الاثنين، 18 مارس 2013

عجلة أدام والنبي ..!





عجلة أدام والنبي ..!

 

نشر في الرؤية / العرب اللندنية

 

لا تنتهي حكايات الشارع المصري ، فالشعب كله عادة في الخارج من طلعة الفجر إلى آخر الليل ومن له بيت فهو غالبا لاحتياجات النوم ، فساعات العمل الكثيرة تبدد حياة الإنسان الحديث وفي قديم الأزمان كان الرجل وحده عرضة للغياب ، ولكن العصر الحاضر فرض هذا الغياب على الرجل والمرأة على حد سواء وغياب الأطفال أيضا في مدارسهم وجامعاتهم لساعات طويلة أو لساعات العمل التي يقومون بها بعد مهمة الدراسة لتوفير مصاريف العلم ..!

وفي الشارع المصري تواجهك واقع الحياة بكافة أشكالها الغريبة والمدهشة .. البسيطة والشاقة .. المثقلة بالهموم والخفة كل ممارسات وأشكال الحياة البشرية تصادفك عبر شوارعها المزدحمة ، والسيارات تمشي فيها حبة حبة وصوت أبواق السيارات لوحدها معزوفة يومية تعد من أهم معالم حياة الشارع المصري وأصخبها حضورا ، وقد لمست ذلك بنفسي وشهدت حوارات بين أبواق هذه السيارات التي تتحاور وتنظم سيرها بإيقاع مدهش من نوعه .. في تلك الزحمة عليك أن تخلص نفسك بنفسك وعليك أن تصل إلى أعمالك أو مواعيدك في وقتها حتى عبور سيارتك في مصر تلزمها روحا مصرية ، كي لا يرتفع ضغطك من الزحام ومن المشاة الذين يعبرون حواليك ليلحقوا بدورهم بوظائفهم .. خاصة إذا ما كنت من دولة مرفهة وللشوارع أنظمتها وللزحام قوانينه ففي بلدك ستجد من يفسح لك مجالا كي تعبر بسيارتك أو تقطع راجلا إلى الجهة الأخرى من الشارع ، أما في مصر خاصة شوارع القاهرة حيث قلب الفوضى العارمة والزحمة الكثيفة يصدمك واقع الشارع وتراجع أخلاقيات الإنسانية فلا أحد غالبا يفسح مجالا لعبور سيارتك أو عبور المشاة مهما كان سنه ، فالكل مكتظ وتحت ضغط نفسي هائل من زحام الشارع ومتاعب الحياة وتعب الروح ، ومما اذكر وأنا صغيرة حين أسهبت معلمة العلوم في شرح ظاهرة الضوضاء في حياة البشر فطرحت نموذجا واقع حياة الإنسان المصري حيث أشارت بأن علينا أن لا نلوم المصري على سرعة غضبه ، لأنهم محاصرون بالضوضاء من كافة أنواعها ضوضاء الصوت والحركة والجو العام ولكل هذا تأثيره العارم على حياة الإنسان المصري ، ولعل أعظم آثارها ارتفاع ضغط الدم والتي يلطفونها بروح الفكاهة وكلمات أغنية أحمد عدوية وهي تصدح في الصباح المصري ليست عبثا : " زحمة يا دنيا زحمة " ..!

ولعل الفنانة أم كلثوم بأغانيها الممتدة لساعات وهي تذاع عبر سيارات ومقاهي المحاذية للشوارع العامة تجاري واقع حال المصري وأزمة انتظاره الطويلة في الزحام ..!

لهذا يفاجأ الإنسان الذي تخلو بلاده من الزحمة أو تقل عما هي سائدة في الشارع المصري يفاجأ من غياب أخلاقيات الإيثار أو افساح المجال لإنسان على عجلة من أمره أو عابر ما ، بل يتعجب الناس ممن قد يفسح المجال العبور لغيره .. لراكب أو راجل ، فإيقاع الحياة السريع يحدد أمر السلوكيات وفي غياب متسع من الوقت فليس غريبا أن يدوس الناس بعضه بعضا ..!

وقد عرض المفكر المصري " عبدالوهاب المسيري " ذلك في كتاب " رحلتي الفكرية " في الجزء الأول من سيرته وهي من المواقف العديدة التي قد مر بها شخصيا ومنها حكايته : " كنت أسير مرة بسيارتي في شارع ضيق بالقاهرة وكان هناك عجوز يعبر الشارع فوقفت له حتى أعطيه الفرصة وكانت ورائي سيارة ظل صاحبها يضغط على الكلاكس فنزلت من سيارتي حانقا وأخبرته أن رجلا عجوزا يعبر الشارع ثم سألته سؤالا خطابيا : لو كان هذا والدك أفكنت فعلت الشيء نفسه ... ؟ فقال بوجهه المتجهم : نعم .. فضحكت لصدقه وصراحته .."

وفي موقف آخر له مع سائق آخر يسرد المفكر أنه كان يقف وراء سيارته سائق في الساعة الثالثة ظهرا أمام جامع ابن طولون في أحد اختناقات المرور الشهيرة في الأسبوع الأخير من رمضان ، وظل هو الآخر يضغط على الكلاكس ويطلب أن يتقدم مستعجلا : " عجلة قدام والنبي " أي مسافة صغيرة جدا تعادل مقدار عجلة واحدة فقال له : " كلنا واقفون فلم أتحرك هذه المسافة الصغيرة ".. ؟ فأجاب : " علشان تديني شوية أمل " ..

يالـــ حاجة الشارع المصري إلى ضخة آمال كبيرة بعد أن ضختهم الصراعات السياسية بصدمات أسقطت كل آمالهم دفعة واحدة ففقدوها حتى أقلها ضآلة ..!

ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد: