الثلاثاء، 14 أكتوبر، 2014

حدقوا جيدا إلى صورة فتاة فقدت والديها ..!

حدّقوا جيدا إلى صورة فتاة فقدت والديها ..!

جريدة الرؤية ..

  لكل صورة نلتقطها قصة ، لعلها قصة مكان أو قصة زمان ، قصة حياة أو موت ، والقصص تتضافر تبعا للعابرين فيها ، ولا توجد في العالم صورة غير معبرة ، ولكن نظرة الآخرين لها تتباين من نظرة ، من فكرة ، من حكاية ..
يقال إن أول صورة فوتوغرافية تم التقاطها على أرض مصر ، وربما أفريقيا كلها وفي الشرق الأدنى للوالي " محمد علي باشا " كان ذلك الحدث التاريخي العظيم في الإسكندرية بآلة " داجير " والتقطها " فريدريك جوبيل " و" هوراس فيرنيه " وقد دوّن " جوبيل " في إحدى مؤلفاته قصة صورة الوالي " محمد علي باشا " وقصة الفزع الذي انتابه لحظتئذ ، فالوالي تصور بينما هو يلتقط أول صورة له في حياته أن ثمة مكيدة أو محاولة لاغتياله ؛ لا سيما حين تم تعتيم الغرفة التي جرى فيها التصوير كليا ؛ لدرجة أنه كان مستعدا بسيفه للدفاع عن نفسه ، وعيناه تعقبان المحيطين به من طاقم التصوير ، ويبدو أن الظلام انكسر باشتعال عود ثقاب أضاء الأوجه البرونزية الشاخصة ، بينما وجه " محمد علي باشا " طافح بالاستغراب لا يخلو من الإعجاب وهو يصيح : " هذا من عمل الشيطان " ..! ثم استدار على عقبيه وهو لا يزال ممسكا بمقبض سيفه الذي لم يتخلّ عنه لحظة .. !
ولكن عمل الشيطان هذا تفشى مذ يومها في كل بقعة من بقاع هذا العالم المترامي الأطراف ، وهي الفضل في نبش حكاية صورة أخرى ، دخلت بدورها التاريخ من أوسع مداخله ، هي حكاية شعب بأكمله ، مأساة تاريخية استطاعت صورة واحدة نقلها حية ناطقة بالحواس جلها ، ولكن ما قصة هذه الصورة ولمن تكون ..؟
المصور الأمريكي " ستيف ماكوري " عزم في يوم من الأيام وبرفقة عدسته أن يحلق إلى أرض الباكستان خلال عام 1984م ، وفي نية عدسته التقاط صور حية تنبض بمعاناة التشرد والتنكيل وويلات الحروب في أرض غدت كبركان مستعر من الحروب والصراعات الداخلية والخارجية ، وخلال الرحلة صادف في أحد مخيمات اللاجئين الأفغان فتاة في عامها الثالث عشر وحيدة بعد أن قتل السوفيت والديها أثناء رميهم القنابل على قريتهم ، وفي ليلة داكنة بفجيعة الفراق والموت والهلع توارى أبويها تحت أكوام التراب ، فوجئ بها تسأله باللغة البشتونية وببراءة مطلقة : " هل تأخذ لي صورة " ..؟
والتقطت عدسة ماكوري صورة تلك الفتاة ، التي لم يعرف بأنها ستكون ذا شأن ، و تتصدر قائمة مئة أفضل صورة في العالم ، ووجه غلاف مجلة " ناشيونال جيوغرافي " .. وتعرف بصورة " الفتاة الأفغانية " والتي عرف بعد سنوات اسمها الحقيقي " شربات غولا " .. ويعني اسمها حرفيا بلغة البشتون " فتاة زهرة الماء العذب " ..
قال " ماكوري " عن صورة فتاته : " إنني أحب هذه الصورة ، الأيقونة على الدوام ؛ لأنها ببساطة تجمع عواطف متعددة ، الدهشة ، الخوف ، وحب الفضول ، وتمنحنا الفرصة لنتخيل قصة ما ، قصة أنفسنا في حياة هذه الشابة ذات النظرات الساحرة " ..
هذه الصورة هي دراما كاملة ، رواية لتاريخ متأجج بالثقل ، والدمار ، والصراعات المتدامية وقهر لا ينضب ، وعدسة " ماكوري " مازالت تقول الكثير ، ذاك الجمال المتوحش يبلغنا كم هي المرأة قوية ، صامدة ، وحقيقية في أشد أوقات العالم قبحا ، وظلاما ، وظلما ، وقسوة ، حدقوا جيدا إلى صورة فتاة فقدت والديها ..؟
إنها صورة تحدي ، شراسة كبرياء ، إصرار حد الحياة على الحياة ...!


ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق