الثلاثاء، 8 أبريل، 2014

لأني سوداء ..!

لأني سوداء ..!

جريدة الرؤية العمانية

لفت نظري وأنا أعبر كقارئة على بعض حوارات أجريت مع الكاتبة الفرنسية من أصل أفريقي " ماري ندياي " الكاتبة التي أهدتها أمها الفرنسية التي تعمل أستاذة في مادة العلوم الطبيعية في عيد ميلادها العاشر آلة كاتبة ، لعلها استشفت باكرا أن ابنتها مشروع كاتبة ولم يخب حدسها ونادرا ما يخيب حدس - الأمهات الطيبات - فبعد سبعة أعوام قدمت " ماري ندياي " روايتها الأولى التي بعثتها لثلاث دور نشر مختلفة ، فتتفاجأ وهي ما تزال طالبة في مدرسة ثانوية ، المراهقة في عامها السابع عشر أن ناشر دار الباريسية " مينوي " برعاية " جيروم لندون " ومعه عقد نشر روايتها البكر المسمى " بالنسبة للمستقبل الغني " عام 1985م ..
ولدت " ماري ندياي " عام 1967م في بيتيفير " وسط فرنسا " من أم فرنسية وأب سنغالي ، الأب الذي لم تقابله سوى في مرحلة متأخرة من حياتها ، هذه الكاتبة أثبتت أنها مشروع روائي بامتياز وموهبتها العميقة على خطى الكبار رشحتها لأهم وأعرق جائزة فرنسية وهي جائزة " غونكور " الأدبية لتنالها عن جدارة عام 2009م عن روايتها " نساء قويات " فأصبحت عالمية ومن أكثر الكاتبات قراءة في الولايات المتحدة الأمريكية وأرجاء أخرى من العالم ..
" ماري ندياي " أول امرأة تفوز بالجائزة مذ عام 1998م ، وكما صرحت الجائزة بأنها " أول امرأة سوداء " تحصل عليها ، وهي رفضت التعليق على هذا التجنيس الذي يصنفها على لون بشرتها .. !
و ما يثير حقا في حياة هذه الكاتبة أنها في مرحلة من حياتها وقبل فوزها بالجائزة غادرت مسقط رأسها " فرنسا " لتستقر مع زوجها في ألمانيا ، وظل خبر هجرتها مبهما وغريبا مما لفت نظر الصحف والصحفيين خاصة بعد نيلها لجائزة عريقة كــ" غونكور " وفي فرنسا وحينئذ صرحت بجسارة قائلة : " أن الثلاثية " إخاء ، حرية ، مساواة " التي تعلو واجهات المباني العامة في مدن وقرى فرنسا وسفاراتها والتي جعلت من فرنسا بلد الحريات أصبحت الآن في خبر كان " ..!
لقد غادرت " ماري ندياي " فرنسا كرفض قاطع وعلني لكل ممارسات البوليسية والوحشية والمثيرة للغثيان على - حد تعبيرها - والتي غزت أوصال فرنسا في عهد الرئيس السابق " نيكولاي ساركوزي " وموقفهم المشين على المهاجرين والحالة نفسها على ما يبدو في تنام مستمر ، لهذا اختارت الهرب كوسيلة اعتراض على أن تظل خاضعة في بلد لا يحترم طبيعتها ولا اختلافها بل اختصرت كيانها الإنساني على لون جلدها وعلى أصولها الأفريقية وهي التي عبرت بقولها : " فكرة الثبات هذه عارية عن الصحة ، فالإنسان يشبه النهر ، إنك تواصل تغيير مزاجك ؛ لذا لا داعي لتربك نفسك بفكرة الثبات الساذجة ، فكل من يقلق حيال فكرة الثبات يصبح غير حقيقي " ..
وتداعت تلك الضغوط على المهاجرين العاديين وشملت الكتاب والمبدعين أيضا مما جعل البعض يعترض بحقد كما نشرت صحيفة " نيويورك تايمز " بترجمة " أحمد فاضل " في مقالة عنونت بــتعبير عنصري يعبر عن مدى فظاعة الوضع " منتج فرنسي بحت ولكن ببشرة سوداء " سرد فيه عن تلك الضجة السياسية داخل البرلمان الفرنسي ، حينما دعا أحد أعضائه إلى طرد المهاجرين من أصول أفريقية من فرنسا ، بسبب منافستهم البيض حتى على أرفع الجوائز هناك ، وهو ما اعتبرته " ندياي" أمرا وحشيا ، لأنها وبتعبير أغلب من وقفوا ضد تلك التصريحات : أن " ندياي" تمثل فرنسا متعددة الأعراق ، وصوتها هو صوت الشتات الأفريقي فيها ، ومع اعتزازها بفرنسيتها التي غادرتها الى ألمانيا بسبب سياسات ساركوزي تجاه المهاجرين الأفارقة ، فقد دأبت في جميع كتاباتها من تمجيد أصولها السنغالية ، التي ينتمي إليها والدها الذي قدم فرنسا كطالب عام 1960م ليتزوج من والدتها الفرنسية ، فرواية "ثلاث نساء قويات" إشارة قوية منها لذلك التمجيد، مع ما أثبتته من كفاءة وموهبة أدبية نتيجة خصوبة وسعة خيال، جعلتها مميزة ومعروفة في الأدب الفرنسي الحديث..
ما يدعو للإعجاب في شخصية الكاتبة " ماري ندياي " هو مبدأها الصارم ككاتبة وموقفها الشجاع كإنسانة والذي لا يخضع أو ينحني تجاه كل ما هو مرتبط بمصالحها ؛ فهي عبرت عن موقفها الشجاع تجاه حكم ساركوزي والوضع المزري في فرنسا والممارسات العنصرية واللاإنسانية ، ولم تمنعها الجائزة في كسر مبدئها الصارم في أن تسكت ، أو حتى تستحيل إلى موظف حكومي ، وظلت على موقفها على الرغم من كل شيء حتى وصل الأمر أن يرسل أحد مسؤولي الحزب الحاكم رسالة الى وزير الثقافة الفرنسي يطلعه على تصريحات " ندياي " والتي طلب منه إبلاغها بعدم تشويه سمعة فرنسا ..
موقف الكاتبة " ماري ندياي " يثبت حالة فوبيا التي تعيشها فرنسا تجاه كل ما هو ليس بفرنسي ، تجاه المهاجرين وتجاه المسلمين ، سبق وأشار الكاتب " أمين معلوف " في كتابه " هويات قاتلة " إلى أن الفرنسيين باتوا لا تثيرهم العولمة ولا انترنت وذلك ناجم عن خوف أن هذا يؤثر على مكانتهم غدا وثقافتهم ولغتهم ، ومنهم يرون أن العولمة مرادفة اليوم للأمركة ؛ لهذا يمتعضون من افتتاح مطعم للوجبات السريعة في حيّهم ، وحانقون على هوليوود ، والـــ" NN  " ، وديزني ، والميكروسوفت ، ويطاردون في الصحف أية صيغة يُشتبه أنها تتسم بالطابع الإنجليزي ..!*
ويبدو أن أناشيدهم عن الحرية ستكون في قادم الأعوام مجرد ظواهر صوتية ..!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
·         لقراءة المقالة كاملة " أوروبا واختلال العالم " ، كتاب هواجس غرفة العالم ، ليلى البلوشي ، ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ..


ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق