السبت، 26 سبتمبر 2015

كلنّا ميتّون ، كلنّا ، فيا له من سيرك ..!

كلنّا ميتّون ، كلنّا ، فيا له من سيرك ..!

لأن هذا العالم مثير للقيء ، الكآبة ، التجهم ، انتحار الضمير الجمعي ، وتمرير التهم الجاهزة ، لأننا كلنا أصبحنا معلبين في مؤامرة ما ، متهمين بالتفرج والعواء الذي يثقب الحنجرة في صدى أصم ، لأنني عاجزة أمام عويل طفل ، مكسورة في حضرة قلب أم فقدت كل صغارها غرقا في بحر الموت هربا من القاذفات والراجمات ، ومن زلزال قنابل الطغاة على عشّهم الصغير ، لذا لا أريد أن خاطب هذا العالم ؛ فهو عالم ميت تماما ، لا روح فيه ولا نبض ولا ضمير ، عالم أحشاؤه خواء ، متبلد تماما ، أخرس ، أصم ، أعمى ، فانٍّ ..!
لقد افتضح هذا العالم ، افتضح تماما ، تلك الأزمات التي اكتسحت معظم بقاع العالم العربي المشتعل لم يدفع ثمنها سوى الإنسان العربي المعدم ، الذي تأكد تماما أن أرضه ما عادت أرضه ، أن خنوعه وخضوعه أمام الطاغوت في وطنه في زمن السّلم المحفوف بالفساد والمؤامرات هي أول و أعتى أسباب سقوطه المدوّي ، لقد أدرك تماما أنه سقط وأن لا أحد هناك من زبانية السلطة لانتشاله و أبنائه و أخوة أرضه ووطنه من هاوية السقوط ، لقد أدرك تمام الوعي أنه كان أحمقاً وجباباً وعبداً وها هو الآن يدفع ثمن سكوته في وجه الطاعون ذلاًّ وتشريداً في عالم ميت ، ميت تماما ، وعليه وحده أن ينتشل نفسه بنفسه من تيهه في دروب العتمة والضياع ..!
هؤلاء ضحايا صراعات سلطوية يفرون من كل حدب وصوب خوفا على أنفسهم من الموت ، على الأقل لهم سبب يشعرهم بالحياة ، يشعرهم بأهمية المقاومة من أجل الحياة ، تحت نير تلك الظروف الحالكة ، المهلكة ، هم أحياء حقا ، وحدهم الأحياء بيننا نحن الموتى ..!
هم يكافحون لنيل حياة كريمة في ظل عالم ميت ، يكافحون ولا يكفون عن المحاولة ، لقد ذاقوا أشكال الموت من قبل ، خبروها جيدا ، لقد خاضوا تجارب مريرة هم و أبناؤهم شتى أنواع الرهبة ما قبل الموت ، لقد استطاعوا بمقاومتهم أن يعلنوا للعالم الأجمع ، العالم الميت ، أنهم أكثر أحياء منا ، أكثر استحقاقا للحياة ..!
بينما في هذا العالم نحن كالأطياف ، ما عدنا نعرف هل نحن أحياء أم أموات ..؟!
نخشى بأننا ميتون حقا ، نخشى أن نموت كميتة هذا العالم الميت  ، أن نكون جيفة منتّنة ، علاها العفن وتآكلت عظامنا رميماً ..!
نحن الذين نخوض صرعى في حلقتين لا ثالث لهما ، فإما أن نكون موتى متفرجون أو موتى صانعو الموت ..!
الموتى المتفرجون ، الذين لا حيلة لهم ، لا حول ولا قوة لهم ، يوخزهم ضميرهم ، وتوجع قلوبهم كل حالة إنسانية طارئة ، هم على الأقل أموات يدفعون ثمن موتهم المتفرج بالوجع الصامت أمام واقع متبلّد وجدوا أنفسهم فيه عاجزين تماما عن إيقاظه من ميتته الأولى ، هم على الأقل أموات أحياء ..!
بينما الموتى صانعو الموت ، هم أصحاب الميتة الكبرى ، الكاملة ، لأنهم أصحاب سلطة و سيادة ومال وجاه وقدرة ولا يفعلون شيئا سوى صناعة الموت ، المزيد المزيد من الموت ، ولا يكتفون بذلك بل يتفرجون مع المتفرجين المعدمين الذين يتفرجون بوجع نفسي مرير بينما صانعو الموت يتفرجون بسخرية مقيتة ؛ فجلّ مكاسبهم السياسية والمادية والدنيوية كانت بفضل العالم الميت ، بفضل الموتى المتفرجون ، بفضل اللاجئون والخاضعون ، المستسلمون الخانعون ، هم صنيعة هؤلاء ، إنهم يكسبون بفضل سكوتهم ذهبا و بفضل انكسارهم ماسا ، يلهثون كأفاع مسمومة على جثث و شظايا من صنيع سلطتهم الجبارة ..!
" كلنا ميتون ، كلنا ، فيا له من سيرك ..! وكان يجب أن يكون هذا كافيا لنحب بعضنا البعض ، ولكن هيئات ؛ فالتفاهات تفرغنا ، وتسعدنا ، ويستنزفنا اللاشيء " ..!
قالها " تشارلز بوكوفسكي " ومضى ...

ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد:

  1. العالم قاس و العنف واحد من مكوناته الكبرى . رثاء العالم أو لعنته لن يخفف من ثقل وجعه . طوبى لك ليلى آلام البشر تثقل روحك .

    ردحذف