الثلاثاء، 3 سبتمبر، 2013

الحياة على طريقة خوان ميّاس ..!


 
 
 
الحياة على طريقة خوان ميّاس ..!

 

 

الرؤية / العرب

 

  كيف سيغدو شعورك حين تعيش يوما سابقا عن بقية البشر .. ؟ فتعرف الأخبار قبل أن يعرفها الناس بيوم ، تعيش أنت الأربعاء والعالم كله من حولك يعيشه على أنه الثلاثاء ، وفي يومك الأسبق هذا يصادفك أحداث كثيرة تلم بها وتحياها بترحها وفرحها قبل الآخرين بأربعة وعشرين ساعة ، فعلى سبيل المثال رأيت في يومك الأسبق خبر وفاة أمك ، وهي ما تزال بالنسبة للباقين حية ترزق ، أو قرأت خبر نشوب حريق في مكان ما ، أو حدوث زلزال قبل أن يحدث ، هذا بالنسبة للأخبار المرعبة ..!

أما الأخبار المفرحة ورغم ندرتها ، فأنت تحتفي بها قبل غيرك ، عرفت أن ابنك عين طبيبا في إحدى المشافي ، فامتلأت سعادة لمعرفة بشرى كهذه ،  ولكنك لم تشعر بالفرحة في وقتها ، أو ابنتك حصلت على الوظيفة المنتظرة ، فأمسكت نفسك عن إعلامها ومشاركتها معك الخبر السعيد ..!

بطل القاص الإسباني " خوان ميّاس " في قصته " سأموت غدا " تعبره هذه الأحداث العجائبية ، حيث أنه يكتشف أنه يعيش يوما أسبق عن بقية البشر ، فيعرف الأخبار خيرها وشرها قبل الآخرين بيوم واحد ، يستمر على هذا النحو دون أن يشعر الآخرين به ، ونتيجة لما يمر به من أزمة غير طبيعية ، يعاقر الخمر لعل ثمالته تخفف عنه عبء ما يعانيه ، وذات يوم حين يكون في البار بمفرده يتجرع كأسه ، فإذا بامرأة تجلس بجانبه فيتحاوران ويعترف لها بمشكلته المؤرقة التي قلبت حياته على رأسه على عقب ، فتعترف المرأة بدورها أنها تمر بأمر شبيه بذلك ، ولكنها تسبق الناس بيومين لا بيوم واحد ، فكان يوم الأربعاء بالنسبة له ويوم الثلاثاء بالنسبة لبقية البشر ويوم الخميس بالنسبة للمرأة .. فيبادرها بالسؤال عن لقائهما فهل هو يشمل اليوم أم الغد ..؟!

 فوضحت له المرأة بأنه اليوم بالنسبة له والأمس بالنسبة لها ، ومن هنا يسألها عن أحداث الغد التي تسبق معرفتها بها عنه ، فتحكي له بأنه سيذهب معها إلى السرير ، فهي تسكن قريبة من البار ، لكنه سيصاب بأزمة قلبية عندما يبدأ في خلع ملابسه ، وهي تحمله وترميه في المصعد ، حيث يجدونه هناك ميتا صباح الغد ، فتعثر الشرطة على جثته ويحققون ، فينكر الجميع علاقتهم به ، فيرد عليها مخمورا بأنه لن يذهب معها ، ولكنها تقوده حتى يصلا الشقة وعندما يبدأ في خلع ملابسه يشعر بألم في كتفه وسرعان ما يتسرب إلى صدره ، وعندما تنتبه هي لحالته تلبسه ملابسه وتحمله إلى المصعد وترميه هناك ، ولكنه في المصعد قبل أن يموت بلحظة يسترد إحساسه الطبيعي بالزمن ، ورغم أنه مات في يوم الأربعاء ، إلا أنه مازال يعيش في يوم الثلاثاء ، فيذهب رأسا إلى البيت ويحبس نفسه في غرفته ، ويشرع بكتابة هذا النص دون أن يلقي الذنب على أحد فيما حدث ..!

 

 فلو كنت أنت كبطل خوان ميّاس ولديك ميزة يوم أسبق عن بقية البشر ، وعلمت قبل الآخرين بحدوث حريق أو زلزال أو قصف ، فهل ستذهب إلى قسم الإطفاء أو قسم الكوارث الطبيعة فتعلمهم بما رأيت في يومك الأسبق وتستغيثهم عن إطفاء حريق لم يقع بعد أو منع الزلزال من الحدوث قبل أن يحدث أو استنفار العالم عن قصف على وشك الوقوع في اليوم التالي ..؟

سؤال يجبرنا على التفكير فيه بحكمة كبيرة في عالم مشحون بالكوارث الضخمة ، والغريبة ، والمدهشة ، والبائسة ، حتى كأن اليوم كسابقه وكلاحقه ، حتى أن التوقعات غدت أقرب إلى حقائق ماثلة أمامنا ، وبينما نحن نتفرج ببلاهة عليها ونكتفي بالصراخ والشجب والندب ، تتحرك أعصابنا وتستنفر مشاعرنا ، نغضب ، ونشتم ، ونصرخ ، ثم تترهل الانفعالات جلها ، ونركن للواقع وكأن شيئا لم يكن ، ولكن الفعل يبقى حبيس أصابعنا التي تنقر على عالم يكاد يكون ميتا اليوم وغدا وأبدا ربما .. ياللإحبااااااط ..!

 

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق