الخميس، 3 سبتمبر، 2015

واحد هندي ..!

واحد هندي ..!

منذ فترة قريبة أعلنت دولة الإمارات عن بناء معبد هندوسي كبير في إمارة أبوظبي للجالية الهندية الموجودة على أراضيها ، والذين يتجاوز عددهم مليوني هندي تقريبا ، يعتنقن معظهم المذهب الهندوسي ، على إثر زيارة رئيس وزراء الهند " ناريندرا مودي " ، وقد صاحب هذاالإعلان ضجة هائلة ما بين مؤيدين ومعارضين في مواقع التواصل الاجتماعية تويتر والفيسبوك أهم منبرين للنقاش عبر العالم ..
وقبل أن أبيّن وجهة نظري في هذه المسألة أود أن أشير إلى دراسة حديثة كشفت فيها " الأمم المتحدة " عن احتمال زيادة عدد سكان الهند خلال سنوات قادمة ، ليتجاوز عدد الصينيين خلال عام 2022م وهذا يسبق التوقعات السابقة التي أكدت أن الزيادة ستحدث قبل ست سنوات مضت ..
هذه الزيادة تؤكد أن معظم سكان العالم هم من الهنود ، الذين يتصفون عبر العالم ببشرة داكنة و حبهم الغريب للمأكولات الحريفة وطقوسهم وعاداتهم الدينية العديدة ، الشعب الهندي الذي يتحدث سكانه أكثر من مئة لغة و يعتنقون أكثر من مئة مذهب ديني ، يعيشون في بقعة مزدحمة في العالم وهم منتشرون كالنمل في جميع أنحاء العالم ..
الهند كدولة عظمى شهدت صراعات مريرة عبر تاريخها الطويل ، صراعات مع الاحتلال البريطاني و صراعات أهلية ما بين مسلميها والهندوس ، ناهيك عن صراع الطبقات التي لم يسلم منها حتى الآن الإنسان الهندي ، هذا الإنسان نفسه الذي عانى وما يزال يعاني من النظرة العنصرية التي تطارده من الإنسان الغربي والعربي على سواء ، فدول الغرب كانوا ينظرون إلى الهند كشعب آسيوي هم أقل شأنا منهم ، بينما الشعوب العربية و لاسيما الخليجية منها حيث يستقر ملايين من العمالة الهندية على أراضيها ؛ فإن هذا الهندي يعدونه صفرا حتى لو كان حاملا شهادة دكتوراه بينما الذي يستهجنه ليس سوى مواطن حامل جنسية دولة نفطية لا مؤهلات له سوى كون هذا العالم جعله متفوقا لأنه صدف القدر أنه يعيش في دولة نفطية ثرية ..!
لكن الإنسان الهندي الذي عانى وما يزال يعاني من النظرة العنصرية استطاع أن يتفوق على نفسه ، استطاع أن يثبت للعالم الأجمع بأن قيمة الإنسان في عمله ، وما يحمله من مبادئ ، وليس مما في جيوبه ولا في أراضيه من آبار نفظ تدر عليه بالعيش المرفّه ، هذا الهندي الذي اضطرته ظروف الحياة القاسية إلى مغادرة وطنه الذي يرتبط به دينيا قبل أن يكون ارتباطه بأرضه اجتماعيا ، فالإنسان الهندي معروف عنه بأنه كائن اجتماعي ويعيش ضمن عائلات ممتدة ، لهم طقوس وواجبات دينية مقدسة ، كما لهم أعياد يجسدون من خلالها معتقداتهم التي ورثوها عن أجدادهم منذ ملايين السنين وهم بلا كلل أو تذمر أو حتى شعور باللاجدوى متمسكون حتى وقتنا الحاضر بهذه الأمور ، ربما إيمانا منهم ببركتها على حياتهم الشاقة ..
هذا الإنسان الهندي الذي تفوق على نفسه من نواح عدة ، الهند التي أقامت أول معهد هندي للتكنولوجيا عام 1950م في وقت كانت كوريا تطحنها الحرب الأهلية والصين كانت تحت نير العهد الماوي ، والعالم يشهد على إنجازاته في مجالات علمية وكونية مهمة ، وقد أبهرت العالم في سبتمر الماضي حين أطلقت مركبة فضائية حول كوكب المريخ وكان معظم الطاقم من النساء الهنديات المتوفقات علميا وفكريا ..
هند التي تنعم اليوم بنظام ديمقراطي متميز في العالم ، فهي الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في دول العالم الثالث ، ويعود تصلب هذه الديمقراطية إلى التعدد والتنوع في أديان والقوميات والأجناس ، الهند التي تزدهر فيها الطبقة الوسطى بعد أن سادت كل من الطبقتين المعدمة و الثرية على تفاصيل حياتهم المتعثرة ..
الإنسان الهندي نتيجة التنوع ، والتعدد ، والتزاوج المختلط ، نتيجة التسامح السائد عند الطبقة المتعلمة أصبحوا يتمتعون بمزيج بديع من الجمال الجسدي و الروحي كذلك ..
ينس أو يتناسى كثير من الشعوب العربية ولا سيما الخليجية أنالفضل يعود للعمالة الهندية في تطور بنيتهم الجغرافية وارتفاع العمران ؛ هذه الأيدي العاملة التي بقيت وفية وتعمل بإخلاص ساعات طويلة وتحت ضغط ظروف صعبة و بأجر زهيد من أجل توفير لقمة العيش لهم ولأبنائهم الذين تركوهم رغما عنهم في بلادهم الفقيرة ، من أجل تعليم أبنائهم الذي بنوا بجدارة مستقبل الهند وحفروا تفوقها عبر العالم ، لقد عانى جيل الآباء ليتمتع الأبناء اليوم بمعيشة رغيدة ..
الهنود اليوم ما عادوا يطمحون للسفر إلى دول الخليج العربية لتحسين ظروف حياتهم بل إنهم أصبحوا نتيجة تفوقهم علميا وفكريا كجيل عصري تجاه متغيرات الكون يتوقون للسفر إلى أرض الأحلام والمشاريع الهائلة والمستقبل المضمون في بلد كأمريكا و أوروبا ؛ حيث يحظى الهندي بمعاملة تليق بمؤهله العلمي ، حيث يسود التسامح ، وحيث ينظر للإنسان بإيجابية بعيدا عن نير العنصرية والتعصب إلا في حالات نادرة ..
الإنسان الهندي ما عاد يطمح للعمل في دول خليجية ؛ لأن معظم من هم في هذه الدول لا يقدرون مؤهلاته ولا يحترمونه كإنسان له حقوق وواجبات ، ومع غلاء المعيشة و الأجور الزهيدة ، وجد أن سفره إلى أمريكا حيث تتوافر شروط احترام الإنسان و حقوقه وواجباته أفضل له ولمستقبل أبنائه ولوطنه أيضا ..
بعد أعوام قليلة سيكون العالم معظمه من الهنود ، الأعلى كثافة سكانية ، الهندي الذي تفوق على نفسه في كل مجالات الحياة ، الهندي نفسه الذي نطارده نحن – أهل الخليج – ولا استثني أحدا بالدونية ونردد مرارا بلا إنسانية وكثير من سخط : واحد هندي ..!
الهندي نفسه الذي ننكر ذكورته نحن - نساء الخليج – حين نرفع غشاوة الوجه ونحن نكلمه ، وحين لا نبالي بالشعرات الطافحة من الحجاب ونردد : واحد هندي .. يعني " صفر " من الأشخاص ..!
على الإنسان العربي لا سيما الخليجي أن يقف قليلا ويتأمل حقائق التاريخ ، التاريخ الذي لا يرحم ، حين كان الأجداد القدماء ما قبل ظهورالذهب الأسود يكابدون رزقهم في الهند في ظل إمبراطورتيها العظمى ، و التاريخ نفسه بعد ظهور النفط قلب موازين العالم ، التاريخ هو نفسه ولا ينصت سوى للمتفوقين ، من يدري بعد زمن في ظل أزمات هذا العالم المتقشف ، وفي ظل الحروب و العنف ، ونقص في المواد الغذائية والمياه و نضوب النفظ ، سيجد ربما الخليجي نفسه أجيرا في الهند التي عرفت جيدا كيف تتفوق على نفسها ، عرفت جيدا كيف تتعلم من دروس التاريخ و تصون تقلباته بالعلم والفكر ..!

ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد:

  1. مقال منصف . الحمقى لا يعرفون أحيانا أنه الواحد الهندي المجتهد أفضل من مئة من الكسالى المتخمين .

    ردحذف