الخميس، 3 سبتمبر 2015

في معنى أن تكون إنسانيا ..!

في معنى أن تكون إنسانياً ..!

فوجئ ركاب طائرة من الدرجة الاقتصادية زهيدة الثمن بالنجمة " أنجلينا جولي " و زوجها " براد بيت " برفقة أولادهم وهم يصعدون على متن الطائرة وبين الركاب المحتشدين يحاولون الوصول لأماكنهم ، وبعد أن انتشرت العائلة في أماكنها المتفرقة ، سأل أحد الفضوليين النجمة " أنجلينا جولي " : لماذا تركبين هذه الدرجة الرخيصة ..؟ " ..
فأجابت : " بالفرق بين جلوسي في الدرجة الاقتصادية وأن أجلس في الدرجة الأولى أستطيع توفير مبلغ من المال به نستطيع أن نوفّر خمسين خيمة للاجئين ينامون في العراء ولا يملكون شيئا .."
العبارة المفعمة بالحكمة التي انسابت بسلاسة من الممثلة الهوليوودية الشهيرة " أنجلينا جولي " لم تأت من باب التباهي أو إدعّاء التواضع ، لم تأت سوى بعد خبرة مريرة وتجوال حقيقي في مخيمات اللاجئين السوريين و الصوماليين والأفغانيين وكمبوديين وغيرهم أولئك الذين شردتهم الحرب ، لقد أدركت هذه الممثلة " الكافرة " كما ينعتها أدعياء وتجار الدين معنى أن توفر مبلغا من المال لعائلة متشردة ، لأم لا تملك قوت يومها ، لأب عاجز ، لطفل وحيد ، وهي الثرية والتي لديها من القصور والمنتجعات والجزر في معظم أنحاء العالم ، معنى أن يشعر الثري بالمعدم ، معنى أن يشعر غير المسلم بالمسلم ، معنى أن يشعر الأجنبي بالعربي ، كل هذه المعاني ليس من السهل أن يستوعبها ثري ، مسلم ، عربي ، يتمتع بالجشع ، لن يستوعبها الثري الذي سلب أموال المعدمين في وطنه وأصبح فاحش الثراء على حساب قوتهم وحقوقهم المسلوبة ، لن يستوعبها من يملك كل شيء في حياته اليومية و يصحو على مائدة متنوعة من ألذ خيارات الأرض وينام على تخمة ، لن يستوعبها كل من يرى العالم من شرفته الفخمة التي تطل على أبهّة قصور غيره ، لن يستوعبها كل من أسقط معنى الإنسانية في تلافيف روحه ..!
كثير من البرامج الترفيهية التي تم عرضها على الشاشة في شهر رمضان الفضيل ، ولعل من أشهرها برنامج " رامز واكل الجو " حيث ذكرت قناة العربية الإخبارية أن ميزانية البرنامج بلغت ملايين الدولارات ، وذكرت تقارير صحافية أخرى أن أجرة الضيف وحدها بلغت حوالي نصف مليون دولار وتتضمن التكاليف أيضا إقامة الضيف ثلاثة أيام في أحد فنادق دبي وتذكرة الطائرة ذهابا و إيابا ، بالإضافة إلى أجرة الطائرة التي تنفذ فيها المقالب ، وتبلغ 20 ألف دولار يوميا ..!
السؤال الذي يصدر نفسه الآن بعد عرض الميزانية الضخمة : ما الذي يجنيه المشاهد من هذا البرنامج وما على شاكلته ..؟
ما هي المتعة في استعراض صراخ الآخرين أو تخويفهم هذا على افتراض إذا كان برنامج مقالب حقيقي وليس تمثيلي بالاتفاق مع الممثلين اعتادوا على حرفة التمثيل وصياغة المشاهد وفق تصورات المتابع لإضفاء التأثير  ..؟
من هو الكسبان الحقيقي وراء عرض مثل هذه البرامج سوى مقدمها وطاقم العمل و الضيوف الممثلين المشاركين ، فكل واحد منهم يستلم مستحقاته من آلاف الدولارات ..؟!
كم واحد من طاقم البرنامج أو المشاركين فيه فكر أنه يمكن لحلقة واحدة ، حلقة واحدة فحسب بكامل ميزانيتها الباهظة يمكن أن تنقذ عائلة ، عائلتين ، ثلاث ، بل عشر من المشردين اللاجئين على أصقاع العالم العربي وحدوده ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تبني آلاف الآبار في قرىً نائية يقطع أهلها مئات الأميال للحصول على الماء وعبء الحمل الثقيل نفسه بقطع الأميال نفسها في طريق العودة ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تنبي أكثر من مدرسة لملايين من الأطفال بلا تعليم ، أن توّفر مستشفيات و أجهزة و أدوية لمرضى السرطان والفشل الكلوي ، يمكن لحلقة واحدة فحسب أن تساهم في إنقاذ حياة مئات الأطفال يعانون من سوء التغذية في أصقاع العالم العربي المنكوب حيث الجوع ولا شيء سوى الجوع ، يمكن لحلقة واحدة أن تزرع مئات الأشجار الصحية لبيئة أنقى من شوائب المصانع والعوادم وسائل المواصلات الملوّثة ..!
هنا يكمن المعنى الإنساني بين أن تسخّر الأموال في إنتاج برامج يكون المشاهد هو الكاسب الوحيد من عرضها ، برامج تشرع له ولغيره آفاقا نحو عمل مثمر ، نحو عمل إنساني ، نحو الإحساس بالآخرين و التخفيف من آلامهم و معاناتهم في ظل عالم عربي واقع في معترك الحروب والتشرد والعنف والجوع والمرض ...
وبين برامج لا غرض لها سوى إثارة مشاعر سلبية ، تفيض بالعنف ، وتخلو من كل معنى إنساني نبيل ، يكون العرض من ورائها هي كسب ملايين الدولارات على حساب مشاهدين لا يملك معظمهم كهرباء لمشاهدتهم ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق