الثلاثاء، 9 أبريل 2013

القرد الأسود ..!


 
 
القرد الأسود ..!

 

نشر في الرؤية / العرب

 

شيع قديما إمعانا في السخرية ربما أو في مدى ما نحتت العنصرية الطبقية حياة البشر في وقت من الزمن إلى أن من البيضة الذهبية خرج السادة ومن البيضة الفضية خرجت سيدات السادة ومن البيضة النحاسية خرج من يشتغلون ، وانتقالا من هذه البيضة التي لونوها حسبما أمزجتهم الطبقية التعسفية هؤلاء البشر ، فإني سأختار مثالا لبلد يتألف من ثلاث آلاف طبقة ناهيك عن مزيج من الديانات ، بلد يشبه رائحة بهاراته الحارقة الممتزجة بأنفاس قاطنيها " الهند " التي تتسابق الدول العظمى في صعود اقتصادي على مستوى حافل ، وبدأت تبرز فيها الطبقة الوسطى ويقل فيها نسبيا من هم في الطبقات الدنيا على الرغم من كل ذلك فبلد كالهند لم تستطيع أن تجتث بعض معتقداتها البدائية عن مزيج بشري هائل ، ومن هذا الجهل المستفحل تشكلت الطبقية وتزعمت حتى وقتها الحاضر ، ومما رواه مؤلف كتاب " مرايا ما يشبه تاريخا للعالم " لإدواردوا غاليانو أن ثمة ملك كان يدعى " مانو " هو من منح سمعة إلهية للطبقات في الهند ، حيث ذهبوا أن من فمه انبثق الكهنة ومن ذراعيه الملوك والمحاربون ومن فخذيه خرج التجار ومن قدميه الخدم والصناع ومن هذا الوهم الكبير تفشت الطبقية في الهند ..!

الهند وإلى واقعنا اليوم ما تزال عند فئات كثيرة تتزعم فيها هذه الطبقية ، وليست الطبقية وحدها قضية بلد لديه تضخم سكاني كبير وازدحام مكثف ، بل هناك الدين الذي خلف وما يزال يخلف عديد من مآس بشرية من الصعب على الذاكرة الهندية إقصائها بعيدا ..!

تأثير واقع العام بارز بشكل فاغر حتى أن معظم أفلام بوليوود تطرح هذه القضايا الأهم في حياة الهنديين ولعل أكثر الأفلام البوليوودية يمكن أن أضعه هنا كنموذج يعرض بشكل فاعل قضايا الحازمة التي تعانيها الساحة الهندية هو فيلم " دلهي 6 " وهو فيلم انتج في عام 2009م يحكي هذا الفيلم الذي تم عرضه الأول في مهرجان دبي السينمائي في السنة نفسها عن شاب يدعى " روشان " ولد في أمريكا جاء مع جدته ليعيدها إلى بلدها " الهند " كي تنثر رمادها في أرض ولدت فيه وبقيت مخلصة له رغم المنفى الأمريكي ..

مدينة دلهي الحارة 6 تستقبل " روشان " وجدته بعد غياب طويل ، ينبهر الشاب بمزيج الحياة في " دلهي " المزدحمة بمزيج بشري ديني عنصري ، وهذه العنصرية تكون غير واضحة البته في بداية الفيلم حين يستقبل كل أهل الحارة مسلميها وهندوسيها " روشان " وجدته ، مع العلم أن عائلة هذا الشاب خليط هندوسي ومسلم ففقد تزوج والده الهندوسي من أمه التي كانت مسلمة وكان الحب الذي نما بينهما كفيل في أن يحارب كلاهما عائلتهما والعالم بأجمه فكانت ثمرته " روشان " الشاب الذي لم يشعر قط رغم إزدواجية روحه أنه يعاني من هذا الاختلاف الديني السائد ، فقد كان يحضر جلسان المعبد مع جدته من أبيه الهندوسية وفي الوقت نفسه زار مساجد الهند وكان يؤدي فريضة الصلاة ساجدا لله بمحبة شاملة لكل نظاهر الحياة في دلهي وطيبة أهلها ..

يتبدى في الفيلم ظاهرة مخيفة بهوية غير واضحة التقاطيع في بادئ الأمر قبل أن تنتشلها الإشاعات فشكلها على هيئة قرد يطلقون عليه أهالي دلهي 6 بـــ" القرد الأسود " ولهذه التسمية ولوجود هذا الوهم المسمى بهذا الاسم مغزى عميق في الفيلم ، ففي كل مناسبة يظهر على حين فجأة من يدّعي أنه شاهد القرد الأسود فيرتعب الأهالي وتدخل الشرطة في سين وجيم ، كي تتعرف على هوية القرد الأسود بمشاركة ضجة إعلامية هائلة ليكبر الوهم أكبر في نفوس أهالي دلهي 6 وفي كل مرة يضاف ملمح جديد وغريب في آن لشخصية هذا القرد الأسود ، الظاهرة التي استغلها تجار السوق فاشتاحت السوق أقنعة وملابس وحقائب وطائرات ورقية كلها تحمل الصورة المتخيلة للقرد الأسود ..

ولكن هذا الوهم للقرد الأسود يتشكل في الواقع في البداية على هيئة تهم حيث يقوم الهندوس بإحضار رجل دين كي يحاول عبر بعض التراتيل الدينية بمحاولة القضاء على القرد الأسود ثم يشير إلى ثمة معبد كان موجودا في المكان نفسه وأن المسلمون قاموا بهدمه في ذاك الزمن الطائفي المشتعل ، ولكن المسلمين اعترضوا على ما ذهبوا إليه ومن هنا أصبح الخلاف يتصاعد حول ديانة القرد الأسود أهو هندوسي أم مسلم ..؟!

ومن هنا تشتعل المعركة بين أهالي دلهي 6 مسلميها وهندوسيها الذين طالموا كانوا يعيشون في البقعة نفسها بسلام ووئام ، معركة حرق متاجر المسلمين وهدمها من ناحية وانتقام المسلمين من الهندوس عبر عراك بالسكاكين الحادة فتشيع الفوضى في كل مكان ..

الشاب " روشان " طفح به الكيل من وهم القرد الأسود وتزعم العصبية الطائفية والعنصرية في بلد جميل كالهند حيث طالما كان أناسها بمنتهى البساطة والطيبة ولعل موقف البارز للعنصرية الطبقية هي قيام " روشان " بمساعدة امرأة التي كانت تقوم بجمع القمامة من البيوت ولكن الجدة منعته بشدة من محاولة الاقتراب منها بل قامت بمسح يديه برماد ودعكهما لتطهيره من دناءة الطبقة الدنيا ، وكما هو معروف في بلد الطبقات كالهند هناك أناس من البشر ينتمون لطبقة بلا طبقة ويشكلون واحدا من كل خمسة هنود وهم أسفل من أشد السافلين يسمونهم من لا يلمسون ؛ لأنهم ينقلون العدوى ولأنهم حسبما يتوهمون أنهم ملعونين ولا يمكنهم التكلم إلى الآخرين ولا السير على دروبهم ولا لمس أكوابهم أو أطباقهم ورغم أن القانون يحميهم إلا أن الواقع ينبذهم ؛ فالرجال معرضون للإهانة من أي كان والنساء معرضات للاغتصاب رغم الغرابة الفاغرة أنهم من طبقة لا يلمسون ..! والأكثر دهشة وألما أن في أواخر عام 2004م عندما ضرب التسونامي شواطئ الهند تولى طبقة من لا يلمسون مهمة جمع القمامة وانتشال الجثث ..!

يظهر حنق " روشان " الذي يرونه في أمريكا كمهاجر وفي وطنه الهند كأمريكي مما يجري وحين تحاول جدته تهدئته بأن الله يحل كل شيء يتصاعد غضبه وهو يقول : " أي رب تقصدين الله أم الإله المصنوع من الحجر الذين يعبدونه ، أم الشجرة التي تعبدينها، أم البقرة الى يغلقون الطريق من أجلها أم ماذا..؟! نحن لا نفعل شيئا سوى الصلاة الفرائض الخمسة في المساجد وقرع جرس المعبد كل يوم ونترك الباقي على الله دون أن نحلّ شيئا ..!" ..

ولأن الشاب " روشان " يقع في حب فتاة قريبة لجدته تكون هذه الفتاة سببا قويا في رفضه لمغادرة دلهي رغم احتقان أهلها وتبدل أحوالهم بسبب القرد الأسود ، وحين تقرر الفتاة الهرب إلى أحلامها يمنعها " روشان " الذي يتخفى في قناع القرد الأسود وينجح في منعها ولكنه يفاجأ بمحاصرة الشرطة والأهالي دلهي 6 له ويقومون بإشباعه بالضرب ، والمدهش أن ضربات المسلمين والهندوس تتوحد بكامل حقدها وانتقامها وحنقها لضرب القرد الأسود الذي كان كما يعتقدون وراء كل مصائب وأوجاع دلهي 6 وحين تثقب رصاصة بطن " روشان " يبهت الجميع صوت أحد من أهالي دلهي 6 والذي كان طالما موصوفا بالغباء والحمق أنه يتكلم بصوت صارم وحكمة أن " روشان " لو لم يدّع أنه القرد الأسود لقتل أهالي دلهي 6 بعضهم بعضا ..

هذا القرد الأسود الذي يقبع في داخل كل منهم ، الذي يحقد والذي يغرس الصراع والجدال والفراق والطائفية الحانقة والقبلية والعنصرية وعوضا عن محاولة تنقية ذواتهم والقضاء على العمى القابع فيه ، عوضا عن كل ذلك يقومون بالقضاء على بعضهم البعض ومحاربة بعضهم البعض ..!

يقول " روشان " في مقطع من الفيلم : " لقد جعلوا من القرد وحش ثم له طاقة كهربائية و الآن جعلوا له ديانة..؟! هنا الهند كل شيء ممكن ..!"

والحق معه ؛ ففي الهند يكاد كل شيء يكون ممكنا وطالما هناك معتقدات لوثتها الجهل وبدائية التفكير ولم تفلح كل تقنيات العالم الحديث ووسائله أن تقضي عليها ، إنها تبدو كندبة على قلب أو كلوثة في العقل من الصعب اجتثاثها سوى بمواجهة الواقع والتفكير الجاد في تنقية الأرواح كي تتقبل الاختلاف ، اختلاف الآخرين عنا في الدين وفي الجنس وفي معظم أمور الحياة كما تختلف ألوان ملابسنا كما تختلف مذاق أطعمتنا كما تختلف أسماؤنا لكن كل ذلك لم يخلق يوما إشكالية غائرة في روح الإنسان كما خلقت الديانة أو عنصرية الطبقات ..!

في داخل كل منا قرد أسود أمام الحق نخرسه رافعين شعار " لا نرى . لا نسمع . لا نتكلم " إما جبنا أو قمعا أو لهوى مصالحنا البشرية الأنانية .. هذا القرد نفسه الذي لا يخلو من البغض والحقد واللعن حين تبسط المصالح البشرية الأنانية نفسها على حساب المحبة والمنفعة الشاملة والخير والعطاء ونبذ الخلاف ..

 
ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد: