الثلاثاء، 20 أغسطس، 2013

فاتورة سرطان لابنك بألفي درهم ..!


 
 
فاتورة سرطان لابنك بألفي درهم ..!

 

الرؤية / العرب

 

في كتابه " الطفل السعيد " تغيير جوهر التعليم ، عرض المؤلف " ستيفن هاريسون " موقفا قصيرا لطفل عائد من المدرسة .. سرده قائلا : " عاد تلميذ من المدرسة إلى بيته يحمل رسالة من معلمه يقول فيها أن الطفل لا يتمتع بعقلية متفتحة ، الأمر الذي أثار غضب والدته ، فقالت له : يجب أن يكون عقلك منفتحا وسأجعلك كذلك حتى لو فرضت عليك الدراسة والمذاكرة على مدار الساعة " .. فسأل التلميذ أمه : ما هو العقل المتفتح ( كثير التساؤل ) ..؟ أجابت الأم : لا تسأل كثيرا " ..!

هذا أنموذج أسري أو لنقل أنموذج أمومي ؛ حيث يقوم كثير من الآباء ( الأم والأب )  بتعليم أبنائهم النطق ، لغة الكلام في أعوامهم الأولى ثم يسعون وبطرق مدهشة غاية في الغرابة إلى إسكاتهم ..!

ظاهرة متفشية في معظم المجتمعات العربية ، حيث تسعى معظم الأسر إلى وضع الطفل تحت رعاية المربية أو الخادمة مهما - اختلفت التسمية - ليخلصوا أنفسهم من مسؤولية رعايتهم ، وينأوا عن أمزجتهم ضجيجهم ، ولا يدرك كثير من الآباء خطورة هذه الأمور كما لا يدركون أن أهم السنوات في حياة الطفل هي أعوامه الأولى ، هي أعوام في غاية الأهمية والحساسية عند الطفل ، حيث يبدأ في النمو وتكبر حواسه وتتشكل إدراكاته عن نفسه وأسرته وبيئته ومجتمعه ووطنه والعالم ؛ فما الذي يقدمه له الكبار في هذه المرحلة الحرجة من حياته .. وما هي أساليبهم في التعاطي معه ..؟!

معظم الآباء اليوم يسعون إلى منح أطفالهم ما بين الثالثة وما فوق أجهزة حديثة من هواتف وألعاب متنوعة خاضعة لتقنيات العالم الآلي الحديث كالبلايستيشن والآي باد والتلفاز ، بل لعلنا لا نبالغ حين نذهب إلى اعتقاد راسخ بأن صلة الطفل مع الأجهزة تبدأ مذ ولادته ، حين تلتقط عدسة الكاميرا أول صورته له بعد احتكاكه بالعالم الخارجي بدقائق ..!

الطفل يفتح عينيه الصغيرتين على عالم مزدحم بالأجهزة بأشعتها وأصواتها ، فلا يكون غريبا عنها ولا تكون غريبة عنه ، وحين يبدأ بملاحظة العالم من حوله يبدأ بلمس أول جهاز يراه بحوزة أمه أو أبيه أو أحد إخوته أو قريب بعدما كان يجس ثدي أمه وفمها وشعرها ..!

يكبر قليلا الصغير وتتوثق علاقته تدريجيا مع الأجهزة ، فيظل يلهي نفسه بها ساعات طويلة والكبار فرحون لتعاطي ابنهم الصغير مع تقنيات العالم المتطورة ، ولكن هل سألوا أنفسهم يا ترى أو فكروا لبرهة عن الآثار السلبية التي تخلفها هذه الأجهزة على حياة الطفل الصحية والنفسية والعقلية والروحية وصلاته الخارجية أيضا ..؟!

وقد نشرت دراسة حديثة عن الآثار السلبية التي يسببها " التلفاز " كجهاز محبوب لتزجية الوقت عند معظم الصغار ، حيث وجدت دراسة كندية أن مشاهدة التلفاز لأكثر من ثلاث ساعات يوميا ، تلحق ضررا بمهارات النطق والحساب لدى الطفل الذي يبلغ من العمر سنتين وتزيد خطر تعرضه للتنمر على حد تعبيرهم ..!

وذهبت الباحثة الأساسية في الدراسة " ليندا باغاني " من جامعة مونتريال ، التي نشرت الدراسة في صحيفة ديلي ميل البريطانية ، إن هذه النتائج تفترض الحاجة إلى وعي أفضل للأهالي وامتثالهم للتعليمات التي وضعتها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال ، والتي لا تشجع على مشاهدة التلفاز في الطفولة ، وتنصح بعدم السماح لمن هم دون الثانية من العمر بمشاهدته لأكثر من ساعتين يوميا ..!

وقامت " ليندا باغاني " بدراسة على 991 طفلة  و1006 طفل في كيبيك ، يبلغون من العمر سنتين وخمسة أشهر، سألت فيها والديهم عن المدة التي يمضونها يوميا في مشاهدة التلفاز ..!

ووجدت أن مشاهدة الطفل التلفاز ساعتين و52 دقيقة يوميا، مقارنة مع معدل يبلغ ساعة و45 دقيقة، لا تترك أي آثار سلبية عليه، غير أنها لاحظت أن الأطفال الذين يشاهدون التلفاز لأكثر من ثلاث ساعات يوميا متأخرين عن نظرائهم في النطق والحسابات ..

ولأجل صحة أطفالكم العقلية والذهنية اتبعوا نصيحة الرئيس الأمريكي " باراك أوباما " حين حذر قائلا : " اغلقوا التلفاز واقرؤا لأطفالكم " ..!

أما بشأن الجهاز الأكثر تداولا حاليا بين جمهرة الأطفال " الآيباد " الذي أصبح وبلا مبالغة رفيق اللصيق للطفل من نهاره حتى وقت نومه ليلا ، ويتم ذلك أمام مرأى الوالدين وبموافقتهم أيضا ؛ فهم يعتقدون أن بوضعهم هذا الجهاز تحت تصرف الطفل الذي قد لا يتجاوزه عمره الثلاث أعوام هو بمثابة تحضره وتحضرهم كوالدين مهتمين بتنشئة طفلهم في مجتمع متحضر يتم التعاطي من خلاله عبر أجهزة حديثة ، والتي بدورها تنمي مهارات الفكرية ، وترفع من نسبة ذكائه ، وذلك حين تسمح له حرية التواصل مع الجهاز وقضاء جلّ وقته معه ..!

وسأنقل لكم قصة واقعية نقلتها امرأة خليجية أثناء سفرها إلى أمريكا لمعالجة ابنها المريض بالسرطان ، وبينما كان يلعب بجهاز الآي باد على سريره ، دخل الدكتور الأمريكي الغرفة وعلى حين فجأة هتف صارخا مستنكرا الوضع: " نحن نعالج أبناؤكم وأنتم تقتلونهم " ..!

حذر الدكتور الأمريكي الأم عن مدى تأثير أشعة الآي باد ، وبأنها من أخطر و أسرع الأشعة للإصابة بالسرطان ، هذا الجهاز الذي يضعه الآباء بملء إرادتهم في أيدي أطفالهم ، فيقضون متحمسين ساعات طوال تصل أحيانا لأكثر من 5 ساعات ، يعد من أسرع التكنولوجيا المسببة لأمراض السرطان ، وقد لوحظ منذ العام الماضية ارتفاع نسبة إصابات أطفال الخليج بهذا المرض الخبيث الذي تتآكل معه طفولتهم في أوان مبكر جدا من حيواتهم بوجع يفطر القلوب والأكباد ..!  

في المجتمعات المرفهة غالبا يعتقد المسؤولون عن تربية الطفل ورعايته ، أن أفضل طريقة لذلك هي اغداقه بالدلال وتوفير كل ما يطلبه ، بل التصفيق لرعونته حين يفرض شخصه الصغير عبر طلباته اللحوحة للأشياء ، أو ممارسة هوايات معينة لا تلائم سنه ، أو سلوك انفعالي يمارسه الطفل سواء مع نفسه أو مع محيطه أو خارج محيطه ، ولا يدركون أهمية الأنظمة والضوابط على هذا الكيان الصغير ، فتربية الطفل لا تكون حين يصل عتبة المراهقة ، بل مذ هو نطفة في رحم أمه ؛ تبدأ أولا بالاستعداد النفسي لكيلا الوالدين باستقبال الطفل وبكامل المسؤولية لتربيته بأنفسهما لا بإلقائه على عاتق الخدم أو المربيات ..!

أيها الآباء إن كنتم تريدون طفلا قوي البنية فقووا بنيانكم أولا ، وإن كنتم تريدون طفلا حاذقا ماهرا في شؤون الحياة وأساليب التعاطي مع نفسه ومعكم والعالم ، فتعاطوا معه بذكاء ومهارة ، الطفل متلقي جيد في صغره وأنتم مدرسته الأولى في التلقي ، فالأم والأب هما أول كتاب يقوم الطفل بتصفحهما بفضول ورغبة ودهشة وربما صدمة وخيبة أمل ورعونة ، أنتم من تقررون ذلك ..!

والطفل جزء من بيئته ؛ حين يتم اختيار البيئة الجيدة ، فإنها ستكون جيدة أيضا على صحته النفسية والجسدية وعلى علاقاته ووسائل التواصل والمهارات والخبرات التي تنضج شيئا فشيئا إلى ممارسات فاعلة معطاءة في مجتمعه ..

أما الوطن وهو بمثابة العالم الكبير والعظيم للطفل ، فمن الضروري أن يعلّم الكبار أطفالهم حب أوطانهم والذود عنها في الظروف الحالكة ، ومما اذكره أن الأديبة " غادة السمان " ذكرت في إحدى حواراتها ؛ أنهم في سوريا كانت لديهم عادة تعريف أطفالهم بأوطانهم مذ هم في سن السابعة ؛ حيث يقوم الوالدين أو أحدهما باصطحاب الطفل في جولة على الأرض الذي ولدته وآباؤه وأجداده ، ليتعرف على تراثه وتاريخه وجغرافيا جسد وطنه بما فيها من قرى ومدن وطرقات وأحجار وسهول وأنهار كل المعالم الطبيعية وغير الطبيعية تتوثق صلاته بها ولا يكون غريبا عن معالم ترسم خريطة وطن سيكون له فيه مستقبل ..!

أما في معظم عوالمنا العربية والخليجية خاصة ، فإنهم يكتفون باصطحاب طفلهم إلى أماكن مغلقة ، إلى مراكز تجارية ، ومن غرف مغلقة للترفيه يقبل على ألعاب هي غالبا أجهزة الكترونية ، وفوق هذا يتركون كامل الحرية للطفل بممارسة اللعبة التي يريدها عنيفة كانت أو غير مؤهلة لعمره ، دون أن يأخذوا المسألة بمنتهى المسؤولية والجدية  ..؟!

 فالطفل إما برفقة والدين مشغولين بأجهزتهم أو خادمة ترفّه عن نفسها بعيدا عن الاهتمام به بشكل مسؤول ودقيق طالما هو دور نيط إليها من والدين غير مسؤولين ، ويحدث كثيرا أن يذهب الطفل برفقة والديه أو أحدهما لينتقي الجهاز الذي يريده بلا حسيب ولا رقيب ولا ضوابط من قبل تجار السوق أيضا ، بينما دولة عالمية كأمريكا وهي بلد الحريات ، فإنها تحرص في محال للألعاب الإلكترونية على وضع ضوابط مهمة وجادة لمصلحة الطفل ، وقيل إن طفلا عربيا ولج محلا من محال الألعاب الإلكترونية المنتشرة في أمريكا وّد شراء لعبة " Grand Theft Auto Iv " ولكن البائع رفض بيعها له بسبب صغر سنه ..!
 

ليلى البلوشي

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق