الثلاثاء، 13 أغسطس، 2013

جسد وطني مشروخ ..!


 
 
جسد وطني مشروخ ..!

 

الرؤية / العرب

 

قال مرة الشاعر الأمريكي " والت ويتمان " : " أعظم ما يتعلق بأمريكا أنها أرض الفرص الثانية ، يأتي إليها الناس لصنع بدايات جديدة ، أسلافك ربما فكروا في هذا أيضا ، هي أرض تحب أن تغفر ، أن تدع الإنسان يبدأ من جديد بعد أخطائه الكثيرة " ..!

أمريكا هي أرض الدمار والفرص في آن ، ولا يمكن نكران هذه الحقيقة أو الإغفال عنها ولهذا هي مختلفة ، وهي الزعيمة التي فرضت سيادتها على العالم الأجمع ، وبتعبير الكاتب أمين معلوف : " حكومة تشمل صلاحيتها القانونية الكرة كلها لأول مرة في التاريخ ! " ، شئنا أم أبينا ..! وهي سياسة من الصعب استيعابها وفهمها للوهلة الأولى ، أمريكا التي عرفت عبر تاريخها العتيق بجرائم الإبادة للهنود الحمر سكان بلد الأصليين ، وعلى أنقاضهم نهضت حضارتها ورفعت شعار الحرية والديمقراطية والإنسان ..!

أمريكا التي غرقت في مرحلة ملطخة من تاريخها في التفرقة العنصرية بين البيض والسود ، تاريخها الثقيل بالمرارة والدم والخيبات وإهدار لكرامة الإنسان ، بدأت تتجاوز نوعا ما تاريخها سيء الصيت ، كمعظم دول أوروبا التي انتشلت نفسها من ظلمات الجهل ، وفي عصور ظلامها الدامس إلى ضوء الحياة المتجددة والمتغيرة ، وقد نجحت في تجاوز تاريخها الظلامي العتيق نسبيا بنجاح ، فمن كان يمكن أن يتصور أن يدخل من بوابة البيت الأبيض رئيس أسود يقود دولة كأمريكا ويكون رئيسها و العالم ..؟!

 أمريكا التي طالما شنت هجوم على المسلمين بمجرد أنهم مسلمين ، وكانت وما تزال تنعتهم في كثير من الأحيان بثلة من الإرهابيين ؛ خاصة بعد انفجارات الحادي عشر من سبتمبر التي قلّبت مفاهيم العالم في رأس أمريكا على فوضى ، على دمار ، على مفاهيم سياسية جديدة ، ومختلفة ومخيفة جدا ويدفع ضرائبها بشر وأوطان فقط لأنهم مسلمون ..!

وعلى الرغم من كل ويلات أمريكا تظل هي أرض الفرص ، ويمكن لأي إنسان أن يجد فرصته وربما الأهم أن قوانينها في تجدد مستمر ، ويمكن لأي إنسان مهما كان لونه أو خلفيته أو دينه أو هويته أن يحقق وجوده وأن يثبت كيانه ، وقد لفت نظري من وقت قريب ، وأنا أقرأ مقالا كان عنوانه محفزا ومريحا " عشر حقائق لم تكن تعرفها عن الإسلام في أمريكا " قرأت تلكم الحقائق العشر وابتهجت كمسلمة بها ، وما لفت نظري بشكل أكبر هي أول حقيقة في القائمة وربما لأهميتها والتي تتحدث عن - عضوان مسلمان في الكونغرس، الأول " كيث إليسون " انتخب عام 2006​ م ليصبح أول مسلم ينتخب إلى الكونغرس ، كما أنه أول أميركي أسود ينتخب إلى مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا ، أما الثاني فهو " أندريه كارسون " الذي انتخب عام 2008م عن ولاية إنديانا لمجلس النواب في انتخابات خاصة بعد وفاة جدته التي كانت تحتل المقعد ، وينتمي كل من إليسون وكارسون إلى الحزب الديموقراطي ..

نفرح ونبتهج لكل حق من حقوق العرب والمسلمين حين تصان في دول ليست عربية وليس الإسلام ديانتها ، في دول يقال عنهم دول كفر وفجور ..!

 نبتهج ونقول أن ثمة أمل قادم وشمسه ستعم ديار أظلمت لتكون عامرة مع تقدم الزمن ، في أوطان هي أصلا بدأت عامرة ديدنها المحبة والخير والتسامح بل كانت شاملة لروح الإسلام السمحة ، والتي استظل تحت ظل أمانها وأمنها كل إنسان عربي و ليس بعربي ، مسلم ومسيحي ويهودي وهلم جرا ، بينما اليوم نظرة بسيطة ويصدمك الظلام الذي استطال هذه العوالم – المسلمة - التي كانت تبهر العالم بإشراقها ..!

والتاريخ جلاد لا يرحم ؛ فمن كان يتصور أن تعيش الدول الإسلامية هذه الصراعات المتأزمة ، الغريبة عن ثقافة التسامح لديها ، والمشكلة ليست محصورة بين المسلم وغيره من الديانات الأخرى كالمسيحي اليهودي والمجوسي  وهو عار بلا شك حمّل المسلمون بها أنفسهم بشراسة ، فقدت معها روح تسامحها الأصيل إلى عار آخر متأزم وبصورة مخجلة وبشعة ما بين مسلم ومسلم ، هؤلاء الذين أصبحوا بسبب صراعات السياسية منقسمين إلى مسلم سني ومسلم شيعي ووو ..!

ولا تكتف الصراعات السياسية بتقسيم المسلمين دينيا ، بل ألاعيبها القذرة استطالت الجوانب الاجتماعية وسممت الصعيد الاقتصادي والثقافي ..!

وطفا إلى السطح الصراعات القبلية والمذهبية وأيّها أولى بالرئاسة والزعامة ، وبهذه النظرة شتتوا أبناء وطن واحد ..!

ما يلفت نظري اليوم وأنا أشاهد بأم عيني و أقرأ عن دول أمريكا وأوروبا وكيف أنها تجاوزت ماضيها العفن إلى حاضر منتج ومستقبل يستوعب معظم اختلافات العالم ، دون أن ننكر فوبياهم تجاه بعض المسلمين وقضاياهم ، ولكنهم مع ذلك بدأوا يستوعبون أن فئة ليست قليلة من مواطنيهم أصبحوا مسلمين ، ولهم حقوق على أصعدة عدة سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية ، فدمجوا المسلمين في المناصب السياسية ، ومنحوهم بعض حقوقهم الأخرى وخاصة أكثرها حساسية وهي الدينية ، فلا تكاد دولة أوروبية أو أمريكية تخلو من مسجد عبادة للمسلمين وصلواتهم ..!

ولو تأملنا شرقنا الإسلامي ومحيطه العربي و الخليجي ، سوف نرى انقسامات المسلمين ومعاركهم المستمرة بين أصحاب المذاهب التي ولجت الصعيد السياسي كما قلنا ، فهناك دول متعددة المذاهب لا تراعي هذا التعدد ، بل حبست معظم مناصبها العالية في الدولة لمذهب دون آخر بمنتهى الطائفية والعنصرية حيث تغلب جنس على جنس ، وربما النموذج الأنسب هنا هو الجهورية الإسلامية الإيرانية حيث كان آخر وزير سني هو " صادق وزيري " الذي كان وزيرا للعدل في عهد الشاه حيث عينه عام 1979م ، وكان آخر سنى وصل إلى منصب وزير في إيران ..!

قبل الثورة الخمينية شغل عدد كبير من الإيرانيين السّنّة مناصب وزارية ، بينها مناصب حساسة ، فكان منهم وزراء للخارجية والداخلية والعدل والزراعة ، إلا أن الملالي كسروا هذا التقليد في عام 1979 م ، ومنذ ذلك التاريخ حرم نحو عشرة ملايين سنّي من المناصب الكبرى في الدولة والقوات المسلّحة والسلك الدبلوماسي والقطاع الحكومي الاقتصادي، وبطبيعة الحال، منعوا من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية وموقع المرشد الأعلى ..!

أما الدول العربية فحدّث عن بعضها ولا حرج ؛ فمنها لم تكتف بتقسيم مسلميها إلى صراع مرير بين سنة وشيعة في تولي المناصب العليا في وزارات الدولة ، بل عملت على تغليب قبيلة على قبيلة ، وتغليب مدينة على مدينة أو ولاية على ولاية أو منطقة على منطقة تلك التي تشكل في النهاية نعرات طائفية وقبلية وعنصرية حامية لن يسلم من نارها الصديق أو العدو ، كأنهم يسعون لتقسيم جسد الوطن الواحد إلى عدة أقسام ، وذلك كله في سبيل الحفاظ على عروشهم ومناصبهم إلى أبدية الدهر ..!

الصراعات في العالم العربي في اشتعال دائم ، وكأنه عالم يتراجع إلى الوراء عوضا عن التقدم نحو الأمام وهنا يحضرني قول الممثل " عادل إمام " حين وصف حال مصر في الوقت الحالي : " إحنا البلد الوحيدة اللي حلم حياتها ترجع زي ما كانت من 50 سنة .. كل الدول بتطور عادة ، إحنا الماضي بتاعنا متطور أكثر من الحاضر !  " ..

العوالم الغربية والمسيحية كانت تطحن حتى التذابح تحت صراعات حول طبيعة المسيح والثالوث وصياغة الصلوات بينما العالم الإسلامي كانت صراعاتها تدور حول الخلافة ، اليوم ماذا نرى ..؟

دول الغرب المسيحية تجاوزت صراعاتها ولملمت انقساماتها وبنت حضارات جديرة بالإعجاب ، حضارات تكفل لمواطنيها حياة عمادها الأمن والأمان والحقوق على أصعدة عدة  ، بينما العوالم الإسلامية ماذا حل بها ..؟

كأنما حالها من سيء إلى أسوأ ؛ فبعد أن عاش المسلمون في ظل حضارات غنية . مدهشة . عظيمة عمادها حفظ واحترام حقوق كافة البشر باختلاف أجناسهم وأديانهم حتى حقوق حيواناتها كانت مصانة ، والتسامح الشامل والسلام ، بكل خيبة حطمّوا كل ذلك بسبب صراعاتهم التي كانت في الخلافة ، وأصبحت اليوم في الخلافة نفسها ، ولكن غمسوها بصراعات وانقسامات دينية واقتصادية واجتماعية وثقافية ..!

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق