الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

مذهب الأذن ..!


مذهب الأذن ..!

 

الرؤية / العرب

 

دائما ما أنبّه تلميذاتي بأن - الله – عزوجل ، لم يمنحنا أذنين اثنتين سوى لحكمة السماع ؛ وكثيرا ما سمعنا وقرأنا أن الحكيم هو الذي ينصت جيدا لما يقوله العالم من حوله ، بينما يكتفي بقية البشر بتوظيف عضو اللسان أكثر في حياتهم ، فيفوّتون على أذانهم الإنصات لأصوات الجمال والمعرفة والحكمة ..!

ويخال إليّ أن لكل من الأذنين وظائف محددة ؛ أذن تقوم بوظيفة السماع والأذن الأخرى تقوم باستيعاب ما سمعته ، لكن كم واحد منا يلتزم بأن تؤدي كلتا الأذنين وظيفتهما على أتم حكمة ودقة كما خلقهما الله عزوجل لنا ..؟!

كثير من الناس لا يعرفون أنفسهم سوى عبر ما يسمعونه من الآخرين ، فيجزمون بما يقولون عنهم من انطباعات نابعة أكثرها من المظهر أكثر مما تكون من الجوهر ، كثير منا بل العالم أكثر أضعافه يعتمد على " مذهب الأذن " في حكمه على نفسه والآخر والعالم ، ويأخذ بكل ما تلملمه أذناه كحقائق لا كانطباعات أو فرضيات قد تخطئ أو تصيب ؛ وهنا الطامة الكبرى ..!

وقد عرض الفيلسوف " أوشو " قليلا عن هذا في كتابه " العلاقات الحميمة " ، حيث ذهب بقوله : " إن كل ما نعرفه عادة عن أنفسنا ما هو إلا رأي الآخرين بنا ، يقولون : " أنت جيد " فأعتبر نفسي جيدا .. يقولون : " أنت سيء " أو " أنت قبيح " نحن نجمع كل ما يقوله الناس عنا ونجعلها هويتنا وهذا غير صحيح ، إذ لا أحد يعرفك أكثر مما تعرف أنت نفسك ..! "

فهل نحن مجموع آراء الآخرين ومعتقداتهم فقط ..؟!

يذهب أوشو في نظرته عميقا فيقول : " لا أحد يعرفك أكثر مما تعرف أنت نفسك إن كل ما يرونه هو الظاهر والظاهر زائف ومضلل " ..! فكم منا مضلل وزائف ..!

ثم يتابع قائلا : " يعيش الناس حياتهم وهم يصدقون ما يقوله الآخرون كما يعتمدون على الآخرين ، لهذا يخشى الناس من آراء الآخرين ، فإذا اعتبروك سيئا تصبح سيئا بالفعل ، وإذا أدانوك عندها تبدأ بإدانة نفسك وإذا قالوا بأنك آثم فسوف تشعر بالذنب تلقائيا ..! " .

أخذنا بآراء الآخرين وتصديقنا لكل ما نسمعه هذه الظاهرة المتفشية نابعة من فقدان ثقتنا بأنفسنا ، بعض الناس يعيشون حياتهم ويشكلون عقولهم وقلوبهم ومجموع صفاتهم بناء على ما يسمعونه من الآخرين ؛ فإن كانت انطباعات الآخرين عنهم جيدة ، فيظهر ذلك على سلوكهم ، وحين تتلون انطباعات الآخرين عنهم بألوان سيئة ، فإن حياتهم جلها تغدو كئيبة ومنكسرة ومأساوية ..!

ويفسرها الفيلسوف " أوشو " : " لأنك تعتمد على الآخرين فأنت تخشى أن تكون وحيدا ؛ لكي لا تضيّع نفسك لكنك لا تملك نفسك أصلا بل أنت حصيلة آراء الآخرين ، لذا كلما تعمقت في نفسك وجدت نفسك غريبا عنها ، وهذا أمر مخيف ويتوجب أن تسقط جميع الأفكار الموروثة عن نفسك خلال عملية البحث عن الذات وستجد ثغرة ، أشبه بالفراغ وسوف تتوه بعد أن أصبح كل ما تعرفه باليا ! " ..

يبدو أن بعض البشر متورطين في الحياة ومربوطين بخيوط هي في أيدي الآخرين يتحكمون بهم وبمجموع حواسهم ؛ هذه الخيوط الخفية تجعله يتصرف على غير حقيقته كي يرضي العالم من حوله ، وكي يثبت خضوعه أكثر يضع أقنعته ، فيلغي كامل حقيقته ، ليكون أشبه بإنسان آلي هو في الحقيقة زائف ومضلل داخليا ، أما خارجيا فهو كما سمع عن نفسه من الآخرين .. العالم ..!

عرض الفيلسوف " أوشو " عدة خطوات يتصالح فيها الإنسان مع نفسه ويكون صادقا ؛ والخطوة الأولى تتلخص كما يقول الفيلسوف : " لا تنصت لما يمليه عليك الآخرون حول ما يتوجب عليه أن تكون عليه ، بل استمع لصوتك الداخلي فقط وإلا فسوف تهدر حياتك سدى " .. حيث يسمع الإنسان أصوات كثيرة تملي عليه لتشكيل مستقبله ؛ كصوت الآباء وصوت الأصدقاء وصوت الآخر العابر ، ونتيجة لذلك عليه أن يعتمد على كيانه وألا يدع أحدا يتلاعب به أو يسيطر عليه ، فالجميع مستعد لتغييره ولإعطائه التعليمات على الرغم من وجود الإرشاد والتعليمات في داخلك .. وبتعبير " أوشو " : " العالم أشبه بسوبرماركت مليئة بالإغراءات والجميع يندفع ليبيع سلعة لك ، الجميع بمثابة مندوب مبيعات " ..

والخطوة الثانية يدعو فيها " أوشو " إلى إسقاط الأقنعة التي تجعل الإنسان زائفا : " لا تضع قناعا ، فإذا كنت غاضبا أظهر ذلك ، قد يكون ذلك مجازفة لكن لا تبتسم لأن ذلك تصنّعا " ..!

يواجه الجسم عطلا في آليته الطبيعية بمجرد أن يضع أقنعته ؛ فيبتسم بينما هو داخليا يشتعل من مرارة الغضب ، أو يظهر فرحا وسط زوبعة من الكآبة تجتاحه .. " لا تضع أقنعة وإلا خلقت عطلا أو حاجزا في آليتك ، ثمة حواجز عديدة في جسمك " ..!

أما الخطوة الثالثة ، فهي أن يكون الإنسان بكامل وعيه في حاضره كما يقولها " أوشو " : " عيشوا حاضركم ، لأن الأمور الزائفة تأتي من الماضي أو المستقبل ، فالذي مضى قد مضى ولا تكثرت به وإلا أصبح عبئا كبيرا عليك وقد يمنعك أن تعيش حاضرك ! " ..

 

شاعر العرب " المتنبي " أنشد مرة :

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به    في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل

والعاقل الحكيم يثق بنفسه ولا يبصم بالعشر على صدق كل ما يسمعه عبر أذنيه من الآخرين ..!

 

 
ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق