الثلاثاء، 1 أبريل، 2014

وصمة الحرب البشرية ..!

وصمة الحرب البشرية ..!


نشر في الرؤية

يقول الروائي الأمريكي " فيليب روث " في إحدى صفحات روايته " الوصمة البشرية " : " الشيء الأسوأ من الموت ، إن كان ثمة ما هو أسوأ من أن تكون ميتا " ..!
في هذه الرواية لامس " فيليب روث " عدة قضايا سياسية تتناول القشرة الأمريكية الداخلية وغلافها الخارجي أيضا ولعل من أكثرها تأثيرا على النفس الإنسانية هي لعنة الحرب الفيتنامية التي خاضها الجنود الأمريكان وبداية الجحيم كانت في الخمسينيات حين شرعت الولايات المتحدة في إرسال مستشارين مدنيين وعسكريين لفيتنام الجنوبية ، وبحلول عام 1965م بدأت في إرسال قوات عسكرية وشن غارات جوية على فيتنام الشمالية واستمر التورط الأمريكي في هذه الحرب حتى عام 1973م ..!
في تلك الحرب التي غدت أشبه بالجحيم إن لم نقل الجحيم بعينه ؛ فتأثير هذه الحرب شملت الأمريكي والفيتنامي على حد سواء ، إنها الحرب ولا رابح مطلقا ، لا رابح أبدا مهما افتعلنا النصر فنحن مهزومون ، لأن رائحة الدم التي تبعثها جثة الأرض المغتصبة بالقنابل والرشاشات والقذائف لا تخلف سوى ذاكرة دموية بشعة ..
في هذه الرواية يكشط " فيليب روث " روح الهزيمة والرعب التي ظل الجندي الأمريكي يعايشها ككابوس لم تبرح ذاكرته المريرة قط ولن تبرح ..! حتى أصبح مألوفا لديه ما يسمى بحرب ما وراء فيتنام وعلى لسان إحدى الشخصيات يفصل " فيليب روث " أزمة الحرب النفسية : " إنه في مهمة انتحارية ومن داخلها كان يفكر في الزمن العصيب . لا كلمات . لا أفكار . إنه النظر مجردا ، الانصات . التذوق ، الشم ، إنه الغضب . إنزيم الأدرينالين ، إنه الاستقالة لسنا في فيتنام . نحن فيما وراء فيتنام " ..!
على لسان الجندي " لوي " العائد من الموت الفيتنامي والدمار الفيتنامي أخضعته لعنة تلك الحرب لجلسات علاج نفسية مكثفة فبعد عودته اللاعودة ، فقد السيطرة على العالم الصغير من حوله على نفسه المقفصّة في وصمة تلك الحرب ، وعلى زوجته التي كان يضربها بقضيب حديدي كتنفيس عن حالة الضياع النفسي ، وعلى طفليه اللذين فقدا حنان أبوته كرجل مسؤول ..
عدة نماذج عصرها الروائي " فيليب روث " وحاول استشفاف جرحها النفسي الكثيف في صفحات روايته " الوصمة البشرية " ولعل الجندي الذي عاد من الحرب وانسحب من العالم إلى منطقة ريفية نائية يمارس فيه طقس صيد الأسماك في منطقة جليدية محاطة بفراء متين من الصقيع ليلغي ذاكرة موشومة بحرب دموية عنيفة كان جزءا منها .. مما جعله يهذر نفسيا في آخر صفحات الرواية : " عدت من فيتنام بكل غضب واستياء العالمين أصبت بـــ PTSD  ما يطلق عليه اضطرابات إجهاد ما بعد الصدمة .. حينما عدت لم أكن أريد أن أعرف أي إنسان ـ عدت ولم أتعلق أو أتواصل مع أي شيء مما يحدث حولي هناك ، بقدر ما كانت تسمح به متطلبات المعيشة الحضرية ، كان الأمر كأنما كنت هناك لأودع العالم ، كان جنونا تاما "
يتابع الرجل وصف وصمته الحادة معترفا بصوت تسكنه رجفة الحرب رغم مرور عبء تلك الأعوام الراجفة باللعنة : " ألبس ملابس نظيفة والناس يقولون هالو ، والناس يبتسمون والناس يتفرقون في جماعات والناس يقودون سيارات ، لم أعد أستطيع أن أتواصل مع كل هذا أكثر ، لم أكن أعرف كيف أتكلم مع أي إنسان لم أعرف كيف أقول هالو لأي إنسان .. انسحب لمدة طويلة .. " !
" كانت حرب فيتنام أسوأ أزمة تمر بها أمريكا منذ الحرب الأهلية ، وقد بلغ عدد قتلى الجيش الأمريكي 58 ألف ، بينما فاق عدد قتلى شطري فيتنام ، بمن فيهم المدنيين ، المليونين ، وكانت حرب مكلفة على أمريكا، إذ بلغ الإنفاق عليها ألفين بليون دولار في الشهر، أدى ذلك لآثار اقتصادية سيئة تسببت في تضخم أعقبه كساد ، استمرت آثاره طيلة عقدي السبعينيات والثمانينيات ، أما اجتماعيا فقد أدت لنمو حركة اليسار الجديد التي استمدت قوة دفع من الحركة الشعبية المناوئة للحرب وحركة الحقوق المدنية" *
ولهذا بعد حرب فيتنام تشكلت لدى الجنود الأمريكيين عقدة ضخمة كورم تجاه كل ما هو آسيوي اتخذت طابعها مع الزمن بالـــ" عقدة الفيتنامية " والسؤال المرير الذي يتشكل بدوره كأزمة متعاظمة : ترى كم عقدة لغمها هؤلاء الجنود الأمريكيون في عالمنا اليوم ، في داخل كل إنسان ذاق لعنة الوجود الأمريكي في صميم بلاده ..؟!
بما أننا نتحدث عن لعنة الحرب الفيتنامية فإن أمريكا خلفت آثار دمار شاملة في فيتنام الشمالية التي ظلت  تقصفها وتبيدها بلا رحمة رغم وجود أشخاص عزل ، عرضت كصدمة في تغطية تلفازية التي كشفت عن فظائع الحرب داخل ملايين المنازل الأمريكية ، كما أدى اتهام قوات الولايات المتحدة باستخدام مبيدات الحشائش لتجريد مناطق شاسعة من الأدغال الفيتنامية من أوراقها إلى احتجاج دولي واسع النطاق ، ومن أشهر تلك المظاهر الوحشية إبادة الملازم الأميركي " وليام كالي "  للمدنيين العزل في قرية لاي عام 1968م وقد تمت محاكمته عسكريا عام 1971م .. مما جعل الشعب الأمريكي يخرج في احتجاج كبير ومناهض لهذه الحرب البشعة بكامل حواسها الإنسانية ..!
ولعل صورة الطفلة الفيتنامية " كيم فوك " التي مر عليها ما يقرب 42 عاما على حرب فيتنام ، الصورة التي كانت سببا لغلق فوهة تلك الحرب المدمرة ، الصورة التي وشمت ذاكرة الرعب في رأس طفلة كانت تحمل في أعماقها براءة العالم ونقائه تم التقاطها في 8 يونيو 1972م في قرية ترانج بانج الفيتنامية بواسطة المصور الصحفي المولود في الهند الصينية " نيك أوت " وتظهر فيها " كيم فوك " الطفلة الفيتنامية في الصور عارية تماماً وهي تجري منطلقة في اتجاه الكاميرا تصرخ بنحيب طفولي محطم كبر ملايين السنين قبل أوانه : " ساخن جدا .. ساخن جدا ..! " من آلام احتراق جسدها من الخلف بفعل نابالم القوات الفيتنامية الجنوبية ، ففي 8 يونيو 1972م قامت الطائرات الفيتنامية الجنوبية بالتنسيق مع القوات الأمريكية بقصف قرية تراج بانج بقنبلة نابالم بعدما احتلتها القوات الفيتنامية الشمالية ..
وبقيت هذه الطفلة حية كتاريخ شاهد ، كسيرة مأساوية تنبض بالحياة على الرغم من وشم الحرب على جسدها وذاكرتها ، حية بكامل روحها النقية لتقول بثقة وشجاعة نادرتين في وجه جلاديها : " صفة التسامح جعلتني متصالحة مع نفسي مازال جسدي يحمل العديد من الأثار وآلام شديدة في معظم الأيام ولكن قلبي مازال صافياً " ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
·        مقالة " الدرس الفيتنامي لأمريكا 1954 – 1975م " بابكر عباس الأمين ..

هناك تعليقان (2):

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. قد تفطنت امريكا لصدمتها وسوء تخطيطها فتدارك الامر تخطيطا لا انسنيا لان الانسانية قد الغتها من قاموسها فمصالحها الاقتصادية تجعل منها سادية تحب العنف سبيلا
    لقد طورت امريكا اسلوب ساديتها لتصير متفرجة وداعمة من بعيد كما يحدث الان من اعتداءات امريكية في وطننا العربي بالوكالة والدعم اللوجستي فهي تريد ان تربح لا ان تخسر ابناءها او حاثة على مشاركة غيرها من شعوب في تهورها واعتدائها كما حدث في افغانستان والعراق بعده
    هذه امريكا مهما زينها كتابها بصحوة ضمير او جنودها بالشكوى من مصير او توبة من طرف ساستها بعد ان صاروا خارج النفير تبقى امريكا دوما شرا مستطير جثم على عاتق العالم بعد الحرب العالمية الثانية ومازال مهيمنا على المصير

    ردحذف