الثلاثاء، 27 أغسطس، 2013

كيف تتعلّم أن تكون ميّتا ً ..؟!


 
 
كيف تتعلّم أن تكون ميتاً ..؟!

 

الرؤية / العرب

 

" كيف تتعلم أن تكون ميتا " ..؟!

فكرة أقرب ما تكون قصة من خيال الكاتب الساخر " إيتالو كالفينو " ، ألبسها شخصية واحدة تقوم بتمثيل كل حكايات الكتاب وتدعى هذه الشخصية الخيالية " السيد بالومار " الذي يعبره أحداث كثيرة يجابهها في حياته بطرق مختلفة ، ومن ضمن الأفكار التي تطرأ على خيال " السيد بالومار " هو عزمه في أن يكون ميتا أي أن يتصرف كالموتى ، كما لو أنه ميت والسبب من كل ذلك هو ليرى كيف يسير العالم من دونه ..؟!

ويتحدث " السيد بالومار " عن الأموات ويعني - أولئك الذين لا يتدخلون في شؤون الكون - فيذهب إلى أن في نظرة الأموات دائما شيء من التسخيف ، فالأماكن والمواقف والمناسبات هي في صورة عامة تلك التي سبق لنا أن شهدناها ، والتعرف عليها من جديد يوفّر لنا شيئا من الرضا ، ولكن يلاحظ في الوقت نفسه عدد من التنويعات الضئيلة أو الكبيرة ، والتي قد تقبل طوعا على ما هو عليه ، إذا كانت تطابق مسارا منطقيا متماسكا ، إلا أنها على عكس ذلك مجانية وغير منظمة ، وهذا ما من شأنه أن يسبب ضيقا خاصة أن واحدنا يشعر دائما بالرغبة في التدخل لإجراء تصويب يبدو ضروريا ، ولكنه لا يستطيع لأنه ميت ..!

وحين يتنامى شعور الموت تجاه تلك الأحداث والمواقف التي نرغب بتغييرها ولا نستطيع ، من هنا ينشأ موقف تحفّظ يشبه الارتباك ولكنه في الوقت نفسه موقف اكتفاء ، وهو تقريبا موقف من يدرك أن ما يعوّل عليه فعلا هو تجربته السابقة وأن كل ما تبقى منه لا يستحق أن يعطى الكثير من الوزن ؛ والحقيقة أننا قبل الولادة كما يرى " السيد بالومار " نكون جزءا من احتمالات لا تحصى يحدث أن تتحقق ذواتنا لا في الماضي الذي نكون أصبحنا في كنفه كليا دون أن نستطيع التأثير على سياقه ، ولا في المستقبل المغلق دوننا حتى لو كان يخضع لتأثيرنا ..!

يطرح " السيد بالومار " خطوات لمن يريد أن يكون ميتا ..؟ وأولى تلك الخطوات ، هي إقناع نفسه بأن الحياة كُل مُقْفل في صيغة الماضي ، وليس في استطاعة أحد أن يضيف شيئا ، ولا يستطيع أحد أن يدخل عليها أي تبديل في منحنى التراتب بين مختلف عناصرها ..!

حين نصل لمرحلة الموت ونكون أمواتا فعلا تجاه كل ما يحدث في الحياة وتكون بيننا وبينهم مسافات ؛ فإننا في هذه المرحلة وفي هذه اللحظة لا يلبث أن يحضر شعور طاغ إنه الارتياح إزاء اليقين بأن كل المشاكل هي مشاكل الآخرين وبأنها تعنيهم هم ، لا شيء ، لا شيء إطلاقا من شأنه أن يعني الموتى ؛ لأن كل شيء يرتب عليهم التفكير في أي شيء ، حتى لو بدا ذلك لا أخلاقيا ، فإن الموتى يجدون حبورهم في هذه اللامسوؤلية ..!

أما عن شعور الإحباط عند " السيد بالومار " ، هو أن يذعن لإحباط أن يجد نفسه مطابقا لنفسه نهائيا دون أن يأمل في تغيير أي شيء منها ..!

ثم يتابع " السيد بالومار " سرده للوضع قائلا : " إن حياة المرء عبارة عن مجموعة أحداث من شأن آخرها أن يبدل معنى المجموعة كلها ، ليس لأنه قد يكون الأهم ، بل لأن الأحداث ما أن تُضمّن في سياق حياة ما تتراتب في نسق لا يخضع للتسلسل الزمني بل يستجيب لمعمار داخلي " ..!

" كيف تتعلّم أن تكون ميتا " ..؟!

هذا الخيال الذي فعّلهُ " السيد بالومار " إلى السلوك ، هي بتأكيد تشكل صدمة لبشر أو مجتمعات أو أمم اعتادت على الحياة ، اعتادت طبيعتها الخلاقة على أن تكون حية بكامل تفاصيلها ، وإنسانيتها ، وحواسها ، وإدراكها ، وسلوكياتها ، ومبادئها ، وقيمها ، ومثلها ، وأخلاقياتها تجاه كل ما يحدث في العالم المحيط بها ، عالمها وعوالم الأخرى ؛ لأنهم بشر ، ولأن مصير وحقوق الآخر حين يهتفون لإحيائها أو نهضتها أو استردادها أو مطالبتها أو مقاومة من يقف في وجهها ، فهي جزء من خير و نبل سيشملهم كما سيشمل الآخر الذي هزوا العالم من أجله وقضيته ..!

هذا السلوك ، وهذا الفعل ليس طارئا ولا جديدا لأمم تعي معنى الإنسانية والأخوة السامية ، ولكن في مجتمعات هي حقا ميتة ، هي حقا لا تبالي بغيرها سوى في أطر الأيدولوجيات والمذاهب والطوائف والمصالح والمنافع ؛ هم ميتّون من قبل ، ميتّون وبمرتبة خيبة مريرة ..!

ويمارسون اليوم موتهم بفاعلية ووحشية طاغية ؛ ليضمنوا المزيد من منافعهم بأقذر الأساليب : بالصمت ، والخرس ، والتأييد ، والمحايدة ، والتملق ، والنفاق ، والتزوير ، والخش ، والخداع .. بأشد الوسائل المنحطّة مادام الغايات تبررها الوسائل ..!

لو ألقى " السيد بالومار " نظرة بسيطة على أرض أوطاننا العربية والمسلمة ؛ لتعلم أصول كيفية أن يكون الإنسان ميتا وبكامل شعوره ولا فرق إن كانت حواسه مشتعلة أو منطفئة ..؟!

ميتا بكامل حياته التي طرحها وراءه ؛ لأن تجارة الموت أنفع له ، و لأنها أجدى كي يحقق مآربه وغاياته في هذه الحياة ، فيراكم موته حسبما مواقف الحياة وشدتها برصيد مدفوع الثمن ليحيا بعد اتمام صفقة الموت  حياة أخرى أو بالأحرى موتا آخر في صورة حياة بليدة ضميرها انتحر سلفا ومبادئها سحقت ..!

نحن أمة ميتة ، نكتفي منذ قرون بالوسائل ذاتها ، لنطالب بالحياة التي يقطرها ببؤس جشع من بيدهم حيوات البشر وحقوقهم في هذا العالم ..!

ولعل أبسط مثال لموتنا الجماعي هو ما يحدث في سوريا ؛ هذا الوطن الذي ينزف في كل جزء من روحه وفي كل قطعة من جسده ، يذبح داخليا كما أنه يذبح خارجيا والقائمين على الحياة من حولنا ميتّون ، فلا يكادون يتحركون خطوة واحدة كفيلة ربما بحل يتوامض في الأفق ، ولكنهم يكتفون بالشجب والتنديد إلى آخر الظواهر الصوتية التي حتى الحنجرة انكسرت منها خجلة ، مكللة بالعار ...!

هذا الشجب والنحيب الصوتي وهو دور يجب أن يقوم به الناس العاديون البسطاء ، الذين لا يملكون بيدهم السلطة وليحركوا بها ومن خلالها أصوات من يملكون السلطات ..!

 أما أصحاب القوة وزعماء السلطة والكراسي كان عليهم أن يكونوا أحياء بكل ما أوتوا من قوة وإيمان وإنسانية ومسؤولية ؛ كي نحيا نحن .. الشعوب الميتة ونكون أحياء ..!

ولكن ما يحدث أن الذين وضعنا ثقتنا كبشر أموات فيهم ، خانوا ثقتنا ، وطعنوا موتنا مرتين ، مرة بتغافلنا ومرة بإسقاط حقنا في الحياة عبر المطالبة والتدخل والتفعيل ، المطالبة بحق شعوب أن تعيش هي وصغارها في منأى عن الحروب ، وعن انتقاماتهم ، وعن التشفي بهم على حساب مصالحهم السياسية الخبيثة ، لكنهم يقتلون شعوبا ميتة أصلا ولا يكتفون بذلك ، بل يقتلون الشعوب الأخرى المتفرجة حين يطالبونهم بالخرس الأبدي ؛ كي تمضي مصالحهم في سبات عميق وبلا شخير مزعج ..!

" السيد بالومار " أهلا وسهلا بك في الوطن العربي الميّت سلفا ، أوطان يحبون الميّتون ، وإذا ما أفاقوا من ميتتهم قتلوهم .. ليموتوا مرة أخرى ومرات ومرات ولا حياة ..!

كما قال الشاعر محمود درويش : " يحبونني ميتاً.. ليقولوا .. لقد كان منّا .. وكان لنا " ..!

 

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 20 أغسطس، 2013

فاتورة سرطان لابنك بألفي درهم ..!


 
 
فاتورة سرطان لابنك بألفي درهم ..!

 

الرؤية / العرب

 

في كتابه " الطفل السعيد " تغيير جوهر التعليم ، عرض المؤلف " ستيفن هاريسون " موقفا قصيرا لطفل عائد من المدرسة .. سرده قائلا : " عاد تلميذ من المدرسة إلى بيته يحمل رسالة من معلمه يقول فيها أن الطفل لا يتمتع بعقلية متفتحة ، الأمر الذي أثار غضب والدته ، فقالت له : يجب أن يكون عقلك منفتحا وسأجعلك كذلك حتى لو فرضت عليك الدراسة والمذاكرة على مدار الساعة " .. فسأل التلميذ أمه : ما هو العقل المتفتح ( كثير التساؤل ) ..؟ أجابت الأم : لا تسأل كثيرا " ..!

هذا أنموذج أسري أو لنقل أنموذج أمومي ؛ حيث يقوم كثير من الآباء ( الأم والأب )  بتعليم أبنائهم النطق ، لغة الكلام في أعوامهم الأولى ثم يسعون وبطرق مدهشة غاية في الغرابة إلى إسكاتهم ..!

ظاهرة متفشية في معظم المجتمعات العربية ، حيث تسعى معظم الأسر إلى وضع الطفل تحت رعاية المربية أو الخادمة مهما - اختلفت التسمية - ليخلصوا أنفسهم من مسؤولية رعايتهم ، وينأوا عن أمزجتهم ضجيجهم ، ولا يدرك كثير من الآباء خطورة هذه الأمور كما لا يدركون أن أهم السنوات في حياة الطفل هي أعوامه الأولى ، هي أعوام في غاية الأهمية والحساسية عند الطفل ، حيث يبدأ في النمو وتكبر حواسه وتتشكل إدراكاته عن نفسه وأسرته وبيئته ومجتمعه ووطنه والعالم ؛ فما الذي يقدمه له الكبار في هذه المرحلة الحرجة من حياته .. وما هي أساليبهم في التعاطي معه ..؟!

معظم الآباء اليوم يسعون إلى منح أطفالهم ما بين الثالثة وما فوق أجهزة حديثة من هواتف وألعاب متنوعة خاضعة لتقنيات العالم الآلي الحديث كالبلايستيشن والآي باد والتلفاز ، بل لعلنا لا نبالغ حين نذهب إلى اعتقاد راسخ بأن صلة الطفل مع الأجهزة تبدأ مذ ولادته ، حين تلتقط عدسة الكاميرا أول صورته له بعد احتكاكه بالعالم الخارجي بدقائق ..!

الطفل يفتح عينيه الصغيرتين على عالم مزدحم بالأجهزة بأشعتها وأصواتها ، فلا يكون غريبا عنها ولا تكون غريبة عنه ، وحين يبدأ بملاحظة العالم من حوله يبدأ بلمس أول جهاز يراه بحوزة أمه أو أبيه أو أحد إخوته أو قريب بعدما كان يجس ثدي أمه وفمها وشعرها ..!

يكبر قليلا الصغير وتتوثق علاقته تدريجيا مع الأجهزة ، فيظل يلهي نفسه بها ساعات طويلة والكبار فرحون لتعاطي ابنهم الصغير مع تقنيات العالم المتطورة ، ولكن هل سألوا أنفسهم يا ترى أو فكروا لبرهة عن الآثار السلبية التي تخلفها هذه الأجهزة على حياة الطفل الصحية والنفسية والعقلية والروحية وصلاته الخارجية أيضا ..؟!

وقد نشرت دراسة حديثة عن الآثار السلبية التي يسببها " التلفاز " كجهاز محبوب لتزجية الوقت عند معظم الصغار ، حيث وجدت دراسة كندية أن مشاهدة التلفاز لأكثر من ثلاث ساعات يوميا ، تلحق ضررا بمهارات النطق والحساب لدى الطفل الذي يبلغ من العمر سنتين وتزيد خطر تعرضه للتنمر على حد تعبيرهم ..!

وذهبت الباحثة الأساسية في الدراسة " ليندا باغاني " من جامعة مونتريال ، التي نشرت الدراسة في صحيفة ديلي ميل البريطانية ، إن هذه النتائج تفترض الحاجة إلى وعي أفضل للأهالي وامتثالهم للتعليمات التي وضعتها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال ، والتي لا تشجع على مشاهدة التلفاز في الطفولة ، وتنصح بعدم السماح لمن هم دون الثانية من العمر بمشاهدته لأكثر من ساعتين يوميا ..!

وقامت " ليندا باغاني " بدراسة على 991 طفلة  و1006 طفل في كيبيك ، يبلغون من العمر سنتين وخمسة أشهر، سألت فيها والديهم عن المدة التي يمضونها يوميا في مشاهدة التلفاز ..!

ووجدت أن مشاهدة الطفل التلفاز ساعتين و52 دقيقة يوميا، مقارنة مع معدل يبلغ ساعة و45 دقيقة، لا تترك أي آثار سلبية عليه، غير أنها لاحظت أن الأطفال الذين يشاهدون التلفاز لأكثر من ثلاث ساعات يوميا متأخرين عن نظرائهم في النطق والحسابات ..

ولأجل صحة أطفالكم العقلية والذهنية اتبعوا نصيحة الرئيس الأمريكي " باراك أوباما " حين حذر قائلا : " اغلقوا التلفاز واقرؤا لأطفالكم " ..!

أما بشأن الجهاز الأكثر تداولا حاليا بين جمهرة الأطفال " الآيباد " الذي أصبح وبلا مبالغة رفيق اللصيق للطفل من نهاره حتى وقت نومه ليلا ، ويتم ذلك أمام مرأى الوالدين وبموافقتهم أيضا ؛ فهم يعتقدون أن بوضعهم هذا الجهاز تحت تصرف الطفل الذي قد لا يتجاوزه عمره الثلاث أعوام هو بمثابة تحضره وتحضرهم كوالدين مهتمين بتنشئة طفلهم في مجتمع متحضر يتم التعاطي من خلاله عبر أجهزة حديثة ، والتي بدورها تنمي مهارات الفكرية ، وترفع من نسبة ذكائه ، وذلك حين تسمح له حرية التواصل مع الجهاز وقضاء جلّ وقته معه ..!

وسأنقل لكم قصة واقعية نقلتها امرأة خليجية أثناء سفرها إلى أمريكا لمعالجة ابنها المريض بالسرطان ، وبينما كان يلعب بجهاز الآي باد على سريره ، دخل الدكتور الأمريكي الغرفة وعلى حين فجأة هتف صارخا مستنكرا الوضع: " نحن نعالج أبناؤكم وأنتم تقتلونهم " ..!

حذر الدكتور الأمريكي الأم عن مدى تأثير أشعة الآي باد ، وبأنها من أخطر و أسرع الأشعة للإصابة بالسرطان ، هذا الجهاز الذي يضعه الآباء بملء إرادتهم في أيدي أطفالهم ، فيقضون متحمسين ساعات طوال تصل أحيانا لأكثر من 5 ساعات ، يعد من أسرع التكنولوجيا المسببة لأمراض السرطان ، وقد لوحظ منذ العام الماضية ارتفاع نسبة إصابات أطفال الخليج بهذا المرض الخبيث الذي تتآكل معه طفولتهم في أوان مبكر جدا من حيواتهم بوجع يفطر القلوب والأكباد ..!  

في المجتمعات المرفهة غالبا يعتقد المسؤولون عن تربية الطفل ورعايته ، أن أفضل طريقة لذلك هي اغداقه بالدلال وتوفير كل ما يطلبه ، بل التصفيق لرعونته حين يفرض شخصه الصغير عبر طلباته اللحوحة للأشياء ، أو ممارسة هوايات معينة لا تلائم سنه ، أو سلوك انفعالي يمارسه الطفل سواء مع نفسه أو مع محيطه أو خارج محيطه ، ولا يدركون أهمية الأنظمة والضوابط على هذا الكيان الصغير ، فتربية الطفل لا تكون حين يصل عتبة المراهقة ، بل مذ هو نطفة في رحم أمه ؛ تبدأ أولا بالاستعداد النفسي لكيلا الوالدين باستقبال الطفل وبكامل المسؤولية لتربيته بأنفسهما لا بإلقائه على عاتق الخدم أو المربيات ..!

أيها الآباء إن كنتم تريدون طفلا قوي البنية فقووا بنيانكم أولا ، وإن كنتم تريدون طفلا حاذقا ماهرا في شؤون الحياة وأساليب التعاطي مع نفسه ومعكم والعالم ، فتعاطوا معه بذكاء ومهارة ، الطفل متلقي جيد في صغره وأنتم مدرسته الأولى في التلقي ، فالأم والأب هما أول كتاب يقوم الطفل بتصفحهما بفضول ورغبة ودهشة وربما صدمة وخيبة أمل ورعونة ، أنتم من تقررون ذلك ..!

والطفل جزء من بيئته ؛ حين يتم اختيار البيئة الجيدة ، فإنها ستكون جيدة أيضا على صحته النفسية والجسدية وعلى علاقاته ووسائل التواصل والمهارات والخبرات التي تنضج شيئا فشيئا إلى ممارسات فاعلة معطاءة في مجتمعه ..

أما الوطن وهو بمثابة العالم الكبير والعظيم للطفل ، فمن الضروري أن يعلّم الكبار أطفالهم حب أوطانهم والذود عنها في الظروف الحالكة ، ومما اذكره أن الأديبة " غادة السمان " ذكرت في إحدى حواراتها ؛ أنهم في سوريا كانت لديهم عادة تعريف أطفالهم بأوطانهم مذ هم في سن السابعة ؛ حيث يقوم الوالدين أو أحدهما باصطحاب الطفل في جولة على الأرض الذي ولدته وآباؤه وأجداده ، ليتعرف على تراثه وتاريخه وجغرافيا جسد وطنه بما فيها من قرى ومدن وطرقات وأحجار وسهول وأنهار كل المعالم الطبيعية وغير الطبيعية تتوثق صلاته بها ولا يكون غريبا عن معالم ترسم خريطة وطن سيكون له فيه مستقبل ..!

أما في معظم عوالمنا العربية والخليجية خاصة ، فإنهم يكتفون باصطحاب طفلهم إلى أماكن مغلقة ، إلى مراكز تجارية ، ومن غرف مغلقة للترفيه يقبل على ألعاب هي غالبا أجهزة الكترونية ، وفوق هذا يتركون كامل الحرية للطفل بممارسة اللعبة التي يريدها عنيفة كانت أو غير مؤهلة لعمره ، دون أن يأخذوا المسألة بمنتهى المسؤولية والجدية  ..؟!

 فالطفل إما برفقة والدين مشغولين بأجهزتهم أو خادمة ترفّه عن نفسها بعيدا عن الاهتمام به بشكل مسؤول ودقيق طالما هو دور نيط إليها من والدين غير مسؤولين ، ويحدث كثيرا أن يذهب الطفل برفقة والديه أو أحدهما لينتقي الجهاز الذي يريده بلا حسيب ولا رقيب ولا ضوابط من قبل تجار السوق أيضا ، بينما دولة عالمية كأمريكا وهي بلد الحريات ، فإنها تحرص في محال للألعاب الإلكترونية على وضع ضوابط مهمة وجادة لمصلحة الطفل ، وقيل إن طفلا عربيا ولج محلا من محال الألعاب الإلكترونية المنتشرة في أمريكا وّد شراء لعبة " Grand Theft Auto Iv " ولكن البائع رفض بيعها له بسبب صغر سنه ..!
 

ليلى البلوشي

 

 

الثلاثاء، 13 أغسطس، 2013

جسد وطني مشروخ ..!


 
 
جسد وطني مشروخ ..!

 

الرؤية / العرب

 

قال مرة الشاعر الأمريكي " والت ويتمان " : " أعظم ما يتعلق بأمريكا أنها أرض الفرص الثانية ، يأتي إليها الناس لصنع بدايات جديدة ، أسلافك ربما فكروا في هذا أيضا ، هي أرض تحب أن تغفر ، أن تدع الإنسان يبدأ من جديد بعد أخطائه الكثيرة " ..!

أمريكا هي أرض الدمار والفرص في آن ، ولا يمكن نكران هذه الحقيقة أو الإغفال عنها ولهذا هي مختلفة ، وهي الزعيمة التي فرضت سيادتها على العالم الأجمع ، وبتعبير الكاتب أمين معلوف : " حكومة تشمل صلاحيتها القانونية الكرة كلها لأول مرة في التاريخ ! " ، شئنا أم أبينا ..! وهي سياسة من الصعب استيعابها وفهمها للوهلة الأولى ، أمريكا التي عرفت عبر تاريخها العتيق بجرائم الإبادة للهنود الحمر سكان بلد الأصليين ، وعلى أنقاضهم نهضت حضارتها ورفعت شعار الحرية والديمقراطية والإنسان ..!

أمريكا التي غرقت في مرحلة ملطخة من تاريخها في التفرقة العنصرية بين البيض والسود ، تاريخها الثقيل بالمرارة والدم والخيبات وإهدار لكرامة الإنسان ، بدأت تتجاوز نوعا ما تاريخها سيء الصيت ، كمعظم دول أوروبا التي انتشلت نفسها من ظلمات الجهل ، وفي عصور ظلامها الدامس إلى ضوء الحياة المتجددة والمتغيرة ، وقد نجحت في تجاوز تاريخها الظلامي العتيق نسبيا بنجاح ، فمن كان يمكن أن يتصور أن يدخل من بوابة البيت الأبيض رئيس أسود يقود دولة كأمريكا ويكون رئيسها و العالم ..؟!

 أمريكا التي طالما شنت هجوم على المسلمين بمجرد أنهم مسلمين ، وكانت وما تزال تنعتهم في كثير من الأحيان بثلة من الإرهابيين ؛ خاصة بعد انفجارات الحادي عشر من سبتمبر التي قلّبت مفاهيم العالم في رأس أمريكا على فوضى ، على دمار ، على مفاهيم سياسية جديدة ، ومختلفة ومخيفة جدا ويدفع ضرائبها بشر وأوطان فقط لأنهم مسلمون ..!

وعلى الرغم من كل ويلات أمريكا تظل هي أرض الفرص ، ويمكن لأي إنسان أن يجد فرصته وربما الأهم أن قوانينها في تجدد مستمر ، ويمكن لأي إنسان مهما كان لونه أو خلفيته أو دينه أو هويته أن يحقق وجوده وأن يثبت كيانه ، وقد لفت نظري من وقت قريب ، وأنا أقرأ مقالا كان عنوانه محفزا ومريحا " عشر حقائق لم تكن تعرفها عن الإسلام في أمريكا " قرأت تلكم الحقائق العشر وابتهجت كمسلمة بها ، وما لفت نظري بشكل أكبر هي أول حقيقة في القائمة وربما لأهميتها والتي تتحدث عن - عضوان مسلمان في الكونغرس، الأول " كيث إليسون " انتخب عام 2006​ م ليصبح أول مسلم ينتخب إلى الكونغرس ، كما أنه أول أميركي أسود ينتخب إلى مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا ، أما الثاني فهو " أندريه كارسون " الذي انتخب عام 2008م عن ولاية إنديانا لمجلس النواب في انتخابات خاصة بعد وفاة جدته التي كانت تحتل المقعد ، وينتمي كل من إليسون وكارسون إلى الحزب الديموقراطي ..

نفرح ونبتهج لكل حق من حقوق العرب والمسلمين حين تصان في دول ليست عربية وليس الإسلام ديانتها ، في دول يقال عنهم دول كفر وفجور ..!

 نبتهج ونقول أن ثمة أمل قادم وشمسه ستعم ديار أظلمت لتكون عامرة مع تقدم الزمن ، في أوطان هي أصلا بدأت عامرة ديدنها المحبة والخير والتسامح بل كانت شاملة لروح الإسلام السمحة ، والتي استظل تحت ظل أمانها وأمنها كل إنسان عربي و ليس بعربي ، مسلم ومسيحي ويهودي وهلم جرا ، بينما اليوم نظرة بسيطة ويصدمك الظلام الذي استطال هذه العوالم – المسلمة - التي كانت تبهر العالم بإشراقها ..!

والتاريخ جلاد لا يرحم ؛ فمن كان يتصور أن تعيش الدول الإسلامية هذه الصراعات المتأزمة ، الغريبة عن ثقافة التسامح لديها ، والمشكلة ليست محصورة بين المسلم وغيره من الديانات الأخرى كالمسيحي اليهودي والمجوسي  وهو عار بلا شك حمّل المسلمون بها أنفسهم بشراسة ، فقدت معها روح تسامحها الأصيل إلى عار آخر متأزم وبصورة مخجلة وبشعة ما بين مسلم ومسلم ، هؤلاء الذين أصبحوا بسبب صراعات السياسية منقسمين إلى مسلم سني ومسلم شيعي ووو ..!

ولا تكتف الصراعات السياسية بتقسيم المسلمين دينيا ، بل ألاعيبها القذرة استطالت الجوانب الاجتماعية وسممت الصعيد الاقتصادي والثقافي ..!

وطفا إلى السطح الصراعات القبلية والمذهبية وأيّها أولى بالرئاسة والزعامة ، وبهذه النظرة شتتوا أبناء وطن واحد ..!

ما يلفت نظري اليوم وأنا أشاهد بأم عيني و أقرأ عن دول أمريكا وأوروبا وكيف أنها تجاوزت ماضيها العفن إلى حاضر منتج ومستقبل يستوعب معظم اختلافات العالم ، دون أن ننكر فوبياهم تجاه بعض المسلمين وقضاياهم ، ولكنهم مع ذلك بدأوا يستوعبون أن فئة ليست قليلة من مواطنيهم أصبحوا مسلمين ، ولهم حقوق على أصعدة عدة سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية ، فدمجوا المسلمين في المناصب السياسية ، ومنحوهم بعض حقوقهم الأخرى وخاصة أكثرها حساسية وهي الدينية ، فلا تكاد دولة أوروبية أو أمريكية تخلو من مسجد عبادة للمسلمين وصلواتهم ..!

ولو تأملنا شرقنا الإسلامي ومحيطه العربي و الخليجي ، سوف نرى انقسامات المسلمين ومعاركهم المستمرة بين أصحاب المذاهب التي ولجت الصعيد السياسي كما قلنا ، فهناك دول متعددة المذاهب لا تراعي هذا التعدد ، بل حبست معظم مناصبها العالية في الدولة لمذهب دون آخر بمنتهى الطائفية والعنصرية حيث تغلب جنس على جنس ، وربما النموذج الأنسب هنا هو الجهورية الإسلامية الإيرانية حيث كان آخر وزير سني هو " صادق وزيري " الذي كان وزيرا للعدل في عهد الشاه حيث عينه عام 1979م ، وكان آخر سنى وصل إلى منصب وزير في إيران ..!

قبل الثورة الخمينية شغل عدد كبير من الإيرانيين السّنّة مناصب وزارية ، بينها مناصب حساسة ، فكان منهم وزراء للخارجية والداخلية والعدل والزراعة ، إلا أن الملالي كسروا هذا التقليد في عام 1979 م ، ومنذ ذلك التاريخ حرم نحو عشرة ملايين سنّي من المناصب الكبرى في الدولة والقوات المسلّحة والسلك الدبلوماسي والقطاع الحكومي الاقتصادي، وبطبيعة الحال، منعوا من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية وموقع المرشد الأعلى ..!

أما الدول العربية فحدّث عن بعضها ولا حرج ؛ فمنها لم تكتف بتقسيم مسلميها إلى صراع مرير بين سنة وشيعة في تولي المناصب العليا في وزارات الدولة ، بل عملت على تغليب قبيلة على قبيلة ، وتغليب مدينة على مدينة أو ولاية على ولاية أو منطقة على منطقة تلك التي تشكل في النهاية نعرات طائفية وقبلية وعنصرية حامية لن يسلم من نارها الصديق أو العدو ، كأنهم يسعون لتقسيم جسد الوطن الواحد إلى عدة أقسام ، وذلك كله في سبيل الحفاظ على عروشهم ومناصبهم إلى أبدية الدهر ..!

الصراعات في العالم العربي في اشتعال دائم ، وكأنه عالم يتراجع إلى الوراء عوضا عن التقدم نحو الأمام وهنا يحضرني قول الممثل " عادل إمام " حين وصف حال مصر في الوقت الحالي : " إحنا البلد الوحيدة اللي حلم حياتها ترجع زي ما كانت من 50 سنة .. كل الدول بتطور عادة ، إحنا الماضي بتاعنا متطور أكثر من الحاضر !  " ..

العوالم الغربية والمسيحية كانت تطحن حتى التذابح تحت صراعات حول طبيعة المسيح والثالوث وصياغة الصلوات بينما العالم الإسلامي كانت صراعاتها تدور حول الخلافة ، اليوم ماذا نرى ..؟

دول الغرب المسيحية تجاوزت صراعاتها ولملمت انقساماتها وبنت حضارات جديرة بالإعجاب ، حضارات تكفل لمواطنيها حياة عمادها الأمن والأمان والحقوق على أصعدة عدة  ، بينما العوالم الإسلامية ماذا حل بها ..؟

كأنما حالها من سيء إلى أسوأ ؛ فبعد أن عاش المسلمون في ظل حضارات غنية . مدهشة . عظيمة عمادها حفظ واحترام حقوق كافة البشر باختلاف أجناسهم وأديانهم حتى حقوق حيواناتها كانت مصانة ، والتسامح الشامل والسلام ، بكل خيبة حطمّوا كل ذلك بسبب صراعاتهم التي كانت في الخلافة ، وأصبحت اليوم في الخلافة نفسها ، ولكن غمسوها بصراعات وانقسامات دينية واقتصادية واجتماعية وثقافية ..!

 

ليلى البلوشي

الثلاثاء، 6 أغسطس، 2013

شيخوخة ماركيز ..!


 
 
شيخوخة ماركيز ..!

 

الرؤية / العرب ..

 

" سأضع يديّ على رأسي حتى لا أكبر " هكذا قذفت ابنة أختي الصغيرة والتي لا يتعدى عمرها الميلادي أربع سنوات عبارتها في وجهي ..!

 اعتقدت في البدء إنها تداعبني بروحها المرحة كعادتها معي ، ولكن حين أكدت لي بامتعاض حقيقي أنها لا تريد أن تشيخ أبدا كالمرأة المسنة التي صادفتها في المشفى وهي تجر بقدميها الثقيلتين أعوامها الطويلة ، فابتكرت بفطنة طفولية طريقة لذلك وهي أن تضع كل يوم يديها على رأسها ؛ كي يتوقف نموها عن الكبر ، فأعييت لحظتئذ أن حديثها ليس ضربا من المزاح  .. !

يبدو أن كثيرا من البشر يرعبهم الزحف الزمني ؛ لأنه زحف يترتب عليه تغييرات كاشفة كالشمس .. فالبشرة التي كانت وضاءة بالوسامة يخربشها الزمن بريشته كيفما يشاء ، فيحفر أخاديدا بخطوط مبعثرة سرعان ما تتعدى حدودها تلك الخطوط الملتوية ، لتشمل الجسد كله كلوحة مقلمة .. كما أن بناء الأسنان يتداعى ويسقط السين ثاء وتقل مستوى جودة التقاط كاميرا العينين فيختصر رؤيتنا للعالم بحدقتين زجاجيتين ، و الخطوات فتتباطأ وقد يضطر أحدهم أن يستعيض عنهما بعكازين يثبتان خطوات أقدامه في الأرض ، وربما يعجز عن ذلك فيوكل أمره لكرسي بعجلات متحركة ..!

 أما العقل فيتقلص حجم الدماغ وتتلون الذاكرة بلون رمادي سرعان ما يهمِّشه الزهايمر .. ويتضاءل معجمنا اللفظي ، فكثيرا ما نعيد الحكاية نفسها آلاف المرات دون أن يتربص بنا ضجر ما والذي بالمقابل يقتل مستمعنا ..!

ولهذا كثيرون يسعون إلى التصدي لتغيرات هذه المرحلة وذلك بالمحايلة على الزمن ، فيتحايلون على الزمن كل بطريقته وأساليبه كما عند بعض النساء والرجال ، فالمرأة التي تفضحها التجاعيد تقدم وجهها في طبق لمشرط طبيب تجميلي وبعد شد وتنفيخ يهندسها وكأنها ابنة خمسة عشر عاما ، بينما الرجل عندما ترعبه فكرة تقلص وظائفه الرجولية يسعى بأقصى طاقاته كي يجد علاجا ناجعا ليثبت من خلالها للجميع أنه ما يزال متمتعا بكافة قدراته .. 

مرحلة الشيخوخة .. يخال للبعض أنها مرحلة الموت البطيء وكأن عزرائيل لا شغل له سوى أن يتربص عاجلا أم آجلا ليقذفه إلى بيته الأخير المطبق ضيقا وظلمة المسمى بالكفن ..

ولعمري أن الموت حين يؤمر لا يعرف الفرق بين طفل في المهد وبين كهل على حافة القبر .. !

فلماذا هذا التصور الشبحي الكارثي الذي يلاحق مرحلة طبيعية جدا يفطر عليها كل الأجيال ..؟! فنحن لم نسمع قط بجيل سرمد مرحلة الشباب بينما امتدادت السنون تعبر طريقها السوي ..

إذن مرحلة الشيخوخة هي مرحلة وزنها كوزن أي مرحلة في الهرم الحياتي ، فنحن نبدأ مشوارنا من رحم موصول بحبل السرة إلى وطأة الحياة الفسيحة صغارا نغدو منبهرين من الزهرة التي تتفتح ، ومن النخل الذي يشمخ علوا ، ومن طول عنق الزرافة ، ومن ضآلة حجم النملة ، ناهيك عن اختراعات العصر الالكتروني الذي ينجب كل ما هو جديد وغريب ومدهش كل يوم .. !

هذه المرحلة المدهشة من حيواتنا سرعان ما تنتهي ، لتقلنا القافلة فتنتشلنا محطة أخرى حيث تستطال قاماتنا ويطرأ تغييرات فسيولوجية على وظائفنا الجسدية ، ليشمل كلا الجنسين الذكر والأنثى ، ويزداد حجم اكتشافاتنا وتجاربنا ، وفي خضم الصخب الذي يستوطن أجسادنا ، نترعرع في تضخم عجائبي يمتد لنتسلق من خلالها إلى عوالمنا الخاصة شجرة بفروع متأصلة تتشعب معطاءة  ، إلى أن يهدأ ذاك الفوران الصاخب لتنتشلنا مرحلة جديدة في سكون تابعة ومكملة لنقص ..

مرحلة الشيخوخة هي مرحلة اكتمال ؛ فالهرم الحياتي لا ينتهي بمرحلتي الطفولة والشباب فقط ، والإنسان الذي يبلغ عمره بمشيئة من الله – عزوجل -  إلى حد هذه المرحلة هو إنسان حقق تكامله البشري على المستوى الفسيولوجي ..

وإذا كانت الطفولة هي أرجوحة التي تأرجحنا بمرح مندهشين من حجم العالم وعجائبه التي ينجبها لنا كل يوم ، و الشباب هو منطاد يهيم بنا إلى فضفاض الحياة ومفاجآتها ، فإن الشيخوخة هذه المرحلة الجميلة لابد أن نستعد لها بهمة ألذ ؛ لأنها امتداد حقيقي لمراحلنا الأولى ، ففي الشيخوخة نقف مفاخرين أمام الأجيال التي خلفناهم وراءنا ، وبعين رضا نرنو إلى الأعمال التي سيكملها عنا جيل آخر سرعان ما يسلم بدوره الأمانة إلى آخرين يحملون عن كاهلهم أثقالها ..

 تلك المرحلة .. المحطة الأخيرة في الدنيا هي ليست مرحلة ترهل ، بل توهان رائع في الحب والعطاء بعد ذاك الامتداد الزخم ، ففي هذه المرحلة علينا أن نشاكس الحياة التي طالما أغرتنا بشقاوتها ، وآن لذاك الكهل أن يلقنها درسا في الحكمة ولذة التأمل ، فكمّ التجارب وكيفها كفيل أن يكسبه الكثير جدا من بطولات وحكايات وخيبات أيضا في فن الحب والعطاء والتجدد ترثها الأجيال القادمة كدروس في الحكمة ..!

مرحلة علينا أن ندلل فيها أنفسنا ، نتمتع بكل لحظة من لحظاتها بأساليب نتحايل فيها على عقرب الزمن لنمتطي هدوءه الذي طالما سلبت منه ذواتنا في رحلة التكوين ..

والشيخوخة الحقيقية ليست كهولة وجه وانطفاء بعض الوظائف الفسيولوجية ، بل هي حين تعجز قلوبنا عن عطاء الحب ، وحين تتوقف شرنقة أرواحنا عن التأمل في ملكوت الكون بخفة كفراشة ، فطالما القلب رفراف بحب الحياة وأفقها مضرج بخضرة الروح ، فإننا سنختال في مزيج طري من عفوية الطفولة وغنج الشباب مع دلال الكهولة ..

هكذا تحصد ذاكرتي التي ما تزال طرية مفاخرة بشبابها موقفا طريفا يعود إلى ماركيز صاحب رائعة " مئة عام من العزلة " حكى يوما أنه قابل زميل دراسة في قاعة انتظار في أحد مطارات كولومبيا وكان في مثل عمره ، فبدا له أنه أكبر من سنه الحقيقي بمرتين ..!

وماركيز بعينيه الثاقبتين تيقن أن سبب شيخوخته المبكرة ليست واقعا بيولوجيا بقدر ما هي مجرد إهمال من صاحبه ، ولم يكبح ماركيز نفسه حين أذعن في وجهه مؤنبا أن سوء حالته يعود لإهماله وليس من الرب ، وأن من حقه أن يطلق تأنيبه في وجهه ؛ لأن إهماله لا يجعله وحده يشيخ وإنما يجعل جيله كله يشيخ .. !

 

 

ليلى البلوشي