أكتب بالإنجليزية استعداداً للرحلة. لشد وحدتي هنا. هل الجو شديد البرودة هناك. هل يسقط الثلج. تحياتي, مالا."
لم تهتز مشاعري لكلماتها. فنحن لم نمض معاً سوى حفنة من الأيام. ومع ذلك فقد وصل بيننا رابط؛ لمدة ستة أسابيع ارتدت هي سواراً حديدياً بمعصمها ووضعتْ مسحوقاً قرمزياً على مفرق شعرها لتُعلم العالم بأنها عروس. خلال تلك الأسابيع الستة رنوت إلى مجيئها كرنوي إلى شهر آت أو فصل من الفصول – شيء حتمي ولكن لا معنى له حينذاك. لم أقض معها إلا أقل القليل من الوقت حتى إني لم أستطع استحضار وجهها بالكامل عندما تظهر لذاكرتي تفاصيله أحياناً.
بعد بضعة أيام من استلامي الخطاب, بينما كنت أسير إلى العمل في الصباح, علق بصري بسيدة هندية في جادة ماسيتشوسيتس। كانت تلبس ساري تنجر تقريباً نهايته الطليقة على الرصيف وتدفع عربة بها طفل. وإلى جانبها سارت سيدة أمريكية تمسك بسلسلة تنتهي إلى كلب صغير أسمر اللون. ثم ما هي إلا وقد جعل الكلب يطلق نباحه. شاهدتُ السيدة الهندية وقد دهاها الإجفال فتوقفتْ في طريقها بينما قفز الكلب قابضاً بأسنانه على طرف الساري. وبختْ الأمريكية الكلب وبدت وكأنما تعتذر ثم حثت الخطى بعيداً تاركة الهندية تعدل ساريها وتهدئ من روع طفلها الباكي. لم تبصرني في موقفي هناك وفي آخر الأمر واصلتْ المشي في سبيلها. أدركتُ صباحها أن مثل ذلك الحادث المؤسف سرعان ما سيندرج في إطار اهتماماتي. فقد كان واجباً عليّ أن أعتني بمالا, أن أرحب بها وأعمل على حمايتها. سوف يتوجب عليّ أن أبتاع لها أول حذاء للمشي فوق الثلج وأول معطف للشتاء. سوف يتوجب عليّ أن أطلعها على الطرق التي تتجنبها وعلى كيفية سير حركة المرور, أن أخبرها أن ترتدي الساري بما يحول دون أن تنجر النهاية الطليقة على الرصيف. تذكرتُ بشيء من السخط أن خمسة أميال فصلتْها عن والديها حمَلتها على الانتحاب.

كنت, على عكس مالا, قد ألفت كل شيء بحلول هذا الوقت: درَجتُ على رقائق الذرة واللبن وعلى زيارات هيلين وعلى الجلوس على المقعد مع السيدة كروفت. شيء وحيد لم أعتده, مالا. قمت رغم ذلك بما ينبغي عليّ فعله. قصدتُ مكتب الإسكان بالمعهد فوقعتُ على شقة مفروشة على بعد عدة مبان, بها سرير يتسع لفردين ومطبخ خاص وحمام, بأربعين دولاراً في الأسبوع. وفي الجمعة الأخيرة سلّمتُ إلى السيدة كروفت مظروفاً به ما يساوي ثمانية دولارات ثم أنزلتُ حقيبتي وأنهيت إليها أني سوف أنتقل. أودعتْ مفتاحي في محفظتها. كان آخر طلباتها أن أناولها العكاز المستند إلى المائدة حتى تستطيع أن تمشي إلى الباب لتغلقه ورائي. "إلى اللقاء إذن," قالت ثم انسحبتْ داخل المنزل. لم أتوقع أي توديع عاطفي لكن انتابتني خيبة أمل مع ذلك. لم أكن سوى ساكن, رجل دفع لها القليل من النقود ليدخل بيتها ويخرج منه لمدة ستة أسابيع. مقارنة بقرن من الزمان, كانت تلك الفترة طرفة عين.

تعرفتُ على مالا فوراً بالمطار. لم ينجر طرف ساريها الطليق على الأرض إنما تهدل على رأسها علامة على حياء العروس, بالضبط كتهدله على رأس أمي حتى يوم وفاة أبي. تكدس ذراعاها الرفيعان البنيان بالأساور الذهبية ورُسمتْ دائرة حمراء صغيرة على جبهتها وتخضبتْ أطراف قدميها بحنة حمراء مزخرفة. لم أطوقها بذراعيّّ أو ألثم وجنتها بقبلة أو أتناول يدها. بدلاً من هذا وذاك, سألتها بالبنغالية التي كنت أتكلمها للمرة الأولى في أمريكا ما إذا كانت جوعانة.
ساورها التردد ثم أومأتْ بالإيجاب.
قلت لها إني أعددت بالبيت بعض البيض بالكاري. "ماذا أعطوك لتأكليه بالطائرة؟"
"لم آكل شيئاً."
"كل تلك المسافة من كلكتا؟"
"كان بالقائمة حساء ذيل الثور."
"لكن مؤكد كانت هناك أنواع أخرى."
"فكرة أكل ذيل الثور أفقدتني شهيتي."
عندما صرنا إلى البيت, فتحتْ مالا واحدة من حقائبها وأهدتني كنزتين من الصوف الأزرق الزاهي شغلتْهما خلال فترة انفصالنا, واحدة برقبة على شكل حرف V والأخرى مكسوة بأربطة. قستهما فكانتا ضيقتين عند الإبطين. أحضرتْ لي أيضاً منامتين جديدتين سرواليهما برباطين وخطاباً من أخي وعلبة من الشاي المحلول زُرع ببلدة دارجيلينج. لم أجلب لها أية هدايا عدا البيض بالكاري. اتخذنا مجلسينا إلى مائدة عارية نحملق إلى طبقينا. أكلنا بأيدينا, شيء آخر لم أقم به في أمريكا.
"المنزل لطيف," قالت. "وكذا البيض بالكاري." قبضتْ يدها اليسرى على طرف الساري لِصق صدرها لئلا ينزلق عن رأسها.
"لا أعرف وصفات كثيرة."
أومأتْ برأسها وهي تنزع قشرة كل ثمرة بطاطس قبل تناولها. انزلق الساري ذات مرة نحو كتفيها فضبطتْه من فورها.
"لا داع لأن تغطي رأسك," قلت. "لا مانع عندي. فالأمر ليس مهماً هنا."
أبقت رأسها مغطاة على أية حال.
كنت في انتظار أن أعتاد عليها, على وجودها بجانبي وإلى مائدتي وعلى سريري, إلا أن أسبوعاً قد مر ولا زلنا غريبين. لم آلف بعد أن آتي إلى شقة تفوح منها رائحة الأرز المطهو على البخار, لم آلف نظافة حوض الحمام الدائمة وفرشاتا الأسنان تتمددان جنباً إلى جنب ولا قطعة الصابون ماركة بيرز الكامنة في صحن الصابون. لم أعتد شذا زيت جوز الهند الذي تدلك به فروة رأسها كل ليلتين أو ما بعثتْه أساورها من صوت رقيق وهي تتجول بالشقة. دائماً ما كانت تستيقظ قبلي كل صباح. عندما دلفتُ إلى المطبخ في الصباح الأول, كانت قد سخنت ما تبقى من طعام الأمس ووضعت طبقاً بحرفه ملء ملعقة ملح ظناً منها أني سأفطر أرزاً كعادة معظم الأزواج البنغاليين. قلت لها إن رقائق الذرة ستكفي. وفي الصباح التالي عندما دخلتُ المطبخ, كانت قد سكبت بالفعل رقائق الذرة بسلطانيتي. وفي صبيحة أحد الأيام سارت معي إلى معهد التكنولوجيا حيث طفت معها في جولة قصيرة بحرم المعهد. قبل أن أغادر إلى العمل في الصباح التالي, طلبتْ مني بضعة دولارات. تخليت عنها على مضض لكني كنت أعلم أن هذا أيضاً أصبح أمراً طبيعياً الآن. حينما عاودتُ إلى البيت من العمل, ألفيت مقشرة بطاطس بدرج المطبخ ومفرشاً يكسو المائدة ودجاجاً بالكاري على الموقد مطهواً بثوم وزنجبيل طازجين. طالعتُ الجريدة بعد العشاء فيما جلستْ مالا إلى مائدة المطبخ لتنسج لنفسها سترة بالمزيد من الصوف الأزرق أو لتخط الرسائل إلى أفراد عائلتها.
يوم الجمعة أبديت اقتراحاً بالخروج. حطت مالا شغل الإبرة واختفتْ في الحمام. ما أن ظهرتْ حتى عضني الندم على الاقتراح؛ فقد ارتدت سارياً حريرياً والمزيد من الأساور ولفت شعرها فوق رأسها بعد أن فرَقته فرقاً جانبياً أشبع غرورها. تهيأتْ كالماضية إلى حفلة أو على أقل تقدير إلى السينما غير أني لم أنو الذهاب إلى تلك المقاصد. ران على الأمسية جو منعش. تمشينا بحذاء عدة مبان بجادة ماسيتشوسيتس, نتطلع إلى نوافذ المطاعم والمحلات. ثم وبدون تفكير قدتها إلى الشارع الهادئ الذي سرت به وحدي في العديد من الليالي.
"هذا هو المكان الذي عشت فيه قبل حضورك," قلت متوقفاً عند سياج الأسلاك المتشابكة بمنزل السيدة كروفت.
"في مثل ذلك المنزل الكبير؟"
"كنتُ أسكن في غرفة صغيرة بالطابق العلوي بخلفية المنزل."
"مَن غيرك عاش هناك؟"
"سيدة عجوز للغاية."
"مع أسرتها؟"
"وحدها."
"لكن مَن يرعاها؟"
فتحتُ البوابة. "هي ترعى نفسها أغلب الوقت."
تُرى هل ستتذكرني السيدة كروفت؛ ألديها يا ترى ساكن جديد يجالسها كل مساء. عندما قرعتُ الجرس, توقعتُ الانتظار طويلاً كما حدث يوم لقائنا الأول عندما لم يكن معي مفتاح. إلا أن الباب انفتح هذه المرة في الحال تقريباً, فتحتْه هيلين. لم تكن السيدة كروفت جالسة على المقعد كما اختفى المقعد نفسه.
"أهلاً بك," رحبتْ هيلين في حين كشفتْ شفتاها الورديتان الزاهيتان عن ابتسامة موجهة لمالا. "أمي بالردهة. هل ستبقى لبرهة؟"
"كما تشائين يا سيدتي."
"إذاً أظنني سأسرع إلى المتجر إن لم يكن عندك مانع. حصل لها حادث بسيط ولا نستطيع أن نتركها بمفردها هذه الأيام ولا حتى دقيقة واحدة."
أغلقتُ الباب وراء هيلين ومشيت نحو الردهة. كانت السيدة كروفت ممددة على ظهرها وقد استراح رأسها على وسادة بلون الخوخ وانبسط لحاف أبيض رقيق على جسمها. كانت يداها مطويتين معاً على صدرها. عندما التقت عيناها بي, أشارت إلى الأريكة وأمرتني أن أقعد. اتخذتُ مكاني كما قالت إلا أن مالا اتجهتْ نحو البيانو بخطى متمهلة وجلستْ على المقعد الموضوع الآن في محله.
"كسرتُ وركي!" أعلنتْ السيدة كروفت وكأنها البارحة.
"ياه يا سيدتي."
"وقعتُ من على المقعد!"
"ألف سلامة يا سيدتي."
"جرى هذا في منتصف الليل! هل تعلم ما الذي فعلتُه يا ولد؟"
هززت رأسي.
"اتصلتُ بالشرطة!"
صوبتْ نظرات شاخصة تجاه السقف وابتسمتْ ابتسامة عريضة إنما رصينة تحسر عن صف مزدحم من الأسنان الرمادية الطويلة. "ماذا ستقول رداً على ذلك يا ولد؟"
على ما خامرني من ذهول, كنت أعلم ما عليّ ترديده. فصِحت بلا أدنى تردد, "مدهش!"
علت ضحكة مالا حينئذ. زخر صوتها بالطيبة وأشرقتْ عيناها بالسرور. لم يسبق لي البتة سماع ضحكتها من قبل, كانت عالية بما يكفي لأن تتناهى إلى السيدة كروفت أيضاً. فالتفتت إزاء مالا ترمقها بنظرات غضبى.
"مَن هذه يا ولد؟"
"إنها زوجتي يا سيدتي."
ضغطتْ السيدة كروفت رأسها على إحدى زوايا الوسادة لتحوز على رؤية أفضل. "هل تستطيعين العزف على البيانو؟"
"لا يا سيدتي," أجابتها مالا.
"إذن قفي!"
نهضتْ مالا على قدميها وهي تضبط طرف الساري فوق رأسها ممسكة به أمام صدرها, وللمرة الأولى منذ مجيئها داخلني التعاطف معها. اجتررت ذكريات أيامي الأولى بلندن, كيف تعلمتُ أن أركب المترو إلى شارع راسل سكوير, كيف ركبتُ السلالم الكهربائية للمرة الأولى. كنت عاجز عن إدراك أن الرجل عندما يصرخ "جرنان", كان يقصد "الجريدة," عجزتُ لمدة عام كامل عن أن أفك مغاليق مقولة الكمسري "احذر الفجوة" عند دخول القطار كل محطة. كما هو حالي, ارتحلتْ مالا بعيداً عن بيتها دون أن تعلم أين ستذهب أو ماذا ستلاقى من أجل سبب واحد وحيد هو أن تصير زوجتي. ورغم ما بدا بالفكرة من غرابة, علمتُ في قرارة نفسي أن موتها ذات يوم سوف يؤثر فيّ والأكثر غرابة علمي أن موتي سيؤثر فيها. وددت أن أشرح هذا بطريقة ما للسيدة كروفت التي لم تفتأ تدقق في مالا من قمة رأسها حتى أخمص قدميها بنظرات ندت عن عيون مزدرية ساكنة. تساءلتُ إن كانت السيدة كروفت قد رأت من قبل امرأة ترتدي ساري وترتسم نقطة على جبينها وتتكدس الأساور برسغيها. تُرى ما الذي ستعترض عليه. تساءلتُ إن كان بمقدورها أن تلحظ الحنة الحمراء التي لم تزل زاهية بقدميّ مالا اللتين لم يحجبهما سوى الطرف السفلي للساري. أخيراً صرحتْ السيدة كروفت بنفس الدرجة من الإنكار والابتهاج اللتين عرفتهما حق المعرفة:
"إنها سيدة كاملة!"
أنا الآن الذي ضحكت, إذ فرت مني ضحكة خافتة لم تصل للسيدة كروفت. بيد أنها نمت إلى مسامع مالا ولأول مرة تبادلنا النظرات وجرى الابتسام على ثغرينا.

يطيب لي أن أعتقد أن تلك اللحظة بردهة السيدة كروفت هي اللحظة التي أخذتْ فيها المسافة بيني وبين مالا تنحسر. ورغم أننا لم نكن غارقين في الحب بعد, يحلو لي أن أعد الشهور التالية نوعاً من شهر العسل. فقد استكشفنا المدينة معاً والتقينا بآخرين من البنغال ظل بعضهم أصدقاءنا حتى اليوم. اكتشفنا أن رجلاً يدعى بيل يبيع السمك الطازج بشارع بروسبيكت وأن متجراً بشارع هارفارد سكوير اسمه كاردولو يبيع أوراق نبات الغار وتابل كبش القرنفل. كنا نتمشى في الأمسيات حتى نهر تشارلز, نتفرج على المراكب الشراعية وهي تنجرف عبر المياه أو نتناول كيزان المثلجات بشارع هارفارد يارد. اشترينا آلة تصوير لنسجل حياتنا معاً فالتقت لها الصور وهي تتخذ وضعيتها أمام مبنى البرودينشل حتى ترسلها لوالديها. وفي الليل نتبادل القبلات الخجلة في البدء لكن ما نلبث أن نتجرأ فاكتشفنا المتعة والعزاء بين أحضان بعضنا. حكيت لها عن رحلتي على الإس إس روما وشارع فينسبيري بارك وبيت الشباب وما أنفقتُه من أمسيات على المقعد مع السيدة كروفت. عندما كنت أروي لها قصصاً عن أمي, كانت تشرع في البكاء. إلا أن مالا هي التي قدمتْ لي يد المواساة لمّا صادفتُ في إحدى الأمسيات بجريدة الجلوب نعي السيدة كروفت. لم تكن قد خطرتْ لي ببال منذ عدة أشهر – فبحلول ذلك الوقت كانت تلك الأسابيع الصيفية الستة بمثابة فترة فاصلة بعيدة محلها الماضي – بيد أني عندما علمتُ بنبأ رحيلها, اكتسحني شديد الذهول حتى إن مالا عندما رفعتْ عينيها عن شغل الإبرة, ألفتني أحدق في الجدار في حال عجزتُ معه عن الكلام. كانت السيدة كروفت أول مَن بكيت في أمريكا لأن حياتها كانت أول حياة أضمرتُ لها إكباراً؛ برحتْ أخيراً هذه الدنيا, هرمة ووحيدة, ولن تعاودها قط.
أما بالنسبة لحياتي, فأنا لم أشرد بعيداً. أقطن ومالا ببلدة تبعد عن بوسطن قرابة عشرين ميلاً, في شارع تصطف على جانبيه الأشجار شأنه شأن شارع السيدة كروفت, في منزل نمتلكه, به غرفة للضيوف وحديقة توفر علينا شراء الطماطم بالصيف. نلنا الآن الجنسية الأمريكية فأصبح بإمكاننا قبض الضمان الاجتماعي لمّا يحين أوانه. ومع أننا نزور كلكتا كل بضعة أعوام, فقد عزمنا على قضاء بقية حياتنا هنا. أعمل بمكتبة صغيرة في إحدى الكليات. رُزقنا ابناً يدْرس بجامعة هارفارد. لم تعد مالا تهدل طرف الساري على رأسها أو تنتحب ليلاً شوقاً لوالديها إلا أنها تبكي بين الحين والآخر لبعاد ابنها. وهكذا صرنا نقود السيارة حتى كامبردج لنعوده أو لنُحضره إلى البيت لإمضاء نهاية الأسبوع كي يتسنى له تناول الأرز معنا بيديه وتحدث البنغالية, عادات أحياناً ما نخشى ألا يفعلها بعد رحيلنا عن الدنيا.
متى نقوم بتلك الرحلة, أسلك على الدوام جادة ماسيتشوسيتس رغم زحام المرور। أتعرف بالكاد على المباني الآن, لكن في كل مرة أتواجد فيها هناك أستعيد على الفور تلك الأسابيع الستة وكأنها منذ بضعة أيام وحسب. أبطئ من سرعتي لأشير إلى شارع السيدة كروفت قائلاً لابني, هنا كان أول منزل أقمت به في أمريكا حيث عشت مع سيدة زاد عمرها عن المائة بثلاث سنوات. "أتذكر؟" سألتْ مالا مبتسمة وقد راودها ذهول لم أسلم منه أنا الآخر لمضي فترة من الفترات على الإطلاق كنا فيها غريبين. لطالما عبّر ابني عن دهشته, ليس لعمر السيدة كروفت إنما لقلة مبلغ الإيجار, وهي حقيقة لم يمكنه تصورها, تقريباً كما لم تستطع السيدة المولودة عام 1866 تخيل وجود علم على القمر. أقرأ في عينيّ ابني الطموح الذي قذف بي في البداية عبر العالم. سوف يتخرج خلال بضع سنوات ليشق طريقه الخاص وحيداً وبلا حماية. إلا أني أذكّر نفسي بأن له أباً لا يزال على قيد الحياة وأماً تنعم بالسعادة والقوة. وكلما تثبط الحياة همته, أخبره أن لو في وسعي البقاء على قيد الحياة بثلاث قارات, إذن فلا عقبات تستعصي على التذليل. بينما قضى رواد الفضاء, الأبطال على الدوام, مجرد ساعات على القمر, مكثتُ أنا في هذا العالم الجديد زهاء ثلاثين سنة. أعلم أن إنجازي عادي للغاية. فأنا لست الرجل الأوحد الذي نشد حظه بعيداً عن وطنه ولا مراء أني لست الأول. ومع ذلك تمر عليّ أوقات تتملكني فيها الحيرة لكل ميل ارتحلتُه ولكل وجبة تناولتُها ولكل شخص عرفتُه ولكل حجرة نمت فيها. وعلى رغم ما شاب حياتي من اعتيادية, ثمة أوقات أعجز فيها عن تخيلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موكيش: مغني هندي ولد عام 1923
* البايسا: عملة هندية
* بحر السكينة: إحدى البقاع الداكنة مترامية الأطراف على سطح القمر


" جومبا لاهيري " :

كاتبة أمريكية هندية الأصل ، ولدت في لندن في الحادي عشر من شهر يوليو من العام 1967 م ، ونشأت في ولاية " رود آيلند " الأمريكية ، حيث انتقلت عائلتها عندما كانت هي في الثالثة من عمرها ، وحاليا تعيش في نيويورك مع زوجها وطفليها ..
حصلت " جومبا " على عدد من درجات الماجستير من جامعة بوسطن ، وخلال سنوات دراستها في جامعتها عكفت على كتابة مجموعة من القصص القصيرة تتناول شؤون الحياة اليومية لمجموعة هنود مهاجرين أو هنود بشكل عام .. لها رواية " ترجمان الأوجاع " الحائزة على جائزة " بوليتزر للأدب عام 2000 م " ولها رواية بعنوان " السمي " وفي عام 2007م تحول إلى فيلم سينمائي أخرجته المخرجة الهندية " ميرا نير " ، وصدرت مجموعتها القصصية " أرض غير مألوفة " في عام 2008م ..


* القصة من مجموعتها القصصية " ترجمان الأوجاع " ، كان بودي نشر قصة جديدة لها غير المنشورة سابقا من المجموعة ، ولكن الشروط تحتم على عدم نشر أي مادة من مواد الكتاب ، والقصة أعلاه نشرت في مجلة البوتقة عام 2006م ..

الثلاثاء، 4 مايو، 2010

العباءة


العبــاءة

انفقأت قهقهاتها عند عتبة المحل المرأة السمينة التي حجبت جسد صاحبتها الضئيل خلفها ، كان وجهها لوحة متعرقة تسيح ألوانا يصعب على المرء تحديدها بالضبط ، سرعان ما انقبضت تقاطيعها ، وهي تأمر بصوت غليظ صاحب المشغل أن يستعرض أحدث ما عنده من منتوجات ، بينما الضئيلة اقتربت صوبنا انبسطت أسارير زميلاتي وأطلقن أنفاسا مبهجة .. هتفت المزركشة بخطوط حمراء من الدانتيلا بنزق : يبدو إنني سأغادركم اليوم ، فأنا ألائمها كثيرا ، بل إنني على مقاسها تماما .. زفرت التي بمحاذاتها بمكابرة ظاهرة ، وهي تتلألأ بقطع كبيرة من الكريستال منثور على جانبيها أشبه بليلة مثقوبة بنجوم براقة في آماد السماء : أتتخطى كل هذه الأضواء المبهرة التي تغشي العيون لتنطفئ بك ، فأضافت بسخرية : إن فعلت فهي عمياء بلا شك ..!
وأخذت كل واحدة منهن وبضجيج واضح تعدد محاسنها بلا انقطاع ..

وحين اقتربت الضئيلة من المتلألئة بالكريستال ، يبدو أن لمعانها غشي عينيها الصغيرتين ، تبدى آثاره جليا على وجهها المسحوب في الداخل ، حتى عظمتا الوجنتين كانتا بارزتين ، سرعان ما انفعل انبهارها منادية المرأة السمينة لشاركها غبطتها ، ولم يمض بضع دقائق حتى خرجتا ، الضئيلة حملتها معها ، والسمينة أوصت تفصيلا مماثلا لها على مقاسها ، بينما هي حدّجتنا بابتسامة زهو ينم عن وداع أبدي ..

كنت في ركن ضيق من النادر المرور عبره ..مع الأيام أدركت سر وجودي هنا كمسمار ثابت بينما زميلاتي كل مرة في واجهة معينة ، هدوء الشامل الذي يحيط بي لم يكن لافتا ، فأنا لا أشبههن في شيء لا كريستالات تزحف على جوانبي تبهر الناظرات ولا خطوط ملونة مزركشة تعلو أكمامي فتهيج المراهقات ، وكان صاحب المشغل على مدار شهور يستجدي الداخلات علّ إحداهن تقنع بي ، بينما زميلاتي كن يغادرنني واحدة بعد أخرى ، وأنا باقية أرقب بخيبة الداخلين والخارجين دوني ..

اذكر مرة حين دنت مني سيدة تقاطيعها مأكولة من الزمن بعناية كبيرة ، أخذت تتأملني بدقة كما ينتقي المرء عروسا لابنه ، لم اعتد على وضع كهذا عوضا عن ذلك أخجلني ، حررت رقبتي من المشجب ، تعامد طولي مع جسمها تماما ، لكن المرأة التي كانت برفقتها أبدت امتعاضا حفر في نفسي نفقا من اليأس حين قالت لها : دعك من هذه يا جدتي ، هل أنت ذاهبة لمأتم ..!

العناكب هي الوحيدة التي شقت طريقها إلي ّ ، بينما معظم المارات كن لا يلمحن وجودي البتة ، ويبدو أني كنت تسلية الأطفال الوحيدة في المحل ؛ فقد كانوا يدورون بي حينا وحينا يتخذونني مخبئا وهم على ثقة بأن تقريعا لن يلاسنهم ، بل إن بعضا منهم اتخذ مني منديلا يتمسح بما علق على يديه من بقايا شوكولاته ، أو بما ساح على جانبي ثغره من لطخ الآيسكريم ..!

ولم يمض يومان حتى جاء صاحب المشغل بملامح قابضة ، ويده القاسية تنتشلني من مكاني الذي لم أتزحزح عنه مذ أكثر من ثلاثة أشهر ، ووضعني قرب المدخل تماما بعد أن ألصق على صدري ورقة بيضاء وكتب عليه بخط واضح ما يشير إلى وضعي الراهن على ما يبدو ، غير أن وجودي قرب مدخل المحل لم يغير من البؤس الذي كنت فيه شيئا ، وإن تكاثف على صاحب المشغل الذي كان يتشاءم حين يراني في وجهه تماما ، وهو يعدّد في كل مرة مجموع الأرباح والخسائر ..

اعتدت على مكان وجودي شيئا فشيئا ، فقد كنت أبدد الملل في تأمل المارة عبر الزجاج العريض والشمس تشوي وجوههم في ذهابهم وإيابهم ، ولم يقرف مضجع تأملاتي سوى الرجل الضخم الذي تعودنا على زيارته مرة في كل شهر ، فقد كان يدنو مني ويلصق كرشه الكبير بي ثم يدوّن أرقاما عشوائية سرعان ما يرحل بعد أن يضع ورقة في يد صاحب المشغل فيستودعه وعينيه باتساعهما على الورقة ، ولكن في الأمسيات حين يضيق شبح الظلام من قبضته عليّ كانت الوحشة تتفرد بي ، فلا ونيس حولي ، بينما زميلاتي كل واحدة منهن تدلي على التي بمحاذاتها ضوءا ساكنا ..

عزمت هذه الليلة أن أملأ عيني الوحشة بنثار من الخيال ؛ فأجتاز هذا السقف الذي يحبس الأنفاس كما تفعل كل واحدة منهن عادة ، وصرت أخالني على كتف فاتنة تتغطرس بي وأنا......... ، توقفت خواطري الحالمة عن تواردها حينما تناهى دوّي ما ، كان قويا كصوت قصف ، شعرت بحرارة تزحف خلفي ، خيّل إلي ّحجم الرطوبة المكثفة في الخارج المكبلة على أنفاس الأرض بحدة هذه الليلة حتى تطالنا ألسنتها هنا ، تكاثف إحساسي بالحرارة أكثر فأكثر ، ووجدتني في وسط هذه الحرارة أضيء كدرة من كريستال أهيج هذا الظلام وأبدده بكلي .. فإذا به يتداعى فزعا مني وأنا أتوامض خلفه بسرعة البرق ، تصاعد عويل حارق من الزميلات القريبات مني ، كان يجب أن أدنو منهن حتى يشهدن على انبهاري في ليلتي هذه .. وأنا أضيء ، أضيء مثلهن بل أكثر ، والأصوات تتقافز من قربي حتى أقصى المحل كمهرجان في سيرك .. بينما أنا سعيدة ، سعيدة جدا .. و كل ما في المحل يشاطرني غبطتي ....