الثلاثاء، 27 أغسطس، 2013

كيف تتعلّم أن تكون ميّتا ً ..؟!


 
 
كيف تتعلّم أن تكون ميتاً ..؟!

 

الرؤية / العرب

 

" كيف تتعلم أن تكون ميتا " ..؟!

فكرة أقرب ما تكون قصة من خيال الكاتب الساخر " إيتالو كالفينو " ، ألبسها شخصية واحدة تقوم بتمثيل كل حكايات الكتاب وتدعى هذه الشخصية الخيالية " السيد بالومار " الذي يعبره أحداث كثيرة يجابهها في حياته بطرق مختلفة ، ومن ضمن الأفكار التي تطرأ على خيال " السيد بالومار " هو عزمه في أن يكون ميتا أي أن يتصرف كالموتى ، كما لو أنه ميت والسبب من كل ذلك هو ليرى كيف يسير العالم من دونه ..؟!

ويتحدث " السيد بالومار " عن الأموات ويعني - أولئك الذين لا يتدخلون في شؤون الكون - فيذهب إلى أن في نظرة الأموات دائما شيء من التسخيف ، فالأماكن والمواقف والمناسبات هي في صورة عامة تلك التي سبق لنا أن شهدناها ، والتعرف عليها من جديد يوفّر لنا شيئا من الرضا ، ولكن يلاحظ في الوقت نفسه عدد من التنويعات الضئيلة أو الكبيرة ، والتي قد تقبل طوعا على ما هو عليه ، إذا كانت تطابق مسارا منطقيا متماسكا ، إلا أنها على عكس ذلك مجانية وغير منظمة ، وهذا ما من شأنه أن يسبب ضيقا خاصة أن واحدنا يشعر دائما بالرغبة في التدخل لإجراء تصويب يبدو ضروريا ، ولكنه لا يستطيع لأنه ميت ..!

وحين يتنامى شعور الموت تجاه تلك الأحداث والمواقف التي نرغب بتغييرها ولا نستطيع ، من هنا ينشأ موقف تحفّظ يشبه الارتباك ولكنه في الوقت نفسه موقف اكتفاء ، وهو تقريبا موقف من يدرك أن ما يعوّل عليه فعلا هو تجربته السابقة وأن كل ما تبقى منه لا يستحق أن يعطى الكثير من الوزن ؛ والحقيقة أننا قبل الولادة كما يرى " السيد بالومار " نكون جزءا من احتمالات لا تحصى يحدث أن تتحقق ذواتنا لا في الماضي الذي نكون أصبحنا في كنفه كليا دون أن نستطيع التأثير على سياقه ، ولا في المستقبل المغلق دوننا حتى لو كان يخضع لتأثيرنا ..!

يطرح " السيد بالومار " خطوات لمن يريد أن يكون ميتا ..؟ وأولى تلك الخطوات ، هي إقناع نفسه بأن الحياة كُل مُقْفل في صيغة الماضي ، وليس في استطاعة أحد أن يضيف شيئا ، ولا يستطيع أحد أن يدخل عليها أي تبديل في منحنى التراتب بين مختلف عناصرها ..!

حين نصل لمرحلة الموت ونكون أمواتا فعلا تجاه كل ما يحدث في الحياة وتكون بيننا وبينهم مسافات ؛ فإننا في هذه المرحلة وفي هذه اللحظة لا يلبث أن يحضر شعور طاغ إنه الارتياح إزاء اليقين بأن كل المشاكل هي مشاكل الآخرين وبأنها تعنيهم هم ، لا شيء ، لا شيء إطلاقا من شأنه أن يعني الموتى ؛ لأن كل شيء يرتب عليهم التفكير في أي شيء ، حتى لو بدا ذلك لا أخلاقيا ، فإن الموتى يجدون حبورهم في هذه اللامسوؤلية ..!

أما عن شعور الإحباط عند " السيد بالومار " ، هو أن يذعن لإحباط أن يجد نفسه مطابقا لنفسه نهائيا دون أن يأمل في تغيير أي شيء منها ..!

ثم يتابع " السيد بالومار " سرده للوضع قائلا : " إن حياة المرء عبارة عن مجموعة أحداث من شأن آخرها أن يبدل معنى المجموعة كلها ، ليس لأنه قد يكون الأهم ، بل لأن الأحداث ما أن تُضمّن في سياق حياة ما تتراتب في نسق لا يخضع للتسلسل الزمني بل يستجيب لمعمار داخلي " ..!

" كيف تتعلّم أن تكون ميتا " ..؟!

هذا الخيال الذي فعّلهُ " السيد بالومار " إلى السلوك ، هي بتأكيد تشكل صدمة لبشر أو مجتمعات أو أمم اعتادت على الحياة ، اعتادت طبيعتها الخلاقة على أن تكون حية بكامل تفاصيلها ، وإنسانيتها ، وحواسها ، وإدراكها ، وسلوكياتها ، ومبادئها ، وقيمها ، ومثلها ، وأخلاقياتها تجاه كل ما يحدث في العالم المحيط بها ، عالمها وعوالم الأخرى ؛ لأنهم بشر ، ولأن مصير وحقوق الآخر حين يهتفون لإحيائها أو نهضتها أو استردادها أو مطالبتها أو مقاومة من يقف في وجهها ، فهي جزء من خير و نبل سيشملهم كما سيشمل الآخر الذي هزوا العالم من أجله وقضيته ..!

هذا السلوك ، وهذا الفعل ليس طارئا ولا جديدا لأمم تعي معنى الإنسانية والأخوة السامية ، ولكن في مجتمعات هي حقا ميتة ، هي حقا لا تبالي بغيرها سوى في أطر الأيدولوجيات والمذاهب والطوائف والمصالح والمنافع ؛ هم ميتّون من قبل ، ميتّون وبمرتبة خيبة مريرة ..!

ويمارسون اليوم موتهم بفاعلية ووحشية طاغية ؛ ليضمنوا المزيد من منافعهم بأقذر الأساليب : بالصمت ، والخرس ، والتأييد ، والمحايدة ، والتملق ، والنفاق ، والتزوير ، والخش ، والخداع .. بأشد الوسائل المنحطّة مادام الغايات تبررها الوسائل ..!

لو ألقى " السيد بالومار " نظرة بسيطة على أرض أوطاننا العربية والمسلمة ؛ لتعلم أصول كيفية أن يكون الإنسان ميتا وبكامل شعوره ولا فرق إن كانت حواسه مشتعلة أو منطفئة ..؟!

ميتا بكامل حياته التي طرحها وراءه ؛ لأن تجارة الموت أنفع له ، و لأنها أجدى كي يحقق مآربه وغاياته في هذه الحياة ، فيراكم موته حسبما مواقف الحياة وشدتها برصيد مدفوع الثمن ليحيا بعد اتمام صفقة الموت  حياة أخرى أو بالأحرى موتا آخر في صورة حياة بليدة ضميرها انتحر سلفا ومبادئها سحقت ..!

نحن أمة ميتة ، نكتفي منذ قرون بالوسائل ذاتها ، لنطالب بالحياة التي يقطرها ببؤس جشع من بيدهم حيوات البشر وحقوقهم في هذا العالم ..!

ولعل أبسط مثال لموتنا الجماعي هو ما يحدث في سوريا ؛ هذا الوطن الذي ينزف في كل جزء من روحه وفي كل قطعة من جسده ، يذبح داخليا كما أنه يذبح خارجيا والقائمين على الحياة من حولنا ميتّون ، فلا يكادون يتحركون خطوة واحدة كفيلة ربما بحل يتوامض في الأفق ، ولكنهم يكتفون بالشجب والتنديد إلى آخر الظواهر الصوتية التي حتى الحنجرة انكسرت منها خجلة ، مكللة بالعار ...!

هذا الشجب والنحيب الصوتي وهو دور يجب أن يقوم به الناس العاديون البسطاء ، الذين لا يملكون بيدهم السلطة وليحركوا بها ومن خلالها أصوات من يملكون السلطات ..!

 أما أصحاب القوة وزعماء السلطة والكراسي كان عليهم أن يكونوا أحياء بكل ما أوتوا من قوة وإيمان وإنسانية ومسؤولية ؛ كي نحيا نحن .. الشعوب الميتة ونكون أحياء ..!

ولكن ما يحدث أن الذين وضعنا ثقتنا كبشر أموات فيهم ، خانوا ثقتنا ، وطعنوا موتنا مرتين ، مرة بتغافلنا ومرة بإسقاط حقنا في الحياة عبر المطالبة والتدخل والتفعيل ، المطالبة بحق شعوب أن تعيش هي وصغارها في منأى عن الحروب ، وعن انتقاماتهم ، وعن التشفي بهم على حساب مصالحهم السياسية الخبيثة ، لكنهم يقتلون شعوبا ميتة أصلا ولا يكتفون بذلك ، بل يقتلون الشعوب الأخرى المتفرجة حين يطالبونهم بالخرس الأبدي ؛ كي تمضي مصالحهم في سبات عميق وبلا شخير مزعج ..!

" السيد بالومار " أهلا وسهلا بك في الوطن العربي الميّت سلفا ، أوطان يحبون الميّتون ، وإذا ما أفاقوا من ميتتهم قتلوهم .. ليموتوا مرة أخرى ومرات ومرات ولا حياة ..!

كما قال الشاعر محمود درويش : " يحبونني ميتاً.. ليقولوا .. لقد كان منّا .. وكان لنا " ..!

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق