الاثنين، 11 مارس، 2013

125 جنيها لزياد الرحباني أم لعيالي ..؟!


 
 
125 جنيها لزياد الرحباني أم لعيالي ..؟!

 

الرؤية / العرب

 

اعترفت لي صديقة مصرية ذات مرة أن الشعب المصري يتغلب على ثقل الحياة ومتاعبها بخفة النكت اليومية التي يفرقعها في كل موقف التي أصبحت تتداول من جهاز هاتفي إلى آخر ، وإذا ما عبر يوم بلا زخم النكت فإن أمرا مهيبا و لابد قد عكّر مزاج الشعب المصري ..!

وهذا ما لمسته بنفسي في زيارتي لأم الدنيا حيث تشعر برغم الزحام المكتظ من البشر والأصوات والروائح إلا أن خلف كل تلك المظاهر تربض روح الخفة بقوة كروتين طبيعي في حياة كل مصري ، وفي ظل هذه الروح المحلقة بالخفة تقابلك روحا أخرى رفيقة لها مزدحمة بمتاعب الحياة وهمومها اليومية والتي تضاعفت تأثيراتها وحساسيتها مع ثورة الشعب المصري حيث تعانقت كافة الحواس التي أنعم الله بها عليهم لتصدي جبروت حكم دام ثلاثون عاما ، هذا الحكم الذي سقط ولكن لم تسقط متاعبه وفوق هذا وجد المصريون أنفسهم داخل جلباب حكم إخواني إسلامي يأمرهم بالطاعة العمياء تارة ويوعدهم بالديمقراطية ويمنيهم بالليبرالية وحكم مدني تارة أخرى .. وجدوا أنفسهم متورطين في داخل أزمة تناقض فاغرة وتحت ظل نظام غايته المثلى السيطرة عليهم ولفهم في جلباب المرشد الأعلى الذي وللآن لم تحقق ولا شبرا بسيطا من أحلامهم التي منوا أنفسهم بالحصول عليها بعد ثورة شهدها التاريخ بأنها عظيمة ..!

ولا يمكن أن ترى وجه مصر الحقيقي سوى في شوارعها التي تقطعها بقدميك أو بسيارتك الخاصة فتتكشف الحياة عن وجهها الحقيقي بلا رتوش حيث كل من في الشارع يعمل مهما كان عمره طفلا أو شابا أو عجوزا ويتحقق لنا وجه المساواة على بلاطة الواقع بلا عقد والتي ترتفع أوراها في بعض المجتمعات حيث يشترك الجنسين الرجل والمرأة لكسب قوتهم اليومي بأعمال نفسها يقوم بها الرجل وتقوم بها المرأة جنبا إلى جنب ، فالفقر لا يعرف عقد المجتمع ولا يؤمن بعقد رجال الدين الذين تثرثر خطبهم عن واقع لا يلامس الواقع الفعلي ..!

حين كنت صغيرة لامست جزءا من صعوبة الحياة عند زميلات الدراسة المصريات في المدرسة ، فقد كن غالبا بلا مصروف وفي أثناء فسح المدرسية كنا نحن بقية التلميذات نجري لنلملم ما يبيعه المقصف من أطعمة متنوعة ولكن الشلة المصرية كانت الوحيدة عادة التي تأتي بطعامها من البيت ويتشاركن في الأكل فكانت النظرات تحدق فيهم شذرا أو ترشقهم بالبخل فقد كان إحضار الطعام من البيت إلى المدرسة يعد فعلا معيبا في مجتمع مرفّه ، فيا للجهل والجفاء الذي كنا فيه والذي فصلنا عن فهم ظروف حياة غيرنا من الناس في جزء من هذا العالم ..!

و أشق وجه من وجوه الحياة في مصر حين تعبر شوارعها فتصادف عبر كل تقاطع وتصدمك عبر كل مسافة أطفالا صغارا يبيعون ما لا يخطر ببالك حتى ، فمنهم من يبيع محارم ورقية ومنها من تبيع ورودا ذابلة أو حزمة من النعناع قد جف عوده وتآكلت أطرافه ، وآخر يفترش الأرض مع ملابس رخيصة أو يحمل بين يديه صفا طويلا من الكتب الثقيلة التي تكون أطول من قامته وأثقل من وزنه ، مما اذكره طفلا صغيرا مر عبرنا ونحن جالسين في مقهى الفيشاوي ، فاستوقف اهتمامي بكامل حالته المتعبة كما استوقفني انتقاؤه لمشتريه فمن يشتري الكتب سوى أصحاب البذلات الأنيقة في زمن شاق كزمننا يطالب بعيش كي يستمر في الحياة وهنا تتأمل نفسك وأنت ترفل في ملابسك الأنيقة بمدى نعمة التي أسبغها الله عليك حين منحك ما يشبع بطنك لتجد من الفسحة والطاقة والبال ما يشبع عقلك ..!

لفتت كتبه نظري فانتشلت من محموله كتابا ثقيلا وهو المجموعة الكاملة للشاعر مظفر النواب وكنت سأمنحه السعر الذي يشاؤه عن الكتاب خاصة بعد أن قرّب يديه مني وطفق يشكو بصوت معبأ بحزن العالم البشع : " انظري إلى أصابعي كيف هي متشققة ومجروحة وملتهبة من حمل الكتب " ولكن أحببت أن أجادله قليلا في مسألة البيع والشراء كي أجس نبض خبرته و بعد أخذ وعطاء معه وجدتني أمام قامة مسؤولة رغم أعوامه العشر .. شعرت أني أمام رجل يجيد فن السوق لا صبي صغير يحلم بالحلوى ، وقد حز ذلك في نفسي ورحت استعرض فلسفات روحي عن ضياع أجمل أيام حياته بل أروع مراحلها " الطفولة " بسبب الحياة القاسية التي اضطرته للعمل في سن لم نكن نحن نحلم فيه سوى بالحلوى وبيت من الشوكولاته وتضاعف حزني حين استحضر ذاكرتي في الوقت نفسه عبارة للروائي المصري " نجيب محفوظ " عندما رأى في أحد هذه الشوارع نفسها طفلا يبيع الحلوى فعلق يومئذ بأسى : " أحلام الأطفال قطعة حلوى وهذا طفل يبيع حلمه ..!"

استحضرت عبارته وترحمت عليه وأنا على بعد خطوات من مقهى الذي كان يجالسه باستمرار .. في المقهى الذي كتب فيه سيل حكايات الحارات وشخوصها التي توجّته نوبل .. المقهى الذي أصبح يتاجر باسمه وبعالميته في خان الخليلي ..!

وأنت في مصر تذكر أن تضع لباس ولهجة وعادات بلدك خلف ظهرك وإلا ستدفع أضعاف ما تدفعه في بلدك ، وهذا أمر قد تجده نوعا من الاحتيال ، ولكن قد يغفره قلبك الطيب حين ترى وراء هذا الاحتيال رجل عاطل والشارع بيته وأسرته الكريمة فتسقط غضبك وتكتفي بلعن " ميكافيللي " في جزء من قلبك الشرير ..!

ولكن إن كنت سابق خبرة وبمجرد هبوط طائرتك في أرض مصر أصبحت بدورك مصري اللباس واللهجة والفؤاد فلن يجرؤ أحد أن يحتال عليك فأنت ابن بلده والحال - زي بعضوا - وهو أسلوب قد ينجح فيه الخليجي والعربي ولكن لن يفلح فيه بتأكيد الأوروبي أو الآسيوي الياباني والكوري ؛ فالشكل هي الهوية التي تفضحه وبالتالي تفتح شهية المصري للاحتيال عليه.. وتصادف أن دخلت في جدال وديّ مع بائع مصري في خان الخليلي حول بضاعة وجدتها بأسعار مبالغة فهمس لي كمن يلقي سرا : لو كنت خواجايه لرفعت الأسعار ولكنك مصرية بنت بلدي ..!

جلّ المواقف التي مررت بها لم تكن تخلو من روح الفكاهة المصري حتى وهو يؤدي خدمة أو على رأس وظيفته أو يطلب صدقة أو إحسانا ، حتى وهو يندب حاله بصوت الأسى أو لصديقه أو لأي عابر يفتح كامل حواسه لهمومه ، ولكن حين أعلن المصريون أن حفلا سيقيمه الفنان اللبناني " زياد الرحباني " الذي تقرر عقده في الحادي عشر من شهر مارس المقبل بقاعة النهر في ساقية عبدالمنعم الصاوي في الزمالك وذلك في إطار الدورة الثانية لوقائع مهرجان القاهرة الدولي للجاز ، وقد حددت إدارة ساقية الصاوي أسعار التذاكر للأعضاء ولغير الأعضاء بمئة وخمسة وعشرين جنيها ، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها سعر التذاكر في الساقية لهذا الرقم، حيث لم تتجاوز أسعار التذاكر من قبل الأربعين جنيها ؛ في هذه الحالة أرخت الفكاهة وجهها حيث نقل المصريون والمصريات على موقع التواصل الاجتماعي " تويتر " للفنان " زياد الرحباني " نقلوا له محبتهم ورغبتهم الكبيرة لحضور حفله قائلين بجدية حال لا يحضره الفكاهة : " احنا عايزين نحضر حفلتك بس 125 جنيه نجيبها منين .. يدوب نقدر ندفع 20 جنيه خاصة بعد ارتفاع أسعار معظم الأشياء في مصر.."!

يبدو أن كل شيء في مصر قابل للارتفاع ؛ فعدد الشعب يرتفع ، وعدد ضغط النفسي يرتفع ، وعدد الفقراء يرتفع ، وعدد العاطلين عن العمل يرتفع فأكثر من نصفه عاطل عن العمل رغم أن هذه المفردة لا وجود لها في الشارع المصري ؛ فالمصري و هو واقف يعمل وهو جالس يعمل وهو يتكلم يعمل وهو يأكل ويشرب ويتثاءب يعمل لأنه لو لم يفعل ذلك ولم يعمل على أربعة وعشرين ساعة فلن يجد قوت عيشه ، وهنا استحضر امرأة كانت تحمل طفلا ظهرت عليهما كل مظاهر الحياة المعدمة دنت من أختي بصوت يئن : " والنبي يحرسك ويديك مناك اديني نص قرش بس لابني ثمن العيش عشان نمشّي اليوم ده  " ..! هؤلاء الفقراء المعدمين الذين يعيشون يوما بيوم ماذا يطلبون من الحياة سوى " العيش " .. عيش حاف بلا مظاهر الفخفخة والبذخ ..!

ووفقا للحكومة المصرية وصل عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في العام المالي 2011م – 2012م إلى حوالي 25,2 في المئة من أصل 83مليون مصري مقارنة بــــ 21,6 في المئة خلال العام المالي 2008م-2009م ..

فمن يحضر حفل الفنان " زياد الرحباني " سوى أصحاب البذلات الأنيقة كالعادة ، أما بقية الشعب المصري سيستعير كلمات الفنان ويعزي حاله بها : " أنا مش كافر بس الجوع كافر/ أنا مش كافر بس المرض كافر/ أنا مش كافر بس الفقر كافر و الذل كافر/ أنا مش كافر لكن شو بعملك / أذا اجتمعوا فيي كل الإشيا الكافرين / أنا مش كافر".

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق