الخميس، 3 سبتمبر، 2015

الديانات السماوية الأربع ..!

الديانات السماوية الأربع ..!

في فيلم من أفلام المصرية القديمة ، يعود لزمن الأبيض والأسود ، يفصله عن زمننا الحالي أكثر من أربع وخمسون سنة ، في مقطع من هذا الفيلم تقول الزوجة المسيحية التي اسمها في الفيلم " لويزا جورج " لزوجها المسلم بعد الانتهاء من صلاته : " حرماً " ..
 فيرد عليها الزوج الذي أدى دوره الممثل " حسين صدقي " بكل عفوية وبساطة : " مقدرش أقول لك جمعاً ؛ لأن جمعاً معناه أننا نصلي سوا في الحرم وده معناه أنك تكوني مسلمة وأنا مش أقدر أوجهّك توجيه خاص في الموضوع ده بالذات " أي بمعنى أنه لا ولن يتدخل في أمر ديانتها فهو شأنها الخاص ، شأنها مع ربها وحدها ..
ياااااااه ..!
حوار جرى في القرن الماضي ينم عن حرية حقيقية في نبرة الزمن نفسه ، ذاك الزمن الجميل ، المريح ، الشفاف والنقي ، حيث كان المسلمون والمسيحيون ، وحتى اليهود ، يعيشون في قرى وحارات نفسها ، وتسود بينهم أواصر المحبة والاحترام ، وكانوا يدركون تماما معنى السلام الروحي مع الآخرين ، أولئك الذين يختلفون معهم في الدين ، فالدين هو شأن العبد مع ربه ، حيث الأجيال السابقة الذين أدركوا تماما هذه الحقيقية الربانية وآمنوا بها بكامل أرواحهم ، لذا عاشوا في سلام حقيقي ، سلام واقعي بكل معنى الكلمة ..
لكن الحقيقية نفسها ، الحقيقية الربانية التي أقرها الله عزوجل في كتابه منذ عهد نزوله عن حرية الإنسان في اختيار دينه " ولا اكراه في الدين " هذا المبدأ نفسه الذي جاء صريحا في القرآن الكريم ينكره أولئك الذين يدّعون بأنهم مسلمون ، أولئك الذين وضعوا أنفسهم مكان الله ؛ ليحاسبوا الآخرين على شأن هو خاص بالله وحده ، إله هذا الكون وخالقه ..!
ما يشغل عالمنا العربي في الوقت الراهن هي قضية المذهبية ، القضية ما عادت بين دين ودين آخر فحسب بل نحتت فتنتها بعمق مرعب ليستحيل الصراع العربي إلى قضية مذاهب ، وفي خضم هذا الصراع الذي تجذر في كل شيء واقتحم حتى أدق تفاصيل الحياة ، قرأت تعليقا للصديق الشاعر والمترجم السعودي " عبدالوهاب أبو زيد " من وقت قريب على حسابه الاجتماعي ، تعليقا بقدر ما ينم عن مرارة وحسرة بالقدر نفسه تستصرخ عن حقيقة فاجعة يمر بها عالمنا العربي : " الديانات السماوية ليست ثلاث بل أربع هي اليهودية والمسيحية والسنة والشيعة ، هذا ما يسعى لتحقيقه الحمقى والمتعصبون من حيث لا يعلمون " ..
نحن نعيش في أزمة طائفية واقعية شئنا أم أبينا ، مهما حاولنا طمسها تطفو إلى السطح عبر ممارسات حمقاء لذوي العقول المطموسة عن الفكر السليم ، وعن قلوب سيطر عليها سواد أعمى ، فما عادوا يرون سوى هذا الخلاف المذهبي ، ولن تفلح الدعايات الفاقعة التي تحاول اثبات الود بين أصحاب هذين المذهبين ، فالمذهبية والأفكار الطائفية لن تنقرض عن وجودنا ، عن حياتنا ، عن فكرنا و قلوبنا ، وعن يومنا حتى نكف عن التحدث عنها ، حتى نكف عن طرح صور و مقاطع و جلسات مدعية انسجاما بين هذين المذهبين بينما الدماء تفيض وآلاف من الضحايا يدفعون الثمن ؛ فكل تلك التفاصيل الدعائية المعروضة ما هي سوى تأكيد أحمق على الخناق والنفاق المذهبي الذي تعيشه مجتمعاتنا ، لم يحتاج ، ولم يسع الأولون _ أصحاب الزمن المسالم – لتلك الممارسات التمثيلية التي لا تخلو أكثرها من الإدعّاء كي يثبتوا تعايشهم الحقيقي في زمن كانت أفكارهم نظيفة وقلوبهم نقية بحب الإنسان الآخر بكل اختلافاته الدينية ..!
لن تنقرض المذهبية ولن تموت تلك الأفكار الطائفية حتى يسود الوّد السياسي على صعيد الأنظمة والحكومات ؛ لأن المذهبية ما عكر صفوها بين أصحاب المذاهب المختلفة سوى تلك المشاحنات الدولية بين أصحاب الدول والحكومات ، المذهبية لم تظهر ولم يعرف بها أصحاب الأجيال السابقة ؛ لأن رجال الدين كان همهم الدين نفسه ونصرته وبثه بين الناس بكل ترحاب ، بينما اليوم لا رجال في الدين بل هم تجار في الدين إلا من رحم ربي ، أولئك الذين من على منابرهم يحرضون على سفك دماء أصحاب المذهب الآخر كأن قتل النفس البشرية مباح ، كأنها ليست كبيرة من الكبائر التي حرم الله - عزوجل - حتى أن المسألة صارت منافسة وحشية ، دموية وغاية في العنف ..!
لن تنقرض المذهبية ولن يفنى الاحتقان الطائفي طالما تحقن عقول الصغار بسموم المذهبية ، طالما معظم أولئك الآباء يعصون الاختلاف و يعبدون المثيل و الشبيه ، وحين يغدو التعاطي الإنساني مع الآخر المختلف مثار الشُبهة ..!
لن تنقرض المذهبية وستبقى الأفكار الطائفية مطبوعة في الأفئدة طالما بعض المناهج الدراسية تسقط مبدأ الاحترام مع الآخر المختلف في التعبير عن اختلافه ، طالما تلك المناهج تلغي حق الآخر وتقصيه بعيدا كما لو أنه مرض معّدٍ يجب تجنبّه ..!
علاج المذهبية يكمن في قلوبنا حين نغذيّها بحب الآخر ، ستموت الطائفية حين نقتل شيطانها في عقولنا ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق